ليست العروبة تعصبا جنسيا لدم من الدماء ٬ أو لون من الألوان. كما أنها ليست تعصبا ضد دين أو مذهب ٬ فإن الإسلام يعتمد في قيامه وبقائه على الحرية المطلقة ٬ وهو يكافح لمنع الفتنة والإكراه والاستبداد ... ولا يحارب ألبتة لنصرة عقيدة أو إرغام أحد على اعتناقها.
قال الإمام محمد الغزالي :
" ولا أعني بالعرب دما مخصوصا ٬ بل أعني كل متحدث بالعربية ٬ منتسب لأمتها ٬ معتنق لرسالتها ٬ أو مسالم لهذه الرسالة ٬ غير مشاق لأهلها ٬ ولا متول لأعدائها. فمن أعوزته هذه المواهب ٬ ولو ولد في بطحاء مكة؛ فليس بأهل للعروبة. ومن استجمعها من الزنوج فهو عربي أصيل لا يعيبه لون ولا يؤخره جنس. روى الحافظ بن عساكر قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي ٬
وصهيب الرومي ٬ وبلال الحبشي ٬ فقال: هؤلاء الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل “يعني النبي صلى الله عليه وسلم ” فما بال هذا وهذا؟ مشيرا إلى غير العرب من الجالسين” ؟ فقام إليه معاذ بن جبل رضي الله عنه فأخذ بتلابيبه ٬ ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقاله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد ٬ ثم نودي: الصلاة جامعة ٬ فاجتمع الناس فخطبهم قائلا: ` يا أيها الناس إن الرب واحد ٬ وإن الدين واحد ٬ وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ٬ وإنما هي اللسان ٬ فمن تكلم العربية فهو عربي ` . ليست العروبة إذن تعصبا جنس يا لدم من الدماء ٬ أو لون من الألوان. كما أنها ليست تعصبا ضد دين أو مذهب ٬ فإن الإسلام يعتمد في قيامه وبقائه على الحرية المطلقة ٬ وهو يكافح لمنع الفتنة والإكراه والاستبداد ... ولا يحارب ألبتة لنصرة عقيدة أو إرغام أحد على اعتناقها. وقد مات النبي العربي ودرعه مرهونة عند تاجر يهودي كان يحيا في المدينة آمنا على نفسه ودمه وعرضه ٬ بل بلغ من أمانه العجيب أن طلب من سيد العرب رهنا كي يسلفه ما يشاء ... ولم ير الرسول العربي في ذلك غضاضة مع اختلاف الدين ٬
وضعف اليهود ٬ وسبقهم القديم بالعدوان. وقد شاء الله أن تكون مصر موئل الإسلام والعروبة ٬
وحصنهما السامي منذ أجيال بعيدة. ولن ينسى التاريخ مواقف البطولة التي وقفها أجدادنا عندما كادت حضارة العالم تزول ٬ ومدنيته تطمس ٬ بعدما انطلق التتار من الشرق ٬ والصليبيون من الغرب ٬ يدمرون أمامهم كل شيء ٬ ويخربون كل ما شادت الإنسانية من فضائل ومعالم ٬ ويطوون تحت أقدامهم العواصم الزاهرة والمدائن العامرة. إن أجدادنا في هذه الفترة العصيبة هم وحدهم الذين انتصبوا أمام المردة المنطلقين ٬ واستطاعوا أن يكسروا السيل الجائح وأن يردوه على أعقابه ٬ فانهزم الهمج المقبلون من الشرق ٬ وأدبر القراصنة الهاجمون من الغرب.
حقيقة القومية العربية / محمد الغزالى / 11 ـ 12