صحيح مسلم بشرح النووي
قوله صلى الله عليه وسلم : ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب , وإذا عاهد غدر , وإذا وعد أخلف , وإذا خاصم فجر )
وفي رواية : ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب , وإذا وعد أخلف , وإذا اؤتمن خان ) هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك . وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر , ولا هو منافق يخلد في النار ; فإن إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم جمعوا هذه الخصال . وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله . وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال , ولكن اختلف العلماء في معناه . فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار : أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق , وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه الخصال , ومتخلق بأخلاقهم . فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه , وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال , ويكون نفاقه في حق من حدثه , ووعده , وائتمنه , وخاصمه , وعاهده من الناس , لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر . ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( كان منافقا خالصا ) معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال . قال بعض العلماء : وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه . فأما من يندر فليس داخلا فيه . فهذا هو المختار في معنى الحديث . وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي رضي الله عنه معناه عن العلماء مطلقا فقال : إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل . وقال جماعة من العلماء : المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوا بإيمانهم , وكذبوا , واؤتمنوا على دينهم فخانوا , ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا , وفجروا في خصوماتهم . وهذا قول سعيد بن جبير , وعطاء بن أبي رباح . ورجع إليه الحسن البصري رحمه الله بعد أن كان على خلافه . وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم , وروياه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض رحمه الله : وإليه مال كثير من أئمتنا . وحكى الخطابي رحمه الله قولا آخر أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق . وحكى الخطابي : رحمه الله أيضا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول , فيقول : فلان منافق , وإنما كان يشير إشارة كقوله صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يفعلون كذا ؟ والله أعلم .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى : ( أربع من كن فيه كان منافقا ) وفي الرواية الأخرى ( آية المنافق ثلاث ) فلا منافاة بينهما فإن الشيء الواحد قد تكون له علامات كل واحدة منهن تحصل بها صفته , ثم قد تكون تلك العلامة شيئا واحدا , وقد تكون أشياء . والله أعلم .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( وإذا عاهد غدر ) هو داخل في قوله : ( وإذا اؤتمن خان ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( وإن خاصم فجر ) أي مال عن الحق , وقال الباطل والكذب . قال أهل اللغة . وأصل الفجور الميل عن القصد . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( آية المنافق ) أي علامته ودلالته وقوله صلى الله عليه وسلم : ( خلة وخصلة ) هو بفتح الخاء فيهما وإحداهما بمعنى الأخرى .