عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال:
((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)) [رواه ابن ماجة وغيره، والحديث صحيح].
الزهد لغة: هو القلة في كل شيء، والشيء الزهيد هو القليل، وإنسان مُزهد أي قليل المال، والزهيد هو قليل المطعم، ومنه قول الله عز وجل: وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين [يوسف: 20]، ومنه حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أفضل الناس مؤمن مزهد»، والزهد ضد الرغبة، ففلان يزهد في الشيء أي يرغب عنه، يقول الكفوي في الكليات:الزهد خلاف الرغبة.
الزهد اصطلاحًا: قيل الزهد هو بغض الدنيا والإعراض عنها، وهو ترك راحة الدنيا طلبًا لراحة الآخرة، وعرفه الجرجاني فقال: «هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك». ويعرفه ابن تيمية فيقول: «الزهد ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو فضول المباح فيما يستعان به على طاعة الله»، ويعرفه ابن الجوزي فيقول: «هو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه». ومثال ذلك ترك الدنيا لحقارتها بالنسبة إلى نفاسة الآخرة، ومعنى ذلك أن من رغب عن شيء وليس مرغوبًا فيه ولا مطلوبًا في نفسه لا يسمى زاهدًا، ويقول ابن القيم عنه: «الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه منازل الآخرة».
ومتعلقات الزهد خمسة أشياء وهي:
1- المال: وليس المراد من الزهد في المال رفضه، وإنما نعم المال الصالح للعبد الصالح، فالمال قد يكون نعمة إذا أعان صاحبه على طاعة الله سبحانه وتعالى وأنفقه في رضوان الله، فعلى سبيل المثال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان من أصحاب الأموال وكان يستخدم ذلك المال في طاعة ربه، أما المال الذي يفسد صاحبه فيدفعه إلى الطغيان فإن ذلك المال يكون نقمة على صاحبه، يقول الله تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى [العلق:6،7].
2- الملك والرياسة: ليس المراد من الزهد أيضًا رفض الملك والرياسة، فسليمان وداود عليهما السلام كانا من أزهد الناس في زمانهما، ولهما من الملك ما أخبرنا الله عز وجل، كذلك يوسف عليه السلام قال: رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث [يوسف: 101].
وإنما الملك الذي يطغى صاحبه هو الذي نهى الله عنه، يقول سبحانه: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك [البقرة:852].
3- الصورة: فليس من الزهد أن يكون الرجل أشعث أغبر، لا يحسن ما يلبس، ففي الحديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال رجل: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ثوبي نظيفًا ونعلي نظيفةً أذاك من الكبر! قال: «لا، الكبر بطر الحق وغمط الناس». [رواه مسلم]
4- ما في أيدي الناس: ويقصد بذلك الزهد عما في أيدي الناس وعدم استشرافه أو التطلع إليه، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم : «ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»، فإن جاء من الناس للعبد شيء بدون استشراف نفس فلا بأس به.
5- النفس: ويقصد بذلك عدم عجب المرء بنفسه فيظن أن سيخرق الأرض، أو يبلغ الجبال طولاً، فيتكبر بمنصبه أو بما أعطاه الله من صورة على خلق الله، وإنما يتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم : واخفض جناحك للمؤمنين [الحجر:88]