نعم لطاعة الزوج حدود :
=============
لا شك أن الطاعة من لوازم القوامة التي جعلها الله للرجل على امرأته وأن المرأة الصالحة من خصالها طاعة زوجها والتواضع له، كما قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ{النساء : 34}:
قال الجصاص في أحكام القرآن: أفاد ذلك لزومها طاعته، لأن وصفه بالقيام عليها يقتضي ذلك.هـ.
وقال الطبري: ذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن، ولذلك صاروا قواما عليهن نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن.
وقوله ـ قانتات ـ يعني مطيعات لله ولأزواجهن.
ومما ورد في السنة في شأن طاعة الزوج أن عمة لحصين بن محصن ـ رضي الله عنه ـ أتت النبي صلى الله عليه وسلم: فقال لها: أذات زوج أنت؟ قالت: نعم، قال: فأين أنت منه؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه قال: فكيف أنت له؟ فإنه جنتك ونارك.
قال المنذري: رواه أحمد والنسائي بإسنادين جيدين، والحاكم وقال صحيح الإسناد.هـ.
وصححه الألباني.
وعن عمرو بن الحارث بن المصطلق ـ رضي الله عنه ـ قال: كان يقال أشد الناس عذابا يوم القيامة اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قوم وهم له كارهون. رواه الترمذي، وصحح الألباني إسناده.
ولهذا اتفق الفقهاء ـ كما جاء في الموسوعة الفقهية ـ على أن طاعة الزوج واجبة على الزوجة، لقوله تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم.
ولكن، هل هذه الطاعة مطلقة في كل ما ليس بمعصية بحسب طاقة المرأة بحيث يرفع عنها الضرر؟ أم هي مقيدة بالنكاح وتوابعه مما يتعلق بالزوج من حقوق؟ وأكثر من وقفنا على كلامه من أهل العلم على القول الأول، ففي الآداب الشرعية عن الإمام أحمد قال: تطيعه في كل ما أمرها به من الطاعة.هـ.
يتفرع على هذا الخلاف حكم طاعة الزوجة لزوجها في المسائل الخلافية والقول الأول هو الراجح ـ إن شاء الله تعالى ـ لظاهر إطلاق الأدلة الشرعية، والمطلق يبقى على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل، وقد وجدنا في الأدلة قيدين:
الأول: أن لا يكون ذلك في معصية الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
رواه أحمد، وصححه الألباني.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الطاعة في المعروف.
متفق عليه.
قال القرطبي في المفهم: يعنى بالمعروف هنا: ما ليس بمنكرٍ ولا معصية فتدخل فيه الطاعات الواجبة والمندوب إليها والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائزِ لصارت طاعته فيه واجبة، ولما حَلَّتْ مخالفتُه.هـ.
الثاني: كونها في حدود المستطاع بحيث يزال الضرر عن الزوجة، فإن التكاليف الشرعية منوطة بالاستطاعة، كما قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {التغابن:19}.
وقال صلى الله عليه وسلم: وإذ أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.
متفق عليه.
وقال ـ أيضا ـ صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار.
رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني.
قال السعدي في بهجة قلوب الأبرار: هذا الحديث ـ يعني حديث: إنما الطاعة في المعروف.
قيد في كل من تجب طاعته من الولاة والوالدين والزوج وغيرهم، فإن الشارع أمر بطاعة هؤلاء، وكل منهم طاعته فيما يناسب حاله، وكلها بالمعروف، فإن الشارع رد الناس ـ في كثير مما أمرهم به ـ إلى العرف والعادة، كالبر والصلة والعدل والإحسان العام، فكذلك طاعة من تجب طاعته، وكلها تقيد بهذا القيد، وأن من أمر منهم بمعصية الله بفعل محرم أو ترك واجب، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، فإذا أمر أحدهم بقتل معصوم أو ضربه أو أخذ ماله أو بترك حج واجب أو عبادة واجبة، أو بقطيعة من تجب صلته، فلا طاعة لهم، وتقدم طاعة الله على طاعة الخلق ويفهم من هذا الحديث: أنه إذا تعارضت طاعة هؤلاء الواجبة ونافلة من النوافل، فإن طاعتهم تقدم، لأن ترك النفل ليس بمعصية، فإذا نهى زوجته عن صيام النفل أو حج النفل أو أمر الوالي بأمر من أمور السياسة يستلزم ترك مستحب، وجب تقديم الواجب، وقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الطاعة في المعروف.
كما أنه يتناول ما ذكرنا، فإنه يتناول ـ أيضا ـ تعليق ذلك بالقدرة والاستطاعة، كما تعلق الواجبات بأصل الشرع.هـ.
وعلى ذلك، فلو اعتقدت الزوجة تحريم شيء أو وجوبه فلا يجوز لها طاعة زوجها في فعل الحرام وترك الواجب الذي تعتقده، حتى ولو كان في ذلك خلاف سائغ بين العلماء، بخلاف ما كان خارجا عن دائرة الواجب والمحرم فألزمها زوجها بفعله أو تركه، فالراجح أنه يلزمها طاعته في حدود قدرتها، وقد نص الفقهاء على أن المسائل الخلافية تجب طاعة من تجب طاعته من والد وزوج إذا أمر بأحد الوجهين فيها ولم يكن أمره موجباً للوقوع فيما ترجح تحريمه، وقالوا: من وجبت طاعته وجبت في المباح إلا لضرر، فهي تشبه طاعة الوالد وطاعة ولي الأمر، فهي طاعة بالمعروف،
والله أعلم.
اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد النبى الامى وعلى ال واصحابه اجمعين .