هذه بعض أقوال أهل العلم في هذا البيت الذي يمثل أبرز الشواهد الشعرية في التعقيد المعنوي :
البيت للفرزدق، من قصيدة من الطويل يمدح بها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي
خال هشام بن عبد الملك بن مروان.
والشاهد فيه التعقيد، وهو: أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد إما لخلل في نظم
الكلام فلا يتوصل منه إلى معناه، أو لانتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني الذي
هو لازمه المراد به ظاهراً، والأول في الشاهد في البيت.
والمعنى فيه: وما مثله يعني الممدوح، في الناس حيٌّ يقاربه، أي أحد يشهبه في الفضائل، إلا
مملكاً، يعني هشاماً، أبو أمه أي أبو أمه هشام أبوه، أي أبو الممدوح فالضمير في أمه للمملك،
وفي أبوه للممدوح، ففصل بين أبو أمه وهو مبتدأ وأبوه وهو خبره، بأجنبي وهو حيٌّ، وكذا
فصل بين حي ويقاربه وهو نعته بأجنبي وهو أبوه، وقدم المستثني على المستثنى منه، فهو
كما تراه في غاية التعقيد، وكان من حق الناظم أن يقول: وما مثله في الناس أحد يقاربه إلا
مملك أبو أمه أبوه. ( معاهد التنصيص على شواهد التلخيص لعبد الرحيم العباسي )
***********************************************************
والتعقيد أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد به وله سببان أحدهما ما يرجع إلى
اللفظ وهو يختل نظم الكلام ولا يدري السامع كيف يتوصل منه إلى معناه كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً أبو أمه حي أبوه يقاربه
كان حقه أن يقول وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه، فإنه مدح إبراهيم بن
هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان فقال: وما مثله يعني
إبراهيم الممدوح في الناس حي يقاربه أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مملكاً يعني هشاماً أبو
أمه أي أبو أم هشام، أبوه أي أبو الممدوح، فالضمير في أمه للملك وفي أبوه للممدوح، ففصل
بين: أبو أمه وهو مبتدأ وأبوه وهو خبره بحي وهو أجنبي، وكذا فصل بين حي ويقاربه، وهو
نعت حي بأبوه وهو أجنبي، وقدم المستثنى على المستثنى منه فهو كما تراه في غاية
التعقيد، فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالف
الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة لفظية
أو معنوية .(الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني )
*****************************************************************
ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعاني قوله:
وما مثله في الناس إلا مملكاً أبو أمه حي أبوه يقاربه
مدح بهذا الشعر إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله عمر بن
عمر بن مخزوم،وهو خال هشام بن عبد الملك، فقال:
وما مثله في الناس إلا مملكاً
يعني بالمملك هشاماً، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان هذا الكلام على وجهه
لكان قبيحاً، وكان يكون إذا وضع الكلام في موضعه أن يقول: وما مثله في الناس حي
يقاربه إلا مملك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح، فدل على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد،
وهجنه بما أوقع فيه من التقديم والتأخير ( الكامل في اللغة والأدب للمبرد ) .