أدلة الوسيلة والتوسل :
لا نستطيع في هذه العجالة أن نجمع كل أدلة التوسل من مصادر التشريع الإسلامي لكثرتها أولاً ، ولوضوح الأمر وثبوته القطعي ثانياً ، ولهذا سنقتصر على بعض الرياحين من كتاب الله تعالى وسنة رسوله الأعظم لتـنتعش بعطورها أرواح المؤمنين فتزداد نوراً على نور ، ولتزكم نفوس المنكرين الحاقدين لاتباعهم غير سبيل المؤمنين ، ثم نشير إلى أقوال كبار علماء الأمة وإلى بعض المصنفات والمطولات التي كتبت في إثبات هذا الموضوع لمن يريد الزيادة .
من أدلة التوسل في كتاب الله تعالى :
قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً )( النساء : 64) .
وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ )( الأنفال : 33 ) ، تنص الآية الكريمة على أنه الوسيلة العظمى التي لأجلها وبها رُفع عذاب المسخ والحرق والغرق والانقلاب على الاعقاب عن هذه الامة ، ولولا وجوده إلى الآن بيننا لحصل لنا ما حصل لجميع الأمم السابقة من العذاب . فهو وسيلتنا للنجاة في الحياة الدنيا ، وهو سيكون وسيلتنا العظمى في النجاة يوم الحساب .
وقال تعالى : ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ . قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )( يوسف : 97 ، 98 ) ، وهذا نص صريح في لزوم الالتجاء إلى الأنبياء والأولياء واتخاذهم وسائل لطلب العفو والغفران من الله تعالى .
من أدلة التوسل في السنة المطهرة بحضرة الوسيلة الأعظم سيدنا محمد صلى اله تعالى عليه وسلم :
ثبت يقيناً جواز التوسل بحضرة الرسول الأعظم سيدنا محمد : قبل ظهوره
وبعثه ، وبعد الظهور ، والبعث في حياته ، وبعد انتقاله إلى العالم الآخر في مدة بقاء الحياة الدنيا ، وأخيراً في الآخرة يوم الحشر والحساب وخلوده كوسيلة عظمى أبد الآبدين ، وسوف نسوق الأدلة على ذلك .
من أدلة التوسل بحضرته قبل ظهوره وبعثته :
أول من توسل آدم عليه السلام بسيدنا محمد ، فقد أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني في الصغير وأبو نعيم وابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ( لما أقترف آدم الخطيئة قال يارب بحق محمد لما غفرت لي ، قال : وكيف عرفت محمداً ؟ قال : لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فىّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوام العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك قال : صدقت يا آدم ولو لا محمد ما خلقتك )( المستدرك على الصحيحين ج : 2 ص : 672 ) .
والحديث يدل على مزيد التكريم لسيدنا محمد ، ولا يعارض شيئاً من أصول التوحيد ، وليس فيه انتزاع لحق من حقوق الربوبية أو الصفات الإلهية ، بل أنه تشهد له كثير من الحقائق المعتبرة . فإذا كان أبو الشر أول من توسل واتخذ الوسيلة ، فالويل كل الويل لمن ينكص على عقبيه ويتبع غير سبيل الانبياء والمرسلين .
وقال تعالى : ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ )( البقرة : 89 ) ، قال ابن عباس رضي الله عنه : كانت اليهود في خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا عملت اليهود بهذا الدعاء وكانوا يقولون : اللهم بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في أخر الزمان أن تنصرنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي كفروا به فنزلت الآية .
من أدلة التوسل بحضرته في أثناء ظهوره في الحياة الدنيا :
عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي فقال : يا نبي الله ادع الله أن يعافيني فقال إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك وإن شئت دعوت لك قال بل ادع الله لي ، فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وان يدعو بهذا الدعاء : ( اللهم اني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى وتشفعني فيه وتشفعه في )( المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 700 برقم 1909 ) قال فكان يقول هذا مرارا ثم قال بعد أحسب أن فيها أن تشفعني فيه قال ففعل الرجل فبرا .
من أدلة التوسل بحضرته بعد انتقاله :
« في كتاب الشفاء للقاضي عياض قال : ناظر أبو جعفر المنصور الإمام مالكاً في مسجد رسول الله حين قال له : لاترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدّبَ قوماً فقال : ( لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي ) ، ومدح قوماً فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه ) ، وذم قوماً فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ إنّ )( الحجرات : 2 ، 3 ، 4 ) ، وحرمته ميتاً كحرمته حياً ، فاستكان لها أبو جعفر المنصور وقال : يا أبا عبد الله أستقبل البيت وأدعو أم أستقبل رسول الله وأدعو فقال له : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ، بل أستقبله وأستشفع به فيشفعك الله تعالى إذ قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً )( النساء : 64 ) .
عن أبي الجوزاء قال : قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة ( رضي الله عنها ) فقالت : انظروا روضة النبي ، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل ، وهذه القصة وقعت بعد قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما استشفع بالعباس رضي الله عنه عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (موسى محمد علي - حقيقة التوسل والوسيلة - ص53 ) .
من أدلة التوسل بحضرته يوم القيامة :
إن الشفاعة ( الوساطة بين الخلق والخالق ) متحققة لحضرته المباركة ولاخلاف في ذلك عند الأمة كلها ، وقد ورد أن حضرته يشفع في خمسة أقسام :
الشفاعة العظمى : وهي مما اختص بها حضرته إذ تستغيث به الأمم كلها من لدن آدم إلى آخر الزمان ، وذلك في يوم الحشر يطلبون منه الإراحة من طول الوقوف ، وتعجيل الحساب ، فيقوم حضرته وهو يقول : ( أنا لها أنا لها )( مسند أحمد ج: 1 ص: 295 ) ، ثم يسأل الله الحساب ويكون له ما يريد ، ولم ينكر أحد هذه الوساطة العظمى .
الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب .
الشفاعة لقوم استحقوا النار فيعفى عنهم .
الشفاعة فيمن دخلوا النار من المذنبين فعلاً .
الشفاعة في زيادة الدرجات لأهل الجنة .
ومن الأدلة على كل هذا نذكر :
عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي أنه قال : ( أنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر )( سنن الترمذي ج: 5 ص: 587 ) .
وعن أنس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول : ( إذا كان يوم القيامة شفعت فقلت : يا رب أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة فيدخلون ثم أقول : أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء )( صحيح البخاري ج : 6 ص : 2727 ) ، فلو لم يكن من نفع الوسيلة ودفعها للضر إلا هذه لكفى .
وعن أنس رضي الله عنه قـال : قـال رسول الله : ( أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا )( صحيح مسلم ج: 1 ص: 188 ) .
ويكفي هذا القدر من أدلة يصعب حصرها هنا وكلها تقطع بأنه الوسيلة العظمى لنيل النفع والثواب والنجاة من الضر والعذاب ، ولا ريب ان هذه الشفاعة متواصلة ومتوارثة في أهل بيته ومشايخ الطريقة السائرين على نهجة .