فأقول :- أن المقصود بالاستعاذة التي في أول القراءة هي قولك " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وهذا ليس له علاقة بأنواع الاستعاذة وأوقاتها ، ومما يدل على ذلك أنني ما وجدت أحداً ذكر هذه المباحث في كتب التفسير مما وقفت عليه في هذا الموطن ، وإنما ذكروه في مكانه ، كما في سورة الأحقاف ، والجن وغيرها من المواطن .
وأخيراً :
فأسأل الرحمن – سبحانه وتعالى – أن ينفعني بهذا العمل ، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .
وأسأل الرحمن أن يجعله خالصاً له وأن يقبله
وأسأل كل مشايخي وإخواني ، إذا رأوا تصويباً في أيِّ عمل أعمله ألا يتباطئوا في نصحي وإرشادي ، فلن يجدوا بإذن الله سبحانه وتعالى إلا قبول النصح ، وتصويب الخطأ ، والاتفاق في وجهات النظر ، طالما توفر الإخلاص عند كل من الطرفين ، والحرص على مشاعر كل طرف للطرف الآخر ، وعدم التعصب بالرأي ، وعدم اتهام النيات ، إلى آخر الآداب التي ذكرتها في كتاب النصيحة .
إذا وجدت عيبا فسد الخللا قلَّ من لا عيب فيه وعلا
وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
أولا : معاني المفردات
تأويل قوله: (أَعُوذُ).
(عوذ) [ العين والواو والذال أصلٌ صحيح يدلُّ على .... الالتجاء إلى الشَّيء، ثم يُحمَل عليه كلُّ شيء لصق بشيءٍ أو لازَمَه.]
[ فقوله: «أعوذ» مشتق من العَوْذ، وله معنيان] :
• أحدهما : [الالتجاء والاستجارة ] ، و[التحيز إلى الشيء، على معنى الامتناع به من المكروه ]
ومن الأمثلة العربية التي تشهد لهذا المعنى :
1- [ يقال: عذت بفلان واستعذت به؛ أي لجأت إليه ، وهو عياذي؛ أي ملجئي] .
2- وفي حديث حذيفة: [ تُعْرَضُ الفتنُ على القلوب عَرْضَ الحصير عُوداً ، عُوداً ] بالدال ، قال ابن الأَثير: وروي [ بالذال المعجمة ] كأَنه استعاذ من الفتن.
• والثاني: [ الالتصاق ] .
ومن الأمثلة العربية التي تشهد لهذا المعنى :
1- [ يقال: «أطيب اللحم عوذه» وهو ما التصق منه بالعظم ] ، [ قال ثعلب: قلت لأَعرابي: ما أَطيب اللحم؟ قال: عُوَّذُه ] .
2- ويقولون لكلِّ أنثى إذا وضعت: عائذ. وتكون كذا سبعةَ أيّام ، وإنّما سمِّيت لما ذكرناه من ملازمة ولِدها إيّاها، أو ملازمتها إيّاه.
3- وناقة عائذ: عاذ بها ولدها .
4- ومُعَوَّذُ الفرس: موضع القلادة .
تأويل قوله: مِنَ الشَّيْطَانِ
الشيطان واحد الشياطين
وله ثلاثة معان :
• أولها وهو أصحها : البعيد .
مُشْتَقّ مِنْ شَطَنَ إِذَا بَعُدَ فَهُوَ بَعِيدٌ بِطَبْعِهِ عَنْ طِبَاع الْبَشَر وَبَعِيد بِفِسْقِهِ عَنْ كُلّ خَيْر .
ومما يدل على ذلك من كلام العرب
1- شَطَنَتْ دَاري من دارك - يريد بذلك: بَعُدت.
2- ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان:
نــأتْ بِسُـعَادَ عَنْـك نَـوًى شَـطُونُ فبــانَت, والفــؤادُ بهـا رَهِينُ
3- وبئر شطون . أي : بعيدة القعر.
4- والشطن: الحبل؛ سمي به لبعد طرفيه وامتداده.
• الثاني : المتمرد ، وهو قريب من الأول ، بل إن البعض يقرن بينهما
قال الطبري : والشيطان، في كلام العرب: كل متمرِّد من الجن والإنس والدوابِّ وكل شيء ، وإأخلاقَ سائر جنسه وأفعاله، وبُعدِه من الخير. نما سُمي المتمرِّد من كل شيء شيطانًا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله