ورد في سبب نزول هذه الآيات من سورة الكهف : أن النضر بن الحارث - أحد دهاة قريش وأشرارها – كان يناصب النبي صلى الله عليه وسلم العداء ، وكان يتلقى في أسفاره إلى الحيرة أحاديث الفرس وأقاصيصهم ، فكان يحارب بها أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته إلى الاسلام ، فكان كلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا يذكّر الناس فيه بالله ، ويذكر فيه قصص المعرضين عن دين الله ودعوته وكيف أصابهم العذاب والنكال والعقاب ، يأتي خلفه النضر بعد ذهابه ويقول : أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه ، فتعالوا أحدثكم بأحسن من حديثه عن ملوك فارس.
ثم إن قريشا بعثته مع عقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهم : سلوهم عن محمد وصفته ، وأخبروهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم من العلم ماليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمد صلى الله عليه وسلم فقال أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث : عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم ؟ فإن حديثهم عجب ، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فإن أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقوّل، فلما قدم النضر وصاحبه مكة قالا : قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد ، وأخبروا بما قاله اليهود، فجاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسألوه : فقال أخبركم ما سألتم غدا ، ولم يستثني ، فانصرفوا عنه ، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة . فشق ذلك عليه ، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند ربه بسورة الكهف وفيها معاتبة الله إياه على حزنه عليهم ، وفيها خبر أولئك الفتية ، وخبر الرجل الطواف (2) ،
* تعرضت السورة الكريمة لثلاث قصص من روائع قصص القرآن، في سبيل تقرير أهدافها الأساسية لتثبيت العقيدة، والإيمان بعظمة ذي الجلال ..
أما الأولى فهي قصة "أصحاب الكهف" وهي قصة التضحية بالنفس في سبيل العقيدة، وهم الفتية المؤمنون الذي خرجوا من بلادهم فراراً بدينهم، ولجأوا إلى غارٍ في الجبل، ثم مكثوا فيه نياماً ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم الله بعد تلك المدة الطويلة ، (الآية رقم 9 إل 26)
* والقصة الثانية: قصة موسى مع الخضر، وهي قصة التواضع في سبيل طلب العلم، وما جرى من الأخبار الغيبية التي أطلع الله عليها ذلك العبد الصالح "الخضر" ولم يعرفها موسى عليه السلام حتى أعلمه بها الخضر كقصة السفية، وحادثة قتل الغلام، وبناء الجدار، (الآية رقم 60 إلى 82)
* والقصة الثالثة: قصة "ذي القرنين" وهو ملك مكَّن الله تعالى له بالتقوى والعدل أن يبسط سلطانه على المعمورة، وأن يملك مشارق الأرض ومغاربها، وما كان من أمره في بناء السدِّ العظيم ، وسمي ذي القرنين لأنه طاف المشرق و المغرب أو المشارق و المغارب فسمي بذي القرنين ( ويسمى أيضاً الرجل الطواف ) (الأية رقم 83 إلى 99)