هناك العديد من المشاكل في ساطنة عمان منها الابار : الأمن الغذائي أصبح اليوم هاجسا يؤرق الدول والشعوب خاصة في ظل ارتفاع الأسعار خلال السنوات القليلة الماضية حيث يتوقع البنك الدولي أن تصل تكلفة بعض المواد الغذائية الأساسية في السنوات المقبلة خارج قدرة المستهلك العادي وسيكون تأثير ذلك على الدول الفقيرة وغير المنتجة للغذاء بالغ الخطورة حيث تنفق الأغلبية العظمى من الناس ما يصل إلى ثلثي دخلها اليومي على الطعام، ولذلك فإن ارتفاع أسعار الغذاء يشكل خطراً على النمو العالمي والاستقرار الاجتماعي. في الوقت الحاضر وحسب إحصائيات البنك الدولي يصل عدد الجائعين في العالم إلى ما يقارب المليار نسمة، ويشكل تقلّب أسعار المواد الغذائية على مستوى العالم إحدى القضايا التي أصبحت الدول تهتم بها، ولكن كيف لنا أن نطور إنتاجنا الزراعي الذي هو أساس الضمان الغذائي في بيئة تعاني أصلا من الجفاف والقحط المستمر بل زاد التغير المناخي الأمر سوء في الدول المسماة الجافة وشبه الجافة كما هو الحال بسلطنة عمان، حيث تراجعت معدلات سقوط الأمطار. في الوقت الحاضر تواجه سلطنة عمان مشكلة نضوب المياه الجوفية في بعض مناطق السلطنة لأسباب تعود إلى الاستخدام المفرط للمياه الجوفية عبر السنوات الماضية، فمنذ سبعينات القرن الماضي وتمشيا مع التقدم التكنولوجي الذي شهده العالم فقد اختفى النمط التقليدي في استخراج وسحب المياه الجوفية للزراعة الذي كان يشكل عنصر توازن بين الاستهلاك والتعويض، لتحل محله المعدات الحديثة سواء كان من حيث حفر الآبار إلى أعماق قد تتعدى 700 متر أو من حيث تركيب مضخات عالية القدرة في سحب المياه، ولذلك أخذ منسوب المياه الجوفية يتناقص بشكل سريع ومستمر، فقد ساد فترة الثمانينات من القرن الماضي نمو كبير في حفر الآبار واستحداث المزارع دون إدراك بأن المصادر المائية التي تعتمد عليها تلك المزارع تقوم على مخزون مياه جوفي غير متجدد ويتم استنفاده دون تعويض مناسب حتى أصبحت مشكلة المياه الجوفية كما هو الآن. لقد نتج عن ازدياد معدلات الاستهلاك مؤشرات سلبية في عدد من مناطق السلطنة خاصة المناطق التي تعتمد كليًا على مصادر المياه الجوفية سواء كان للشرب أو للزراعة، حيث تراجع منسوب المياه في المنطقة الداخلية البعيدة عن المرتفعات الجبلية كسهل وادي قريات ومنطقة الجبيات بالظاهرة، وحول ولاية إبراء بمنطقة الشرقية ومناطق أخرى مختلفة، ليس هذا فحسب بل ما تبقى من هذه المياه أصبحت أقل من حيث الجودة في معظمها ولا تصلح للاستخدامات البشرية، وفي ساحل الباطنة وسهل صلالة زحفت مياه البحر المالحة على المياه الجوفية العذبة كنتيجة مباشرة للاستنفاد السريع للمياه الجوفية، حيث يصل نصيب ساحل الباطنه وحدها 47% من العجز المائي بالسلطنة. من جانب آخر تعتبر الزراعة في سلطنة عمان أكبر مستهلك للمياه الجوفية، حيث تستهلك ما يعادل 88% من جملة الموارد المائية بالسلطنة التي في معضمها مياه جوفية، إذ تشير الإحصائيات الرسمية إلى وجود 160 ألف بئر مياه بالسلطنة موزعة على كافة المناطق، يسحب منها حوالي 777 مليون مترا مكعب في السنة، وهذا العدد الضخم من الآبار أصبح عبئًا رئيسيًا على الخزان الجوفي، فالطلب المتزايد على المياه للاستخدامات الشخصية والزراعية لمواكب التنمية ظل في تصاعد مستمر مما أدى إلى زيادة السحب من الخزان الجوفي. في سلطنة عمان لا يوجد تحديد لنوع أو حجم الزراعة المقررة لكل منطقة أو مزرعة ولا يوجد أيضا تحديدً لكمية المياه المفروض استخدامها لذلك النشاط الزراعي، ويترك الأمر للمزارع والذي في الغالب يكون مزارعًا أجنبيًا أتى من مناطق تغمرها المياه ولا يعانون من مشكلات تناقصها، وما تم تطبيقه من وسائل ري حديثة ما زالت غير كافية للحد من الاستهلاك، وفيما لو نظرنا لقيمة المنتجات الزراعية المعروضة بالأسواق في مواسمها المختلفة وقارنا ذلك بالمياه المستخدمة لإنتاجها، فإنه لا يمكننا أن نصل إلى نتيجة مفادها أن تلك المنتجات غير ذات جدوى اقتصادية على الإطلاق. تتركز الزراعة بسلطنة عمان في معظمها على زراعة النخيل، فمن جملة الأشجار المعمرة البالغ عددها حوالي 9.5 مليون شجرة يصل عدد أشجار النخيل إلى حوالي 7.8 مليون نخلة يستهلك الهكتار الواحد منها 10 آلاف مترمكعب من المياه في السنة تصل قيمتها المالية الى نحو 5 آلاف ريال عماني بينما العائد المالي للهكتار لا يتعدى 100 ريال عماني، وتستهلك النخيل 40% من مياه الآبار، أما من حيث توزيع مساحات الأراضي المزروعة فإن النخيل تستحوذ على 52% من المساحات المزروعة تأتي بعدها الحشائش بنسبة 24%، كما أن ساحل الباطنة وسهل صلالة تكثر بهما زراعة الموز التي تحتاج إلى كمية مياه كبيرة. من الواضح أن هذه المحاصيل الزراعية لا تتناسب مع الوضع المائي بالسلطنة من حيث القيمة الاقتصادية، كما أن زراعة النخيل لم تعد ذات مردود اقتصادي كما كانت في الماضي أيضا عندما كان يستفاد من كل منتجاتها، من ثمار وألياف وسعف وأخشاب..الخ. إن مجرد الحديث عن مستقبل النخيل في سلطنة عمان فإنه يتولد لدى الكثير الشعور بالتوجس نظرًا لعلاقة هذه الشجرة الصحراوية بالإنسان العماني عبر التاريخ، بيد أن واقع المياه يحتاج إلى إجراءات غير نمطية للتعايش مع واقع لم يكن مألوفًا لدينا وهو الشح الشديد في موارد المياه، إذا كانت سلطنة عمان ستستمر في الزراعة، فإنه لا بد أن تكون زراعة مستدامة واقتصادية من حيث استهلاك المياه وتضيف رافدًا اقتصاديًا يبرر الاستهلاك العالي للمياه، ولذلك فإنه من المهم البحث عن سلالات اقتصادية نحتاج إليها ونستوردها وتساهم في توفير استهلاك المياه وتلك الأشجار والنباتات التي تتحمل نسبة ملوحة تصل إلى 6000 ميكروموز/سم. وكمثال لما حصل في المخزون الجوفي يمكننا اعتبار حوض وادي قريات التابع لولاية بهلا نموذجا لهذه الأحواض، فمنذ عام 1964م، وحتى أواخر التسعينات كان حوض وادي قريات بولاية بهلا مستغلا لمزارع منتجة للحبوب والخضار وبالأخص القمح بكميات كبيرة لدرجه أنه كان يطلق عليه سلة غذاء عمان، ثم تطور بعد ذلك لزراعة النخيل والأشجار المعمرة واتخذه الأهالي مقرًا دائمًا لإقامتهم، فقد كان الغني يستحدث المزارع ويجلب المضخات والحراثات.. إلخ وكان الفقراء يزرعون الأرض والكل يستفيد من خيرات تلك المنطقة، وبمرور الزمن وفي عهد النهضة المباركة توسعت المزارع وتضاعف عددها وزاد إنتاجها، ولكن الأغلبية لم يدركوا أنهم كانوا يستنزفون حوضا مائية لا يتجدد، وسيأتي اليوم الذي ستنضب فيه تلك المياه بالكامل. الكاتب واحد من أصحاب تلك المزارع، ففي عام 1977م استحدث مزرعة بهذه المنطقة، وفي إطار دعم الحكومة للمزارعين بالمضخات وحفر الآبار وتقديم المشورة والنصح لهم في هذا الجانب، زار المزرعة مهندس هولندي بغية تقييم حاجتها من الدعم، وكان قد سألني سؤالا لم أنسه حتى هذا اليوم جاء فيها: هل لاحظت منذ أن استخدمت هذه البئر أي تحسن في منسوب المياه بعد فترات الأمطار؟ فقلت له لا. قال: إذا المياه لديك في نزول مستمر، فقلت له: نعم، فرد علي بكل بساطه أخشى أن المياه في هذه المنطقة كباقي الآبار الأخرى بوادي قريات هي مياه قديمة وسوف تنتهي بعد مدة من الزمن. في المساء ذكرت ما دار بيني وبين المهندس من حوار مع الأهالي، فكان الجميع يرد متهكمًا كيف يمكن لمياه كمياه وادي قريات أن تنضب؟ وبقينا نتتبع المياه في نزولها واستبدلنا الآبار تلو الآبار بل لم نكتف بذلك فقد قمنا بحفر العديد من الآبار على أعماق كبيرة باستخدام الحفارات (على شكل ثقب في الأرض) لكن المياه ظلت شحيحة وفي تناقص مستمر فقد استمر استنزاف حوض وادي قريات حوالي 40 سنة وقد نفذت هذه المياه الآن بالكامل من الحوض وأصبحت مزارع وادي قريات التي كانت يومًا من الأيام على شكل قرى مزدهرة أطلال من الماضي بنسبة تصل إلى 90%، لقد كان المهندس الهولندي على حق. المراقب لمعدلات استهلاك الأحواض في سلطنة عمان سوف يصل إلى الاستنتاج نفسه الذي جرى في وادي قريات، فهذه المياه مخزنة في باطن الأرض عبر آلاف السنين عندما كانت شبه الجزيرة العربية مطيرة، وبقاءها يعتمد على كمية استهلاكها فكلما كان استهلاكها كبيرًا كلما عجل في نهايتها، لذلك لا فائدة من قيام مشاريع طويلة الأمد وغير مستدامة على هذه الأحواض بل من المهم الاستفادة منها لقيام زراعات موسمية، كزراعة الحبوب والخضر. في نظري لا بد من إعادة تقييم مواردنا المائية وطرق استخدامنا لها بشكل اقتصادي، فعلى الرغم من أن معدلات سقوط الأمطار في سلطنة عمان لا تتعدى 100 مم في السنة فإنه لا يستفاد منها بالشكل المطلوب، حيث تتعرض لأعلى معدلات التبخر تصل إلى 93% من هذه الأمطار، يستفاد بـ7% منها فقط لتغذية الخزان الجوفي، والباقي يذهب هدرًا. يمكن الاستفادة من تدفقات هذه الأودية من خلال احتجازها وتوقيف سرعة جريانها وذلك من خلال وضع مخطط لإقامة المزيد من السدود خاصة على الأودية التي تنحدر من الجبال إلى المناطق الزراعية، فقد أثبتت السدود جدواها إذا ما تمت صيانتها بشكل دوري في رفع منسوب المياه بالخزانات الجوفية، كما أن نجاح سد وادي ضيقة نأمل أن يتبعه سدود أخرى مماثلة كوادي الأبيض، وادي المعيدن، ووادي العين.. الخ. توجد بالسلطنة أعداد كبيرة من الكسارات المقامة أغلبها على الأودية حيث تقوم بجرف الحجارة من على جانبي الأودية وباطنها التي تعتبر مضرة بالبيئة ومشوهه للمنظر العام، ولذلك سيكون من المفيد أن يتم تحديد طريقة حفر واستخلاص الحجارة التي تحتاج إليها هذه الكسارات في أماكن محددة، للاستفادة منها في التقليل من اندفاع المياه الجارفة والسريعة الجريان لملئ تلك الحفر على شكل سدود أو برك، وهذا من شأنه أن يوفر للجهات المعنية مبالغ كبيرة في تنفيذ سدود التغذية الجوفية في المناطق التي توجد بها الكسارات، وبالتالي تحسين مستوى منسوب المياه بالخزان الجوفي بتلك المناطق. وبما أن زيادة معدلات سقوط الأمطار تعتبر الأساس لمعالجة الصعوبات التي يعاني منها الخزان الجوفي، فإنه من المهم أن تستفيد السلطنة من تجارب الدول الأخرى فيما يتعلق بالاستمطار الصناعي حيث قامت دول عربية كالمملكة العربية السعودية، سوريا، الأردن، دولة الإمارات العربية المتحدة بإجراء تجارب وأبحاث على الاستمطار الصناعي، فقد قامت المملكة العربية السعودية على وجه التحديد بإجراء تجارب وأبحاث حققت من خلالها نسبة عالية في معدلات سقوط الأمطار، وتعتبر تايلاند من الدول الرائدة في هذا الجانب. هناك توجه للتوسع في مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي وهذا يعني بأن كمية المياه المعالجة ستكون في تزايد مستمر، أتمنى أن تتم الاستفادة القصوى من هذه المياه ليس فقط في الزراعات البيئية، بل في زراعة تساهم في توفير الغذاء وبالتحديد لري الأشجار المعمرة خاصة زراعة النخيل بدلا من تصريفها بالبحر، لو نظرنا تاريخيا نجد بأن قنوات الأفلاج تبدأ من أعالي المدن والقرى وتنتهي بالحقول الزراعية في الأطراف، وكان السكان يستخدمون مياهها ليس فقط للزراعة بل للغسيل وأعمال النظافة بشتى أنواعها على طول قنواتها، وفيما لو قارنا جودتها عندما تصل إلى الحقول الزراعية فإنها في الغالب ليست أفضل من المياه المعالجة، ولهذا ما هو العائق لتصريف المياه المعالجة في قنوات الأفلاج المتضررة للاستفادة منها في الري؟ الكثير من الدول تستفيد من مياه الصرف الصحي في أعمال الري الزراعي منها سورياة وإيران. يوجد في بعض المناطق من السلطنة بما فيه محافظة مسقط فائض مائي لا يستفاد منه بالقدر الكافي لعدم وجود أراضي زراعية فقد تحولت بعض المناطق الزراعية في مسقط إلى مناطق سكنية بينما بقيت المياه بما فيه الأفلاج فائضة عن الحاجة، خاصة في منطقة الغبرة وروي، ولذلك من المهم التخطيط لنقل هذه المياه بما فيه مياه الصرف الصحي إلى مناطق تتوفر بها أراضي زراعية للاستفادة منها، وهذا بالطبع ينطبق على مخزون مياه سد وادي ضيقة. في مواسم الأمطار نرى الكثير من مياه الأفلاج تتدفق بغزارة شديدة ولا يستفاد منها إلا بأقل القليل، وهي مياه ثمينة وعالية الجودة، والتدفق السريع لمياه الأفلاج في الحقيقة يستنزف مياه الخزانات الجوفي بالسرعة ذاتها، في نظري لا بد من البحث عن وسيلة للسيطرة على سرعة تدفق هذه الأفلاج بغية احتوائها والاستفادة منها كمخزون جوفي لتغذية لأفلاج ذاتها لأطول فترة زمنية ممكنة، هذه المشاريع بالتأكيد ستحتاج إلى تمويل كبير، ولكن الاستثمار في هذا الجانب مهم وسوف يحقق مبدأ التخطيط للحد من الاعتماد كليا على استيراد الغذاء. لذلك فإن مخططاتنا للنمو الزراعي من المهم أن يبدأ بتنمية موارد مائية جديدة والاستفادة من كل قطرة ماء تتوفر لدينا، بعد ذلك يمكننا أن نقيم مشاريع زراعية تحقق مبدأ المساهمة في الاكتفاء الذاتي، والله الموفق.