الخامسة والثلاثون : أن الذكر يسير العبد وهو في فراشه وفي سوقه وفي حال صحته وسقمه وفي حال نعيمه ولذته وليس شيء يعم الأوقات والأحوال مثله حتى يسير العبد وهو نائم على فراشه ، فيسبق القائم مع الغفلة ، فيصبح هذا وقد قطع الركب وهو مستلق على فراشه ، ويصبح ذلك الغافل في ساقه الركب ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وحكي عن رجل من العباد أنه نزل برجل ضيفاً ، فقام العابد ليلة يصلي ، وذلك الرجل مستلق على فراشه ، فلما أصبحا قال له العابد : سبقك الركب أو كما قال ، فقال : ليس الشأن فيمن بات مسافراً وأصبح مع الركب الشأن فيمن بات على فراشه وأصبح قد قطع الركب ، وهذا ونحوه له محمل صحيح ومحمل فاسد ، فمن حكم على أن الراقد المضطجع على فراشه يسبق القائم القانت فهو باطل ، وإنما محمله أن هذا المستلقي على فراشه علق بربه عز وجل وألصق حبه قلبه بالعرش وبات قلبه يطوف حول العرش مع الملائكة قد غاب عن الدنيا ومن فيها وقد عاقه عن قيام الليل عائق من وجع أو برد يمنعه القيام أو خوف على نفسه من رؤية عدو يطلبه أو غير ذلك من الأعذار فهو مستلق على فراشه وفي قلبه ما الله تعالى به عليم ، وآخر قائم يصلي ويتلوا وفي قلبه من الرياء والعجب وطلب الجاه والمحمدة عند الناس ما الله به عليم ، أو قلبه في واد وجسمه في واد ، فلا ريب أن ذلك الراقد يصبح وقد سبق هذا القائم بمراحل كثيرة ، فالعمل على القلوب لا على الأبدان والمعول على الساكن ويهيج الحب المتواري ويبعث الطلب الميت الذكر وحقيقة النور الإلهي .
السادسة والثلاثون : أن الذكر نور للذاكر في الدنيا ونور له في قبره ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط ، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى ، قال الله تعالى : ( أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) فالأول هو المؤمن استنار بالإيمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره ، والآخر هو الغافل عن الله تعالى المعرض عن ذكره ومحبته والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور والشقاء كل الشقاء في فواته ، ولهذا كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعله في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه حتى يقول واجعلني نوراً ، فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة ، وأن يجعله محيطاً به من جميع جهاته وأن يجعل ذاته وجملته نوراً ، فدين الله عز وجل نور وكتابه نور ورسوله نور وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ وهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض ومن أسمائه النور وأشرقت الظلمات لنور وجهه .
السابعة والثلاثون : أن الذكر رأس الأصول وطريق عامة الطائفة ومنشور الولاية ، فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل ، فليتطهر وليدخل على ربه عز وجل يجد عنده كل ما يريد ، فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شيء وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شيء .
الثامنة والثلاثون : في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء ألبته إلا ذكر الله عز وجل فإذا صار شعار القلب بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقة ، فيكون صاحبه غنياً بلا مال عزيزاً بلا عشيرة مهيباً بلا سلطان ، فإذا كان غافلا عن ذكر الله عز وجل فهو بضد ذلك ، فقير مع كثرة جدته ذليل مع سلطانه حقير مع كثرة عشيرته .
التاسعة والثلاثون : أن الذكر يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويقرب البعيد ويبعد القريب ، فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزومه ، والعذاب كل العذاب في تفرقتها وتشتتها عليه وانفراطها له والحياة والنعيم في اجتماع قلبه وهمه وعزمه وإرادته ، ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات على فوت حظوظه ومطالبه ، ويفرق أيضاً ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره حتى تتساقط عنه وتتلاشى وتضمحل ، ويفرق أيضاً ما اجتمع على حربه من جند الشيطان ، فإن إبليس لا يزال يبعث له سرية وكلما كان أقوى طلباً لله سبحانه وتعالى وأمثل تعلقاً به وإرادة له كانت السرية أكثف وأكثر وأعظم شوكة بحسب ما عند العبد من مواد الخير والإرادة ولا سبيل إلى تفريق هذا الجمع إلا بدوام الذكر ، وأما تقريبه البعيد فإنه يقرب إليه الآخرة التي يبعدها منه الشيطان والأمل ، فلا يزال يلهج بالذكر حتى كأنه قد دخلها وحضرها ، فحينئذ تصغر في عينه الدنيا ، وتعظم في قلبه الآخرة ويبعد القريب إليه ، وهي الدنيا التي هي أدنى إليه من الآخرة ، فإن الآخرة متى قربت من قلبه بعدت منه الدنيا ، وكلما قربت منه هذه مرحلة بعدت منه هذه مرحلة ، ولا سبيل إلى هذا إلا بدوام الذكر .
الأربعون : أن الذكر ينبِّه القلب من نومه ويوقظه من سنته ، والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران ، فإذا استيقظ وعلم ما فاته في نومته شد المئزر وأحيا بقية عمره واستدرك ما فاته ، ولا تحصل يقظته إلا بالذكر ، فإن الغفلة نوم ثقيل .
الحادية والأربعون : أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمر إليها السالكون ، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر ، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها ، فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد وهو أصل كل مقام وقاعدته التي ينبني ذلك المقام عليها كما يبنى الحائط على رأسه ، وكما يقوم السقف على حائطه ، وذلك أن العبد إذا لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير ولا يستيقظ إلا بالذكر كما تقدم ، فالغفلة نوم القلب أو موته .
الثانية والأربعون : أن الذاكر قريب من مذكوره ، ومذكوره معه ، وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة ، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة والنصرة والتوفيق كقوله تعالى : ( إن الله مع الذين اتقوا ) ( وإن الله لمع المحسنين ) ( لا تحزن إن الله معنا ) وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي : ( أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه ) وفي أثر آخر : ( أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيارتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم ، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب ) والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شيء وهي أخص من المعية الحاصلة للمحسن والمتقي ، وهي معية لا تدركها العبارة ، ولا تنالها الصفة وإنما تعلم بالذوق .
الثالثة والأربعون : أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل ، وقد تقدم أن : ( من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه حتى يمسي ) وعن سالم بن أبي الجعد قال : قيل لأبي الدرداء : أن رجلا أعتق مائة نسمة ، قال : إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك وأفضل إيمان ملزوم بالليل والنهار أن لا يزال لسان أحدكم رطباً من ذكر الله عز وجل ، وقال ابن مسعود : لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إلي من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل ، وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود ، فقال عبد الله : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلى من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله عز وجل ، فقال عبد الله بن عمرو : لأن أجد في طريق فأقولهن أحب إلي من أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله عز وجل . وقد تقدم حديث أبى الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : اذكروا الله ) رواه ابن ماجه والترمذي وقال الحاكم صحيح الإسناد .
الرابعة والأربعون : أن الذكر رأس الشكر فما شكر الله تعالى من لم يذكره وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم : أن موسى عليه السلام قال : رب قد أنعمت علي كثيراً فدلني على أن أشكرك كثيراً ، قال : ( اذكرني كثيراً فإذا ذكرتني كثيراً فقد شكرتني كثيراً وإذا نسيتني فقد كفرتني ) وقد ذكر البيهقي أيضاً في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال : قال موسى عليه السلام : يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك فأوحى الله تعالى إليه : أن لا يزال لسانك رطباً من ذكري ، قال : يا رب إني أكون على حال أجلك أن أذكرك فيها ، قال : وما هي ؟ قال : أكون جنباً أو على الغائط أو إذا بلت ، فقال : وإن كان ، قال : يا رب ، فما أقول ؟ قال : تقول سبحانك وبحمدك وجنبني الأذى وسبحانك وبحمدك فقني الأذى . قلت : قالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله يذكر الله تعالى على كل أحيانه .
الخامسة والأربعون : أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكره ، فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره ، فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار ، وهذا هو الثواب والأجر ، والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه ، وهذه هي المنزلة ، وعمال الآخرة على قسمين منهم من يعمل على الأجر والثواب ، ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة ، فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه .
السادسة والأربعون : أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى ، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى .
السابعة والأربعون : أن الذكر شفاء القلب ودواؤه والغفلة مرضه ، فالقلوب مريضة وشفاؤها ودواؤها في ذكر الله تعالى ، قال مكحول : ذكر الله تعالى شفاء وذكر الناس داء .
الثامنة والأربعون : أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها والغفلة أصل معاداته ورأسها ، فإن العبد لا يزال يذكر ربه عز وجل حتى يحبه فيواليه ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه ، قال الأوزاعي : قال حسان ابن عطية : ما عادى عبد ربه بشئ أشد عليه من أن يكره ذكره أو من يذكره ، فهذه المعاداة سببها الغفلة ولا تزال بالعبد حتى يكره ذكر الله ويكره من ذكره ، فحينئذ يتخذه عدواً كما اتخذه الذاكر ولياً .
التاسعة والأربعون : أنه ما استجلبت نعم الله عز وجل واستدفعت نقمه بمثل ذكر الله تعالى ، فالذكر جلاب للنعم دافع للنقم ، قال سبحانه وتعالى : ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) .
الخمسون : أن الذكر يوجب صلاة الله عز وجل وملائكته على الذاكر ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح وفاز كل الفوز قال سبحانه وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرةً وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً ) فهذه الصلاة منه تبارك وتعالى ومن ملائكته إنما هي سبب الإخراج لهم من الظلمات إلى النور ، وإذا حصلت لهم الصلاة من الله تبارك وتعالى وملائكته وأخرجوهم من الظلمات إلى النور ، فأي خير لم يحصل لهم وأي شر لم يندفع عنهم ، فيا حسرة الغافلين عن ربهم ماذا حرموا من خيره وفضله .
الحادية والخمسون : أن من شاء الله أن يسكن رياض الجنة في الدنيا وغيره من حديث جابر بن عبد الله قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( يا أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة ، قلنا : يا رسول الله وما رياض الجنة ؟ قال : مجالس الذكر ، ثم قال : اغدوا وروحوا واذكروا ، فمن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله تعالى عنده ، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه ) .
الثانية والخمسون : أن مجالس الذكر مجالس الملائكة ، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى فيه ، كما أخرجا في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله ملائكة فُضُلا عن كُتّاب الناس يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى ، تنادوا هلمّوا إلى حاجتكم ، قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ، فيسألهم ربهم تعالى وهو أعلم بهم ، ما يقول عبادي ؟ قال : يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ، قال : فيقول هل رأوني ؟ قال : فيقولون لا والله ما رأوك ، قال : فيقول كيف لو رأوني ؟ قال فيقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة ، وأشد لك تحميداً وتمجيداً وأكثر لك تسبيحاً ، قال : فيقول ما يسألوني ؟ قال : يسألونك الجنة ، قال يقول : وهل رأوها ؟ قال : يقولون لا والله يا رب ما رأوها ، قال فيقول : فكيف لو أنهم رأوها ؟ قال : يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة ، فيقول : فمم يتعوذون ؟ قال : يقولون من النار ، قال : يقول وهل رأوها ؟ قال : يقولون لا والله يا رب ما رأوها ، قال : يقول فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فراراً ، وأشد لها مخافة ، قال : يقول فأشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم وإنما جاء لحاجة ، قال : هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم ) فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم فلهم نصيب من قوله تعالى : ( وجعلني مباركاً أينما كنت ) فهكذا المؤمن مبارك أين حل ، والفاجر مشئوم أين حل ، فمجالس الذكر مجالس الملائكة ، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين ، وكل مضاف إلى شكله وأشباهه .
الثالثة والخمسون : أن الله عز وجل يباهي بالذاكرين ملائكته .
الرابعة والخمسون : أن مدمن الذكر يدخل الجنة وهو يضحك لما ذكر عن أبي الدرداء قال : ( الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله عز وجل يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك ) .
الخامسة والخمسون : أن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر الله تعالى ، والمقصود بها تحصيل ذكر الله تعالى ، قال سبحانه وتعالى : ( أقم الصلاة لذكري ) .
السادسة والخمسون : أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل فأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله عز وجل في صومهم ، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، وأفضل الحاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، وهكذا سائر الأحوال .
السابعة والخمسون : أن إدامته تنوب عن التطوعات وتقوم مقامها سواء كانت بدنية أو مالية كحج التطوع وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة : ( أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ، فقالوا : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل أموالهم يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ، فقال : ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا أحد يكون أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : تسبّحون وتحمِدون وتكبّرون خلف كل صلاة ) الحديث متفق عليه ، فجعل الذكر عوضاً لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر ، فلما سمع أهل الدثور بذلك عملوا به ، فازدادوا إلى صدقاتهم وعبادتهم بمالهم التعبد بهذا الذكر ، فحازوا الفضيلتين فنفسهم الفقراء وأخبروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنهم قد شاركوهم في ذلك وانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليه ، فقال ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . وفي حديث عبد الله بن بسر قال : ( جاء أعرابي ، فقال : يا رسول الله كثرت علي خلال الإسلام وشرائعه فأخبرني بأمر جامع يكفيني ، قال : عليك بذكر الله تعالى ، قال : ويكفيني يا رسول الله ؟ قال : نعم ويفضل عنك ) ، فدله الناصح على شيء يبعثه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها ، فإنه إذا اتخذ ذكر الله تعالى شعاره أحبه وأحب ما يحب فلا شيء أحب من التقرب بشرائع الإسلام ، فدله على ما يتمكن به من شرائع الإسلام ، وتسهل به عليه ، وهو ذكر الله عز وجل يوضحه .