هناك تفكير مستفحل لدى البعض ، بأن على الدولة أن تقوم بكل شيء للمواطن و هي مسؤولة عن أي شيء أمام هذا المواطن و أي خطأ يقع فيه المواطن ، تتحمل الدولة مسؤوليته ، و يصل الأمر عند هؤلاء مع مرور الوقت إلى أن تتحمل الدولة أخطاؤهم هم أيضاً .. أخطاؤهم التي يقومون بها بشكل فردي مستقل عن أي عامل من عوامل تدخل الدولة أو السلطة . و الحقيقة أنه يمكن هنا إيراد بعض الحقائق ، إحداها للأسف قد تكون غائبة عن الكثـيرين أو البعض من الناس .
الحقيقة الأولى :هي مسؤولية الدولة تجاه المواطن ( شق طرقات – مدارس – مشافي – كهرباء – مياه – حفظ الأمن و النظام ..... الخ ) . و هي حقيقة موجودة و معرفة لدى الشرائح البشرية بأنواعها كافة ( شعبية – حكومية – اعتبارية و غيرها ) و متعارف عليها و على وجودها لدى معظم شعوب و حكومات العالم . و يمكننا اعتبار هذه الحقيقة أو الحق بأنه من دعامات ما عرف بنظرية نشوء و تشكل المجتمع قديماً . فالأفراد في البدايات الأولى لتشكل المجتمعات الإنسانية قد أعطوا حقوقهم ( كلها أو جلها ) للسلطة المركزية الاجتماعية مقابل حقوق و واجبات يحصلون عليها من قبل هذه السلطة أهمها الأمن و الحماية و النظام و منع الفوضى .
الحقيقة الثانية : هي حقيقة مسؤولية المواطن تجاه الدولة و بوجه آخر مرادف ، مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه و وطنه الذي يعيش فيه . ذلك بغض النظر عن رؤية هذا الفرد للدولة و نظام الحكم و السلطة في بلده ، سواء أكان موالياً أم معارضاً . و بغض النظر عن نظام الحكم في الدولة و ماهية السلطة ( ديمقراطية – ديكتاتورية – ملكية – جمهورية – فيدرالية - كونفدرالية .. و ما إلى ذلك ) و رؤيته هو نفسه لطبيعة هذه الأنظمة . هذه المسؤولية هي بدورها ذات شقين ، مسؤولية مادية ( ضرائب – احترام القانون – خدمة العلم ... الخ ) . و مسؤولية معنوية أدبية و أخلاقية ، و هي المسؤولية التي نتحدث عنها و التي هي موجودة عند الدول المتقدمة بشكل كبير ، علماً أنه لا اختلاف بين المسؤوليتين بنظرنا ، و كل منهما تنبثق عن الأخرى و تعبر عنها . و نورد هنا نماذج مختصرة على سبيل المثال لا الحصر :
ـ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية و أثناء إعادة أعمار ما عرف بدولة ( ألمانيا الغربية ) آنذاك ، رفض الكثير من مواطني تلك الدولة تناول البيض الذي كان غالياً آنذاك في أوروبا نتيجة الحرب و كذا مادة ، و قرروا تقديم جميع مخصصاتهم من تلك المادة و غيرها للدولة لتقوم ببيعها إلى الدول المجاورة و تحصل على النقود اللازمة للمساعدة في إعمار البلد .
ـ كثير ما نسمع في أوروبا أو اليابان أو أمريكا مثلاً و عبر وسائط الإعلام المختلفة ، أن الناس العاديين قاموا بمساعدة الدولة في أمور معينة و خاصة الخدمات الاجتماعية و امتنعوا عن أمور معينة خدمة للدولة .
ـ أنا مواطن .. و يوجد أمام منزلي مكان لشجرة من المفروض أن تزرعها بلدية الدولة أو المحافظة ، و لسبب ما لم تقم الدولة بذلك ، فلماذا لا أقوم أنا بهذه المهمة و أزرع هذه الشجرة و أتعهدها بالسقاية و العناية .
ـ أثناء فصل الشتاء ، قد تطوف بعض الشوارع و تمتلئ بالماء أمام منزلي مثلاً ، نتيجة لانسداد مجرى التصريف في الشارع بعض الأوساخ ، فلماذا لا أبادر أنا و أقوم بهذه المهمة و أزيل الأوساخ ، و لن يستغرق ذلك مني أكثر من دقيقة واحدة ، علماً أن هذا من واجب الدولة ، و لكن لا ضير في ذلك خاصة إذا كان سبب انسداد هذا المجرى هو الأوساخ التي أرميها أنا في الشارع بشكل اعتيادي و يومي .