اهلا بكم اليكم ما سالتم والمزيد
النسخ ... الدلالة اللغوية والشرعية
يذكر اللغويون لمادة النسخ عدة معان تدور بين النقل والإبطال والإزالة، فيقولون نسخ زيد الكتاب إذا نقله عن معارضة (مقابلة) ونسخ النحل إذا نقله من خلية إلى أخرى، ويقولون نسخ الشيب الشباب إذا أزاله وحل محله، ويقولون : نسخت الريح آثار القوم إذا أبطلتها.
يقول ابن فارس: "النون والسين والخاء أصل واحد، إلا أنه مختلف في قياسه، قال قوم : قياسه رفع شيء وإثبات غيره مكانه، وقال آخرون قياسه تحويل شيء إلى شيء، وكل شيء خلف شيئا فقد اتتسخه وانتسخت الشمس الظل، والشيب الشباب ومنه تناسخ الأزمنة والقرون"[4].
ويقول صاحب "لسان العرب" :"النسخ إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه ... النسخ تبديل الشيء من الشيء وغيره.
ونسخ الشيء بالشيء نسخه وانتسخه، أزاله به وأداله، والشيء ينسخ الشيء نسخا أي يزيله ويكون مكانه ...
والأشياء تناسخ، تداول فيكون بعضها مكان بعض كالدول والملك..
وأمام هذه المعاني المتعددة للمادة نراهم يختلفون في أيها هو المعنى الحقيقي وأيها مجاز له، ثم يتجاوز هذا الخلاف دائرتهم إلى الأصوليين والمفسرين والمؤلفين في الناسخ والمنسوخ حين ينقلون عنهم.
فهذا أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم يقرر أن اشتقاق النسخ من شيئين أحدهما يقال : نسخت الشمس الظل إذا أزالته وحلت محله، ونظير هذا "فينسخ الله ما يلقي الشيطان". والآخر من نسخت الكتاب إذا نقلته من نسخته وعلى هذا الناسخ والمنسوخ[6].
وهذا أبو محمد مكي بن أبي طالب القرطبي صاحب الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ينكر على النحاس إجازة أن يكون النسخ في القرآن بمعنى النقل، ويحكم بأن هذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن ناسخة لآية أخرى، كلاهما بلفظ واحد ومعنى واحد،
في حين يذهب أبو البركات محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد السعيدي، النحوي في كتابه "الإيجاز في معرفة ما في القرآن من منسوخ وناسخ" إلى ترجيح قول النحاس على قول مكي إذ قال : ويشهد لما قاله النحاس قوله تعالى "إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون"[8]"[9].
.
وأما الغزالي فهو يصور –في المستصفى- الاتجاه على الحقيقة في كل من الإزالة والنقل، ويقرر أن مادة النسخ مشتركة بينهما
إذا انتقلنا إلى المفسرين فإننا نلحظ نفس الملاحظة، وهو اختلافهم في تحديد حقيقة النسخ من مجازه، ومن أعجزه ذلك،
فهذا ابن كثير الدمشقي في تفسيره للآية 106 من سورة البقرة يقول: "قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه "ما ننسخ من آية "ما نبدل من آية، وقال ابن جرير : عن مجاهد " ما ننسخ من آية" أي ما نمحو من آية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "ما ننسخ من آية" قال نثبت خطها، ونبدل حكمها حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وقال ابن أبي حاتم وروى عن أبي العالية، ومحمد بن كعب نحو ذلك، وقال الضحاك "ما ننسخ من آية "ما ننسك. وقال عطاء أما "ما ننسخ" فما نترك من القرآن، وقال ابن أبي حاتم يعني ترك فلم ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم وقال السدي "ما ننسخ من آية" نسخها قبضها، وقال ابن أبي حاتم : يعني قبضها رفعها مثل قوله "الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموها البتة". وقال ابن جرير "ما ننسخ من آية" ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن نحول الحلال حراما والحرام حلالا... وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله، ونقل عبارة إلى غيرها وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة"[12].
أما القرطبي في تفسيره فيحكم أن حقيقة النسخ الإبطال والإزالة
- أحدهما: النقل، كنقل كتاب من آخر،وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخ، أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وهذا لا مدخل له في هذه الآية، ومنه قوله تعالى :"إذ كنا نستنسخ ما كنتم تعملون" أي نأمر بنسخه وإثباته.
- الثاني: الإبطال والإزالة، وهو المقصود هنا، وهو منقسم في اللغة على ضربين :
o أحدهما : إبطال الشيء وزواله وإقامة أخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله وهو معنى قوله تعالى :"ما نسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها".
o الثاني : إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه، كقولهم، نسخت الريح الأثر ومن هذا المعنى قوله تعالى "فينسخ الله ما يلقي الشيطان"[13]. أي يزله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بد له"[14].
القائلون بالنسخ؟
كيف يدعى النسخ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم والعلماء قد اشترطوا أن الزمن الذي يسوغ فيه نسخ النصوص هو عصر الرسالة دون ما بعده؟
كيف يتبدل الوحي ويتحول والله يحكم بأنه "لا تبديل لكلماته"
إنها أسئلة تمثل اعتراضات وجيهة عن القول بالنسخ، وتزداد وجاهتها بالنظر إلى عدد الآيات التي حكم القائلون بالنسخ بنسخها، إذ "اعتبر ابن العربي المعافري عدد الآيات المنسوخة، مائة آية خمس وسبعون آية منسوخة بآية القتال، وذهب ابن حزم في كتابه معرفة الناسخ والمنسوخ أن آيات النسخ تبلغ مائتين وأربع عشرة آية، وذهب أبو جعفر النحاس في كتابه، الناسخ والمنسوخ إلى أنها تبلغ مائة وأربعا وثلاثين آية، وأوصلها ابن سلامة الضرير إلى مائتين وثلاث عشرة آية ...في حين أوصلها "ابن الجوزي إلى مائتين وسبعة وأربعين آية". أغلبها منسوخ بآية السيف.
إن القول بنسخ هذا العدد من الآيات القرآنية أمر خطير يحتاج على أمر محقق،وهو الغائب في كثير من الكتابات التي ألفت في موضوع النسخ.
فالقول بآية السيف يعطل العمل بآيات قرآنية هي من القواعد الكلية والمبادئ العامة في الدين الإسلامي، من ذلك قوله تعالى: "لا إكراه في الدين", "ولو شاء ربك لأمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين", "فاصفح الصفح الجميل" , "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" وغيرها...
حيث "لم يترك الموسعون في النسخ آية تدعو إلى الرفق واللين أو العفو والصفح أو الصبر والدفع بالتي هي أحسن او غير ذلك مما هو أساس في مكارم الأخلاق التي أعلن محمد عليه الصلاة والسلام انه بعث ليتممها إلا قالوا عنها نسختها آية السيف"
بعد هذا الاستطراد الضروري نعود لمعالجة الهدف الأساسي من هذا المحور وهو تفنيد دعوى النسخ في القرآن ولتحقيق ذلك لابد من :
مناقشة أدلة القائلين بالنسخ والرد عليها :
الأدلة التي استدل بها القائلون بالنسخ هي الآيات القرآنية :
"ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها، الم تعلم أن الله على شيء قدير
"وإذ بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما انت مفتر"
"ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلناهم أزواجا وذرية، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعند أم الكتاب"
هذه هي الأدلة التي يحتج بها القائلون بالنسخ على وقوعه في القرآن الكريم ومن تم شريعة الإسلام، ولنا أن نتساءل.
- ما المراد "بالنسخ" في الآية 106 من سورة البقرة، أهو النسخ العام لشريعة بشريعة أخرى، وقد تحقق للإسلام نسخة كل شريعة سبقته أم هو النسخ الجزئي لحكم في شريعة الإسلام بحكم آخر فيها؟
- ما المراد بالمحو والإثبات "في الآيتين 39-40 من سورة الرعد أهو التنويع في معجزات الأنبياء والرسل، فتمحى معجزة رسول لتحل معجزة الرسول الآخر محلها أي ليثبت بدلا منها، أم هو النسخ الجزئي لحكم في شريعة الإسلام بحكم آخر فيها؟
- وما المراد بالتبديل في الآية 101 من سورة النحل أهو وضع شيء مكان شيء آخر دون إلغاء له ولا إبطال يعني مع بقاء صلاحيته وفعاليته، أم هو التبديل بمعنى الإزالة والإبطال مما ينسجم ومدلول النسخ عند الأصوليين؟
إن السبيل لمعرفة المراد في كل آية آية، هو تتبع سياق كل آية، ذلك أن دلالة كل آية متوقعة على سياق ورودها، وإنا لنؤكد هذا ونوضحه هنا بالاحتكام إلى السياق نفسه :
ونبدأ بالآيتين 39-40 من سورة الرعد :
إن الآيات التي قبل هذه الآية تقول : "وكذلك أنزلناه حكما عربيا، ولئن اتبعت اهواءهم بعدما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، لكل أجل كتاب"
والآيات التي بعدها تقول :
"وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم او نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، والله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب"
ما الذي يشهد له السياق في بيان المراد بالمحو والإثبات في الآية ؟ "يمضي السياق مع قضية الوحي وقضية التوحيد معا يتحدث عن موقف أهل الكتاب من القرآن ومن الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين للرسول أن ما أنزل عليه هو الحكم الفصل فيما جاءت به الكتب قبله وهو المرجع الأخير، أثبت الله فيه ما شاء إثباته من أمور دينه الذي جاء به الرسل كافة، ومحا ما شاء محوه مما كان فيها لانقضاء حكمته، فليقف عندما أنزل عليه لا يطيع فيه أهواء أهل الكتاب في كبيرة ولا صغيرة، أما الذين يطلبون منه آية، فالآيات بإذن الله وعلى الرسول البلاغ.
"فمجال المحو والإثبات هو الشرائع إذن يمحو الله ما يشاء محوه فيها ليثبت بدلا منه ما يشاء إثباته، وهو معجزات الرسل الذين بعثهم الله إلى خلقه دعاة إلى توحيده وعبادته، يمحو معجزة رسول منها ليثبت بدلا منها معجزة أخرى، للرسول الذي يبعث بعده"
"وهنا نستطيع أن نقرر في شيء من الطمأنينة أن مجال المحو والإثبات في آيتنا هو الشرائع والمعجزات، لا الأحكام في الشريعة الواحدة، فقد عالجت الآيات قبلها وبعدها إنزال القرآن وإرسال الرسل وتأبيدهم بالمعجزات حسب مشيئة الله وبإذنه ثم توعدت أولئك الذين أنكروا رسالة محمد، وتساءلت في إنكار قائلة أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" لم تحدثت عن مكر الذين كانوا قبل قوم محمد لتقول لهم "فلله المكر جميعا" ثم حكت إنكارهم لرسالته لترد عليهم، مؤكدة أنه الله –وهو الذي عنده علم ما كان في كتبهم على الحقيقة- يستشهد بينه وبينهم ويومئذ سيعلم الكفار من الذي سينعم بالآخرة وستكون له العقبى
إذا مجال المحو والإثبات في الآيتين 39-40 من سورة الرعد هو الشرائع والمعجزات وعليه نستطيع أن نقرر دون تردد بطلان دعوى اعتبارهما دليل على وقوع النسخ الجزئي في الشريعة الواحدة ومن تم تنفيذ دعوى النسخ في القرآن بناء على هذا الدليل.
فهذا دليل من الأدلة الثلاثة التي استند عليها القائلون بالنسخ اتضح بطلانه فماذا عن الدليلين الآخرين؟
2.ومنها الآية 106 من سورة البقرة وهي قوله تعالى :"ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها الم تعلم أن الله على شيء قدير"
إن الآيات التي قبل هذه الآيات تقول :
"يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم، ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير"
والآيات التي بعدها تقول:
"أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ظل سواء السبيل ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى ياتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير"
فماذا يعني قوله تعالى "ما ننسخ" في هذا السياق ؟
أهو النسخ العام لشريعة بشريعة أخرى، وقد تحقق للإسلام نسخه كل شريعة سبقته أم هو النسخ الجزئي لحكم في شريعة الإسلام بحكم آخر فيها؟
يمضي السياق "في كشف دسائس اليهود وكيدهم للإسلام والمسلمين وتحذير الجماعة المسلمة من ألاعيبهم وحيلهم، وما تكنه نفوسهم للمسلمين من الحقد والشر، وما يبتون لهم من الكيد والضر، ونهى الجماعة المسلمة عن التشبه بهؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب في قول أو فعل، ويكشف للمسلمين عن الأسباب الحقيقية الدفينة التي تكمن وراء أقوال اليهود وأفعالهم، وكيدهم ودسهم وألاعيبهم وفتنهم التي يطلقونها في الصف الإسلامي"
السؤال هاهنا لما اشتد غيظ اليهود واشتد كيدهم للمسلمين، وزاد حقدهم عن المومنين؟
"اشتدت هذه الحملة عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بعد ستة عشر شهرا من الهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اتجه بالصلاة عقب الهجرة إلى بيت المقدس، قبلة اليهود ومصلاهم، فاتخذ اليهود من هذا التوجه حجة على أن دينهم هو الدين، وقبلتهم هي القبلة، مما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يرغب ولا يصرح في التحول عن بيت المقدس على الكعبة، بيت الله المحرم، وظلت هذه الرغبة تعتمل في نفسه حتى استجاب له ربه فوجهه إلى القبلة التي يرضاها كما سيجيء في سياق السورة ونظرا لما يحمله هذا التحول من دحض لحجة بني إسرائيل فقد عز عليهم أن يفقدوا مثل هذه الحجة، فشنوها حملة دعاية ماكرة في وسط المسلمين، بالتشكيك في مصدر الأوامر التي يكلفهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحة تلقيه عن الوحي ...
ويمضي السياق في هذا الدرس على هذا النحو، حتى ينتهي إلى أن يضع المسلمين وجها لوجه أمام الهدف الحقيقي لأهل الكتاب من اليهود، والنصارى،.. إنه تحويل المسلمين من دينهم إلى دين أهل الكتاب ولن يرضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتبع ملتهم.
في هذا السياق يأتي قوله تعالى "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها" فالمناسبة هي مناسبة تحويل القبلة، كما يدل سياق الآية وما بعدها.
بناء عليه نستطيع القول بأن النسخ الوارد هنا هو نسخ بين ملة أهل الكتاب وملة أهل القرآن نسخ عام لشريعة أهل الكتاب بشريعة الإسلام، وليس نسخا جزئيا واقعا في القرآن الكريم.
وقد فسر محمد عبده "الآية في قوله تعالى :"ما ننسخ من آية" بالمعجزة استنادا إلى فاصلة الآية "فإن ذكر القدرة والتقرير بها لا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب هذا ذكر العلم والحكمة.
يقول محمد عبده في تفسير للآية 106 " والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى أخره أن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي ما ننسخ من آية نقيمها دليلا على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها أو ننسها الناس لطول العهد بما جاء بها فإننا بما لنا من القدرة التامة والتصرف في الملك نأت بخير منها من قوة الإقناع وإثبات النبوة أو مثلها في ذلك.
ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أنبيائه والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء وسميت جمل القرآن آيات لأنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله عز وجل من قبيل تسميته الخاص باسم العام".
ويرى محمد عبده أن السياق البلاغي للآية يقتضي أن يكون نسخ الآيات بمعنى الدلائل دون الأحكام الشرعية إذ لا معنى لأن يعقب الآية مباشرة "ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير" ويعقب هذه الآية بقوله تعالى "أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل" وماذا كان يسأل موسى من قبل؟ كان يسأل من قومه بني إسرائيل ومن قوم فرعون على السواء ... آيات وخوارق، فجاء القرآن ليقول للناس انتهى زمن الخوارق. إذا فالآية في قوله " ما ننسخ من آية" هي المعجزة، وليس النص القرآني..."
وسواء كانت المناسبة هي مناسبة تحويل القبلة، كما يدل سياق الآية وما بعدها أم معنى الآية المعجزة، فالآية 106 من سورة البقرة لا تدل بوجه على وقوع النسخ الجزئي في القرآني، وإلى هذا ذهب الفخر الرازي في تفسيره أن الآية لا تدل على وقوع النسخ، قال "واعلم أن الاستدلال بهذه الآية على وقوع النسخ ضعيف، لأن " ما هاهنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه..."
الدليل الثالث الذي يستند عليه القائلون بالنسخ هو الآية 101 من سورة النحل وهي قوله تعالى :"وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل"
تأتي الآية في سياق الحديث عن موقف المشركين من نزول القرآن ووجوب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءته، ونفي سلطان الشيطان على المؤمنين المتوكلين على ربهم، وبيان جهل المشركين بحقيقة ما أنزل الله، وأنه ليس من افتراء محمد وإنما هو تنزيل من رب العالمين، لكن سؤالا يواجهنا مفاده : ما مدلول كلمة "بدلنا" ؟ هل تفيد النسخ؟
إن التبديل هنا غير النسخ، خاصة إذا علمنا أن حقيقة النسخ عند الأصوليين تعني الإزالة والإبطال.
والتبديل يعني وضع شيء مكان شيء آخر دون إلغاء له ولا إبطال أي بقاء صلاحية المبدل (بفتح الدال) وفعاليته، فقد تتعدد الحلول، وتختلف باختلاف الأزمنة وتعدد الأمكنة.
وهنا يكمن سر صلاحية القرآن لكل زمان ومكان، وهنا يكمن سر حكمة التدرج في التشريع فإذا كان التشريع قد انتهى وكمل، فإن الوقائع والأحداث لم تنقضي ولن تنقطع، فوجب استعمال التدرج في التنزيل وفق التدرج في الإنزال...