يرجع الاستخدام الحديث للمصطلح "البراجماتية" Pragmatics إلى عام 1938 عندما استخدمه الفيلسوف تشارلز موريس Charles Morris . وكان موريس معنيا برسم الخطوط العريضة لعلم الرموز أو العلامات ، أو السِّيْموتِيَّة Semiotics. وفي إطار السيموتية قام موريس بالتفرقة بين ثلاثة فروع مختلفة ، وهي :
(1) نَظْم الجملة Syntax أو Syntactics (دراسة نَظْم الكلام) باعتبار أنه دراسة "العلاقة الشكلية بين الرموز أحدها بالآخر".
(2) علم الدلالة Semantics وهو دراسة "علاقة الرموز بالأشياء التي تشير إليها".
(3) البراجماتية Pragmatics وهي دراسة "علاقة الرموز بمفسري هذه الرموز".([2])
ويشرح الفيلسوف واللغوي الأمريكي ردولف كارناب Rudolf Carnap ([3]) مجال كل من هذه الفروع الثلاثة فيقول إنه في مجال البحث اللغوي لو أشرنا صراحة إلى المتحدث أو مستخدم اللغة ، فإننا نكون نعمل في إطار حقل البراجماتية. أما إذا قمنا فقط بتحليل التعبيرات وما تشير إليه ، فإننا ننتقل إلى مجال علم الدلالة. وأخيراً ، إذا ابتعدنا عما تشير إليه العبارات وحللنا فقط العلاقات بين التعبيرات ، فإننا ندخل دائرة نظم الجملة.
من تعريفات البراجماتية
(1) من بين التعريفات المحتلمة للبراجماتية([13]) هي أنها دراسة جميع جوانب المعنى التي لا تحتويها أولا تنتظمها النظرية الدلالية. ولكن هذا التعريف يستلزم تحديد الإطار الواسع لـ"المعنى" والذي يعتمد عليه التعريف. وهذا المعنى الواسع ينبغي أن يشمل المحتوى الساخر ironic ، والمجازي (أو الاستعاري) metaphoric ، والضمني (أي الخاص بالإيحاءات غير المباشرة) implicit للاتصال والكامن في القول المنطوق أو المكتوب ، ومن ثم لا يمكن قصره على المحتوى التقليدي لما يقال. وبعبارة أخرى ، فإن مجال البراجماتية هو المعنى (بأوسع معانيه) ناقصا أو مطروحا منه الدلالة (أي المعنى كما يحدده علم الدلالة).
(2) ومن بين تعريفات البراجماتية ما يقوم على التفرقة بين معنى الجملة sentence ومعنى المنطوق utterance ، بحيث يختص علم الدلالة بدراسة معاني الجمل بينما تقوم البراجماتية بدراسة معاني المنطوقات. وفي هذا التعريف نستخدم "المنطوق" بالمعنى الذي أشار إليه بار – هيلل Bar – Hillel باعتباره جملة (أو في بعض الأحيان سلسلة أو مجموعة من الجمل) مرتبطة بسياق معين ، وهو على وجه التحديد السياق الذي يتم نطق الجملة أو مجموعة الجمل فيه.
ويقبل كثير من اللغويين هذه التفرقة ولو بصورة ضمنية. ولكن هناك مشكلة تكتنف هذا التعريف تتمثل في أنه في بعض الحالات النادرة يضم معنى الجملة جميع أوجه معنى المنطوق ، وذلك عندما يعني المتحدث بالضبط ما يقوله ، لا أكثر ولا أقل. وفي هذه الحالة فإن المضمون أو المعنى لابد وأن يُعزى إلى كلا علم الدلالة والبراجماتية معا.
(3) ومن تعريفات البراجماتية أيضا ذلك التعريف الذي يتخذ من الربط بين المعنى والسياق أساساً له. ومؤدى هذا التعريف أن علم الدلالة يختص بالمعنى خارج إطار السياق ، أو بالمعنى غير المعتمد على السياق ؛ أما البراجماتية فتختص بالمعنى في السياق. وعلى هذا فإن البراجماتية هي دراسة العلاقات بين اللغة والسياق، وهي العلاقات الأساسية اللازمة لفهم اللغة. وعبارة "فهم اللغة" هنا مستخدمة بالمعنى الذي يقصده العاملون في مجال الذكاء الاصطناعي لجذب الانتباه إلى حقيقة أن فهم منطوق ما ينطوي على قدر أكبر بكثير من مجرد معرفة معاني الكلمات والعلاقات النحوية بينها. إذ إن فهم المنطوق يشتمل على القيام باستنتاجات تربط بين ما يقال بما هو مفترض بصورة متبادلة بين المتحدثين ، أو بما سبق قوله.
(4) ومن بين التعريفات الأخرى للبراجماتية هي أنها دراسة مقدرة مستخدمي لغة ما على ربط الجمل بالسياقات التي تُعتبر هذه الجمل مقبولة أو ملائمة فيها. وبمعنى آخر فإن النظرية البراجماتية ينبغي من ناحية المبدأ أن تتنبأ بالنسبة لكل جملة سليمة التكوين في لغة ما ، وعند قراءة دلالية معينة لها ، بمجموعة السياقات التي يمكن أن تكون هذه الجمل ملائمة أو مناسبة فيها.
(5) غير أنه من المشكلات التي تكتنف هذا التعريف أن المتحدثين بلغة ما لا يلتزمون دائما بالمعايير السائدة ، إذ إنهم قد يسيطر عليهم الغضب والانفعال فيصبح ما يقولونه "غير ملائم" في سياقات أو مواقف معينة.
المصدر
http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=1148