من بين نبوءات القرآن التي تتعلق بأحداث عصرنا الحاضر والاختراعات التي تمت فيه.. نجد أن البعض منها على جانب كبير من الاهمية, وله وقع كبير على المستوى العالمي. وإحدى هذه النبوءات تتعلق بالأخطار المتوقعة لما هو معروف بإسم الإبادة النووية وقد جاءت هذه النبوءة في زمن ما كان للإنسان أن يتصور وقوع إنفجار نووي مهما جمح به الخيال أو هامت به الأفكار. ولكن.هناك بعض الآيات المعينة في القراّن الكريم تتحدث بوضوح عن أجسام دقيقة تبدو وكأنها عديمة القيمة, ولكنها توصف بأنها مخازن لطاقة عظيمة, وكأن نيران الجحيم الموقودة قد أغلق عليها بداخلها. ومما يثير العجب والدهشة البالغة أن هذا هو بالضبط ما تذكره حرفيا الاّيات التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ
اي الويل لكل مغتاب عياب، الذي جمع ثروة من الأموال وأخذ يعدها ويكرر عدها مرة بعد أخرى, وهو يتصور أن هذه الأموال سوف تمنحه الخلود والبقاء. كلا! إنه سوف يُطرَح في "الحطمة", وما يدريك ما هي " الحطمة"؟ إنها نار موقدة من لدن الله تعالى, سوف تنفذ إلى القلوب. إن هذه النيران محبوسة داخل أعمدة تتمدد فتكون أعمدة من النيران.
هذه السورة القصيرة تحمل في كلماتـها الكثير من العبارات والمعاني المذهلة, والتي كانت بعيدة تماما عن افكار وتصورات الناس في ذلك الزمن الذي ذكرت فيه. وإنه لمن العجيب حقا أن يذكر القرآن المجيد أن أولئك الأثمين الذين يتصفون بصفات معينة.. سوف يقذفون في "الحطمة", وهي تعني الجزيئات الصغيرة الدقيقة التي نراها عادة تسبح في الهواء عندما يتسرب شعاع من الضوء الى داخل حجرة مظلمة.
وتذكر القواميس المعتمدة للغة العربية أن للفظ "الحطمة" أصلين.. لكل منهما معنى خاص. الأصل الأول وهو "حَطَمة", بفتح الحاء والطاء, بمعنى "دق وسحق" أو "جعله قطعا وأجزاء صغيرة جدا". والأصل الثاني هو "حِطْمة" بكسر الحاء وسكون الطاء , بمعنى "الجزء الصغير الذي لا قيمة له". والحطمة هي الجزء الذي ينتج عن دق شيء وكسره وسحقه وتحويله إلى أصغر مكوناته.
ويمكن أن ينطبق هذان المعنيان على أصغر أجزاء من أية مادة يمكن أن تنقسم إلى أصغر أجزائها القابلة للإنقسام.
وحيث إن فكر إنشطار النواة لم تكن قد ولدت بعد منذ أربعة عشر قرنا من الزمان, فإن أقرب تعبير يصف هذا الإنشطار هو لفظ" الحطمة" ولا يكاد المرء يفيق من العجب لما يعلنه القرآن الكريم من أن يوم ما سوف يأتي حين يلقى الإنسان في أتون الحطمة, اي في جحيم الإنشطار النووي, حتى يتبع القرآن ذلك بذكر امر آخر أكثر عجبا وأشد إثارة للدهشة.
فالقرآن المجيد يبين ويشرح ماهية الحطمة, فيقول إنها نار الله الموقدة, وإنها مؤصدة داخلها ومحبوسة في أعمدة ممتدة. كذلك فإنه يقول إن الإنسان حين يلقى في هذه النيران فإنـها سوف تنفذ إلى قلبه مباشرة وكأنه لا يوجد ما يمنعها من قفص صدري أو أي شيء يقف في طريقها. وهذا يشير إلى أن هذه النار مختلفة تماما.. فهي تهلك القلب قبل أن تحرق الجسم الخارجي. ومن المعلوم أنه لم يكن الإنسان في ذلك الزمن يعرف نارا يمكن أن تنفذ الى القلب مباشرة بـهذا الشكل الذي جاء وصفه في الاّيات الكريمة.
ولكن ليست هذه وحدها جميع العوامل المثيرة للدهشة والعجب في هذا الوصف, فما يأتي بعد أشد غرابة وأكبر عجبا. فقد ذكر عن هذه النار أنـها مؤصدة في أعمدة ممتدة, وهي تنتظر أن تنفذ إلى قلب الإنسان حين يأتي الزمن الذي تنطلق فيه هذه النيران من محبسها. إنـها حقا دهشة بعد دهشة, وعجب يتلوه عجب, يتراكم جميعه في نطاق هذه العبارات القليلة والاّيات البينة التي تحتويها هذه السورة الكريمة. فأولا يأتي الإعلان بأن زمنا ما سوف يجيء حين يلقى الإنسان في أصغر جزء من أجزاء المادة.. أي "الحطمة", ثم يأتي وصف هذا الجزء الأصغر من المادة وما يحتويه من النيران, وأن هذه النيران محبوسة في أوعية تظهر في شكل الأعمدة الممتدة.
ولا يعني قذف الإنسان في هذه الحطمة الصغيرة الدقيقة أن فردا واحدا سوف يقذف فيها, فالإنسان هنا إسم عام, وقذفه في الحطمة يعني خضوع جنس البشر لآفتها ومصائبها التي يهلك فيها. وقد صار من الممكن حدوث هذا في زمننا المعاصر فقط, حين استطاع الإنسان أن يكتشف أسرار الذرة ونواتها بما تحويه من خزائن الطاقة الجبارة. وهذا هو الزمن الذي يمكن فيه لهذه الطاقة أن تنطلق من محبسها وتكتنف مساحات شاسعة تبلغ الألوف من الأميال المربعة, بكل ما تحتويه هذه المساحات من مبان أو نبات أو إنسان. وهكذا فإن الأمر الذي كان من المستحيل حدوثه منذ أربعة عشر قرنا من الزمان قد صار اليوم أمرا حقيقيا معروفا, يستطيع أن يفهمه الجميع حتى الأطفال.
وللحديث بقيه