الدين يدعو إلى تهذيب النفس
لقد خلق الله تعالى الإنسان وجعله مهيأ لأن يسعد نفسه ، أو يشقيها ؛ يسعدها بما يعود عليه وعلى أمته بالنفع والخير ، ويحظى في الآخرة برضوان الله تعالى ، أو يشقيها بما يعود عليه وعلى أمته بالضرر والشر ، ويحظى في الآخرة بسخط الله تعالى .
ومن هنا فقد كان موضوع عمل الرسالات السماوية ومحور نشاطها تهذيب النفس الإنسانية فإن تهذيبها دعامة أولى لتغليب جانب الخير في هذه الحياة ، فإذا لم تكن النفوس صالحة عم الشر على الفرد والمجتمع على السواء ، وسادت الفتن حاضر الناس ومستقبلهم .
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ). سورة الرعد : أية : 11 .
وقال : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [ الشمس : 7 ، 8 ].
وما خلدت رسالات النبيين ، وكونت حولها جماهير المؤمنين إلا لأن النفس الإنسانية ، كانت موضوع عملها ومحور نشاطها ... والأديان لن تخرج عن طبيعتها في اعتبار النفس الصالحة هي البرنامج المفصل لكل إصلاح ، والخلق القوى هو الضمان الخالد لكل حضارة .
والإنسان ليس قالبا محدود الإطار هو ذلك الجسد الذي يدب على ظهر هذه الأرض ؛ بل إن هذا الجسد يُعد نوعا من أنواع الجمادات إذا ما نزعت منه تلك النفس فالنفس اللطيفة المودعة في هذا القالب هي محل الأخلاق المحمودة .
وهذه الأعمال التي يقصدها الإنسان، هي ثمرة ناضجة لتلك الأخلاق التي هي راسخة فيه تنبعث من أصل النفس الناطقة ، ثم تعود إليها ، ثم تتشبث بذيلها وتحصى عليها .
وإذا كانت الأخلاق في النفس فلابد أن نعلم ، أن هذه الأخلاق منها ما هو طبيعي من أصل المزاج ، ومنها ما هو مستفاد ومكتسب بالسعادة والتدرب ، والإنسان العاقل هو القادر – حقا – على اكتساب أخلاق جديدة بالروية والفكر ، ويستمر على هذه الأخلاق حتى تصبح ملكة وخُلقا له .
والإسلام الحنيف في علاجه للنفس ابتغاء إصلاحها ، ينظر إليها من ناحيتين : أن فيها فطرة طيبة تهفو إلى الخير ، وتسر بإدراكه وتأسى للشر وتحزن من ارتكابه ، وترى الحق امتداد لدورها ، وصحة لحياتها : وأن فيها إلى جوار ذلك – نزعات طائشة تشرد بها عن سواء السبيل ، وتزين لها ما يعود عليها بالضرر ويسف بها إلى منحدر سحيق .
وإذا كان الإنسان يحتاج إلى مجاهدة واعية ومستمرة فإن النفس دائماً تقبل ما يطرأ عليها من الصور ، بل تزداد بالصورة الأولى - التي خلقت عليها – قوة على ما يرد عليها من الصور الأخرى ، وهذه الخاصة مضادة لخواص الأجسام ، ولهذه العلة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض وتخرج في العلوم والآداب , وما من دين إلا وقد دعا إلى تهذيب النفس ، لأن الإنسان بنفسه لا بجسمه .
قال البستي :
يـا خادم الجسم كم تسعى لخدمته * * أتطلبُ الربح مما فيه خسرانُ
أقبل على النفس واستكمل فضائلها * * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
والنفس كما قيل : مجبولة على شيم مهملة ، وأخلاق مرسلة ، لا يستغنى محمودها عن التأديب ، ولا يكفى بالمرضى فيها عن التهذيب.
والفضائل لا يحصل عليها الإنسان إلا بعد أن يطهر نفسه من الرذائل ؛ لأن النفس المختلة تثير الفوضى في أحكام النظم ، وتستطيع النفاذ منه إلى أغراضها الدنيئة ، والنفس الكريمة ترفع الفتوق في الأحوال المختلة ، ويشرق نبلها من داخلها فتحسن التصرف والمسير وسط الأنواء والأعاصير.
ذكر أحمد السبكى في رسالته عن تجريد النفس : بأن العاقل من يؤدب حواسه ويجردها من المعاصي ؛ فيجرد النظر من كل تجرم ، والسمع من كل ريبة ، واللسان من الخبث ، والبدن عن الأذى ، والرجل عن السعى في غير رضي الله ، وكذا القلب من الحسد والغل ، وكذا باقي الحواس . انظر: أحمد شهاب الدين المنير : رسالة كشف اللبس عن تجريد النفس ص 117 وما بعدها .
وإني لأعجب من الناس الذين تفنى أعمارهم في خدمة أجسادهم ويضنون عن إنفاق جزء منها في خدمة أنفسهم وتهذيبها ، فكم من الساعات تنفقها في الطعام والشراب ، وهذا خدمة للجسم ، وكم من الساعات نقضيها في الرياضة وممارسة الألعاب المختلفة ، وكلها خدمات جليلة و نافعة للجسم ؛ ولكن ماذا قدمنا لأنفسنا وأرواحنا ، تركناها بلا غذاء ولا دواء ، ولا تهذيب ولا تأديب. فأصبحنا كإبل مائة لا تجد فيها راحلة .
مع أن النفس هي مصدر حياة الإنسان ، ودليل على وجوده .
أنشد بعضهم :
هذب النفس بالعلوم لترقـــى * * وترى الكل فهي للكل بيتُ
إنما النفس كالزجاجة والعــ* * قل سراج وحكمة الله زيـتُ
فإذا أشرقت فإنــك حـى * * وإذا أظلـمت فإنك ميتُ
والإسلام لا يكون – أبداً – إسلاماً حقيقياً حتى تمتلئ به النفس فيكون كل ما يصدر منها ، وإنما هو قبس من نوره الوضاء وفيض من ينابيعه الصافية.
ولن يتم تهذيب النفس إلا عن طريق المجاهدة الدائبة لها ، وتعويدها على الصلاح والخير ، وليس معنى كلامنا هذا أننا ندعوا إلى الاهتمام بالنفس على حساب الجسد ، بله فإن كليهما يكمل الآخر ، وما أحسن التوازن والاعتدال إذا كان ذلك عنوان المسلم وشعاره .
ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن طيب النفس من النعيم فقال : لا بأس بالغنى لمن اتقى ، و الصحة لمن اتقى خير من الغنى ، و طيب النفس من النعيم .قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 285 .
وبين أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس . رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ( حسن لغيره )
ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها