فائدة:
هذا الحديث فيه الكثير والكثير مما يتعلق بفقه الأولويات في الدعوة وتقديم النصح والتربية والإرشاد، ويا حبذا لو أخذ به الدعاة وسلكوا طريق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوتهم، حتى وإن كان مثل هذا مع المسلمين أنفسهم؛ فيبدأون تدريجيا على غرار ما جاء في هذا الحديث الشريف، مع الوضع في الحسبان البيئة أو المكان، ومستوى الناس فيما يدعونهم إليه، وأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب.
وإذا كان قد قدمت الشهادتين على الصلاة في هذا الحديث وقدمت الصلاة على الزكاة، ورتب ذلك كله على بعضه بالفاء، فلا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة مثلا إسقاط الزكاة.
وقد قيل: " الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقر بالتوحيد ويجحد الصلاة يكفر بذلك فيصير ماله فيئا؛ فلا تنفعه الزكاة.. وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة ".
من شرح الحديث من فتح الباري:
مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ـ عن أبي سفيان حدثني أشياخ منا قالوا: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حُبلى، فشاور عمر رضي الله عنه ناسا في رجمها، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع، فتركها فولدت غلاما قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه فيه فقال: ابني ورب الكعبة، فقال عمر رضي الله عنه: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر. وهذا إن ثبت ففيه دلالة على أن الحمل يبقى أكثر من سنتين وقول عمر رضي الله عنه في امرأة المفقود تربص أربع سنين يشبه أن يكون إنما قاله لبقاء الحمل أربع سنين والله أعلم
عن عطاء بن أبي رباح عن أبي مسلم الخولاني قال: قلت لمعاذ بن جبل: والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك، قال: فلأي شيء؟ قلت: لله، قال:
فجذب حبوتي ثم قال: أبشر إن كنت صادقا؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء.
ثم قال {أبو مسلم}: فخرجت فأتيت عبادة بن الصامت فحدثته بحديث معاذ فقال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن ربه تبارك وتعالى:
حقت محبتي على المتحابين في، وحقت محبتي على المتناصحين في، وحقت محبتي على المتزاورين في، وحقت محبتي على المتباذلين في، وهم على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون بمكانهم.
عن معاذ بن جبل قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت معه ألتمسه أسأل كل من مررت به فيقول: مر قبل، حتى مررت فوجدته يصلي فانتظرته حتى انصرف وقد أطال الصلاة، فقلت: لقد رأيتك طولت تطويلا ما رأيتك صليتها هكذا، قال: إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي غرقا فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يلقي بأسهم بينهم فرد علي.
عن مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم، ورفع أصواتكم وسل سيوفكم، وبيعكم وشراءكم، وإقامة حدودكم وخصومتكم، وجمروها يوم جمعكم، واجعلوا مطاهركم على أبوابها.
قربه من الرسول صلى الله عليه وسلم:
لزم معاذ بن جبل النبي -صلى الله عليه وسلم- منذ هجرته الى المدينة فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الاسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحسبه شهادة له قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( استقرئـوا القرآن من أربعـة:( من ابن مسعـود وسالم مولى أبي حذيفـة وأبي ومعاذ بن جبل ) وقوله - صلى الله عليه وسلم-:( وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل)
قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( يا مُعاذ، والله إني لأُحِبّك فلا تنْسَ أن تقول في عَقِب كل صلاة: اللهم أعِنّي على ذِكْرك وشكرك وحُسْن عبادتك ) ولقد حَـذِق معاذ الدرس وأجاد التطبيـق فقد لقيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذات صباح فسأله:( كيف أصبحت يا معاذ؟) قال:( أصبحت مؤمنا حقّا يا رسول الله ) قال النبي:( إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟) قال معاذ:( ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمْسي، ولا أمْسَيت مساء إلا ظننت أني لا أُصْبح، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتْبِعُها غيره، وكأني أنظر الى كل أمّة جاثية تُدْعى الى كتابه، وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنَعَّمون، وأهل النار في النار يُعَذّبون ) فقال له الرسول:( عرفتَ فالزم)
إرساله الى اليمن:
وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ مع رسل ملوك اليمن يعلم الناس دينهم وأوصاه بأمور عدة
فقد سأله النبي -صلى الله عليه وسلم-:( بما تحكم يا معاذ؟) قال معاذ:( بكتاب الله )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( فان لم تجد؟) قال معاذ:( بسنة رسول الله )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( فان لم تجد؟) قال معاذ:( أجتهد رأي ولا آلو )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله
فضله:
لقد كان عمـر بن الخطـاب -رضي اللـه عنه- يستشيـره كثيرا وكان يقول في بعـض المواطـن التي يستعيـن فيها برأي مُعاذ وفقهـه:( لولا معاذ بن جبـل لهلك عمـر
ولقد أجاد ابـن مسعـود وصفه حيـن قال:( إن معـاذاً كان أمِّـةً قانتـاً للـهِ حَنيف، ولقد كنّـا نُشَبِّـه معاذا بإبراهيـم عليـه السـلام
دخل ( عائذ الله بن عبد الله ) المسجد يوما مع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول خلافة عمر فيحدثنا ويقول:( فجلست مجلسا فيه بضعٌ وثلاثون كلهم يَذْكرون حديثا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي الحلقة شاب شديد الأُدْمَة حلو المنطق وضيء، وهو أشَبُّ القوم سِنّ، فإذا اشتبـه عليهم من الحديـث شيء رَدّوه إليه فَأفْتاهم، ولا يحدثهم إلا حين يسألونه، ولما قُضيَ مجلسهم دَنَـوْتُ منه وسَألْتُه:( من أنت يا عبد الله؟)قال:( أنا معاذ بن جبل )
ويقول ( أبو مسلم الخولاني ):(دخلت مسجد حمص فإذا جماعة من الكهول يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا صامت لا يتكلم، فإذا امْتَرَى القوم في شيء تَوَجَّهوا إليه يسألونه، فقلت لجليس لي:( من هذ؟) قال:( مُعاذ بن جبل ) فوقع في نفسي حُبُّه )
كما قال ( شهر بن حَوْشَب ):( كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل، نظروا إليه هيبة له
حُبّ العلم:
وكان يرى العلم معرفة وعملا فيقول:( تعلموا ماشئتـم أن تتعلمو، فلن ينفعـكم الله بالعلم حتى تعْمَلوا )وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضارا دائما لعظمته ومراجعة دائمة لسلوك النفس، يقول الأسود بن هلال:( كُنّا نمشي مع مُعاذ، فقال لن: اجلسوا بنا نُؤْمِنْ ساعة )
طهارته:
مات الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعاذ بن جبل في اليمن، وفي خلافة أبي بكر رجِع معاذ الى اليمن، وكان عمر بن الخطاب قد علِمَ أن معاذاً أثرى فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله، ولم ينتظر عمر بل نهض مسرعا الى معاذ وأخبره، وقد كان معاذ -رضي الله عنه- طاهر الكف والذمّة، ولئن كان قد أثرى فإنه لم يكتسب إثما ومن ثم فقد رفض عرض عمر وناقشه رأيه، وتركه عمر وانصرف، وفي الغداة سارع معاذ الى عمر يلقاه ولا يكاد يراه حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول:( لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حَوْمَة ماء، أخشى على نفسي الغرق، حتى جئت فخلصتني يا عمر )وذهبا معا الى أبي بكر وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله فقال أبو بكر:( لا آخذ منك شيئاً )فنظر عمر الى معاذ وقال له:( الآن حَلَّ وطاب )فما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درهما واحد، لو علم أنه أخذه بغير حق
أمانته وورعه:
كما أرسله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بواجبه خير قيام وعاد الى زوجـه بحلسه (ما يوضع على ظهر الدابة) الذي خرج به فقاـلت له امرأته:( أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهـم؟) فقال معاذ:( لقد كان معي رقيب يقظ يحصي علي )فقالت امرأته:( لقد كنت أمينا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك )وشاعت ذلك عند نساء عمر وشكته لهن فبلغ عمر فأرسل الى معاذ وسأله:(أنا أرسلت معك رقيبا)فقال:( يا أمير المؤمنين لم أجد ما اعتذر به الا هذا وقصدت بالرقيب الله عزوجل )فأعطاه عمر شيئا وقال:( أرضها به)
معلما ثم واليا للشام:
وفي خلافة عمر -رضي الله عنه- أرسل اليه واليه على الشام يقول:( يا أمير المؤمنين ان أهل الشام قد كثروا وملأوا المدائن واحتاجوا الى من يعلمهم القرآن،ويفقههم في الدين، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم)فأرسل اليه عمر من يعلمهم وكان أحدهم معاذ بن جبل -رضي الله عنه-فلما مات أمير الشام ( أبو عبيدة ) استخلفه أمير المؤمنين على الشام، ولم يمضِ عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه منيب، وكان عمر بن الخطاب يقول:( لو اسْتَخْلفْت معاذ بن جبل فسألني ربي: لماذا استخلفته؟لقلت: سمعت نبيك يقول: إن العلماء إذا حضروا ربهم عزَّ وجل كان معاذ بين أيديهم )وهذا رأيه على خلافة المسلمين جميعا
نبذة من مواعظه وكلامه:
عن أبي إدريس الخولاني أن معاذ بن جبل قال إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والصغير والكبير والأحمر والأسود فيوشك قائل أن يقول ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره إياكم وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان يقول علي في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورًا، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ قال هي كلمة تنكرونها منه وتقولون ما هذه فلا يثنكم فإنه يوشك أن يفيء ويراجع بعض ما تعرفون.
وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علمني، قال وهل أنت مطيعي قال: إني على طاعتك لحريص قال: صم وأفطر، وصل ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم.
وعن معاوية بن قرة قال: قال معاذ بن جبل لابنه: يا بني، إذا صليت فصل صلاة مودع لا تظن أنك تعود إليها أبدًا واعلم يا بني أن المؤمن يموت بين حسنتين: حسنة قدمها وحسنة أخرها. وعن أبي إدريس الخولاني قال: قال معاذ: إنك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا رأيتهم غفلوا فارغب إلى ربك عند ذلك رغبات. رواهما الإمام أحمد.
ومن أقواله رضي الله عنه:
عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ:
ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهو الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
عن ربيعة بن يزيد قال: قال معاذ بن جبل:
يفتح القرآن على الناس حتى يقرأه المرأة والصبي والرجل، فيقول الرجل: قد قرأت القرآن فلم أتبع، والله لأقومن به فيهم لعلي أتبع، فيقوم به فيهم فلا يتبع فيقول: قد قرأت القرآن فلم أتبع وقد قمت به فيهم فلم أتبع، لأحتظرن في بيتي مسجدا لعلي أتبع، فيحتظر في بيته مسجدا فلا يتبع، فيقول: قد قرأت القرآن فلم أتبع، وقمت به فيهم فلم أتبع، وقد احتظرت في بيتي مسجدا فلم أتبع، والله لآتينهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلي أتبع، قال معاذ: فإياكم وما جاء به؛ فإن ما جاء به ضلالة.
وفاته:
عن يزيد بن عميرة أن معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قالوا: يا أبا عبد الرحمن، أوصنا، قال: أجلسونى ثم قال: إن العمل والإيمان مظانهما من التمسهما وجدهما، والعلم والإيمان مكانهما من التمسهما وجدهما، فالتمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه عاشر عشرة في الجنة.
ولما وقع الطاعون بالشام قال معاذ: اللهم أدخل على آل معاذ نصيبهم من هذا، فطعنت له امرأتان فماتتا، ثم طعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم طعن معاذ بن جبل فجعل يغشى عليه فإذا أفاق قال: اللهم غمني غمك فوعزتك إنك لتعلم أني أحبك، ثم يغشى عليه فإذا أفاق قال مثل ذلك.
وقال عمرو بن قيس: إن معاذ بن جبل لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ فقيل:لم نصبح، حتى أتي فقيل: أصبحنا، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، مرحبا بالموت مرحبا زائر حبيب جاء على فاقة.
اللهم تعلم أني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمإ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
مات سنة ثمان عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة
في طاعون عمواس، و قبره رضي الله عنه بقصير خالد من عمل دمشق