إن القرآن الكريم نزل بلغة العرب ولسنا بأعلم من الصحابة رضي الله عنهم بلغة العرب وما تدل عليه فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن مروطهن فاختمرن بها"، قال الحافظ ابن حجر (اختمرن: أي غطين وجوههن). فهل أم المؤمنين رضي الله عنها والصحابيات رضي الله عنهن فهمن ما تدل عليه الآية وهو أمر متعلق بهن خطأ وأن فهمنا للآية هو الصحيح؟ أرجو الإجابة.
* أما ما ذكرته من أن أئمة المذاهب يرون جواز كشف المرأة المسلمة لوجهها ويديها أمام الرجال الأجانب، فأقول من أئمة الحنفية: قال أبو بكر الجصاص: "المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها من الأجنبي وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيها"، وقال الطحاوي "تمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال"، وقال مفتي باكستان الشيخ محمد شفيع الحنفي: "وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب ويستثنى منه العجائز لقوله تعالى: (والقواعد من النساء) وقال السهارنفوري الحنفي: "ويدل على تقييد كشف الوجه بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لاسيما عند كثرة الفساد وظهوره".
أما أئمة المالكية: فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي والقرطبي: "المرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعن ويعرض عندها" علما أن بعض المالكية يرى أن وجه المرأة عورة.
أما الشافعية: قال إمام الحرمين الجويني: "اتفق المسلمون على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه لأن النظر مظنة الفتنة وهو محرك للشهوة فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب فيه" وقال الشرقاوي: "وعورة الحرة خارج الصلاة بالنسبة لنظر الأجنبي إليها فجميع بدنها حتى الوجه والكفين ولو عند أمن الفتنة" علماً أن بعض الشافعية يرى أن وجه المرأة عورة.
أما الحنابلة: فقد قال الإمام أحمد "ظفر المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها فلا تبن منها شيئا ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زراً عند يدها حتى لا يبن منها شيء".
قال الموزعي الشافعي: "لم يزل عمل الناس على هذا قديما وحديثا في جميع الأمصار والأقطار فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة ويرونه عورة ومنكرا وقد تبين لك وجه الجمع بين الآيتين ووجه الغلط لمن أباح النظر إلى وجه المرأة لغير حاجة والسلف والأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة فقال الشافعي ومالك: ما عدا الوجه والكفين وزاد أبو حنيفة: "القدمين وما أظن أحدا منهم يبيح للشابة أن تكشف وجهها لغير حاجة ولا يبيح للشاب أن ينظر إليها لغير حاجة"، قال الحافظ ابن حجر: "لم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب"، وقال أبو حامد الغزالي "لم يزل الرجال على مر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات"، ثم إن علماء المملكة مجمعون على أن المرأة تستر جميع بدنها وأيضا الوجه والكفين منذ أكثر من (200) سنة.
بل من بحث وجد أن حجاب المرأة كان معروفا منذ القدم فقد كان معروفا بين العبرانيين من عهد إبراهيم عليه السلام وظل معروفا بينهم في أيام أنبيائهم جميعا إلى ما بعد ظهور النصرانية وقد تكررت الإشارة إلى البرقع في غير كتاب من كتب العهدين القديم والجديد ففي الإصحاح الرابع والعشرين من (سفر التكوين) عن (رفقة) أنها رفعت عينيها فرأت إسحاق فنزلت عن الجمل وقالت للعبد من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي فقال العبد هو سيدي فأخذت البرقع وتغطت. وفي الإصحاح الثامن والثلاثين (من سفر التكوين) أن (ثامار) مضت وقعدت في بيت أبيها ولما طال الزمن خلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلففت.
بل يوجد الآن طائفة من النصارى تلتزم نساؤها الحجاب الكامل لجميع بدنها الوجه وغيره. وفي الجاهلية كان الحجاب معروفا سواء حجاب الوجه أو غيره قال رؤبة الحميري يمدح ليلى الأخيلية ويثني عليها بالتبرقع:
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت وقد رابني منها الغداة سفورها
وقال النابغة الذبياني يصف موقف امرأة النعمان لما سقط نصيفها أي برقعها الذي كانت قد تقنعت به فسترت وجهها بذراعيها:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتـنـاولـته واتقـتنا بالـيد
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: "وبالجملة فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع الحكيم للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب مع أن الوجه هو أصل الجمال والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغرائز البشرية وداع إلى الفتنة والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول:
قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ودعوا القيامة بعد ذاك تـقـوم
أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك؟.