إن القرآن الكريم يحتل منزلة سامية في حياة أمة الإسلام فهو – ولا عجب – روحها ، وسر رقيها ، ونور دربها ، ومنشئ عزها وحضارتها ؛ ومن هنا فإن الأمة اتجهت إليه في كل وقت وحين لتعكف على دراسته وفهمه ، لتستلهم منه الهدى والرشاد ، وتتمكن من معرفة مراد ربها منها .
وإذا أرادت الأمة أن تخرج من أزمتها المعاصرة ، وأن تنهض من كبوتها الحالية ، وأن تفيق من رقادها وسباتها العميق الذي تغط فيه ، فليس لها من سبيل إلى ذلك إلا العودة الصادقة إلى كتاب ربها لتصيغ به شخصيتها ، وتصبغ به حياتها ، وتبني به ما أنهدم من مجدها وعزها ، وصدق الله القائل : ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [52/الشورى]
وبما أن أسباب النزول تمثل الواقع الحي الذي نزل القرآن الكريم لعلاجه أول مرة ، فإنها تعد ركيزة أساسية في فهم النص القرآني واستنباط الحكم منه ، وكذا في الوصول إلى مراد الشارع الحكيم على الحقيقة ، كما أنها تعين على معرفة الحكم الربانية التي جاء القرآن الكريم لتحقيقها من خلال هذه التشريعات العظيمة .
ولذا فإنا نجد علماء أصول الفقه يشترطون فيمن يبلغ رتبة الاجتهاد ، أن يكون عالماً بأسباب النزول محيطاً بها كواحد من الشروط الأساسية التي يلزمه تحقيقها ، حتى يأتي فهمه واستنباطه سليماً صحيحاً ، وهذا من أدل الدلائل على أهمية هذا الفرع من فروع علوم الشريعة ومكانته ! .
وهذه الدراسة واحدة من الدراسات التي تركز على هذا الفرع من العلوم الشرعية ، لتحاول إظهار علاقته بغيره من العلوم الشرعية ، حتى يأخذ مكانه الصحيح فيها ، بعيداً عن إفراط من أراد أن يتكئ عليه ليصل إلى تغيير معالم الشريعة وثوابتها ، أو تفريط من ألغى اعتباره وألحقه بالروايات التاريخية التي لا يعوّل عليها في حال التحقيق والتدقيق .
كما تهدف هذه الدراسة ، إلى تسليط الضوء على علم أسباب النزول لمعرفة العلاقة بينه وبين النص القرآني ، ومحاولة الوصول إلى الدلالات والمؤشرات الكامنة وراء ربط نزول بعض الأحكام والتشريعات بحوادث أو وقائع وأسئلة طرحت على النبي (صلى الله عليه وسلم) وإمكانية الاستفادة من تلك الدلالات والمؤشرات من قبل المقنن المعاصر .
كما تهدف إلى معرفة دور روايات أسباب النزول في توجيه فهم المفسر للنص القرآني واستنباطه للأحكام الشرعية منه ، فتظهر بذلك العلاقة بين علم سبب النزول من جهة وعلمي الفقه وأصوله من جهة أخرى .
أهمية الدراسة وأسباب اختيار الموضوع :
1- تأتي أهمية هذا الموضوع من أهمية علم أسباب النزول نفسه ، حيث إنه يحتل مكانة عظيمة في خارطة العلوم الإسلامية عموماً ، وعلوم القرآن خصوصاً ؛ وأقوال العلماء في ذلك غير خافية على مهتم بهذا المجال ، ودور هذه الدراسة سيكون في محاولة إظهار بعض هذه الدلائل من خلال تتبع آثار بعض روايات أسباب النزول على الأحكام المستنبطة من الآيات التي نزلت بعد وقوع تلك الأسباب الخاصة .
2- ظهور بعض الأفكار والكتابات المعاصرة والتي تنادي بإعادة قراءة النصوص الشرعية – ومنها القرآن الكريم – قراءة معاصرة ! بحجة أن تلك النصوص نزلت بسبب حوادث خاصة ، وهى أسباب النزول ، وبالتالي فلابد من تطوير التشريعات التي استنبطت من تلك النصوص لأنها نزلت لتعالج واقعاً معيناً ، وذلك الواقع الذي تصفه أسباب النزول قد تغير اليوم ، فلابد أن يتبعه تغيير في الأحكام التي تشرع له .
وهذه الدراسة تقف مع هذه الأفكار لمحاولة الوقوف على حقيقتها وأهدافها ، وكذا مناقشة الأدلة التي بنيت عليها – في حال وجودها – ومحاولة التعرف على مدى علمية هذه الأفكار ، وموافقتها لمنطق لعقل ، والتزامها بمسلمات وقطعيات العلوم الإسلامية .
3- وجود بعض القضايا في علم أسباب النزول تحتاج إلى دراسة وتدقيق ، حيث إن علماء الفن تناقلوها كمسلمات مع اعتراض البعض عليها وإنكارها ، وسنقوم بمناقشة بعض القضايا ونحاول تدعيمها ببعض الأدلة في حال الاقتناع بها ، أو ذكر ما يدل على رفضها وعدم رجحانها .
منهج الدراسـة :
يعتمد الباحث في هذه الدراسة المنهج الاستقرائي والاستنباطي ، ويتمثل ذلك في تتبع روايات أسباب النزول ، والبحث عن الآثار الفقهية والأصولية التي تركتها تلك الروايات على الأحكام المستنبطة من الآيات التي أرتبط نزولها بتلك الأسباب ، وذلك من خلال دراسة هذه الأحكام ، والوقوف على طرق الاستدلال التي أتبعها العلماء والفقهاء للوصول إلى تلك الأحكام ، والنظر في تعليلات تلك الأحكام – في حال وجودها – والتركيز على دور سبب النزول في ذلك ، ومدى اعتماد الفقهاء عليه في الوصول إلى تلك الأحكام أو استدلالهم به ، ومن ثم الوصول إلى معرفة حجية سبب النزول عندهم وأثره في استنباطهم .
يحاول الباحث – بعد ذلك – أن يجمع تلك الآثار بعضها إلى بعض ليصل إلى قواعد عامة يمكن ترتيب تلك الآثار تحتها ، ليتسنى الاستفادة من تلك القواعد عند التعامل مع روايات أسباب النزول .
كما يقوم الباحث – بإذن الله تعالى – بعزو مايرد في دراسته من آيات ، وكذا تخريج الأحاديث وروايات أسباب النزول ، والترجمة لأهم من يستشهد بقوله وكذا الترجمة لراوي سبب النزول ، ونسب كل قول إلى مصدره الرئيسي ما أمكن ذلك ، ويعتمد الباحث على المصادر الأصلية مع الاستفادة من الكتابات الحديثة،