عروة بن الورد
538-30 ق.ه
الشاعر المهذب عرف بنبله وروحه الإنسانية العالية
عروة بن الورد بن زيد العبسي,من بني عبس
والده من أشراف عبس وفرسانها المعدودين, الذين كان لهم دور في حرب داحس والغبراء .أما أمه فكانت من (نهد)من قضاعة, وهي عشيرة وضيعة لم تعرف بشرف ,فآذي ذلك نفسه وأحس في أعماقه بعار لا يمحى فقال:
ومآبي مـن عـارٍ أخال علمتُـه سوى أن أخوالي _ إذا نُسبوا _ نَهْدُ
ويقال أن هذا هو سبب ثورته على الأغنياء ,وان كانت ثورة مهذبة لم تحوله إلى سفاك ولا متشرد يرود مجاهل الصحراء,لا بل جعلت منه شاعرا مهذبا نبيلا, من أصحاب المناقب التي جمعت فروسية الفرسان وشيم الرجال الشجعان الذين اكتسبوا محبة الناس, فكانوا المقصد والمشورة في أوقات الشدة.
فارسنا من مشاهير شعراء الجاهلية واحد فرسانها وكرماءها وصعاليكها الشجعان .
لقبه:عروة الصعاليك ,قيل لأنه حامي الفقراء ويهتم لأمرهم ويغزي بهم ,ويقال انه أطلق عليه لأنه قال:
لحي الله صعلوكا إذا جن ليله مصافي المشاش الفاً كل مجزر
ليسعد الغنى من دهره كل ليلة أصاب قراها من الصديق ميسر
ولله صعلوك صفيحة وجهه كضوء شهاب القلبس المتنور
عاش في كنف والده واشتد عوده ليرى بعينيه أهوال الحرب وما تفعله بالضعفاء والفقراء ,ليشتد عزمه في البذل والعطاء وليعرف شدة الفرق بين الذين يملكون والذين لا يملكون فتتشكل في أعماقه بطولات يستعان بها لرفع الحاجة ولتخفيف ضنك الفقر واشتداد العوز.لتظهر معالي الكرم والعطاء الحاتمي إلى جانب المروءة والشجاعة عند عنترة العبسي وزهير بن أبي سلمى. ثائرا متمردا على الأغنياء اللئام والبخلاء, يجود على الفقراء والضعفاء وعابري السبيل بأسلوب يماثل ما نعرفه بالتكافل الاجتماعي.
عروة صاحب المنحى المثالي للصعلكة
لم يترك عروة قبيلته,بل بقي فيها معززا مكرما مهيب الجانب بعكس غيره من الصعاليك الذين تعددت أسباب تصعلكهم والذين انتشروا على رقعة الصحراء الواسعة يحملون آراءهم وقضاياهم بعيدا عن ظلال القبيلة, متمردين على القيم وحدود القبيلة ,لينفرد الكثير بأنفسهم ولتنبذهم قبائلهم مبتعدين فوق ظهور جيادهم يحملون ثورتهم ومواقفهم لتسابق الريح العاصف في أيام عصفت ريحها ولم تثنيهم عن أفكارهم التي انطلقت غاضبة في أفاق استحالة التغيير.
شعراء في غاية الرقة والغضب اجتمعت فيه نقائض البشر فأزدان بإشعارهم سجل العرب.ليسجلوا أخبار المجتمعات والبطولات والعيش المتفرد في أجواء كانت للقبيلة فيها المناعة والرأي الأخير,ومظلة الحماية في صحراء مترامية الأطراف قليلة الموارد شحيحة المياه,ليكونوا شهداء على حراك اجتماعي مستتر تحت ثقل القبيلة ووجودها كأكبر كيان اجتماعي لا تزال آثاره باقية لغاية ألان,
ولعل اختلاف اتجاهات السلوك عند الصعاليك ألبسهم لباس الوحشة في استلاب أرزاق الناس وسفك دماءهم في وحشة الصحراء وقفارها.
إلا أن إبداعاتهم الشعرية رفعتهم إلى أرقى مستويات العطاء الإنساني الأقرب ما يكون إلى النفس البشرية التي نأت بنفسها بعيدا عن مظاهر التملق الاجتماعي والسلوك المضبوط برضا الآخرين ليقترب الشعر أكثر ما يكون من النفس البشرية ونوازع الحرية والانطلاق والاحتفاظ بكرامة الإنسان والبحث عن دروب العدالة في أوقات انعدمت فيها رسالات الإصلاح فكانت سيطرة القوة والمال وتغييب القيم الإنسانية في حق أشخاص حاكمتهم مجتمعاتهم لأسباب وجودهم التي هم لها من غير رأي.
فوق صهوة الخيل كانت أوطانهم تتحرك فوق الأرض الجافة بعيدا عن القبيلة والأهل في مدارات من الإبداع الفكري والإنساني اختبر الفروق الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من القبيلة الملاذ الأمن والستر الأعظم.
في ظل هذه الظروف استطاع شاعرنا أن يوازن بين صعلكةة السلوك وبين تهذيب النفس وكرم الأخلاق بمنحى مثالي بقي أمثولة في عقول العظماء ممن فهموا معنى الحياة واحترموا الوجود الإنساني بكل مناحيه, خيره و شره.