إذا كانت الهمة عالية تعبت في مرادها الأجسام
من رُزِق همَّة عالية؛ يعذب بمقدار علوِّها، كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام
وقال الآخر:
ولكل جسم في النحول بلية وبلاء جسمي من تفاوت همتي
وبيان هذا أنَّ من عَلَت همَّته؛ طلب العلوم كلها، ولم يقتصر على بعضها، وطلب من كل علم نهايته، وهذا لا يحتمله البدن.
ثم يرى أنَّ المراد العمل، فيجتهد في قيام الليل وصيام النهار، والجمع بين ذلك وبين العلم صعب. ثم يرى ترك الدنيا ويحتاج إلى ما لا بُدَّ منه، ويحب الإيثار ولا يقدر على البخل، ويتقاضاه الكرم البذل، ويمنعه عزُّ النفس عن الكسب من وجوه التبذُّل[1]، فإن هو جرى على طبعه من الكرم؛ احتاج وافتقر وتأثَّر بدنه وعائلته، وإن أمسك؛ فطبعه يأبى ذلك.
وفي الجملة يحتاج إلى معاناة وجمع بين أضداد، فهو أبدًا في نصب لا ينقضي، وتعب لا يفرغ.
ثم إذا حقَّق الإخلاص في الأعمال؛ زاد
تعبه، وقوِيَ وَصَبُه[2].