أخى الكريم
من فتاوى اللجنة الدائمة للافتاء فى السعودية ما يلى:
"الصحيح من أقوال العلماء أن لمس المرأة أو مصافحتها لا ينقض الوضوء مطلقا , سواء كانت أجنبية أم زوجة أم محرما لأن الأصل استصحاب الوضوء حتى يثبت من الشرع ما يدل على نقضه ولم يثبت ذلك في حديث صحيح , وأما الملامسة في قوله : (( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم)) إلى قوله (( وإن كنت مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه )) المائدة : 6 فالمراد بها الجماع على الصحيح من أقوال العلماء"
وجاء فى مذكرات العلامة الدكتور يوسف القرضاوى حفظه الله ما نصه
"وقد كان المعتاد لعلماء قريتنا في دروس الفقه: أن يدرسوه على مذهب الشافعي، حتى العلماء الأحناف يدرسون الفقه على المذهب الشافعي، تأسيسا على أن مذهب عوام القرية هو الشافعي، مع أن مذهب المحققين من العلماء: أن العامي لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب من يفتيه.
ومن المعلوم أن مذهب الإمام الشافعي أشد المذاهب المتبوعة في العبادات، ولا سيما في مسائل الطهارة والنجاسة، حتى قال الإمام أبو حامد الغزالي في (الإحياء) معلقا على مذهب الشافعي ـوهو شافعيّ ـ في مسائل الطهارة: كنت أود أن يكون مذهبه في المياه كمذهب مالك، وقوى مذهب مالك بسبعة أوجه.
لهذا اخترت أن أدرس الفقه غير ملتزم بمذهب الشافعي، بل على طريقة (فقه السنة) للشيخ "سيد سابق"، وقد ظهر الجزء الأول منه في الطهارة، وقدّم له حسن البنا، و(الدين الخالص) للعالم الكبير الشيخ محمود "خطاب السبكي"، مؤسس الجمعية الشرعية في مصر.
وكان هذا النهج مخالفا لما ألفه الناس من علماء القرية قبلي، كما كان من ثمرته آراء جديدة، استغربها الناس في أول الأمر، وإن وجدوا فيها كثيرا من التيسير والتسهيل عليهم، مثل القول بأن كل ما يؤكل لحمه فبوله وروثه طاهر، وهو مذهب مالك، ورجحه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة.
والقول بأن الماء إذا وقعت فيه النجاسة ـوإن كان قليلا ـ لا ينجس إلا بتغير طعمه أو لونه أو رائحته، فإن الله خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء، كما دل عليه حديث بئر بضاعة وغيره.
وكذلك القول بأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وقد أحدثت هذه الآراء ضجة في القرية، وعزّ على بعض الناس أن يخالفوا ما ألفوه وتوارثوه من قديم الزمان، وقال بعض العوام المتنورين من ملازمي المشايخ القدامى ودروسهم: كيف يخالف هذا الشاب الذي لا يزال طالبا كبار المشايخ من علماء المعاهد وكليات الأزهر، ويأتينا بهذه الآراء الجديدة والغريبة؟
واحتشد عدد منهم ليناقشوني، ورحبت بهذا النقاش، وقلت لهم: بيني وبينكم كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وإني لا أختار رأيا في مسألة إلا وقد قال به إمام من أئمة المسلمين، فلا أخرج على إجماع أبدا.
وكان أول مسألة جادلوني فيها هي قضية عدم نقض الوضوء بلمس المرأة. وقالوا: مذهب الشافعي هو الموافق للقرآن الذي قال: "أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" (المائدة:7).
قلت لهم: اختلف الصحابة والتابعون في المراد باللمس أو الملامسة في هذه الآية، فأخذ ابن عمر بظاهر اللفظ، وأن اللمس أو الملامسة هو وضع البشرة على البشرة، وقال ابن عباس: المس واللمس والملامسة في القرآن كناية عن الجماع، ولكن الله تعالى حيي كريم يكني عما شاء بما شاء.
وابن عباس هو ترجمان القرآن، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه التأويل، ويؤيد تأويله قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً" (الأحزاب: 49) فالمراد بالمس هنا: الدخول بالمرأة. وقد تكرر هذا في القرآن. ومثال ذلك قول مريم عليها السلام: "ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا" (مريم: 20)، ثم إن الآية على فهم ابن عباس تكون قد أشارت إلى الحدث الأصغر الذي كَنَّت عنه بقولها: "أو جاء أحد منكم من الغائط" ومن الحدث الأكبر، الذي كنّت عنه بقولها: "أو لامستم النساء" بخلاف الفهم الآخر، فلا يكون في الآية أي دلالة على التيمم من الحدث الأكبر.
ثم ذكرت لهم الحديث الذي يبين: أن عائشة رضي الله عنها لمست باطن قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في صلاته، ولم يخرج منها، ولو كان لمسها ناقضا للوضوء لخرج من الصلاة، وجدد وضوءه، والقول بأنه كان بحائل خروج عن الظاهر، لا دليل عليه.
ولو أخذنا بظاهر الآية "أو لامستم النساء"كما أخذ الشافعي، لوجب أن ينتقض الوضوء بلمس المرأة المحرم كالأم والأخت والابنة، لأنهن من النساء، كما هو رأي الظاهرية.
وبعد هذه المناقشة الساخنة، لم يجد المعارضون في أيديهم حجة، وقالوا: هل نستطيع أن نجادل أزهريا؟ قلت لهم: نحن أسرى الأدلة، فمن كان معه الدليل فهو الأقوى والأبقى.
وشاع هذا الفقه الجديد في القرية حتى بين نسائها، وإن كن لا يحضرن هذه الدروس، ولا سيما أن لمس المرأة ونقضها لوضوء الرجل، كثيرا ما كان يحدث مشكلة بين الرجال وزوجاتهم، وخصوصا في فصل الشتاء، عندما يجيء الرجل من الحقل، ويذهب إلى المسجد، ويتوضأ لصلاة المغرب، ثم يصليها، ويعود إلى بيته للعَشاء كالعادة، وفي أثناء تقديم الطعام قد تلامس المرأة يد زوجها خطأ، وهنا يغضب الرجل، ويثور على امرأته التي أضاعت وضوءه، وهذا يكلفه وضوءا جديدا في هذا البرد الشديد، وكثيرا ما يقع شجار، ويشب حريق في البيت بسبب هذا الأمر. وقد حدثني بعض المستنيرين منهم أن فلانا من القرية كاد يحدث هذا الشجار بينه وبين زوجته بسبب هذا اللمس الخطأ، وما كاد يصرخ في زوجته حتى قالت له: هوِّن عليك. صل على مذهب الشيخ يوسف!
والحقيقة أنه ليس مذهب الشيخ يوسف، إنما هو مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، بل هو مذهب الإمام مالك وأحمد فيمن لمس بغير شهوة. كما في هذه القضية."