هو عمرو بن عبد ود العامري *** والمبارزه لها روايتين اليك الاصوب
حينما جاء أمير المؤمنين عليه السلام يوم الخندق حتى وقف على عمرو بن عبد ود العامري سأله تحقيرًا لهُ : من أنت؟
فقال عمرو: ما ظننت أنيّ أقف موقفًا أُجهل فيه ، أنا عمرو بن عبد ود ، فمن أنت؟ .
قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا علي بن أبي طالب.
قال عمرو: الغلام الذي كنت أراك في حجر أبي طالب؟
قال أمير المؤمنين عليه السلام: نعم
قال عمرو: إن أباك كان لي صديقـًا وأنا أكره أن أقتلك.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لكني لا أكره أن أقتلك، وأضاف: بلغني أنك تعلقت بأستار الكعبة وعاهدت الله عز وجل أن لا يخيّرك رجلٌ بين ثلاث خِلال إلا اخترت فيها خلة.
(حيث كان يُعرف عن عمرو تعاقده مع الله في المسجد الحرام وهو متعلق بأستار الكعبة إذا اقترح عليه أحد ثلاثة أمور ألا يخيـّبه فإما ان يعطيه الأمور الثلاثة ، وإما إثنين من الثلاثة ، وعلى الأقل يعطيه واحد من الأمور الثلاثة)
قال عمرو: صدقوا.
فبادره أمير المؤمنين بثلاث طلبات كانت كما يلي:
1- إما أن ترجع من حيث جئت. فقال عمرو: لا ،، تحدّث بها قريش.
2- أو تدخل في ديننا فيكون لك ما لنا وعليك ما علينا. فقال عمرو: ولا هذه.
3- فأنت فارس وأنا راجل، فانزل عن فرسك.
فنزل عمرو عن فرسه وقال : ما لقيت من أحدٍ ما لقيت من هذا الغلام.
ثم قُتـِل عمرو ، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ابشر يا علي فلو وُزِن اليوم عملكَ بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم.
وهنا نتوقف لنذكر عدة ملاحظات:
• ضرَبَ أمير المؤمنين بسيفه رجليّ عمرو أو إحدى رجليه فقطعها والسيف لا تقطع إلا إذا كانت الضربة سريعة ، مما يعني أن قتل عمرو لم يستغرق سوى بضع ثوان إذ بهذه الضربة قُتِل.
• كان هناك عُرف يؤيده الشرع أن القاتل لهُ كل ما على بدن القتيل ، كسيفه ورمحه وملابسه ودرعه ، وجرت العادة بأن يلبس الأبطال أشياءً ذات قيمة عالية ، ولكن أمير المؤمنين ترك ما على عمرو لورثة عمرو ولم يكن هذا يحدث في عرف ذلك الزمان.
• كشف عمرو بن عبد ود عورته أيضًا لأمير المؤمنين ، لعلمه أن أمير المؤمنين إذا كشف أحدهم عورته بين يديه فإنه يتراجع ، ولكن جاء عمل عمرو بعد فوات الأوان وذلك بعد أن ضربه أمير المؤمنين على رجليه فسقط ليموت فكشف عورته في أثناء سقوطه ليقتدي بهذا العمل بعمرو بن العاص وبسر بن أرطأة.
• يتضح ضعف شخصية عمرو بن عبد ود في إجابته على الطلب الأول لأمير المؤمنين حيث علل رفضه بقوله (تحدّث بها قريش) أي أن قريش ستقول عمرو خاف وتراجع ، وهذا يدل على أنه في داخله لا يوجد شخصية فهو مقلّد للمجتمع وليس مؤثـّـر في المجتمع وليس له إستقلالية في الرأي ، فهو عبد للمجتمع وليس حرًا.
• تتضح عظمة المعصوم صلوات الله عليه إذ كان أمير المؤمنين يتمكن أن يقترح على عمرو اقتراح ثالث تعجيزي حتى يفضحه ويبيـّـن أمام التاريخ أنه تعاهد مع الله ولكنه تنازل عن عهده، ولكن أمير المؤمنين جعل اقتراحه الثالث اقتراحًا يتمكن عمرو من الإستجابة له.
• أثبت تاريخ أمير المؤمنين العسكري أنه كان يقاتل وهو راجل مع الفوارس ومع الراجلين ، ولم يطلب في غير هذا الموقع من فارس أن ينزل عن فرسه إذ لا تهمه هذه الأشياء ولذا كان طلبه الثالث لعدم فضح عمرو.
الثانيه*******كانت تحدث بعض المناوشات بين المسلمين والمشركين حول الخندق، تقوى أحياناً وتضعف أحياناً أخرى، وكان في الخندق ثغرة ضيّقة استطاع عمرو بن عبد ود العامري وخمسة من فرسان المشركين اجتيازها، وحاول بقية فرسان قريش عبورها، إلاَّ أنَّ عليّاً وبعض المسلمين رابطوا فيها وصدّوهم عن ذلك.
وأقبل عمرو بن عبد ود يصول بفرسه ويجول داعياً النّاس إلى المبارزة، ولكنَّ أحداً من المسلمين لـم يجرؤ على مبارزته إلاَّ عليّاً، حيثُ ترك مكانه وجاء إلى النبيّ (ص) يطلب منه أن يأذن بلقائه، ولكنَّ الرسول (ص) منعه من ذلك. وهكذا تكررت نداءات عمرو مراتٍ عدّة، وفي كلِّ مرة لا يخرج إلاَّ عليّ (ع)، ولما رأى عمرو أنَّ أحداً لا يُجيبه، جعل يتحداهم ويتهمهم في دينهم ويذكّرهم بالجنّة التي يدّعون، والنبيّ (ص) يصوِّب نظره نحو المسلمين ويدعوهم إلى مبارزته، فلم يستجب له أحد.
وأخيراً، سمح الرسول (ص) لعليّ (ع) بمبارزة عمرو ودعا ربّه: "ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين" ثُمَّ قال له: "برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه".
وبرز عليّ (ع) لعمرو بعد أن دعاه إلى ثلاث: وهي الإسلام، أو الرجوع إلى مكة بمن يتبعه من قريش، والأخيرة الدعوة إلى البراز، فرفض الأولين واستجاب للثالثة، بحيث تمكّن عليّ (ع) من قتله، وفيها قال رسول اللّه (ص) "لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل أعمال أمتي إلى يوم القيامة"، وجاء في حديث آخر: "إنَّ ضربة عليّ يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين"