أثر الإيمان باليوم الآخر في حياة المسلم
هذه الحياة الدنيا، بما فيها من نعيم وشقاء، وامتحان وبلاء، وخيرٍ وشرّ.. دليل واضح على وجود يومٍ بعدها للجزاء والحساب، يومٌ يقتصّ الله تعالى فيه للمظلوم من الظالم، ويُجازي فيه الخيِّر خَيْراً، والشّرير شراً.
المؤمن يعلم أنّ هذه الحياة رحلة مؤقّتة يتبعها يومٌ آخر، يبعث الله تعالى فيه الخلائق، ويحشرهم إليه جميعاً، ويَقْدُر أعمال عباده، ويزنها بالقِسطاط المستقيم: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ) (الأعراف:9-10).
وللإيمان باليوم الآخر آثار ونتائج تربوية تنعكس على نفس المؤمن، وتظهر في تكوين شخصيته، وفي شؤون حياته كافّة.
وفيما يأتي نذكر أهمّ هذه الآثار:
1) تربية الشعور بالمسؤولية
الإيمان باليوم الآخر يبعث في نفس المؤمن الشعور بالمسؤولية. فالمؤمن الذي تعمّق في قلبه الإيمان بالله واليوم الآخر يشعرُ بتمام المسؤولية عن أعماله، فالملائكة الحَفَظَة يكتبون، ويوم الحساب والجزاء قادمٌ لا محالة، والوقوف بين يدي الله عزّ وجلّ كائن، (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المجادلة:6)، ولا يُنجي في هذا الموقف احتيالٌ، ولا يُغني كذبٌ، ولا ينفع نفساً يومئذٍ إلاّ فضلُ الله وعَفوه ومغفرته أولاً، وحُسنُ العمل ثانياً (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الملك:2).
فكيف لا يشعر بالمسؤولية تجاه أعماله من يعلم أن أعماله محصيّة عليه، وأنّه محاسب عليها؟!
2) تحقيق الأخلاق الفاضلة
إنّ تحقيق الأخلاق الفاضلة في سلوكنا وحياتنا تحقيقاً فعلياً ثابتاً غير متقلّب، بلا نفاق ولا رياء، لا يكون إلاّ نتيجة للإيمان باليوم الآخر، فالحلم والأناة، والتّضحية والصّبر، والعطف والرّحمة، كلّ ذلك يتحلّى به المؤمن لأنّه ينتظر جزاءه عند الله، وينتظر أجره عليه يوم الحساب.
3) ضبط جميع الدّوافع والغرائز وفق نظام الإسلام
فالتحكم بهذه الدوافع الإنسانية العارمة، والقوى الغريزية الجامحة، وردُّها عن شطَطها وزيغها، وإخضاعها إلى شريعة الله عزّ وجلّ، إنّما يتمّ بالإيمان بالله تعالى، وبيومٍ يُعاقب الله فيه مَن أتْبع نفسه هواها، وجرى خلف شهواتها، ويُثيب من ألزمها أوامره، ونهاها عن هواها.
4) إيثار الآخرة على الدّنيا، والصّبر على الشّدائد
إنّ مصائب الدنيا وشدائدها، ومرارة العيش وشظفه، ولهفة النّفس على المغريات.. كلّ ذلك من البلاء الذي يتعرّض له الإنسان. فالمؤمن يستعين على ذلك بالله، ويعلم أنّ ما عند الله خيرٌ وأبقى، فيكون إيمانه باليوم الآخر حافظاً له ومعيناً: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى:17-1.
الإيمان باليوم الآخر من مقتضيات الفطرة السّليمة:
إنّ كلّ إنسان يُفكر في هذا الكون بدون تحيُّز إلى أهوائه، يصل إلى النتائج التالية:
أ) إنّ كل ما في الكون من حياة وموت، وشروق وأفول، وقوة وضعف، كلّ هذا يدلّ على أن الكون صائرٌ إلى زوال.
ب) إنّ من أوجد الخلائق من العدم قادرٌ على أن يبعثهم مرّة أخرى بعد فنائهم، يقول تعالى: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) (قّ:15).
ج) إنّ العقل السّوي والفطرة السليمة لا يستسيغان أن تنقضي الحياة وتنتهي دون تمييز بين العادل والظالم، والمحسن والمسيء، والصالح والطّالح، فيكونوا جميعاً سواء، بل لابدّ من يوم يُجازى فيه المُحسنون على إحسانهم، ويُعاقب فيه المسيؤون على إساءتهم.
د) إنّ وجود الدّنيا وما فيها من نعيم وشقاء، وسعادة وعناء، شاهدٌ على وجود حياة أخرى يوجد فيها العدل والخير والكمال