بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أما بعد،،،
الابتلاء والهم والاكتئاب سُنَّة ربانية ...
هذا الموضوع من المواضيع التي يعاني منها الكل , يقال أن همومنا صنع أفكارنا، ولا يوجد إنسان مهما كبر ومهما صغر ومهما ازداد علماً أو ديناً أو مالاً أن يتخلص من موضوع الاكتئاب، الإشكالية الأساسية في هذا الموضوع أو في هذه القضية أننا نظل نعاني نفكر في القضايا وتتعارض طموحاتنا وآمالنا مع الواقع الذي نعيش فيه ..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يتعوذ بالله ويستجير بالله العلي العظيم من الهم والحزن يقول:.
"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل" .
والإنسان في حياته الدنيا معرض لأن يهتم وأن يغتم وأن يحزن وأن يصاب بشيء من الكآبة والحزن وهذا أمر طبيعي.
وكيف عالج الإسلام هذه الحالة التي يصاب بها الإنسان.
والله تعالى يقول (لقد خلقنا الإنسان في كبد) أي في مكابدة ومعاناة منذ يولد الإنسان .
(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشِّر الصابرين).
(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه).
هذه هي الدنيا، قيل للإمام علي رضي الله عنه: صف لنا الدنيا، فقال للسائل: وماذا أصف لك من دار أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء. هذه هي الدنيا، فطبيعة الإنسان أنه معرض للابتلاء، طبيعة الدنيا أنها لا تخلو من الآفات، الإنسان المؤمن أشد بلاءاً من غيره لأنه صاحب رسالة...
فإذا كان الإنسان معرضاً للابتلاء فإن المؤمن أكثر عرضةً للابتلاء و جاء في الحديث الشريف "أشرُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاءً وإن كان في دينه رقَّة ـ يعني ضعف ـ ابتُلي على قدر دينه وما يزال البلاء ينـزل بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة".
يقول الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (ألم، أحَسِبَ الذين آمنوا أن يُترَكوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون)... أهناك إيمان بلا فتنة وابتلاء ...
الاكتئاب والهم والغم يصيب الإنسان لأسباب أحياناً تأتي من داخل نفس الإنسان، وهذا أخطر أنواع الاكتئاب وهو الذي يصاب به الناس في الحضارة المادية الغربية ويسمونها أمراض العصر عندهم.إنما نحن عندنا الذي يعصمنا هو الإيمان كذلك من الأسباب أيضاً الإنسان في تعامله مع الناس هذه المؤثرات الاجتماعية تؤثر في النفس الإنسانية.
هناك أدعية مأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة والأذكار التي يستعين بها المسلم إذا نزل به الكرب أو أصابته المحن وأحاطت به البلايا، هي أسلحة في يد الإنسان المسلم يقاوم بها هذه الكروب التي تنـزل به.
ذكرها الإمام ابن القيم في كتابه "زاد المعاد" في أدعية الكرب، منها ما جاء في الصحيحين .
أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في دعاء الكرب: ."لا إله إلا الله العليم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم" ....
منها دعوة ذي النون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوة أخي ذي النون حينما دعا في بطن الحوت: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله بها عنه)، القرآن ذكر هذه الدعوة (ذا النون إذ ذهب مغاضباً فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، (الظلمات) هي ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت، هذا الدعاء على قصره فيه التوحيد (لا إله إلا أنت)، والتنـزيه (سبحانك)، والاعتراف (إني كنت من الظالمين)، (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين).
أيضاً الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها أن تقول: "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" .
وكذلك الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أمامة أن يقول "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدَين وقهر الرجال".
والدعاء أيضاً الذي رواه ابن مسعود "اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فِيَّ حكمك عدل في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي" يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء "ما قاله مسلم إلا اذهب الله حزنه وأبدله ترحه فرحاً" كذلك "الله ربي ولا أشرك به شيئاً" والاستغفار أيضاً، من لَزِم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً.
فهذه الأدعية تقوي الإنسان المسلم لأنها تجعله يلجأ إلى ركن ركين، ويعتصم بحبل متين وبحصن حصين، يعوذ بالله ويلوذ بجنابه سبحانه وتعالى.
فليس كل من أصابه حزن يعتبر مريضاً، لأن الحزن ظاهرة طبيعية، الإنسان من شأنه أن يفرح وأن يحزن وهذه سُنَّة الحياة ولكن الذي يحزن بغير سبب أو الذي يطول حزنه ولا يجد مجالاً لأن يغير من واقعه هذا هو الذي نعتبره مكتئباً.
وإذا أردنا أن نتحدث عن الاكتئاب النفسي الذي يصيب بعض المتحمسين أو المتدينين والذي يأتي من أسباب عدم الشعور بالسيطرة على الواقع، النظر إلى المشكلات الاجتماعية التي يعانيها الناس بسبب البعد عن الدين، مشكلات ضعف الأمة العربية والإسلامية، فقدان المسلم لشخصيته، هذه القضايا تعطينا كثيرا من المشاكل خاصة تلك التي تتصل بالتعصب الديني، تلك التي تتصل بسوء فهم الأحكام الشرعية، تلك التي تتصل بالحكم على المواقف أو المتغيرات السياسية والاجتماعية أو الدينية على مختلف أنواعها.
ولذلك الإيمان هو أعظم علاج للقلق ولهذه الأمراض، المؤمن إذا قوي إيمانه ينظر إلى هذه الأمور نظرة يفلسفها، يسمع قول الله تعالى.
(فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم).
ويعلم أن دوام الحال من المحال، وتلك الأيام نداولها بين الناس، الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، سيجعل الله بعد عسر يسراً، (فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً).
يعلم أن هذا الشيء لا يدوم، هذا يعطيه قوة في مواجهة الحياة، سيدنا عمر علمنا كيف نفلسف المصيبة ونجعلها نعمة لأنه قال: .
"ما أصبت ببلاء إلا وجدت لله علي فيه أربع نعم الأولى أنه لم يكن في ديني، وكل مصيبة في الدنيا تهون إذا لم تكن في الدين، وعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا".
والثانية أنه لم يكن أكبر منه، لأن كل بلاء هناك بلاء أكبر منه ..
والثالثة أنني لم أُحرم الرضا به.
وفي بعض الأحاديث إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والرَوح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك، فالرضا يجعلك تنظر للأمور نظرة غير نظرة الإنسان الساخط.
والرابعة أنني أرجو ثواب الله عليه.
أحد الصالحين دخلت في رجله عظمة وخرجت من الجهة الأخرى، فابتسم وقال: الحمد لله، قيل له: فيك كل هذا الوجع وتبتسم! .
قال: إن حلاوة ثوابي أنستني مرارة وجعي...
بهذه الفلسفة الإيمانية يستريح الإنسان.
العلاج هو الإيمان والله تعالى يقول (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) الصبر هو قوة الإرادة، أنه يقوي إرادته في مواجهة هذه المحن ويقويها بمجموعة من المفاهيم أعطاها له الإسلام، وقد قال الله (وبشِّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإنا إليه راجعون) بعد أن قال لنبلونكم بكذا وكذا.
فالإنسان عليه أن يعالج نفسه بهذه المفاهيم الإسلامية وإن الصبر وراءه خير الدنيا والآخرة.
عزَّى سيدنا علي رجلاً في وفاة ابنه فقال له: يا أبا فلان إنك إن صبرت نفذت فيك المقادير وأنت مأجور وإن جزعت نفذت فيك المقادير فأنت مأزور، العوام عبروا عن هذا فقالوا: "إن صبرتم أجرتم وسهم الله نافذ وإن ما صبرتم كفرتم وسهم الله نافذ" أي أن سهم الله نافذ في كلا الحالتين ومادام سهم الله نافذاً فلماذا لا يصبر الإنسان، فهذه المفاهيم مطلوبة حتى يستطيع الإنسان أن يتغلب على همومه وأحزانه، الصبر والصلاة...
في كتاب أحمد بن حنبل هذا النص "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه الكآبة" النص الآخر ".
دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان كئيباً حزيناً" ربط بين الكآبة والحزن .
لاشك أن الحزن يعتري الأنبياء كما يعتري عامة الناس ذكرنا حزن سيدنا يعقوب عليه السلام والرسول عليه الصلاة والسلام بشر يفرح كما يفرح البشر ويحزن كما يحزن البشر..
لذلك حزن على وفاة عمه حمزة وحزن على من أصيبوا من الصحابة في أُحُد، ونزل قول الله تعالى .
(ولا تهِنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلَون إن كنتم مؤمنين).
وحزن على وفاة ابنه إبراهيم وقال: "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون" .
هنا ميزة المؤمن عن غيره "لا نقول إلا ما يرضي ربنا" ..
الحزن هذا شيء طبيعي حينما ماتت حفيدة للنبي عليه الصلاة والسلام فدمعت عيناه فقيل له: يا رسول الله نهيتنا عن البكاء فقال: هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
فالحزن الطبيعي والرحمة الطبيعية لا يمنع منها بشر، إنما الذي يمنع هو الاستسلام لهذه الأشياء والاستمرار فيها حتى تصبح مرضاً وهذا أعاذ الله منه رسوله صلى الله عليه وسلم فقد كان يستعيذ بالله من الهم والحزن .
وقال الله تعالى (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون)..
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء احزاننا وهمومنا.
سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا انت استغفرك واتوب اليك...اللهم علمنا ما ينفعنا وإنفعنا بما علمتنا...أسأل الله لي ولكم التوفيق لما يحبه ويرضاه وأن يكون ما كتبته خالصًا لوجهه الكريم .استغفر الله العظيم التواب الرحيم لذنبي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والاموات الى يوم الدين أمين يارب يارب يارب يارب . لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالين و صلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله و صحبه وسلم تسليما ..