{ لـقـد تـاب الله عـلـى الـنـبـي والـمـهـاجـريـن والأنـصـار الـذيـن اتـبـعـوه فـي سـاعـة الـعـسـرة مـن بـعـد مـا كـاد يـزيـغ قـلوب فـريـق مـنـهـم ثـم تـاب عـلـيـهـم إنـه بـهـم رءوف رحيم * وعلى الـثـلاثـة الـذيـن خـُـلِـّـفـوا حـتـى إذا ضـاقـت عـلـيـهـم الأرض بـمـا رحُـبـَـت وضـاقـت عـلـيـهـم أنـفـسـهـم وظـنـوا أن لا مـلـجـأ مـن الله إلا إلـيـه ثـم تـاب عـلـيـهـم لـيـتـوبـوا إن الله هـو الـتـواب الـرحـيـم * يـا أيـهـا الـذيـن ءامـنـوا اتـقـوا الله وكـونـوا مـع الـصـادقـيـن * ...الـتـوبـة : 117 ــ 119 } .
*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*
عـن كـعـب بـن مـالـك رضي الله عـنـه ( يـحـكـي قـصـة تـوبـة الله عـلـيـه عـن تـأخـره عـن رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـي سـاعـة الـعـسـرة ) قـــال :
لـم أتـخـلـف عـن رسـول الله صلى الله عليه وسلم في غـزوة غـزاها إلا فـي غـزوة تـبـوك ، غـيـر أنـي كـنـت تـخـلـفـت فـي غـزوة بـدر ولـم يُـعـاتـب أحـدا تـخـلـف عـنـهـا ، إنـمـا خـرج رسـول الله صلى الله عليه وسلم يـريـد عِــيـرَ قـريـش حـتـى جـمـع الله بـيـنـهـم وبـيـن عـدوّهـم عـلـى غـيـر مـيـعـاد .
ولـقـد شـهـدت مـع رسـول الله صلى الله عليه وسلم لـيـلـة الـعـقـبـة حـيـن تـواثـقـنـا عـلـى الاسـلام ، ومـا أحـب أن لـي بـهـا مـشـهـد بـدر ، وإن كـانـت بـدر أذكـَـرَ فـي الـنـاس ..... وكـان مـن خـبـري :
أنـي لـم أكـن قـط أقـوى ولا أيـسـر حـيـن تـخـلـّـفـت عـن رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـي تـلـك الـغـزوة ، والله مـا اجـتـمـعـت عـنـدي قـبـلـه راحـلـتـان قـط حـتـى جـمـعـتـهـمـا فـي تـلـك الـغـزوة ، ولـم يـكـن رسـول الله صلى الله عليه وسلم يـريـد غـزوة إلا وَرّى بـغـيـرهـا ، حـتـى كـانـت تـلـك الـغـزوة غـزاهـا فـي حـر شـديـد ، واسـتـقـبـل سـفـرًا بـعـيـدًا ومَـفـازًا وعـدوًا كـثـيـرًا ، فـجَـلـّى لـلـمـسـلـمـيـن أمـرهـم لـيـتـأهـبـوا أهـبـة غـزوهـم ، فـأخـبـرهـم بـوجـهـه الـذي يـريـد . والـمـسـلـمـون مـع رسـول الله صلى الله عليه وسلم كـثـيـر ولا يـجـمـعـهـم كـتـاب حـافـظ ... ( سجـل أو ديـوان ) ... فـمـا رجـل يـريـد أن يـتـغـيّـب إلا ظـن أن سـيـسـتـخـفـي لـه مـا لـم يـنـزل فـيـه وحـي الله .
وغـزا رسـول الله صلى الله عليه وسلم تـلـك الـغـزوة حـيـن طـابـت الـثـمـار والـظـلال ، وتـجـهـز رسـول الله صلى الله عليه وسلم والـمـسـلـمـون مـعـه . فـشـرعـت أغـدو لـكـي أتـجـهـز مـعـهـم فـأرجـع ولـم أقـض شـيـئـا .
فـأقـول فـي نـفـسـي : أنـا قـادرعـلـيـه ، فـلـم يـزل يُـتـمـادى بـي حـتـى اشـتـد بـالـنـاس الـجـدّ . فـأصـبـح رسـول الله صلى الله عليه وسلم والـمـسـلـمـون مـعـه ولـم أقـض مـن جَـهَـازي شـيـئـا . فـقـلـت :
أتـجـهـز بـعـد يـوم أو يـومـيـن ، ثـم ألـحـقـهـم ، فـغـدوت بـعـد أن فــَصَـلـوا لأ تـجـهـز ، فـرجـعـت ولـم أقـض شـيـئـا ، ثـم غـدوت ، ثـم رجـعـت ولـم أقـض شـيـئـا . فـلـم يـزل بـي حـتـى أسـرعـوا وتـفـارط الـغـزو ( فـات وقـتـه ) .
وهَـمَـمْـتُ أن أرتـحـل فـأدركـهـم ــ ولـيـتـنـي فـعـلـت ــ فـلـم يُـقـَدّر لـي ذلـك . فـكـنـت إذا خـرجـت فـي الـنـاس بـعـد خـروج رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـطــُـفــْتُ فـيـهـم ـ أحـزنـنـي أنـي لا أرى إلا رجـلا مـغـمـوصـا عـلـيـه الـنـفـاق ( مـطـعـونـا فـي ديـنـه ) ، أو رجـلا مـمـن عـذر الله مـن الـضـعـفـاء .
ولـم يـذكـرنـي رسـول الله صلى الله عليه وسلم حـتـى بـلـغ تـبـوك . فـقـال ... وهـو جـالـس فـي الـقـوم بـتـبـوك ... : مـا فــعــل كــعــب ؟
فـقـال رجـل مـن بـنـي سَــلِـمَـة : يـا رسـول الله حـبـسـه بُـرداه و نـظـره فـي عِـطــْـفِـهِ .
فـقـال مـعـاذ بـن جـبـل : بـئـس مـا قـلـت ، والله يا رسـول الله مـا عـلـمـنـا عـلـيـه إلا خـيـرا . فـسـكـت رسـول الله صلى الله عليه وسلم .
*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*
قـــــال كـعـب بـن مـالـك :
فـلـمـا بـلـغـنـي أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم تـوجّـه قـافـلا ( راجـعـًـا ) حـضـرنـي هـَـمّـي ، وطـفـقـت أتـذكـّـر الـكـذب ...
وأقـــول : بـمـاذا أخـرج مـن سـخـطـه غـدًا ؟ واسـتـعـنـت بـكـل ذي رأي مـن أهـلـي ....
فـلـمـا قـيـل : أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم قـد أظــَـلّ قـادمـا زاح عـنـي الـبـاطـل ! ، وعـرفـت أنـي لـن أخـرج مـنـه أبـدًا بـشـيء فـيـه كـــذب !! . فـأجـمـعـت صِـدقـه .
وأصـبـح رسـول الله صلى الله عليه وسلم قـادمـا ، فـكـان إذا قـدم مـن سـفـر بـدأ بـالـمـسـجـد فـركـع فـيـه ركـعـتـيـن ، ثـم جـلـس لـلـنـاس . فـلـمـا فـعـل ذلـك جـاء الـمُـخـَـلـّـفـون فـطـفـقـوا يـعـتـذرون إلـيـه ويـحـلـفـون لـه ـــ وكـانـوا بـضـعـة وثـمـانـون رجـلا ـــ فـقـبـل مـنـهـم رسـول الله صلى الله عليه وسلم عـلا نـيـتـهـم ، وبـايـعـهـم واسـتـغـفـر لـهـم !!! ، ووكـّـل سـرائـرهـم إلـى الله عـزّ وجـلّ .
فـجـئـتـه ، فـلـمـا سـلـّـمـت عـلـيـه تـبـسّـم تـبـسّـم الـمُـغـضِـب .
ثـم قـــــــال : (( تـعـــــــــال )) !! .
فـجـئـت أمـشـي حـتـى جـلـسـت بـيـن يـديـه .
فـقـــــــال : (( مــا خــلــّـفــَـك ؟ ألـم تـكـن قـد ابـتـعـت ظـهـرك ... نـاقـــتــــــك ... )) .
فـقـلــــت : بـلـى ، إنـي ــ والله ــ إن جـلـسـت عـنـد غـيـرك مـن أهـل الـدنـيـا لـرأيـت أن سـأخـرج مـن سـخـطـه بـعـذر ، ولـقـد أعـْـطِـيـتُ جَــدلا ً ، ولـكـنـي ــ والله ــ لـقـد عـلـمـتُ لـئـن حـدّثـتـك الـيـوم حـديـث كـذب تـرضـى بـه عـنـي لـيُـوشِـكـَـنّ الله أن يُـسْـخِـطــُـك عَـلـيّ ، ولـئـن حـدثـتـك حـديـث صِـدق تـجـِـدُ ( تـغـضـب ) عَـلـيّ فـيـه إنـي لأرجـو فـيـه عـفـو الله ، لا والله مـا كـان لـي مـن عُـذر ، ووالله مـا كـنـت أقـوى ولا أيْـسَـرَ مـنـي حـيـن تـخـلـفـت عـنـك .
فـقـال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أمّـا هـذا فـقـد صَـدَقَ فـَـقــُـمْ حـتـى يـقـضـي الله فـيـك )) .
فـقـمـت ، فـثـار رجـال مـن بـنـي سَـلــَـمَـةَ فـاتـّـبَـعُـــونـي .
فـقـالـــوا لـي : والله مـا عـلـمـنـاك كـنـت أذنـبـت ذنـبًـا قـبـل هـذا ؟ ولـقـد عـجـزت أن لا تـكـون اعـتـذرت إلـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم بـمـا اعـتـذر بـه الـمـخـلـّـفـون ، وقـد كـان كـافـيـك ذنـبـك إسـتـغـفـار رسـول الله صلى الله عليه وسلم لـك . فـوالله مـا زالـوا يُـؤنِـّبـُونِـي حـتـى هـمَـمْـت أن أرجـع فـأكـذب نـفـسـي .
ثـم قـلـــت لـهـم : هـل لـقِـيَ هـذا مـعـي أحـدًا ؟
قـالـــــوا : نـعـم ، رجـلان قـالا مـثـل مـا قـلـت ، وقـيـل لـهـمـا مـثـل مـا قـيـل لـك .
فـقــلــت : مـن هـمـا ؟
قـالـــوا : مُـرارة بـن الـربـيـع الـعَـمْـري ، وهـلال بـن أمـيّـة الـواقـفـي ...
فـذكـروا لـي رجـلـيـن صـالـحـيـن قـد شـهـدا بـدرًا فـيـهـمـا أسـوة ، فـمـضـيـت حـيـن ذكـروهـمـا لـي . ونـهـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم عـن كـلامـنـا أيـهـا الـثـلاثـة مـن بـيـن مـن تـخـلـف عـنـه ، فـاجـتـنـبـنـا الـنـاس وتـغـيّـروا لـنـا حـتـى تـنـكـرت فـي نـفـسـي الأرض ، فـمـا هـي الـتـي أعـرف ، فـلـبـثـنـا عـلـى ذلـك خـمـسـيـن لـيـلـة .
فـأمـا صـاحـبـاي فـاسـتـكـانـا ( خـضـعـا و ذلا ) وقـعـدا فـي بـيـوتـهـمـا يـبـكـيـان ، وأمـا أنـا فـكـنـت أشـَبّ الـقـوم وأجـلـَدَهـم ، فـكـنـت أخـرج فـأشـهـد الـصـلاة مـع الـمـسـلـمـيـن ، وأطـوف فـي الأسـواق ولا يـكـلـمـنـي أحـد . وآتـي رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـأسَـلِـّـمُ عـلـيـه وهـو فـي مـجـلـسـه بـعـد الـصـلاة .
وأقـــول فـي نـفـسـي : هـل حـرّك شـفـتـيـه يـرد الـسـلام عـلـيّ أم لا ؟
ثـم أصَــلِـّي قـريـبـا مـنـه فـأسـارقـه الـنـظـر ( أنـظـر إلـيـه وهـو لا يشعـر ) فـإذا أقـبـلـت عـلـى صـلاتـي أقـبـل إلـيّ، وإذا الـتـفـت نـحـوه أعـرض عـنـي . حـتـى إذا طـال عـلـيّ مـن جـفـوة الـنـاس ( الـغـلـظ في الـمـعـاشـرة ) مـشـيـت حـتـى تسَـوّرت جـدار حـائـط ( بـسـتـان ) أبـي قـتـادة ـــ وهـو ابـن عـمـي وأحـب الـنـاس إلـيّ ـــ فـسـلـمـت عـلـيـه ، فـوالله مـا ردّ الـسـلام عـلـيّ .
فـقـلـت : يـا أبـا قـتـادة ، أنـشـدك بـالله هـل تـعـلـمـنـي أحـب الله ورسـولـه ؟ فـسَـكـَـتَ ، فـعـدت لـه فـنـشـدتـه ، فـسـكـَتَ ، فـعـدت لـه فـنـشـدتـه .
فـقـــال : الله ورسـولـه أعـلـم !!! .
فـفـاضـت عـيـنـاي وتـولـّـيْـتُ حـتـى تـسـوّرت الـجـدار .
*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*
قـــال كـعـب بـن مـالـك :
وبـيـنـا أنـا أمـشـي بـسـوق الـمـديـنـة إذ نـَبـَـطِـيّ مـن أنـبـاط أهـل الـشـام مِـمّـن قـدِمَ بـطـعـام يـبـيـعـه بـالـمـديـنـة .
يـقـــول : مـن يـدلـّـنِـي عـلـى كـعـب بـن مـالـك ؟
فـطـفـق الـنـاس يُـشِـيـرون لـه ، حـتـى إذا جـاءنـي دفـع إلـيّ كـتـابـًا مـن مـلـك غـسـان ( وهـو جـبـلـة بـن الأيـهـم ) فـي سَـرَقــَـةٍ مـن حـريـر ( قـطـعـة مـن جـيّـد الـحـريـر ) ..... فـإذا فـيـهـا :
( أمـا بـعـد : فـإنـه قـد بـلـغـنـي أن صـاحـبـك قـد جـفـاك ، ولـم يـجـعـلـك الله بـدار هـوان ٍ ولا مَـضـْـيَـعَـة فـالـْـحَـقْ بـنـا نِـواسِـك ) .
فـقـلـت لـمّـا قـرأتـهـا : وهـذا أيـضـا مـن الـبـلاء !! فـقـصـدت بـهـا الـتـنـور فـسـجـرتـه ( أدخـلـتـه ) بها .
فـأقـمـنـا عـلـى ذلـك حـتـى إذا مَـضـَت أربـعـون لـيـلـة مـن الـخـمـسـيـن ، إذا رسـول رسـول الله صلى الله عليه وسلم يـأتـيـنـي .
فـقـــــال : إن رسـول الله صلى الله عليه وسلم يـأمـرك أن تـعـتـزل امـرأتـك .
فـقـلـت : أطـلـقـهـا أم مـاذا أفـعـل ؟
قـــــال : لا ، بـل اعـتـزلـهـا ولا تـقـربـهـا .
وأرسـل رسـول الله صلى الله عليه وسلم إلى صـاحـبـَـيّ بـمـثـل ذلـك .
فـقـلـت لامـرأتـي : إلـحـقـي بـأهـلـك فـكـونـي عـنـدهـم حـتـى يـقـضـي الله فـي هـذا الأمـر .
*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*
قـــال كـعـب بـن مـالـك :
فـجـاءت امـرأة هـلال بـن أمـيـة إلـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم .
فـقـالـت : يـا رسـول الله إن هـلال بـن أمـيـة شـيـخ ضـائـع ، لـيـس لـه خـادم ، فـهـل تـكـره أن أخـدمـه ؟ ( هـكـذا وفـاء الـمـرأة الـمـسـلـمـة ... زيادة ليست مـن الـنـص ) .
قـــــال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا ، ولـكـن لا يـقـربـك )) .
قـالـت : إنـه ــ والله ــ مـا بـه حـركـة إلـى شـيء ، والله مـا زال يـبـكـي مـنـذ كـان مـن أمـره مـا كـان إلـى يـومـه هـذا .
قـــال كـعـب بـن مـالـك :
فـقـال لـي بـعـض أهـلـي : لـو اسـتـأذنـت رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـي امـرأتـك كـمـا اسـتـأذن هـلال بـن أمـيـة أن تـخـدمـه امـرأتـه .
فـقـلـت : والله لا أسـتـأذن فـيـهـا رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، ومـا يُـدريـنـي مـا يـقـول رسـول الله صلى الله عليه وسلم إذا اسـتـأذنـتـه فـيـهـا وأنـا رجـل شـاب ؟ !!! .
فـلـبـثـت بـعـد ذلـك عـشـر لـيـال ٍ حـتـى كـمـلـت لـنـا خـمـسـون لـيـلـة مـن حـيـن نـهـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم عن كـلامـنـا .
فـلـمـا صـلـيـت الـفـجـر صُـبـْح خـمـسـيـن لـيـلـة وأنـا عـلـى ظـهـر بـيـت مـن بـيـوتـنـا ، فـبـيـنـا أنـا جـالـس عـلـى الـحـال الـتـي ذكـر الله عـز وجـل قـد ضـاقـت عـلـيّ نـفـسـي ، وضـاقـت عـلـيّ الأرض بـمـا رحُـبَـت ( وسِـعَــت ) ، سـمـعـت صـوت صـارخ أوفـى ( أشرف ) عـلـى جـبـل سَـلــْـع .
يـقـــول : بـأعـلـى صـوتـه : يـا كـعـب أبـشـر ، فـخـررت سـاجـدًا وعـرفـت أن قـد جـاء فـرج . وأذِنَ ( أعـلـم ) رسـول الله صلى الله عليه وسلم الـنـاس بـتـوبـة الله عـلـيـنـا حـيـن صَـلـّى صـلاة الـفـجـر . فـذهـب الـنـاس يُـبـشـرونـنـا ، وذهـب قِـبَـلَ صـاحـبـيّ مـبـشـرون ، وركـض رجـل إلـيّ فـارسًـا ، وسـعـى سـاع مـن أسـلـم فـأوفـى عـلـى الـجـبـل فـكـان الـصـوت أسـرع مـن الـفـرس . فـلـمـا جـاءنـي الـذي سـمـعـت صـوتـه يـبـشـرنـي نـزعـت لـه ثــَوْبــَيّ فـكـسـوتـه إيـاهـمـا بـبـشـراه ، ووالله مـا أمـلـك غـيـرهـمـا يـومـئـذ ، واسـتـعـرت ثـوبـيـن فـلـبـسـتـهـمـا ، وانـطـلـقـت إلـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم فـتـلـقـّـانـي الـنـاس فـوجًـا فـوجًـا يـهـنـئـونـنـي بـالـتـوبـة .
يـقـولـون : لـتـهـنـئـك تـوبـة الله عـلـيـك .
فـدخـلـت الـمـسـجـد فـإذا بـرسـول الله صلى الله عليه وسلم جـالـس ومـن حـولـه الـنـاس ، فـقـام إلـيّ طـلـحـة بـن عـبـيـدالله رضي الله عـنـه يـهـرول حـتـى صـافـحـنـي وهـنـّـأنـي . فـلـمـا سـلـّـمـت عـلـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم .
قــــال ووجـهـه يـبـرق مـن الـسـرور : (( أبـشِـر بـخـيـر يـوم مَـرّ عـلـيـك مـنـذ ولـدتـك أمـك )) .
قـلـــت : أمِـن عـنـدك يـا رسـول الله أم مـن عـنـد الله ؟
قـــال : بـل مـن عـنـد الله .
وكـان رسـول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُـرّ اسـتـنـار وجـهـه حـتـى كـأنـه قـطـعـة قـمـر ، وكـنـا نـعـرف ذلـك مـنـه .
فـلـمـا جـلـسـت بـيـن يـديـه قـلــت : يـارسـول الله إن مـن تـوبـتـي أن أنـخـلـع مـن مـالـي صـدقـة إلـى الله وإلـى رسـولـه .
قـــال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : (( أمـسـك عـلـيـك بـعـض مـالـك فـهـو خـيـر لـك )) .
قـلـت : فـإنـي أمـسـك سـهـمـي الـذي بـخـيـبـر .
وقـلـت : يـا رسـول الله إن الله إنـمـا نـجّـانـي بـالـصـدق ، وإن مـن تـوبـتـي ، ألا أحـدث إلا صِـدقــًا مـا بـقـيـت .
فـوالله مـا أعـلـم أحـدًا مـن الـمـسـلـمـيـن أبلاه الله فـي صـدق الـحـديـث مـنـذ ذكـرت ذلـك لـرسـول الله صلى الله عليه وسلم أحـسـن مـمـا أبـلانـي ، ومـا تـعـمـدت إلـى يـومـي هـذا كـذبـًا ، وإنـي لأرجـو أن يـحـفـظـنـي الله فـيـمـا بـقـيـت .
وأنـزل الله عـلـى رسـولـه صلى الله عـلـيـه وسـلـم :
{ لـقـد تـاب الله عـلـى الـنـبـي والـمـهـاجـريـن والأنـصـار .... إلـى قـولـه تـعـالـى : وكـونـوا مـع الـصـادقـيـن ... } . فـوالله مـا انـعـم الله عـلـيّ مـن نـعـمـة قـط بـعـد أن هـدانـي للإسلام أعـظـم مـن نـفـسـي مـن صِـدقـي رسـول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكـون كـذبـتـه فـأهـلـك كـمـا هـلـك الـذيـن كـذبـوا .
فـإن الله تـعـالـى قـال لـلـذيـن كـذبـوا حـيـن أنـزل الـوحـي شـرّ مـا قـال لأحـد ، قـال الله تـعـالـى :
{ سـيـحـلـفـون لـكـم إذا انـقـلـبـتـم إلـيـهـم لـتـعـرضـوا عـنـهـم } إلـى قـولـه تـعـالـى { فـإن الله لا يـرضـى عـن الـقـوم الـفـاسـقـيـن } .
*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*-----*
قـــال كـعـب بـن مـالـك :
وكـان خـُـلـْـفـَـنـا ( تـخـلـّـفــنـا ) أيـهـا الـثـلاثـة ــ عـن أمـر أولـئـك الـذيـن قـبـل مـنـهـم رسـول الله صلى الله عليه وسلم حـيـن حـلـفـوا لـه فـبـايـعـهـم واسـتـغـفـر لـهـم وأرجـأ ( أخــّـرَ ) رسـول الله صلى الله عليه وسلم أمـرنـا حـتـى قـضـى الله فـيـه ، فـبـذلـك قـال الله تـعـالـى :
{ وعـلـى الـثـلاثـة الـذيـن خـُـلِـّـفـوا } .
لـيـس الـذي ذكـر الله مما خـُـلـْـفــَـنـا مـن الـغـزو ، وإنـمـا تـخـلـيـفـه إيّـانـا وإرجـاءه أمـرنـا عـمّـن حـلـف لـرسـول الله صلى الله عليه وسلم ، واعـتـذر إلـيـه فـقـبـل مـنـهـم ( فـعَـذرَهـُم ) .
رواه الـبخاري و مسلم و ابن اسحاق و الإمام احمد .