تكتسي دراسة موضوع تسير الموارد البشرية أهمية بالغة باعتبار أن أي مشروع عصرنة أو تحديث لمؤسسة أو إدارة يجب أن يركز على العامل البشري بالدرجة الأولى.
فالكثير من الدول قطعت أشواط متقدمة في مجال تسير مواردها البشرية باعتمادها على كل ما هو مفيد من أبحاث نظرية وتقنيات عملية، فأصبحت تتوفر على إدارات فعالة تواكب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحاصلة بها.
أما في الجزائر التي تمر بمرحلة انتقالية من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق ومن عهد الحزب الواحد إلى عهد التعددية الحزبية، فإن أغلب الملاحظين أجمعوا على أن الإدارة الجزائرية مازلت تسير بأنماط قديمة، وأنها المعرقل الأساسي في التنمية الوطنية، حيث أنها لا توفر المناخ الحسن لجلب الاستثمارات وتطوير المشاريع كما أن خدماتها تبقى بعيدة عن النوعية المرجوة من طرف المواطنين، ففي حين تتعامل أغلب الإدارات العالمية مع مواطنيها على أنهم زبائن يجب إرضائهم من حيث نوعية الخدمة والآجال والتكلفة، تبقى الإدارة الجزائرية تتبنى الفكر القديم وتفرض بيروقراطية ثقيلة ضيعت على الجزائر الكثير من فرص الاستثمار والشراكة مع الخارج، وبالتالي فرصة الإقلاع الاقتصادي.
فالإدارة العصرية تطورت فأصبح تسير الموارد البشرية فيها يعتمد على أدوات التخطيط والبرمجة من خلال تحديد الأهداف، وانتقاء أدوات التنبؤ والتقييم، كما أنها أصبحت تهتم بالبعد الإنساني والاجتماعي للموظف من خلال البحث عن التحفيز، عكس ما كانت عليه وظيفة المستخدمين في الماضي التي كانت تأخذ بعين الاعتبار نقط الاعتبارات ذات الطابع الإداري والقانوني، فإستطاعت الإدارة العصرية أن تحقق الفعالية وأن تحسن مردودية موظيفها من خلال شتى أنواع التحفيز والتكوين وأنماط التقييم، والآن أصبح علم المناجمنت أو التسيير يدرس في جل الجامعات والمعاهد الحكومية لنتائجه المذهلة.
في حين يبقى الوظيف العمومي في الجزائر بعيد كل البعد عن هذه التغيرات الإستراتيجية في تسيير الموارد البشرية، معتمدا على تسير كلاسيكي ممل لا يفتح آفاق لحياة مهنية جيدة. مما أدى إلى هورب الكثير من الإطارات الممتازة إلى القطاع الخاص في الخارج أو الداخل كما أن استمرار الوضع على حاله يهدد بشل جميع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، فالتغير أمر حتمي لا مفرمته. فما هي أهم المحاور الواجب إدخالها لتطوير تسير الموارد البشرية في قطاع الوظيف العمومي في الجزائر؟
المبحث التمهيدي : السياق الحالي للوظيفة العمومية في الجزائر
السياق الحالي للوظيفة العمومية في الجزائر.
أهم ما ميز الوظيفة العمومية في الجزائر بعد الاستقلال هو الخلط بين المناصب ذات الطابع المرتبط بمهام الدولة والمناصب ذات البعد السياسي، وعلى وجه الخصوص الخلط بين مهام الدولة ومهام الحزب، كما أن الموظف يستمد شرعيته من خلال تطبيق القوانين واللوائح، بغض النظر عن تحقيق الفعالية، فأصبحت الإدارة مقبرة للمواهب والمبادرات الفردية، و أداة تثبيط لكل محاولات التحسين، ويرجع هذا أساسا لنقص أنظمة التسيير وعدم التحكم في تعداد العمال وسيطرة الذهنيات البالية كالمحسوبية والقبلية ومركزية القرار على حساب الكفأت والمؤهلات.
في الجزائر يمكن تعداد ثلاث اختلالات أساسية في قطاع الوظيف العمومي:
1-نقص في الكفاءات بسبب هجرة الأدمغة وغياب أفاق لحياة مهنية محفزة.
وكذا غياب معايير للانتقاء والالتحاق مما أدى إلى إقصاء الكفاءت من الالتحاق بالوظيفة العمومية.
2-وجود فائض من الفئات الغير مؤهلة بسبب السياسة الاجتماعية للدولة في التوظيف.
3-قطاع لا يوفر حياة مهنية تتماشى مع نتائج و مستوى الموظف.
فالجزائر موجودة بين ثنائية معقدة من جهة هي مثقلة بالبيروقراطية وممارسات الماضي السلبية وطغيان الفساد الإداري ومن جهة أخرى ضرورة توفير الظروف الملائمة للانضمام إلى النظام الاقتصادي الجديد، وما يتطلبه من إدارة فعالة تعتمد على الأساليب الحديثة في تسيير مواردها البشرية.
فالمتمعن لكيفية تسيير الموارد البشرية في الجزائر يمكنه استخراج الملاحظات الآتية :
1-وظيفة المستخدمين في الجزائر تنحصر فقط في إدارة الموارد البشرية بالمفهوم التقليدي التعين، الإنضباط، الترقية، إنهاء المهام، ولا تصل إلى مفهوم تسيير الموارد البشرية أو المناجمنت العمومي بالمفهوم الحديث من حيث التخطيط والمتابعة والتقييم والتعديل، حيث لا يمتلك الوظيف العمومي مخططات تسيير الحياة المهنية، مخططات التكوين، عوامل التحفيز، تقنيات حديثة للتقييم، أدوات التنبؤ لتجنب الفائض أو الناقص في ملئ المناصب.
2-وظيفة المستخدمين في الجزائر تتميز بطابعها المركزي، وتقليص هامش الحركة للمسؤلين المحلين على جميع المستويات، كما تتميز بطابعها الشمولي أي تطبيق نفس القاعدة القانونية على فئات مهنية مختلفة في قطاع الوظيف العمومي.
3-وظيفة المستخدمين تحقق شرعيتها في تطبيق القوانين واللوائح بغض النظر عن النجاعة، الفعالية، فنجد أن أجهزة الرقابة الداخلية والخارجية تحرص فقط على رقابة مدى مشروعية القرارات فقط ولا تهتم بالنتائج، كما أن الإدارات نفسها لا تمتلك مخطط سنوي في تسيير الموارد البشرية يحدد الأهداف، والوسائل المتاحة لتحقيقها.
4-شريحة كبيرة من موظفي القطاع وهم موظفو الجماعات المحلية خاصة البلديات يعانون من تهميش مبالغ فيه، الحرمان من التكوين، غياب جسر بين الإدارة المحلية والمركزية في إطار حياتهم المهنية.
5-يعاني الوظيف العمومي من طغيان الفئات الغير مؤهلة على حساب الفئات المؤهلة.
6-من حيث الهياكل والمرافق المكلفة بتسيير الموارد البشرية، فأحيانا تكون منعدمة حيث تتبع لمصالح أخرى. وفي حالة وجودها فإننا نجد مستوى التأطير ضعيف جداً، وأحيانا نجدها ممركزة بشكل يضعف روح المبادرة أو يلغيها بالنسبة للفروع الخارجية.
7-الموظفون المركزيون يستعملون بشكل واسع سلطة وشرعية الدولة لفرض قرارات وأوامر غير قابلة للنقاش على المستوى الأدنى بغض النظر على التكاليف، وبالتالي يأخذ الموظف سلوك الرجل السياسي، هذا السلوكيات تمس كثير بمفهوم اللامركزية وإشراك الجميع في اتخاذ القرارات.
8-فيما يخص مديرية الوظيف العمومي التي لها الشأن الكبير في تسيير الحياة المهنية للموظفين، فإنه من بين أهم مصالحها المجلس الأعلى للوظيفة العمومية الذي له دور استشاري وتوجيهي، هذا المجلس لم ينشأ إلى يومنا هذا. كما أن العلاقة بين مديرية الوظيف العمومي وباقي الإدارات كانت دائما ممركزة من حيث وجوب التأشيرة القبلية للوظيف العمومي في أي تسيير للحياة المهنية للموظف.
9-المتمعن في قانون البلدية والولاية يعرف أنهما مجموعتان تجسدان اللامركزية بامتلاكهما لشخصية المعنوية والاستقلالية المالية، مما يعني امتلاك الموظفين لهما لنظام خاص. في حين يتمتع موظفوا البلديات بنظام خاص تجسيدا لنظام اللامركزية ينطبق على موظفي الولاية باقي نظام الإدارات العمومية.
10-نقص حاد في الموارد المالية لتسيير الموارد البشرية بصفة عادية وهذه بعض الحقائق المسجلة لسنة 1993.
أ-شكلت كتلة الأجور %66,84 من ميزانية التسيير للبلديات.
ب-1159 بلدية من بين 1541 متواجدة تعاني من مشاكل مالية عويصة وتلجأ لصندوق دعم الجماعات المحلية التابع لوزارة الداخلية والجماعات المحلية.
جـ-نسبة التأطير تقل عن %5 في بلديات الوطن.
د-الإنعدام التام لمخططات التكوين على مستوى البلديات، و %95 من موظفي البلديات لم يستفيدو من أي تكوين في حياتهم المهنية.
و-غياب الآليات لتحويل أو نقل الموظفين بين البلديات، وهذا لغياب جهاز يتولى تسيير حركة المستخدمين في البلديات.
II-إزداد عدد الموظفين بين سنة 1985 و 1994 من 790 738 موظف إلى644 211 1 موظف، حيث أصبح عدد الموظفين يشكل ¼ من مجموع اليد العاملة الذي يمثل 4,2 موظف لكل 100 ساكن، وهذا الرقم يظهر معقول بالمقارنة مع باقي الدول، لكن في حقيقة الأمر فإن نسبة الأعوان بدون تأهيل تصل إلى %37 في القطاع العمومي وتفوق %70 من مجموع موظفي البلديات.