سادساً : آثار عدم مراقبة الله في الخلوة :
(1)الخسارة وضياع الحسنات التي يكتسبها العبد كما في الحديث " فيجعلها هباءً منثوراً " وسبق أن سمعتموه ، قال أبو سليمان ان الخاسر من أبدى للناس صالح عمله وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد .
(2) إن من أخفى سريرة سيئة أظهر الله الناس علها كما قال ابن مسعود ،وروي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم " ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله ردائها إن خيراً فخير وإن شراً فشر " ، وقال بعض السلف ( ما أسر عبد سريرة إلا أظهرها الله على قسمات وجهه أو في فلتات لسانه) وقال سليمان التيمي ( إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح و عليه مذلته ) ، وقال غيره ( إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك عليه ) ، وقال ذو النون المصري ( من خان الله في السر هتك الله ستره في العلانية ). قال ابن الجوزي : ( وقد يخفي الإنسان ما لا يرضاه الله عز و جل فيظهره الله سبحانه عليه ولو بعد حين وينطق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق فيكون جوابا لكل ما أخفى من الذنوب ، وذلك ليعلم الناس أن هناك من يجازي على الزلل ولا ينفع من قدره و قدرته حجاب ولا استتار ولا يضاع لديه عمل
(3)أن من لم يراقب الله في الخلوة ألقى الله بغضه في القلوب كما في الحديث (( وإذا أبغض الله عبداً دعا جبريل فيقول إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض
(4) قال أبو الدرداء ( ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر يخلو بمعاصي الله فيلقى الله له البغض في قلوب المؤمنين ). قال ابن الجوزي : ( رأيت أقواماً من المنتسبين إلى العلم أهملوا نظر الحق
عز وجل إليهم في الخلوات فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات فكانوا موجودين كالمعدومين لا حلاوة لرؤيتهم ولا قلب يحن إلى لقاءهم
سابعاً : الأسباب الباعثة على المراقبة :
(1) التعظيم لله عز وجل ومعرفة قدرته المطلقة فمن امتلأ قلبه من عظمة الله عز وجل واستصحب ذلك لم يعص الله إذا خلا.
والتعظيم لله يورث الحياء منه عز وجل ، قال الإمام محمد بن نصر: (إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد أورثه الحياء من الله والهيبة له فغلب على قلبه ذكر اطلاع الله العظيم ونظره بعظمته وجلاله إلى ما في قلبه وجوارحه وذكر المقام غداً بين يديه وسؤاله إياه عن جميع أعمال قلبه وجوارحه وذكر دوام إحسانه إليه وقلة الشكر منه لربه فإذا غلب ذكر هذه الأُمور على قلبه هاج منه الحياء من الله فاستحى من الله أن يطلع على قلبه وهو معتقد لشيء مما يكره أو على جارحة من جوارحه يتحرك بما يكره، فطهر قلبه من كل معصية ومنع جوارحه مع جميع معاصيه ).
(2) تذكر علم الله المطلق وأنه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين كما أخبر سبحانه عن نفسه فقال (( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) (الشعراء :217-220
وقال (( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) يونس:61
وقال (( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ))( التوبة: 105 (
إلى غيرها من الآيات.
فمن علم أن الله يراه حيث كان وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسرّه وعلانيته واستحضر ذلك في خلواته أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر.
قيل للجنيد : بم يستعان على غض البصر . قال: بعلمك أن الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه .
وقال حاتم الأصم : تعاهد نفسك في ثلاث إذا عملت فاذكر نظر الله إليك وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك وإذا سكت فاذكر علم الله فيك.
وقال: علمت أن رزقي لا يأكله غيره فاطمأنت به نفسي وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به وعلمت أن الموت يأتي بغتة فأنا أبادره وعلمت أني لا أخلو من عين الله فأنا أستحي منه .
(3) اليقين الكامل بأن الله عز وجل يحصي على العبد كل ما يقع منه وسيجازيه عليه يوم القيامة:
قال تعالى (( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً )) (الكهف:49
(4)التعبد لله بأسمائه التي تبين مراقبة الله للعبد من مثل الرقيب و الحفيظ والسميع و العليم و البصير ، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت المراقبة .
(5) المواظبة على الطاعات وكثرة الأعمال الصالحة من فرائض ونوافل لأنها تقربك إلى الله وتقوي إيمانك مما يبعث فيك الازدياد من طاعته وترك معصيته .
(6) الفرحة واللذة التي يجدها المسلم إذا ترك معصية الله في السر مع قدرته عليها وتمكنه منها وتركها لوجه الله ، لذة الطاعة ولذة الانتصار على الشيطان وهوى النفس.
(7) لزوم الجماعة الصالحة لأن الخلوة فرصة يتفرد الشيطان فيها بالإنسان ، في الحديث الذي رواه الترمذي وعليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد
(8) الدعاء : بأن تسأل الله أن يرزقك خشيته في الغيب والشهادة فقد كان دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (( وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة
ثامناً: نماذج من المراقبة:
النماذج كثيرة ولكني سأقتصر على بعضها اختصاراًُ ؛ فمن ذلك:
قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز ، شاب يمتلئ قوة وشباباً وشهوة ، تدعوه امرأة ذات منصب وجمال وفي حال خلوة بعيداً عن أعين الناس لا رقيب عليهما من البشر ، لا يخاف شرطة ولا هيئة ولا يخاف من أهلها وأقاربها بل وتدعوه هي ، لم يحتج إلى التفكير في صلة لإيقاعها في المعصية ، فكل شئ مهيأ لم يتصل عليها ويعاكسها ويواعدها ، ولم يتعرض لها في السوق ، لم يسافر لأجلها بل هي التي تعرضت له وتهيأت له وهيأت له أسباب المعصية . ومع ذلك يقول إني أخاف الله ، ما الذي حمله على ذلك وهو في الخلوة . إنها مراقبة الله تذكّر اطلاع الحق عليه فترك المعصية لله ، أخي العزيز قارن بين هذه الصورة صورة العفاف بأبهى صورة، وصورة أخرى لشاب يتعب نفسه في الاتصال على الناس لعله يظفر بصوت امرأة فإذا ظفر به بدأ ينمق الكلام ويحسنه لعله يستطيع إيقاعها ، ويبذل كل ما في وسعه ليحصل على المعصية ، فإذا لم تتهيأ له في بلده جمع المال وأتعب الجسد وبذل الأسباب لكي يسافر إلى بلد تتهيأ له المعصية فيه ، بالله عليكم كم الفرق بين الصورتين ، كلاهما شاب نفسه توّاقة وجسمه صحيح ، ولكن بينهما فرق في مراقبة الله تعالى ، بينهما فرق فالأول يعلم أن الله مطلع عليه ويستحضر هذا العلم في خلواته بينما الآخر علمه ذلك علم نظري لم يستفد منه في التطبيق .
ونموذج ثاني: الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم ، وفي الحديث أن الثاني : قال اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليّ فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها ..إلخ الحديث.
فهذا الذي دفعه إلى ذلك أنه ذُكِّر بالله فتذكَر مراقبة الله له فترك المعصية.
نموذج ثالث : السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، ثلاثة منهم ظهرت المراقبة لله عز وزجل في أعمالهم أشد ، حيث فعلوا هذه الأفعال التي أوصلتهم لتلك المنزلة بسبب مراقبتهم لله عز وجل فالرجل الذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ، ما لذي حمله على هذا ما لذي جعله يبكي في مكان لا يراه فيه أحد و لا يطلع عليه فيه إلا الله ، إنها مراقبة الله إنها تذكر ما عند الله ، وكذلك الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال عصمه من الزنا تذكره لمراقبة الله له ، والثالث رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، لقد تصدق بالسر لأنه يعلم اطلاع الله عليه وأرادها لله ولم يراع فيها أحداً ولم يأبه لسمع أحد أو بصره مادام أن خالقه سبحانه وتعالى يراه .
ونموذج رابع: قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعرّسنا في بعض الطريق، فانحدر عليه راعٍ من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إني مملوك، فقال: قل لسيّدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ؟ قال: فبكى عمر، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تُعتقك في الآخرة.
تاسعاً : كيف تراقب الله؟:
(1) أن تنظر إلى همّك وإرادتك قبل فعل الطاعات، فإن كان همّك وإرادتك لله أمضيتها، وإن كان لغيره فلا:
قال الحسن البصري: "رحم الله عبداً وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر".
وقال القاسمي: "ثم للمراقب في أعماله نظران: نظر قبل العمل، ونظر في العمل، أما قبل العمل فلينظر همه وحركته أهي لله خاصة أو لهوى النفس ومتابعة الشيطان؟ فيتوقف فيه ويتثبّت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق، فإن كان لله تعالى أمضاه، وإن كان لغير الله استحيا من الله، وانكف عنه، ثم لام نفسه على رغبته فيه، وهمه به، وميله إليه، وعرّفها سوء فِعْلها، وأنها عدوّة نفسها".
(2) أن تنظر إلى إرادتك عند الشروع في فعل الطاعات فتخلص نيتك لله سبحانه وتعالى:
قال ابن قدامة: "ومراقبة العبد في الطاعة وهو أن يكون مخلصاً فيها".
وقال القاسمي: "وأما النظر الثاني للمراقبة عند الشروع في العمل، فذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي حق الله فيه، ويحسن النية في إتمامه، ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه".
(3) أن تراقب الله قبل الهم بالمعصية، فتكفّ عنها:
قال القصري وهو يعدّد أنواع الإحسان: "فأما قسم المعاصي على اختلاف أنواعها؛ فإن العبد مأمور بأن يعلم أن الله يراه، فإذا هم بمعصية وعلم أن الله يراه، ويبصرُه على أي حالة كان، وأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور كفَّ عن المعصية ورجع عنها".
(4) أن تراقب الله بعد الوقوع في المعاصي بالتوبة:
وقال القصري: "فإن غلبه فعل المعاصي انقضَّ وزلّ عن مقام الإحسان، ووقع في شكلٍ يبطل العبادة سارع إلى الاستغفار، والرجوع إلى مقام الإحسان".
قال ابن القيم: "ومراقبته في المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع".
(5) أن تراقب الله في المباحات فتشكره على نعمه، ولا تسترسل بالكلية فيها:
وقال القصري: "وأما القسم الثالث من المباحات والكسبيات؛ فإن ذلك محل الغفلة، والسهو عن هذا المقام الإحساني، فإذا تذكّر العبد أن الله يراه في تصرّفه، وأنه أمره باتباعه والإقبال عليه، وقلّة الإعراض عنه استحيا أن يراه مكباً على الخسيس الفاني، مستغرقاً في الاشتغال به عن ذكره؛ فيقبضه ذلك عن الاستكثار الملهي، والاشتغال والاسترسال بالكلية في أمور الدنيا".
قال ابن القيم: "ومراقبته في المباح تكون بمراعاة الأدب، والشكر على النعم، فإنه لا يخلو العبد من نعمة لا بد له من الشكر عليها"
عاشراً : المراقبة و التربية :
المراقبة ركيزة أساسية في التربية وذلك لأن المربي قد يربي من تحت يده على مراعاة أوامر الله والانتهاء عن نهيه فيعلمها هذا المتربي مادام المربي ينظر إليه ، أو مادام ينظر إليه من يخبر هذا المربي فإذا ما ابتعد عن المربي لم يجد ما يدفعه إلى امتثال الكلام الذي تعلمه وربِّي عليه ، إلا إذا غرس المربي في نفس المتربي مراقبة الله فإنها حينئذ تكون حارساً تحرسه إذا خلا بنفسه فلا ينتهك حرمات الله ولا يهمل ولا يقصر وحتى لو أخطأ فإنه سرعان ما يتذكر اطلاع الحق عليه فيبادر إلى التوبة النصوح ، وبذلك يضمن المربي استمرار المتربي على ما تربى عليه من أخلاق فاضلة ونحوها حتى لو ابتعد عن نظر المربي ، وأضرب هنا مثالين لعله يتضح المقصود :
الأول: الوالد عندما يربي ابنه على أداء الصلاة في المسجد وأن يؤديها إذا أداها بخشوع ، قد يفعل الابن هذا الشيء مادام أن والده ينظر إليه ، أو مادامت والدته أو غيرها تنظر إليه لأنه يعرف أنها ستخبر والده بتقصيره لو قصَّر ، لكن هذا الابن عندما يذهب لزيارة أقاربه مثلاً ويبتعد عن نظر والده تجده لا يذهب يصلي ، أو إن صلى مثلاً في البيت دون أن يراه والده تجده يصلي صلاة سريعة لا خشوع فيها ولا اطمئنان ، لماذا لأن الأب عوَّده من حيث لا يشعر على مراقبته هو لا مراقبة الله ولو أنه زرع فيه مراقبة الله لعلم هذا الولد أن الله مطلع عليه وإذا ابتعد عن نظر والده فلم يقصر.
الثاني: شاب مع رفقة صالحة تجده مادام معهم ويرى أنهم يرونه تجده مقبلاً على الطاعات مبتعداً عن المعاصي قدر الإمكان ، فإذا خلا بنفسه أو سافر إلى بلد آخر تجده سرعان ما يضعف إيمانه لماذا ؟ لأن المراقبة لله ضعيفة ولو زرعت فيه هذه المراقبة لما حدث هذا الشيء بسرعة .
من هذين المثالين يتضح مدى أهمية زرع أو تنمية المراقبة لدى المتربي ، ولذا تجد لقمان عندما وعظ ابنه وحرص على تربيته على جملة من الصفات الحميدة لم ينس غرس المراقبة لله في نفس ابنه حتى تكون هي الحارس له في خلوته فقال كما يقول الله عز وجل عنه (( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)) (لقمان:16
ثم بعد ذلك أمره بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.
ذكر الغزالي في إحياء علوم الدين عن الجنيد أنه أراد أن يختبر تلاميذه في مراقبة الله عز وجل فقال لهم : ليذبح كل منكم دجاجة بحيث لا يراه أحد فذبح كل منهم دجاجة وأتى بها إلا تلميذاً واحداً جاء بالدجاجة حية فقال له الجنيد لِمَ لَمْ تذبح الدجاجة فقال: إنك طلبت منا ألا يرانا أحد عند ذبح الدجاجة وإني أينما اتجهت لذبح الدجاجة وجدت أن أحداً يراني فقال له الجنيد : ومن الذي يراك على أي حال كنت فأجابه : الله ، فعانقه الجنيد وقال: أنت ابني حقاً ) . فينبغي على كل مربي سواء كان والداً أو معلماً أو شيخاً أو غير ذلك أن يربي في نفوس تلاميذه مراقبة الله أولاً فإنها الأساس في التزام المسلم بدينه وعدم انتهاكه لحرمات الله .
أخيراً: أيها الإخوة يقول الإمام الشافعي : ( أعز الأشياء ثلاثة : الجود من قلّه ، والورع في خلوة ، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف) .
الورع في خلوة ؛ لأن الورع في العلانية له أسباب تجلبه وقد يكون لغير الله حظ فيه ، أما الورع في الخلوة فلا يبعث عليه إلا مخافة الله ورجاؤه .
يقول ابن الجوزي : ( إخواني اسمعوا نصيحة من جرّب وخبر إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم قدركم واحترامكم ولقد رأيت من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنّه ثم تعدى الحدود فهان عند الخلق وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه وقوة مجاهدته ، ولقد رأيت من كان يراقب الله عز وجل في صبوته مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم فعظّم الله قدره في القلوب حتى علقته النفوس ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير ).
ويقول وهيب بن الورد لرجل : اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك .
وهذا يعني أيها الأخ أن في العلانية ينظر إليك المخلوق فلا تصفو لك المعصية بينما في السر لا ينظر إليك إلا الله فتصفو عندك المعصية ؟؟ إنك في هذا إن كنت لا تؤمن بأن الله يراك فلقد اجترأت .
أيها الأخ الكريم : إذا دعتك نفسك في الخلوة إلى الحرام فتذكر نظر الإله لها وقل إن الذي خلق الظلام يراني.
إذا ما خلوت الدهـر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يُغفل سـاعة ولا أن ما يُخفـى علـيه يغـيب
تذكر أنك تترك هذه المعصية لله وأن الله سيعوّضك بخير منها ، فإن زلّت قدمك وأخطأت فبادر إلى التوبة النصوح ولا تجعل الخلوة مسرحاً دائماً للمعاصي، كلما خلوت عصيت .
يا مدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا غـرك من ربك امهالـُه وستره طول مساويكا
الحادي عشر درجات المراقبة:
- الدرجة الأولى: استدامة السير إلى الله وتعظيمه، وحضور القلب معه والذهول عن غيره، والقرب إليه مع الأنس والسرور به:
قال ابن القيم في معرض شرحه لهذه الدرجة: "فإن الحضور يوجب أنساً ومحبة، وإن لم يقارنهما تعظيم أورثاه خروجاً عن حدود العبودية ورعونة، فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب فهو سبب للبعد عنه، والسقوط من عينه... وأما السرور الباعث فهو الفرحة والتعظيم، واللذة التي يجدها في تلك المداناة؛ فإن سرور القلب بالله وفرحه به، وقُرّة العين به، لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا ألبتة... ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل، وبذل الجهد في طلبه وابتغاء مرضاته".
ب- الدرجة الثانية: مراقبة الله بصيانة الباطن والظاهر:
قال ابن القيم شارحاً لهذه الدرجة: "هذه مراقبةٌ لمراقبة الله لك، فهي مراقبة لصفة خاصة معينة، وهي توجب صيانة الباطن والظاهر، فصيانة الظاهر بحفظ الحركات الظاهرة، وصيانة الباطن بحفظ الخواطر والإرادات والحركات الباطنة".
ج- الدرجة الثالثة: مراقبة الله بشهود انفراده سبحانه بأزليته وحده، وأنه كان ولم يكن شيء قبله، وكل ما سواه فكائن بعد عدمه بتكوينه:
قال ابن القيم مبينا معنى هذه الدرجة: "وهذا الشهود متعلّق بأسمائه وصفاته، وتقدُّم علمه بالأشياء ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي، فهذا الشهود يُعْطي إيماناً ومعرفة، وإثباتا للعلم والقدرة، والفعل، والقضاء والقدر.
الثاني عشر: الطرق المعينة على المراقبة:
أ- التعرف على أسماء الله الحسنى وصفاته العلى والتعبد بمقتضاها:
قال ابن القيم: "والمراقبة التعبد باسمه الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة".
ب- قطع أشغال الدنيا عن القلب وتعاهده بالرعاية والعناية:
سئل المحاسبي: فما يوصله إلى هذه الحالة ـ أي المراقبة ـ؟
قال: "قطع علائق الأشغال، ولزوم العلم، والتعاهد بالعناية والرعاية".
ج- تعظيم الله سبحانه وتعالى:
قال محمد بن نصر المروزي: "إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد أورثه الحياء من الله، والهيبة له، فغلب على قلبه ذكر اطلاع الله العظيم، ونظره بعظمته إلى ما في قلبه وجوارحه... فاستحى الله أن يطلع على قلبه وهو معتقد لشيء مما يكره، أو على جارحة من جوارحه، تتحرك بما يكره، فطهّر قلبه من كل معصية، ومنع جوارحه من جميع معاصيه".
د- التفكر في أمور الآخرة:
واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين