اذا تعني الفلسفة السفسطائية ؟ أو ما هي ؟ أو ما هي محدداتها الفكرية وعلى ماذا قامت ؟
تقوم الفلسفة السفطائية على مبدا ( الحقيقة النسبية ) أي أنه لا أحد يملك الحقيقة , ولا احد يستطيع تحديد الحقيقة المطلقة , فما تعتقده أنت هو حقيقة لك ولكن ليس حقيقة لي , ولكن هذا لا يعني أنك على خطا ولا أنا على خطأ , فالحقيقة عندك هو ما تعتقده والحقيقة عندي هو ما لم أعتقد ما تعتقده أنت ,
أي اثبات الشيء ونفيه بنفس الوقت .فلا احد ينكر على احد , فالكل على صواب .
وهي مبتنية على مقولات مثل : ( الحق المطلق لا يملكه أحد ) أو ( لا أحد يدعي الحقيقة ) أو ( الحق نسبي ) وغيرها من العبارات التي تفيد نفس المعنى .
يقول الدكتور ابراهيم ابو حلاوة منطلقا من الفلسفة السفطائية لفهم الحقيقة عند المجتمع المدني في كتابه ( اشكالية مفهوم المجتمع المدني , ص 42) :
(ارتكزت التعددية بمعناها المعرفي على الفكرة القائلةبأن لا أحد يملك الحقيقة كلها، وبالتالي ليس من حق أحد مصادرة آراء وأفكارالآخرين) .
هذه هي السفسطائية بمفهوم مبسط بعيد عن التعقيد وبعيد عن التفلسف بعبارات جافة فارغة .
لذلك يضع السفسطائيون مجموعة قواعد تكون معيارا لتقدم الفرد من وجهة نظر هذه الفلسفة وكلها تجمتع على أنه يجب عليك أن تقتنع بـ ( نسبية الحقيقة ) وإلا لن يكون عندك تقدم مطلقا :
يقول تركي الحمد في كتابه (من هنا يبدأ التغيير , ص 347 ) :
(لن تكون متقدماً أو صاحب أمل في التقدم؛ إذا قبلت الرأي على أنه حقيقة، والحقيقة على أنها مطلقة وليست نسبية)
ويقول عبدالله بن حمد المعجل في كتابه ( البحث عن الحقيقة , ص 13 ) :
(إن المنطلق الأول للبحث عن الحقيقة هو القناعة بنسبيتها)
من هنا فالفسلفة التي تقوم عليها من حيث الأساس هي الشك في كل شيء , لا يوجد ما هو حقيقة مسلم بها , ولا يوجد ما هو ثابت , كل شيء موضع شك , وكل شيء فيه ريبة , وكل شيء خاضع للجدل .
أثر هذه الفلسفة السفسطائة على المجتمع ومناحيه الفكرية والمذهبية :
هذه الفلسفة كفيلة بنسف كل ما هو مسلم به عند المجتمع , بدأ من المسلمات الدينية وانتهاءا بالمسلمات الأخلاقية , فمن ناحية المثال لا ناحية الحصر , يقوم أرباب هذه الفلسفة على مفردات وقوائم انفردوا بها عن غيرهم , على الرغم من الاشتراك اللفظي , فمثلا عندهم ( التسامح ) لا يقوم إلا إذا أخذ بمبدأ ( نسبية الحقيقة ) , يقول ( جون ستيوارت ) كما ورد في كتاب ( مراد وهبة ) والمعنون بـ ( ملاك الحقيقة المطلقة , ص 193 ) :
(أن التسامح يمتنع معه الاعتقاد في حقيقة مطلقة) .
ويقول محمد عابد الجابري في كتابه ( قضايا الفكر المعاصر , ص20 ) :
(إن اعتماد الشك في التفكير الفلسفي ، والأخذ بنسبية الحقيقة : هو التسامح بعينه ) .
فالشك هو أساس هذه الفلسفة , والشك المطلق , في كل شيء , لذلك هذه الفلسفة هي الأب الغير شرعي للعلمانية , يقول مراد وهبة في كتابه ( ملاك الحقيقة المطلقة , ص 228 ) :
(العلمانية من حيث هي التفكير في النسبي بما هو نسبي، وليس بما هو مطلق )
تحديد المشكلة عند المجتمع من وجهة نظر هذه الفلسفة :
يعتقد أرباب هذه الفلسفة أن المجتمع يدخل في صراعات كبيرة سوآء فكرية أو مادية , بسبب وجود مسلمات عند أفراده , وبدون هذه المسلمات سيكون المجتمع متسامحا , لانز اعات ولا صدامات .
يقول عبد الإله بلقزيز في كتابه ( نهاية الداعية , ص 70 ) :
(إن فكرة الحقيقة المطلقة تؤسس لدى حاملها شرعيةامتشاق السلاح دفاعًا عنها ، ليس هذا السلاح قطعا هو الفكر ؛ فمالكالحقيقة لا يجادل ) .
ويقول شاكر النابلسي في كتابه ( صعود المجتمع العسكري , ص ص 205-206 ) :
(إن القيم في المجتمع المدني نسبية ، وهذه النسبية تجعلالقيم متغيرة غير ثابتة . لا احتكار للحقيقة في المجتمع المدني ، وعدمالاحتكار يقود المجتمع المدني إلى التسامح لا إلى التعصب ، وإلى الانفتاحلا إلى الانغلاق)
منشأ هذه الفلسفة وأول من قال بها :
أول من قال بهذه الفلسفة هو الفيلسوف بروتاغوراس وهو منشيء الفلسفة السفسطائية والتي ظهرت في اليونان ما بينالقرنين الرابع والخامس قبل الميلاد ؛ حيث كانت اليونان تموج بمجموعة منالأفكار والمذاهب المتباينة المتنوعة ؛ فلجؤا لهذا القول في تأييد الآراءالمتناقضة ؛ إما شكًا في الجميع ، أو للتخلص من جهد طلب الحقيقة
فالهدف من هذه الفلسفة كما واضح يتلخص في هدفين :
1-الشك في الجميع وفي كل شيء ولا شيء خارج الشك , زعزعة الأفكار والمسلمات التي تسود المجتمع .
وحقيقة عندما ننظر لذلك الزمان في تلك البقعة التي نشأت فيها تلك الفلسفة , نجد أنها ردت فعل طبيعية لما كان فيه المجتمع من سيادة أفكار ضلالية تكون بمرتبة المسلمات عند المجتمع . من امثال النظام الطبقي الحاقد , ونظام الصراع المذهبي الذي لم يرحم لا كبيرا ولا صغيرا , وتحجير ما يسمون حكماء على الذين هم أصغر منهم , فنشات هذه الفلسفة لتزعزع تلك المسلمات عن ذلك المجتمع .
يقول صاحب كتاب ( قصة الفلسفة اليونانية , ص 69 ) عن تعاليم هذه الفلسفة :
(تعاليم هدامة لكل نظام اجتماعي ؛ للدين ، للأخلاق ، لكل نظم الدول)
2-وهي الهروب من الجهد المطلوب للوصول للحقيقة , فاطلقوا هذه الفلسفة ليرتاحوا ويريحوا من شيء اسمه حقيقة , فشكوا في كل شيء , حتى لا يتعبوا انفسهم في شيء اسمه الحقيقة .
يقول صطفى النشا ر في كتابه (مدخل لقراءة الفكر الفلسفي عند اليونان , ص ص 70 -71 ) :
(لقد عبر بروتاغوراس زعيم السوفسطائيين عن فكرهم فيكتابه "عن الحقيقة" الذي فُقد ولم تصلنا منه إلا شذرات قليلة يبدأها بقوله "إن الإنسان معيار أو مقياس الأشياء جميعاً" وفي هذه العبارة القصيرة تكمنالثورة الفكرية للسوفسطائيين في مختلف ميادين الفكر. إنها تعني بالنسبةلنظرية المعرفة أن الإنسان الفرد هو مقياس أو معيار الوجود، فإن قال عنشيء إنه موجود فهو موجود بالنسبة له، وإن قال عن شيء إنه غير موجود فهوغير موجود بالنسبة له أيضاً، فالمعرفة هنا نسبية، أي تختلف من شخص إلى آخربحسب ما يقع في خبرة الإنسان الفرد الحسية، فما أراه بحواسي فقط يكون هوالموجود بالنسبة لي، وما تراه أنت بحواسك يكون هو الموجود بالنسبة لك،وهكذا).
السفسطائية وآثرها في الفلسفات المعاصرة ( الواقع المعاصر ) :
حقيقة إن السفسطائية هي المصدر الأول للمذهب البراجماتي المعاصر , بل المذهب البراجماتي المعاصر هو السفسطائية ذاتها بثوب جدبد , يقول مصطفى النشار في كتابه ( فلاسفة أيقظوا العالم , ص 77 ) :
(ليس من شك لدى أحد الآن أن بروتاجوراس هو الجد الأولللبراجماتيين المعاصرين؛ سواء على المستوى الفلسفي، أو على المستوىالحياتي؛ إذ لا يمكن فهم أقوال هؤلاء البراجماتيين معزولة عن آراء جدهمالأكبر ، فحينما يقول وليم جميس: "إن الحقيقي ليس سوى النافع الموافقالمطلوب في سبيل تفكيرنا تماماً، كما أن الصواب ليس سوى الموافق النافعالمطلوب في سبيل مسلكنا" و"أن المطلق ليس صحيحاً على أي نحو" . فهل يمكنأن نشك لحظة في أنه وأقرانه يمثلون بروتاغوراس العصر الحالي؟! لقد كانشيللر –وهو أحد كبار الفلاسفة البراجماتيين- على حق حينما كتب كتاب " why protagoras not plato معلناً أن بروتاغوراس هو جدهم الأول )
فالفلسفة البراجماتية المعاصرة تقوم على ذات القواعد للسفسطائية البائدة , من حيث نسبية الحقيقة , يقول محمد فالح الجهني في مقال له بمجلة المعرفة بعنوان (الطريق إلى العقلية الأمريكية ) :
(لفلسفة البراجماتية تتلخص اليوم في أفكار موجزة ؛ من أشهرها : .. الحقائق نسبية ، ولايمكن الوصول إلى حقيقة مطلقة)
لذلك يصل الدكتور رفقي زاهر في كتابه ( أعلام الفلسفة الحديثة , ص 71 ) لنتيجة مفادها :
(البراجماتية تعيد إلى ذاكرة التاريخ نسبية السوفسطائية التي تزعم أن الفرد مقياس كل شيء) .
السفسطائية وموقف الفقهاء المسلمين منها :
حقيقة شأنها شأن غيرها من الفلسفات التي دخلت لحضارة الاسلام عن طريق الغلاة من الصوفيين والقائلين بوحدة الوجود , فأول من أدخلها هو ( ابن عربي ) النكرة الذي قال بوحدة الوجود , ومن امثلة ما قال بخصوص هذه الفلسفة وكيف استخدمها , يقول ابن عربي النكرة كما اورد ( سميح الزين ) في كتابه ( ابن عربي , ص 101 ) :
(فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خيركثير ، بل يفوتك الأمر على ما هو عليه ، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقداتكلها ؛ فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد )
فكما نلاحظ أن الفلسفة السفسطائية عرفها المسلمون وردوا عليها ردودا قوية وألجموها كما سنلاحظ بعد قليل .
حقيقة قسم المسبلمون الفلاسفة السفطائيين إلى ثلاثة أقسام , وهي : العندية , العنادية , اللا أدرية .
يقول الشيخ احمد شاهين في مقال له بمجلة الأزهر معنون بـ ( السفسطائيون في نظر العرب ) :
(العِندية ، والعنادية ، واللاأدرية : فالعندية ترى أنحقائق الأشياء تابعة لعقائد المؤمنين بها ؛ لأنهم أقيسة الحقائق . والعنادية تجزم بأن لاحقائق في الكون ؛ لا في ذاتها ولابالقياس إلىالمؤمنين بها . وأما اللاأدرية فهي التي تتوقف عن الحكم في كل شيئ ؛ فهيلا تجزم بوجود ولا بعدم)
ويزيدها وضوح الشيخ عبد القادر بدران في حاشينته على متعة الناظر :
(وهم فرقٌ ثلاث : إحداهن اللاأدرية ؛ سموا بذلك لأنهميقولون لا نعرف ثبوت شيء من الموجودات ولا انتفاءه بل نحن متوقفون في ذلك. الثانية : تسمي العنادية نسبة إلى العناد؛ لأنهم عاندوا فقالوا لا موجودأصلاً وعمدتهم ضرب المذاهب بعضها ببعض والقدح في كل مذهب بالاشكالاتالمتجهة عليه من غير أهله. الثالثة : تسمى العندية نسبة إلى لفظ "عند" ؛لأنهم يقولون أحكام الأشياء تابعة لاعتقادات الناس ، فكل من اعتقد شيئاًفهو في الحقيقة كما هو عنده وفي اعتقاده ) .
ردود بعض العلماء المسلمين عليهم :
وقد رد عليهم جميعًا ابن حزم في كتابه " الفِصل فيالملل والأهواء والنِحل " ( 1/44-45) ؛ ويهمنا رده على فرقة " العِندية " التي يُقلدها دعاة النسبية . قال رحمه الله : ( ويقال – وبالله التوفيق- لمن قال هي حق عند من هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل : إنالشيء لا يكون باعتقاد من اعتقد أنه حق، كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقدأنه باطل ، وإنما يكون الشيء حقاً بكونه موجوداً ثابتاً، سواء اعتُقد أنهحق أو اعتُقِد أنه باطل. ولو كان غير هذا لكان معدوماً موجوداً في حالواحد في ذاته، وهذا عين المحال.
وإذا أقروا بأن الأشياء حق عند من هي عنده حق، فمن جملة تلك الأشياء التيتُعتَقد أنها حق عند من يعتقد أن الأشياء حق بطلانُ قولِ من قال إنالحقائق باطلة ، وهم قد أقروا أن الأشياء حق عند من هي عنده حق. وبطلانقولهم من جملة تلك الأشياء، فقد أقروا بأن بطلان قولهم حق !! مع أن هذهالأقوال لا سبيل إلى أن يعتقدها ذو عقل ألبتة، إذ حسُّه يشهد بخلافها. وإنما يمكن أن يلجأ إليها بعض المُتَنَطِّعين على سبيل الشغب. وباللهتعالى التوفيق ) .
2- ورد عليهم - أيضًا - ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " ( ص 41 ) ؛ قائلا : ( قال النوبختي : قد زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدةفي نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجدهصاحب المرة الصفراء مراً، ويجده غيره حلواً. قالوا وكذلك العالم هو قديمعند من اعتقد قدمه، محدث عند من اعتقد حدوثه، واللون جسم عند من اعتقدهجسماً، وعرض عند من اعتقده عرضاً. وهؤلاء من جنس السوفسطائية ؛ فيقال لهم : أقولكم صحيح؟ فسيقولون : هو صحيح عندنا، باطل عند خصمنا. قلنا : دعواكمصحة قولكم مردودة ، وإقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم ! ومنشهد على قوله بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه ) .
3- وقال ابن قدامة رادًا على من نُقل عنه مثل هذا القول من علماء المسلمين : ( وقول العنبري: كل مجتهد مصيب . إن أراد أن ما اعتقده فهو على مااعتقده، فمحال؛ إذ كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقاً، وتصديق الرسولوتكذيبه، ووجود الشيء ونفيه، وهذه أمور ذاتية لا تتبع الاعتقاد، بلالاعتقاد يتبعها. فهذا شر من مذهب الجاحظ، بل شر من مذهب السوفسطائية؛فإنهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا أثبتها وجعلها تابعة للمعتقدات). (روضةالناظر 20/419-420).
وقال - أيضًا - : ( قال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوله سفسطة، وآخرهزندقة؛ لأنه في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقاً، وبالآخرة يخير المجتهدينبين النقيضين عند تعارض الدليلين، ويختار من المذاهب ما يروق لهواه ) . (روضة الناظر، 2/425) ، ( وانظر : المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصولالدين، ص314).
4- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( حكي عن بعض السفسطائية أنه جعل جميعالعقائد هي المؤثرة في الاعتقادات، ولم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسهايوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقدهالمعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد. وهذا القول على إطلاقه وعمومه لايقوله عاقل سليم العقل ) . (الفتاوى 19/ 135) .
وقال عنه - أيضًا - : ( هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ يعني: أنالسفسطة جعل الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه ... وأما كون آخره زندقةفلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم والوعيد في هذه الأحكام، ويبقىالإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء أن يحرم، وتستوي الاعتقادات والأفعال؛وهذا كفر وزندقة ) .(الفتاوى 19/144 -
145 (
وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
http://www.muslm.net/vb/archive/index.php/t-267984.html