يرجع السبب الرئيس في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ، إلى انتشار اللغة في مناطق مختلفة واسعة، واستخدامها لدى جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس، وهذا يتيح الفرص لظهور عواملَ أخرى تؤدي إلى التفرع، حيث تختلف اللغات الإنسانية في مبلغ انتشارها اختلافـًا كبيرًا. فمنها ما تـُتاحُ لها فرص مواتية فتنتشر في مناطقَ واسعة من الأرض، ويتكلم بها عدد كبير من الأمم الإنسانية، ويكون لذلك أسباب:
1ـ اشتباك اللغة في صراع مع لغة أخرى، وتقضي نواميس الصراع اللغوي أن يُكتب لها النصر فتحتل مناطق اللغة المقهورة، فيتسع بذلك مدى انتشارها كما حدث للاتينية التي تغلبتْ على اللغات الأصلية لإيطاليا وأسبانيا وغيرهما، فأصبحتْ لغة الحديث والكتابة، بعد أن كانت مقصورة على منطقة ضيقة وسط إيطاليا(اللاتيوم)(Latium)، وكما حدث للعربية إذ تغلبتْ على كثير من اللغات السامية الأخرى، وعلى اللغات القبطية والبربرية والكوشيتية حتى بلغ الآن عدد الناطقين بها نحو مئة مليون ينتمون إلى نحو خمس عشرة أمة.
2ـ أن ينتشر أفراد شعب ما ، على أثر هجرة أو استعمار، في مناطق جديدة عن أوطانهم الأولى، ويتكون من سلالاتهم بهذه المناطق أمم كثيرة السكان، فيتسع بذلك مدى انتشار اللغة وتتعدد الجماعات والناطقين بها ويكثر أفرادها.
3ـ أن يُتاحَ لجماعة ما أسباب مواتية للنمو الطبيعي في أوطانها الأصلية نفسها، فيأخذ عدد أفرادها وطوائفها في الزيادة المطردة، وتنشط حركة العمران في بلادها، فتكثر فيها القرى والمدن وتتعدد الأقاليم، فيتسع نطاق لغتها.
وتبعًا لتأثير هذه العوامل على اللغة نتبيَّنُ استحالة احتفاظ اللغة بوحدتها الأولى أمَدًا طويلا، فلا تلبثُ أن تتشعَّبَ إلى لهجات، وتسلك كل لهجة من هذه اللهجات منهجًا يختلف عن أخواتها