بتحليل D .N .A (دنا ) ماهية البصمة الوراثية:
جرى إطلاق عبارة (بصمة وراثية) للدلالة على إثبات هوية الشخص، أخذًا من عينة الحمض النووي المعروف باسم (دنا)، الذي يحمله الإنسان بالوراثة عن أبيه وأمه، إذ أن كل شخص يحمل في خليته الجينية (46) من صبغيات الكروموسومات، يرث نصفها وهي (23) كروموسومًا عن أبيه بواسطة الحيوان المنوي، والنصف الأخر وهي (23) كروموسومًا يرثها عن أمه بواسطة البويضة.
وكل واحد من هذه الكروموسومات والتي هي عبارة عن جينات الأحماض النووية المعروف باسم (دنا) ذات شقين، ويرث الشخص شقًّا منها عن أبيه والشق الأخر عن أمه، فينتج عن ذلك كروموسومات خاصة به لا تتطابق مع كروموسومات أبيه من كل وجه، ولا مع كروموسومات أمه من كل وجه، وإنما جاءت خليطًا منهما، وبهذا الاختلاط اكتسب صفة الاستقلالية عن كروموسومات أي من والديه، مع بقاء التشابه معهما في بعض الوجوه، لكنه مع ذلك لا يتطابق مع أي من كروموسومات والديه، فضلًا عن غيرهما.
وعلماء الطب الحديث يرون أنهم يستطيعون إثبات الأبوة أو البنوة لشخص ما أو نفيه عنه، من خلال إجراءات الفحص على جيناته الوراثية، حيث قد دلت الأبحاث الطبية التجريبية على أن نسبة النجاح في إثبات النسب أو نفيه عن طريق معرفة البصمات الوراثية، يصل في حالة النفي إلى حد القطع أي بنسبة 100 %، أما في حالة الإثبات فإنه يصل إلى قريب من القطع، وذلك بنسبة 99 % تقريبًا.
الطرق الشرعية لإثبات أو نفي النسب:
الطرق الشرعية لإثبات النسب:
طرق إثبات النسب خمس: الفراش والاستلحاق والبينة والقافة والقرعة، والثلاثة الأول محل اتفاق بين العلماء [زاد المعاد، ابن القيم، (5/410)].
أولًا: الفراش:
أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على إثبات النسب به، بل هو أقوى الطرق كلها، قال العلامة ابن القيم: (فأما ثبوت النسب بالفراش فأجمعت عليه الأمة) [زاد المعاد، ابن القيم، (5/410)]، والمراد بالفراش: فراش الزوجة الصحيح، أو ما يشبه الصحيح، فالصحيح هو عقد النكاح المعتبر شرعًا، حيث توفرت أركانه وشروطه، وانتفت موانعه، وأما ما يشبه الصحيح فهو عقد النكاح الفاسد، وهو المختلف في صحته، وكذا الوطء بشبهة على اختلاف أنواعها، فإن حكمه حكم الوطء بنكاح صحيح فيما يتعلق بثبوت نسب المولود الناتج عن ذلك الوطء، فإذا أتت المرأة بولد ممن يمكن أن يولد مثله لستة أشهر منذ الوطء؛ فإن النسب يثبت لصاحب الفراش إذا ولد حال الزوجية حقيقة، أو حكمًا كما في المعتدات، لقوله عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) [متفق عليه، رواه البخاري، (2053)، ومسلم، (3688)].
انيًا: الاستلحاق:
ويعبر عنه أيضًا (بالإقرار بالنسب)، وغالبًا ما يكون في أولاد الإماء، والإقرار بالنسب على نوعين:
الأول: إقرار يحمله المقر على نفسه فقط؛ كالإقرار بالبنوة، أو الأبوة.
الثاني: إقرار يحمله المقر على غيره، وهو ما عدا الإقرار بالبنوة والأبوة، كالإقرار بالأخوة والعمومة.
ثالثًا: البينة:
المراد بها الشهادة، فإن النسب يثبت لمدعيه بناء على شهادة العدول بصحة ما ادعاه، وقد أجمع العلماء على أن النسب يثبت لمدعيه بشهادة رجلين عدلين، واختلفوا في إثباته بغير ذلك: كشهادة رجل وامرأتين، أو شهادة أربعة نساء عدول، أو شهادة رجل ويمين المدعي، حيث قال بكل حالة من هذه الحالات طائفة من العلماء، غير أن مذهب جماهير أهل العلم، وهم المالكية والشافعية والحنابلة، أنه لا يقبل في إثبات النسب بالشهادة إلا شهادة رجلين عدلين [انظر: الهداية شرح البداية، علي بن أبي بكر المرغيناني، (1/117)، والخراشي على خليل، (7/200)، والمهذب، أبو إسحاق الفيروز أبادي، (2/334)، والمقنع مع الشرح الكبير, والإنصاف، موفق الدين ابن قدامة وشمس الدين ابن قدامة والمرداوي، (30/15)، والمحلي، ابن حزم، (9/359)، وثبوت النسب، ص(192)].
رابعًا: القيافة:
القائف في الاصطلاح الشرعي: هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود [التعريفات، الجرجاني، ص(91)]، والقيافة عند القائلين بالحكم بها في إثبات النسب، إنما تستعمل عند عدم الفراش والبينة، وحال الاشتباه في نسب المولود والتنازع عليه، فيعرض على القافة، ومن ألحقته به القافة من المتنازعين نسبه؛ ألحق به، وقد اختلف العلماء في حكم إثبات النسب بها على قولين مشهورين:
القول الأول: أنه لا يصح الحكم بالقيافة في إثبات النسب، وبه قال الحنفية.
القول الثاني: اعتبار الحكم بالقيافة في إثبات النسب عند الاشتباه والتنازع، وبه قال جمهور العلماء، حيث قال به: الشافعية والحنابلة والظاهرية والمالكية في أولاد الإماء في المشهور من مذهبهم، وقيل: في أولاد الحرائر أيضًا.
ومما لاشك فيه أن ما ذهب إليه الجمهور من الحكم بالقيافة واعتبارها طريقًا شرعيًّا في إثبات النسب هو الراجح، لدلالة السنة المطهرة على ذلك، وثبوت العمل بها عند عدد من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع منهم على الحكم بها.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في بيان حجية العمل بالقيافة في إثبات النسب: (وقد دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل خلفائه الراشدين، والصحابة من بعدهم، منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم في الصحابة.
وقال بها من التابعين: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وإياس بن معاوية، وقتادة، وكعب بن سور، ومن تابعي التابعين: الليث بن سعد، ومالك بن أنس وأصحابه، وممن بعدهم الشافعي وأصحابه، وأبو ثور، وأهل الظاهر كلهم.
وبالجملة فهذا قول جمهور الأئمة، وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وأصحابه، وقالوا: العمل بها تعويل على مجرد الشبه، وقد يقع بين الأجانب، وينتفي بين الأقارب) [الطرق الحكمية، ابن القيم، ص(195)].
خامسًا: القرعة:
وهي أضعف طرق إثبات النسب الشرعي، ولذا لم يقل بها جمهور العلماء، وإنما ذهب إلى القول بها، واعتبارها طريقة من طرق إثبات النسب: الظاهرية والمالكية في أولاد الإماء، وهو نص الشافعي في القديم، وفيها قال بعض الشافعية عند تعارض البينتين، وقال بها الإمام أحمد في روايته، وابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (وأما من سلك طريق التعليل والحكمة فقد يقول: إنه إذا تعذرت القافة، أو أشكل الأمر عليها؛ كان المصير إلى القرعة أولى من ضياع نسب الولد، وتركه هملًا لا نسب له، وهو ينظر إلى ناكح أمه وواطئها، فالقرعة ها هنا أقرب الطرق إلى إثبات النسب، فإنها طريق شرعي، وقد سدت الطرق سواها، وإن كانت صالحة لتعيين الأملاك المطلقة، وتعيين الرقيق من الحر، وتعيين الزوجة من الأجنبية؛ فكيف لا تصلح لتعيين صاحب النسب من غيره؟ والمعلوم أن طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال، والشارع إلى ذلك أعظم تشوفًا.