حدثنا محمد بن سنان حدثنا سليم بن حيان حدثنا سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال
قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون لولا موضع اللبنة
----------------------
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
قوله : ( مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا )
قيل : المشبه به واحد والمشبه جماعة فكيف صح التشبيه ؟ وجوابه أنه جعل الأنبياء كرجل واحد , لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل , وكذلك الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان , ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلي وهو أن يوجد وصف من أوصاف المشبه ويشبه بمثله من أحوال المشبه به , فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع به يتم صلاح ذلك البيت , وزعم ابن العربي أن اللبنة المشار إليها كانت في أس الدار المذكورة وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار , قال : وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور انتهى . وهذا إن كان منقولا فهو حسن وإلا فليس بلازم , نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها وقد وقع في رواية همام عند مسلم " إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها " فيظهر أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصا , وليس كذلك فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة , فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة .
قوله : ( لولا موضع اللبنة )
بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها نون وبكسر اللام وسكون الموحدة أيضا هي القطعة من الطين تعجن وتجبل وتعد للبناء ويقال لها ما لم تحرق لبنة , فإذا أحرقت فهي آجرة . وقوله : ( موضع اللبنة ) بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي لولا موضع اللبنة يوهم النقص لكان بناء الدار كاملا , ويحتمل أن تكون " لولا " تحضيضية وفعلها محذوف تقديره لولا أكمل موضع اللبنة . ووقع في رواية همام عند أحمد " ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك " . وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام وفضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر النبيين , وأن الله ختم به المرسلين , وأكمل به شرائع الدين .
----------
حدثنا أبو نعيم حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال سئل البراء
أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف قال لا بل مثل القمر
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
حديث البراء أيضا .
قوله : ( حدثنا زهير )
هو ابن معاوية وأبو إسحاق هو السبيعي .
قوله : ( سئل البراء )
في رواية الإسماعيلي من طريق أحمد بن يونس عن زهير " حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال له رجل " .
قوله : ( مثل السيف قال لا بل مثل القمر )
كأن السائل أراد أنه مثل السيف في الطول , فرد عليه البراء فقال : " بل مثل القمر " أي في التدوير , ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقال ؟ فقال : بل فوق ذلك , وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان : ووقع في رواية زهير المذكورة " أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حديدا مثل السيف " ؟ وهو يؤيد الأول . وقد أخرج مسلم من حديث جابر بن سمرة " أن رجلا قال له : أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف ؟ قال : لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا " وإنما قال : " مستديرا " للتنبيه على أنه جمع الصفتين , لأن قوله " مثل السيف " يحتمل أن يريد به الطول أو اللمعان , فرده المسئول ردا بليغا . ولما جرى التعارف في أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق , والتشبيه بالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما , أتى بقوله : " وكان مستديرا " إشارة إلى أنه أراد التشبيه بالصفتين معا : الحسن والاستدارة . ولأحمد وابن سعد وابن حبان عن أبي هريرة " ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم , كأن الشمس تجري في جبهته " قال الطيبي : شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه صلى الله عليه وسلم , وفيه عكس التشبيه للمبالغة , قال : ويحتمل أن يكون من باب تناهي التشبيه جعل وجهه مقرا ومكانا للشمس . وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق يونس بن أبي يعفور عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأة من همدان قال : " حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلت لها : شبهيه . قالت : كالقمر ليلة البدر , لم أر قبله ولا بعده مثله " وفي حديث الربيع بنت معوذ " لو رأيته لرأيت الشمس طالعة " أخرجه الطبراني والدارمي , وفي حديث يزيد الرقاشي المتقدم قريبا عن ابن عباس " جميل دوائر الوجه , قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره " وروى الذهلي في " الزهريات " من حديث أبي هريرة في صفته صلى الله عليه وسلم " كان أسيل الخدين , شديد سواد الشعر , أكحل العينين , أهدب الأشفار " الحديث . وكأن قوله : " أسيل الخدين " هو الحامل على من سأل : أكان وجهه مثل السيف ؟ ووقع في حديث علي عند أبي عبيد في الغريب " وكان في وجهه تدوير " قال أبو عبيد في شرحه : يريد أنه لم يكن في غاية من التدوير بل كان فيه سهولة , وهي أحلى عند العرب .