القرب : وهو القيام بالطاعات . وقد يطلقونه ويريدون به قرب قاب قوسين ، وهما قوسا الدائرة إذا قطعت بخط أو أدنى ... والمطلوب بالقرب : إنما هو أن يكون صفة العبد فيتصف بالقرب من الحق إتصاف الحق بالقرب منه كما قال :
( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) ( الحديد 4 ) ، والرجال يطلبون أن يكونوا مع الحق أبداً في أي صورة تجلي وهو لا يزال متجلياً في صور عباده ، دائماً فيكون العبد معه حيث تجلى دائماً ، كما لا يخلو العبد عن أينية دائماً والله معه أينما كان دائماً ، فأينية الحق : صورة ما يتجلى فيها . فالعارفون لا يزالون في شهود القرب دائمين : لأنهم لا يزالون في شهادة الصور في نفوسهم وفي غير نفوسهم ، وليس إلا تجلي الحق .
وأما القرب الذي هو القيام بالطاعات : فذلك القرب من سعادة العبد بالفوز من شقاوته . وسعادة العبد في نيل جميع أغراضه كله ولا يكون له ذلك إلا في الجنة ، وأما في الدنيا فإنه لا بد من ترك بعض أغراضه القادحة في سعادته . فقرب العامة والقرب العام : إنما هو القرب من السعادة فيطيع ليسعد . وقرب العارفين ما ذكرناه فهو يتضمن السعادة وزيادة ، ولولا الأسماء الإلهية وحكمها في الأكوان ما ظهر حكم القرب والبعد في العالم ، فإن كل عبد في كل وقت لا بد أن يكون صاحب قرب من اسم إلهي صاحب بعد من اسم آخر لا حكم له فيه في الوقت .
فما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار ، لأن ملازمة العبودية تورث دوام الخدمة ، وإظهار الافتقار إليه يورث دوام الالتجاء والتضرع