وردت لفظة " إبراهيم " في القرآن الكريم ( 68 ) مرة ، منها ( 15 ) مرة في سورة البقرة .
و الملاحظ هو أن رسم الخط لهذه الكلمة مختلف و غير متحد في جميع الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة ، رغم كونها كلمة واحدة و تُعبِّرُ عن منطوق واحدٍ ، و يراد منها معنى واحد أي خليل الله ( عليه السلام ) و الذي هو نبي من أنبياء الله ( عليهم السلام ) ، فقد رُسمت في سورة البقرة " ابرهم " و رُسم على الراء حرف ألف صغير ، كما و رُسمت ياءٌ صغيرة أعلا ما بين حرفي الهاء و الميم كحركة من الحركات بدلاً من إبرازهما كحرفين كاملين ضمن حروف الكلمة .
هذا و قد وردت كلمة " إبراهيم " في ( 53 ) من القرآن الكريم ـ أي في كل الموارد عدا سورة البقرة ـ مرسومة " إبرهيم " و رُسم على الراء حرف ألف صغير كحركة .
و الصحيح في كتابة هذه الكلمة حسب قواعد الإملاء في عصرنا الحاضر أن تكتب " إبراهيم " كما هو واضح ، حيث أن الخط وضع ليُعبِّرَ عن المعنى ، بنفس اللفظ المنطوق ، فيجب أن تكون الكتابة مُعَبِّرَة عن اللفظ المنطوق تماماً كما يُنطقُ به من غير زيادة أو نقيصة .
لكن و رغم أن القاعدة تقتضي كتابة اللفظ الواحد برسم واحد إلا أن هناك مخالفات كثيرة موجودة في كتابة القرآن الكريم ، و السبب في ذلك يعود الى إختلاف أساليب الإملاء و الكتابة من جهة ، و إلى عدم إضطلاع العرب القداما بفنون الخط و أساليب الكتابة في العهود السابقة و التي تمَّت كتابة القرآن الكريم فيها ، أي عصر توحيد المصاحف في زمن عثمان .
هذا و أن الأمر بالنسبة لكلمة " إبراهيم " ليس بالأمر المهم جداً حيث أنها من الوضوح بمكان و لا تسبب إشتباهاً أو إلتباساً ، ما دام القاريء يعرف التلفظ الصحيح للكلمة و إن كُتبت بأكثر من صورة .
قال استاذنا العلامة آية الله الشيخ محمد هادي معرفة ( حفظه الله ) : و على أي تقدير فإن تساهل المسؤولين ، ذلك العهد ، أعقب على الأمة ـ مع الأبد ـ مكابدة أخطاء و مناقضات جاءت في المصحف الشريف ، من غير أن تجرأ العرب أو غيرهم على إقامتها عبر العصور .
نعم لم يمسّوا القرآن بيد إصلاح بعد ذلك قط لحكمة ، هي خشية أن يقع القرآن عرضة تحريف أهل الباطل بعدئذٍ بحجة إصلاح خطئه أو إقامة أوده ، فيصبح كتاب الله معرضاً خصباً لتلاعب أيدي المغرضين من أهل الأهواء .
و قد قال علي ( عليه السلام ) كلمته الخالدة : " إن القرآن لا يُهاج اليوم و لا يُحوَّل " ، ( تفسير الطبري : 27 / 104 ) ، فأصبحت مرسوماً قانونياً التزم به المسلمون مع الأبد .
ملحوظة : ليس وجود أخطاء إملائية في رسم المصحف الشريف بالذي يمسُّ كرامة القرآن :
أولاً : القرآن ـ في واقعه ـ هو الذي يقرأ ، لا الذي يكتب ، فلتكن الكتابة بأي أسلوب ، فإنها لا تضرُّ شيئاً ما دامت القراءة باقية على سلامتها الأولى التي كانت تٌقرأ على عهد رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) و صحابته الأكرمين .
و لا شك أن المسلمين إحتفظوا على نص القرآن بلفظه المقروء صحيحاً ، منذ الصدر الأول فإلى الآن ، و سيبقى مع الخلود في تواتر قطعي .
ثانياً : تخطئة الكتابة هي استنكار على الكَتَبة الأوائل : جهلهم أو تساهلهم ، و ليست قدحاً في نفس الكتاب ، الذي { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ، ( سورة فصلت : 42 ) .
ثالثاً : إن وجود أخطاء ظلَّت باقية لم تتبدَّل ، يفيد المسلمين في ناحية إحتجاجهم بها على سلامة كتابهم من التحريف عبر القرون ، إذ أن أخطاء إملائية لا شأن لها ، و كان جديراً أن تمدَّ إليها يد الإصلاح ، و مع ذلك بقيت سليمة عن التغيير ، تكريماً بمقام السلف فيما كتبوه ، فأجدر بنصِّ الكتاب العزيز أن يبقى بعيداً عن إحتمال التحريف و التبديل رأساً ، و قلنا ـ آنفاً ـ : إن الحكمة في الإبقاء على تلكم الأخطاء كانت هي الحذر على نفس الكتاب : أن لا تمسَّه يدُ سوءٍ بحجة الإصلاح ، و من ثم أصبحت سداً منيعاً دون أطماع المغرضين ، و بذلك بقي كتاب الله يشُقُ طريقه الى الأبدية بسلام ، ( التمهيد في علوم القرآن : 367 ) .
هذا و تجدر الإشارة هنا إلى أن العلماء المتخصصون في علوم القرآن قد استقصوا الأخطاء الواقعة في الرسم العثماني ، و كذلك المناقضات الواقعة فيه فوجدوها (6777 ) مخالفة .
و مع إحتساب حذف الألف من " بسم " و " الرحمن " في البسملة ، و هي مكررة ( 114 ) مرة فيرتفع الرقم الى ( 7005 ) ، ( راجع : التمهيد في علوم القرآن : 387 - 389 ) .