بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
بادئ ذي بدء ، هناك آية دقيقة جداً هي إجابة عن سؤالكم القيم ، قال تعالى :
[ سورة الأنفال : الآية 33]
الشق الأول من الآية قال العلماء : إذا فهمنا الآية ، والنبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم نفهمها بشكل أو بآخر ، ولكن كيف نفهمها إذا انتقل النبي e إلى الدار الآخرة ؟
[ سورة الأنفال : الآية 33]
أجمع العلماء على أنه مادامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتهم ، في بيوتهم ، في أعمالهم ، في حلهم ، في ترحالهم ، في أفراحهم ، في أتراحهم ، في كسب أموالهم ، في إنفاق أموالهم ، في اختيار زوجاتهم ، في تطليق زوجاتهم ، في تربية أولادهم ، فهم في بحبوحة من عذاب الله ، وبشكل أو بآخر :
[ سورة النساء : الآية 147]
الإنسان إذا شكر وآمن كأن الله عز وجل خلق الكون وسخره له تسخيرين ، تسخير تعريف ، وتسخير تكريم ، رد فعل التعريف أن نؤمن ورد فعل التكريم أن نشكر ، فإذا آمنا ، وشكرنا حققنا الهدف الذي من أجله خلقنا ، فلمَ العذاب ؟ طبيب أخذ قراراً أن يستأصل كلية متوقفة عن العمل ، لو أنه صوّرها قبل العملية بساعات فإذا بها تعمل قبل العملية بساعات هل يستأصلها ؟ مستحيل :
[ سورة النساء : الآية 147]
فحينما تزل أقدامنا ، وحينما نعصي ربنا يسوق لنا الله الشدائد ، هناك آيتان كل منهما يلفت النظر ، الآية الأولى :
[ سورة التوبة : الآية 118]
والآية الثانية :
[ سورة البقرة : الآية 160]
كيف نفهم الآيتين ؟ الآية الأولى : تاب الله عليهم ليتوبوا ، أي ساق لهم من الشدائد ما حملهم على أن يتوبوا .
والآية الثانية : تابوا فتاب عليهم ، أي قبل توبتهم ، ومن أسماء الله الحسنى أنه تواب ، ومن معاني التواب أنه يسوق الشدة لعبده كي يحمله على التوبة ، لأنك إذا رأيت ألف تائب فاعلم علم اليقين أن تسعين بالمئة منهم التجؤوا إلى الله عقب مشكلة ساقها الله لهم ، فتاب عليهم ليتوبوا .
أنت حينما تقيم الإسلام في بيتك في بحبوحة من عذاب الله ، لو أن القدم زلت في ساعة غفلة ، والمؤمن كما يقال مذنب تواب ، وكل بني آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون ، ذلك أن الإنسان أودعت به الشهوات ، فحينما يغفل عن الله لحظة تزل قدمه ، فالإنسان المؤمن في بحبوحة إقامة منهج الله ، وفي بحبوحة الاستغفار ، فما دام يستغفر فهو في بحبوحة ثانية ، البحبوحة الأولى بحبوحة الالتزام بمنهج الله ، أما لو زلت قدمه فالبحبوحة الثانية أن يستغفر ، لو انتزعنا مثلاً واقعياً ، جاء ابن بجلائه إلى أبيه عقب الامتحان النصفي ، وقد نال الصفر في الرياضيات ، أراد الأب أن يقيم عليه النكير ، وأن يؤدبه تأديباً ما بعده تأديب ، فإذا بالابن يصفر لونه ، ويكمد ، ويهتم ، ويتألم أشد الألم ، وعنده مبلغ مدخر ، أرادا أن ينفقه على دروس خاصة لكي يتقوى بهذه المادة ، حينما يرى أبوه هذا الابن متألمًا أشد الألم ، نادمًا أشد الندم يعقد العزم على أن ينفق ما عنده كي يرفع مستواه في هذه المادة ، الأب يتوقف عن معالجته .
شيء منطقي عندما يرى الله من العبد ندماً ألماً وخوفاً وحياءً وانكماشاً من عبده المذنب يتوقف العلاج ، بل إن هناك آيةً دقيقةً جداً ، قال تعالى :
[ سورة الزخرف : الآية 79]
أذكر قصةً لا أنساها ، أن أحد التجار تقاعد من عمله ، وترك تجارته لابنه ، فالابن ارتكب خطأً كبيراً في شراء بضاعة ، اشترى بضاعة من إنسان في البادية ، اشترى الصوف ، فهذا الإنسان ليس عنده ما يكفي كي يدقق في الحسابات ، أعطاه أوزاناً كلها غير صحيحة ، فهذا الإنسان دفع ثلثي ثمن البضاعة ، وتلاعب على هذا الأعرابي ، بعد أن خرج قال له هذا الأعرابي كلمة أخافته ، لعلك احتلت علي ، لا أسامحك ، فقال لي هذا الرجل : بقيت كلمة هذا البدوي ترن في أذني مسافة ساعتين ، وأنا أقود السيارة ، أرجع إليه ، أم لا أرجع ، ماذا أفعل ؟ إلى أن أخذت قراراً ، قلت له : ماذا فعلت ؟ قال : ما فعلت شيئاً ، أقسم بالله أنه ما أتم هذه الكلمة إلا وهو وسط بركة من الدماء ، انقلبت به المركبة ، وتناثر الصوف ، وجرح ، وسال دمه ، آية دقيقة جداً :
[ سورة الزخرف : الآية 79]
مادمت في شك ، ما دمت في أخذ ورد ، في صراع ، مادمت في ندم ، مادمت في خوف فأنت في بحبوحتين ، في بحبوحة أن تكون ملتزماً ، قال تعالى :
[ سورة النساء : الآية 147]
وفي بحبوحة أن تكون نادماً ، فالعلاج متوقف ، أما حينما يتباهى الإنسان بالمعصية ، ويذكرها ، ولا يبالي بها ، وحينما تصغر عنده تكبر عند الله ، وحينما تكبر عنده تصغر عند الله ، لذلك البطولة ليست في التوبة ، بل في دوام الاستغفار ، وكأن الاستغفار من شيم المؤمن ، النبي عليه الصلاة والسلام علّمنا إن صلينا أن نستغفر ، تستغفر من ماذا ؟ أنت في طاعة ، لعلك في الصلاة سهوت ، لعل إقبالك لم يكن محكماً ، لعلك شردت عن الله عز وجل ، إذا حججنا البيت نستغفر ، إذا صمنا نستغفر ، أية عبادة كان عليه الصلاة والسلام يستغفر ، أيْ يصحبها بالاستغفار ، كي نستغفر الله من تقصيرنا ، وكأن الله عز وجل حينما يقول :
[ سورة المعارج : الآية 23]
هل يعقل أن نصلي دائماً ؟ هناك صلوات خمس ، هناك آية :
[ سورة المؤمنون : الآية 9]
وهناك آية :
[ سورة المعارج : الآية 23]
كأن دوام الصلة بالله عن طريق الاستغفار ، وعن طريق الدعاء ، والدعاء مخ العبادة ، أنت حينما تدعو الله فأنت في عبادة ، ذلك أن إنساناً لا يمكن أن يدعو إنساناً إلا إذا آمن بوجوده ، وأن إنساناً لا يمكن أن يدعو إنساناً إلا إذا أيقن أنه يسمعه ، وأن إنساناً لا يمكن أن يدعو إنساناً إلا إذا كان قادراً على حل مشكلته ، وأن إنساناً لا يمكن أن يدعو إنساناً إلا إذا كان هذا المدعو يحب أن يحل هذه المشكلة ، ويرحمك ، فلمجرد أن تدعو الله عز وجل فأنت مؤمن بوجوده ، وبسمعه ، وبقدرته ، ورحمته ، هذا معنى قول الله عز وجل :
[ سورة الفرقان : الآية 77]
الدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام هو العبادة ، فأنا حينما أداوم على الاستغفار ، وحينما أداوم على الدعاء فإنني مع الله ، ومن كان مع الله كان الله معه ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ هذه الشحنة الروحية المستمرة عن طريق الاستغفار ، وعن طريق الدعاء تهبك رؤيةً صحيحة ، وتهبك قراراً سديداً ، وتهبك حكمةً فائقة ، هذا كله يؤكد أن دوام الاستغفار أحد أسباب الثبات على التوبة .
المذيع :
ودوام الاستغفار ما شئت أن تستغفر ، في ليلك ونهارك ، ومقامك وترحالك ، فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي ، هيئة الاستغفار هو سؤال من إحدى الأسئلة ، أننا نقول : أستغفر الله ، وأتوب إليه ، مع العقد والعزيمة ، وحضور القلب ، ويزل لسان المرء بمعصية ما ، بغيبة ما ، بكلام ما ، ويقول فوراً : أستغفر الله العظيم ، وأتوب إليه ، هل أزيل هذا الزلل ، أو هذه المعصية ، والله أعلم طبعاً ، ولكن هل هذا الاستغفار من موجبات العفو عنها ؟
الأستاذ :
هناك ملاحظتان ، أنا حينما أتوهم أنني أخطئ ما شاء لي أن أخطئ ، وعقب كل خطأ أستغفر الله ، هذا الاستغفار مرفوض ، أنا أخطئ ما شاء لي أن أخطئ ، وأنا أخطئ كمبدأ ، كسلوك يومي ثابت مستمر ، أنا حينما أخطئ كسلوك ثابت يومي مستمر ، وعندي معلومات من الدين ، أنك إذا استغفرت ، وتاب الله عليك فهذا الاستغفار مرفوض من أصله ، أما حينما أخطئ دون أن أقصد ، وحينما أخطئ دون أن أعاود الخطأ ، وحينما أخطئ دون أن أنوي أن أتابع الخطأ ، وأستغفر ، يغفر الله لي إذا كان الذنب بيني وبين الله ، أما إذا كان بيني وبين العباد فلابد من أداء الحقوق أو المسامحة ، المشكلة أن الناس يفهمون الدين فهماً مغلوطاً ، قال تعالى :
[ سورة الحجر : الآية 49]
لكن الله عز وجل يتابع ويقول :
[ سورة الحجر : الآية 50]
أنا لا يمكن أن أوظف هذه التوجيهات النبوية كي أستبيح المعاصي ، هذا شيء مستحيل .
أضرب لك بعض الأمثلة ، أنا حينما أركب طائرةً أول مرة في حياتي كي أحج بيت الله الحرام ، وحينما أضع ثياب الإحرام في المحفظة الكبيرة ، وحينما أطلبها وقت الإحرام فلا آخذها ، مستحيل أن آخذها لأن المحفظة الكبيرة مع البضاعة ، في الشحن .
إذاً أنا أدخل الآن منطقة الحرم غير مُرتدٍ ثياب الإحرام ، الشرع مرن سمح لي أن أذبح هدي الجزاء ، وأن أتلافى دخولي بيت الله الحرام من دون ارتداء ثياب الإحرام ، أن أجبر هذا الكسر .
لو جاء غني ، وقال : أنا ما دام يجوز أن أذبح شاةً مقابل ارتدائي الثياب الكاملة أنا سأذبح مئة ألف شاة ، هذا لا يقبل منه ، لا يمكن أن يكون الاستغفار بالمعنى الدقيق سبباً لمتابعة المعاصي ، لا يمكن أن يقبل الله الاستغفار كسبب لمتابعة المعاصي ، أما أنا حينما أعصي دون أن أصر ، وحينما أعصي دون أن أفكر أن أعاود المعصية ، وأستغفر أجد الله غفوراً رحيماً ، أما حينما أستخدم الاستغفار كمبرر لمعاودة المعصية فهذا لا يمكن أن يقبله الله عز وجل ، هذا استهزاء بالدين .
المذيع :
وما هي أفضل مواضع الاستغفار ؟
الأستاذ :
قال تعالى :
[ سورة يوسف : الآية 98]
انتبه العلماء إلى } سَوْفَ { ، كأن هناك وقت ، وفي الحديث الصحيح القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ ، فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ )) .
[ متفق عليه ]
أفضل وقت للاستغفار وقت السحر ، وهناك ساعات الإجابة كساعة يوم الجمعة ، وفي أيام رمضان ، في قيام الليل ، عند الشدة ، في السجود ، في بيت الله في ، وقت فضيل ، في مكان فضيل ، كأن الله سبحانه وتعالى اصطفى بيته الحرام ليشيع فيه الصفاء على كل مكان ، واصطفى شهر رمضان ليكون فيه الصفاء فيه في كل الأيام ، لابد من وقت تشعر أن الله عز وجل معك ، وهذا كما قلت قبل قليل معنى قوله تعالى :
[ سورة يوسف : الآية 98]
والله عز وجل يقبل استغفارك ، ولو أن شفتيك مطبقتان ، يمكن أن تناديه بقلبك :
[ سورة مريم ]
الله معك .
سيدنا يونس أين خاطب الله ؟ وهو في بطن الحوت ، أحياناً يقتني الإنسان هاتفاً خلوياً ، في أماكن محددة ليس هناك تغطية ، لكن الله مع الإنسان في أي مكان ، وهو في بطن الحوت ، قال تعالى :
[ سورة الأنبياء ]
المذيع :
نسأل الله عز وجل موجبات رحمته ، وعزائم مغفرته ، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أشكر الإخوة المستمعين لحسن متابعتهم لبرنامجنا منهج التائبين ، نتابع في الغد بإذن الله تعالى ، لكم التحية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .