كانوا يستخدمون خلطات معقدة من المستخرجات
النباتية والحيوانية لتحنيط موتاهم. وقد أجرى باحثون بريطانيون تحاليل لثلاث عشرة عينة من
المواد التي استخدمها قدماء المصريين في تحنيط مومياواتهم. وأظهرت التحاليل وجود مجموعة
كبيرة جداً من المكونات من بينها أنواع من الدهون الحيوانية والزيوت النباتية وشمع العسل والأصماغ النباتية.
وقد اكتشف الباحثون أن مواد التحنيط التي ابتكرها الفراعنة كانت عبارة عن مزيج من مواد رخيصة الثمن، وأخرى
ثمينة ونادرة في ذلك الوقت مثل زيت الأرز والعرعر اللذين كانا يستوردان من خارج مصر.
طور الفراعنة أساليب التحنيط على مدى مئات السنين
حفظ جثث الموتى بوساطة مواد كيميائية، فيحافظ جسم الإنسان على مظهره؛ فيبدو كأنه حي، عند تسجيته في مكان عام قبل إجراء مراسم الدفن. بالإضافة إلى أنه يفي بمتطلبات بعض الديانات التي تؤخر الدفن لعدة أيام، أو تضطر لنقل الجثة إلى مكان آخر، فيمنع التحنيط تعفّن الجثة.
التحنيط في العصور القديمة. عُرف التحنيط مهنة فائقة المهارة في مصر القديمة منذ عام 4000 ق.م. كان المصريون القدماء يعتقدون أن وجود المومياء أو الجثة المُحنطة أمرٌ ضروري لبقاء الروح في الجسد. وتنوعت طرق التحنيط تبعًا لثروة أو لعلو مكانة المُتَوَفى. يقوم المُحَنِّط بنقع الجسد في محلول الصوديوم، ثم يأخذ في ملء الفجوات بالزيوت والمطيّبات وعروق الراتنج. وعند إضافة القطران إلى المومياء تظهر سوداء.
في عام 1880م، عُثر على جثة الملك منقرع داخل هرمه في سقارة، حيث تم حفظه لمدة تقارب 4,500 سنة. كما عثر علماء الآثار عام 1881م ، في الدير البحري على جثة مومياء الملك الفرعوني رمسيس الثاني، التي تعود إلى 3,200 سنة مضت. أما قدماء الإغريق والرومان، فكانوا يقتصرون على مسح جثث الموتى بالمطيّبات والمعطرات والزيوت. أما النَّصارى المعاصرون فلا يقومون بالتحنيط لمعارضتهم التمثيل بالميت. هذا وقد حرّم الإسلام التمثيل بالميت ولو كان عدوًا في الدين كما جاء في الأحاديث النبوية.
التحنيط في العصور الحديثة. بدأ نحو عام 1700م عندما قام عالم التشريح الهولندي فريدريك رايستش باختراع وَصْفة تُحقن بها شرايين المتوفَّى، فتحفظه وكأنه حي. أما اليوم، فيقوم المُحنِّطون بسحب سوائل الجسم منه، ثم يحقنونه بسائل يحتوي على مُعقم الفورمالدهيد وكلوريد الزئبق وكلوريد التوتياء والكحول.
ُيدرَّس التحنيط في مدارس خاصة بذلك. وفي بعض البلاد يقوم تلاميذ هذه الصنعة باستيفاء مدة دراستهم ثم يجتازون امتحانًا للحصول على شهادة تؤهلهم لممارسة مهنة جنَّاز الموتىَ.
لا يكاد التحنيط يكون متداولاً في أوروبا والولايات المتحدة على السواء. لكن تزايد استعمال طريقة حرق الجثث دعا إلى انخفاض استعمال التحنيط في الولايات المتحدة وفي البلاد الأخرى. أما في العالم الإسلامي فلا تحفظ جثث الموتى ولا تُحرق بل تدفن في قبور بعد الصلاة عليها.
المومياء جسد مُحنَّط محفوظ لآلاف السنين. اعتقد المصريون القدماء أن الأموات يستمرون في الحياة في العالم الآخر، وأن أجسادهم يجب أن تُحفظ إلى الأبد، كما كانت في الحياة الدنيا. واعتقدوا أيضًا أن الجسد سيخدم الإنسان في الحياة الآخرة، ولهذا بذلوا كثيرًا من الجهد لتطوير طرق التحنيط. وجد علماء الآثار الجثث المحنطة في المقابر الفرعونية بعد آلاف السنين. ويعرض الكثير من المتاحف حول العالم واحدة أو أكثر من المومياوات المصرية. وأشهر المومياوات على الإطلاق مومياء رمسيس الثاني ومومياء توت عنخ آمون، وهما من فراعنة مصر القديمة.
ويعرف العلماء الآن المواد والأساليب التي استخدمها المصريون لتحنيط الجثث. كانت الطريقة غير معقدة عندما بدأ التحنيط، وازدادت تعقيدًا بمرور الزمن. كان في إمكان الأغنياء تحمل نفقات عملية التحنيط أكثر من الفقراء. وتشير المؤلفات القديمة إلى أن عملية التحنيط الكاملة كانت تستغرق 70 يوما. وكان الذين يقومون بالتحنيط يُخرجون الدماغ من خلال إحدى فتحتي الأنف باستخدام خطاف، ويزيلون الأعضاء الداخلية باستثناء القلب والكُليتين عن طريق شقّ كالذي يحدثه الجرَّاح. وكانوا يملأون البطن بعد ذلك بضمادات من الكتان وأحيانًا بنشارة الخشب، ثم يضعون الجثة في كربونات الصوديوم (النطرون) حتى تجف الأنسجة في النهاية. وكانوا يلفّون الجثة بحرص في طبقات عديدة من الكتان ومن ثمَّ يضعونها في تابوت.
وكانوا يستخدمون تابوتين أو أكثر أحيانًا، بحيث يكون أحدهما بداخل الآخر. وكانت هذه التوابيت تُصنع من الخشب أو الحجارة على شكل مستطيل أو على شكل المومياء الملفوفة، ثم توضع المومياء الموجودة بداخل التابوت في مقبرة مع عديد من الأشياء التي تستخدم في الحياة اليومية، حيث كان قدماء المصريين يعتقدون أن الأموات سيحتاجون إلى هذه الأدوات في الحياة الآخرة.
ويساعد المناخ الجاف في بعض المناطق مثل بيرو والمكسيك على الاحتفاظ بجثث الموتى، تمامًا مثل الجثث التي كانت تُحنَط في مصر تقريبًا. وتسمى تلك الجثث المحفوظة بطريقة طبيعية مومياوات أيضًا. وكلمة مومياء من الكلمات الدخيلة على اللغة العربية، وأصلها قد يرجع إلى اللغة اليونانية.