مسرحية السيرة الهلالية (مصر)
المسرحية شكل فني، يروي قصة من خلال حديث شخصياتها وأفعالهم، حيث يقوم ممثلون بتقمُّص هذه الشخصيات أمام جمهور في مسرح أو أمام آلات تصوير تلفازية ليشاهدهم الجمهور في المنازل.
ومع أن المسرحية شكل أدبي، فهي تختلف في طريقة تقديمها عن غيرها من أشكال الأدب. فعلى سبيل المثال، الرواية أيضًا قصة، تتضمن شخصيات، ولكنها تروى بمزيد من السرد والحوار، وتصبح عملاً مكتملاً حين تظهر على الصفحات المطبوعة. أما المسرحية، ففي أغلب الأحيان لاتصل إلى تأثيرها الكامل إلا حين تمثَّل.
وليست المسرحية كالمسرح. فإذا كان تعريف المسرحية هو ما سبق فإن المسرح هو شكل من أشكال الفنّ يترجم فيه الممثلون نصًا مكتوبًا إلى عرضٍ تمثيلي على خشبة المسرح؛ فعلاقة المسرحية بالمسرح هي علاقة الخاص بالعام، أو بمعنى آخر: النص الأدبي المسرحي أحد موضوعات المسرح وليس العكس. انظر: المسرح.
مسرحية زلزال (الكويت)
وقد يكمن سر المسرحية في قدرتها على التصوير المنظم والواضح للتجربة البشرية. وعناصر المسرحية الأساسية هي: المشاعر والرغبات والنزاعات والمصالحات، التي تشكِّل أهم عوامل الحياة الإنسانية، لكنها في الحياة الواقعية تبدو متشابكة متداخلة، أو تظهر كأنها كتلة من الانطباعات المستقلة. أما في المسرح، فالكاتب يرتِّب هذه التجارب ضمن أنساق مألوفة، ويشاهد الجمهور مادة من الحياة الواقعية، تكتسب شكلاً ذا معنى، بعد أن حُذف منها ما لا أهمية له، وسُلِّط الضوء فقط على ما له مغزى.
والمسرحية فن عالمي قديم عرفته جميع الحضارات تقريبًا. وتختلف النظريات حول نشأتها، وتُرجع إحدى هذه النظريات أصول المسرحية إلى طقوس دينية كان الكهان فيها يتقمصون أدوار حيوانات أو مخلوقات أخرى.
وهذه المقالة تستعرض تاريخ المسرحية.
أشكال المسرحية
للمسرحية أشكال كثيرة منها:
المأساة. تروي قصة بطل مأساوي في شخصيته عيب أو ضعف رغم صفاته الحميدة، وتحل به الكوارث وعادة يكون مصيره الموت.
المسرحية الجادة. تشارك المسرحية الجادة المأساة جديتها وتركيزها على الأحداث التعيسة، لكن أبطالها أقرب إلى الناس العاديين، وقد تنتهي نهاية سعيدة.
الميلودراما. تصور الميلودراما شخصية نذلة تهدد أشخاصًا يتعاطف الجمهور معهم، وهي مسرحية تميل إلى العنف والمبالغة رغم أن نهايتها كثيرًا ما تكون سعيدة، والصراع فيها أخلاقي مبسط يسهل فيه التمييز بين الخير والشر.
الملهاة أو الكوميديا مسرحية تحاول إضحاك المتفرجين، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب الأوغاد والمحتالين. وتنتهي الملهاة عادة نهاية سعيدة. لكن الملهاة قد تطرح بين المواقف المضحكة موضوعات في غاية الجدية. وأحيانًا تعتبر المسرحية الهزلية شكلاً مسرحيًا مستقلا،ً لكنها في الواقع نمط من أنماط الملهاة، يعتمد على المواقف السخيفة والحركات التهريجية.
بنية المسرحية
مسرحية هنري الرابع (بريطانيا)
تتكون المسرحية عادة من ستة عناصر، وهي العناصر نفسها التي أوردها أرسطو في حديثه عن المأساة: 1- الحبكة أو عقدة القصة 2- الشخصيات المسرحية 3- الفكرة 4- الحوار 5- الموسيقى 6- المشهد.
تمثّل الحبكة أو عقدة القصة البنية الإجمالية، وتتكون من سلسلة من الأحداث تتطور في المسرحيات التقليدية حسب نهج مألوف. والحبكة أهم عناصر المسرحية. والمادة الأساسية التي تعتمد عليها الحبكة هي الشخصيات التي تتطور الأحداث من خلال حوارها وسلوكها. وكل مسرحية مهما كانت فكاهية تنطوي على فكرة، توحي بها الكلمات التي تتفوه بها الشخصيات. وتشتمل الفكرة على المعنى الإجمالي للمسرحية، الذي يسمَّى أحيانًا الفكرة الرئيسية أو الموضوع. ويتم التعبير عن الأحداث والشخصيات والفكر من خلال الحوار. والعنصر الخامس من المسرحية هو الموسيقى، التي إما أن تكون على شكل موسيقى تصاحب العرض، أو تنتج من إيقاع أصوات الشخصيات وهي تتحدث. أما العنصر الأخير فهو المشهد، ويعني الجوانب المرئية من المسرحية كحركات الشخصيات وملابسها والإضاءة وغيرها.
المسرحية الإغريقية والرومانية
المسارح الإغريقية القديمة مسارح مدرجة تقام في الهواء الطلق وتسع آلاف المتفرجين حيث كانت تُقام منافسات في التمثيل والغناء الجماعي وكتابة المسرحيات الفكاهية والمأساوية كل عام.
ولدت المسرحية الغربية في اليونان القديمة. وأول سجل يدل على مسرح إغريقي يعود إلى حوالي عام 534ق.م. حين جرت في أثينا مسابقة للمأساة. وكانت أهم فترة في المسرح الإغريقي هي القرن الخامس قبل الميلاد. وكانت المسرحيات الإغريقية تعرض في مسرح ديونيسيوس الذي كان يتسع لأربعة عشر ألف مشاهد.
كانت المأساة الإغريقية تتصف بالجدية والشاعرية والنزعة الفلسفية، كما استُلهم معظمها من الأساطير، ويواجه البطل فيها خيارًا أخلاقيًا صعبًا، ويخوض صراعًا مع قوى عدائية، ينتهي بهزيمته وغالبًا بموته.
تتخلل المأساة أغان تنشدها الجوقة، وكان الممثلون يرتدون أقنعة، ولا يجتمع منهم على خشبة المسرح في وقت واحد أكثر من ثلاثة. وغالبًا ماكتبت المآسي على شكل ثلاثيات، حيث تتألف الثلاثية من ثلاث مآسٍ، تعالج مراحل مختلفة من قصة واحدة.
وما وصل إلينا من المآسي الإغريقية يقل عن خمسة وثلاثين، جميعها، باستثناء واحدة، من تأليف ثلاثةكتاب، أقدمهم إيسخيلوس الذي اشتهر برصانة أسلوبه وبلاغته. ومن أعماله الشهيرة ثلاثية الأوريستيا التي تعالج مفهوم العدالة وتطوره. والكاتب الثاني سوفوكليس، الذي وجد أرسطو في أعماله نموذجًا اقتدى به في كتابة المأساة. ويعتبر الكثيرون مسرحيته أوديب ملكًا أعظم مأساة إغريقية. وآخر كتّاب المأساة الإغريق يوربيدس الذي اكتسبت أعماله رواجًا شديدًا في العصور اللاحقة، لما فيها من واقعية ومن دراسة نفسية، وخاصة في تصوير الشخصيات النسائية، لتشكيكه في الدين الإغريقي والقيم الأخلاقية السائدة في عصره. ومن أشهر مسرحياته ميديا.
الملهاة الرومانية كانت تؤدى عادة على مسرح يمثل شارعًا عامًا. وكانت هنالك فتحات في الجدار الخلفي يدخل منها الممثلون ويخرجون. ومعظم أنواع الملهاة الرومانية كانت تصاحبها الموسيقى وأغانٍ كثيرة.
لم يخلط الإغريق بين المأساة والملهاة، واتسمت الملهاة القديمة (أي التي كتبت في القرن الخامس قبل الميلاد) بالصراحة والفجور. والأعمال الهزلية الوحيدة التي بقيت من تلك الفترة كتبها أريسطوفانيس الذي جمع بين الهجاء السياسي والاجتماعي والهزل والبذاءة والتجريح الشخصي والخيال والشعر الغنائي البديع. ويطلق اسم الملهاة الجديدة على معظم المسرحيات التي كتبت بعد عام 338ق.م. ولم يبق من هذه الأعمال سوى مسرحية الأسطورة التي كتبها ميناندر، وهو من أشهر الكتاب المسرحيين في ذلك الوقت. وركزت هذه الملهاة على الأمور الشخصية بدلاً من الاجتماعية والسياسية والخيالية.
وعلى الرغم من أن السبق في الفن المسرحي انتقل بعد القرن الثالث قبل الميلاد إلى روما، فإن المسرح الإغريقي يحظى اليوم باحترام أكبر بكثير من نظيره الروماني الذي قلد النماذج الإغريقية، والذي تأتي أهميته من تأثيره على كتّاب العصور اللاحقة، وخاصة على مسرح عصر النهضة.
لم يهتم الرومان بالمأساة قدر اهتمام الإغريق بها، ولم تبق من المآسي الرومانية سوى أعمال لوسيوس أنايوس سنيكا المقتبسة من أصول إغريقية، وقد تأثر الكتاب الغربيون ببعض الأساليب التي استخدمها سنيكا في مسرحياته.
وبالرغم من رواج الملهاة (الكوميديا) في روما، لم يبق من آثارها سوى أعمال بلوتوس وترنس، وهي أيضًا اقتباسات من الملهاة الإغريقية الحديثة. وقد تميزت مسرحيات ترنس بالبعد عن التهريج وبقدر أكبر من العمق، وكان لها أثر كبير على كتَّاب الملهاة الأوروبيين، وخاصة موليير.
وشاعت بين الرومان أشكال مسرحية أخرى مثل التمثيليات الإيمائية البانتومايم. وقد أخذ المسرح الروماني في الانحدار، مع تحول الجمهورية إلى إمبراطورية عام 27ق.م.
القرون الوسطى
ازدهر المسرح في أوروبا منذ القرن العاشر وحتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وبدأ بالمسرحيات الطقوسية الدينية القصيرة التي أداها القساوسة جزءًا من القدّاس. وفي القرن الثالث عشر، خرجت المسرحية من الكنيسة، وظهرت المسرحية الدينية التي أبقت على الموضوعات الدينية، وتخللها كثير من الفكاهة، كما كانت تكتب شعرًا باللاتينية. وفي القرن التالي، تبنت الاتحادات النقابية تمثيلها وحولتها إلى اللغات المحلية، وغالبًا ما كانت تعرض في الشوارع والساحات على شكل مجموعة تعرف باسم السلسلة، وتحكي علاقة الإنسان بربه منذ خلق الله البشر وحتى يوم الحساب.
كما شاعت مسرحية المعجزات التي تتناول حياة مريم العذراء أو أحد القديسين، والمسرحية الأخلاقية التي تستخدم شخصيات رمزية لإعطاء دروس أخلاقية. أما على الصعيد الدنيوي، فقد انتشر نمطان هما المسرحية الهزلية، والفاصل الترفيهي.
المسرح الأوروبي حتى عام 1660م
إيطاليا. بدأ النشاط المسرحي في إيطاليا في البلاطات الملكية والمؤسسات العلمية جزءًا من الاهتمام الجديد بالحضارتين الإغريقية والرومانية. وفي مسارح خاصة صغيرة كانت تعرض ثلاثة أنواع من المسرحية: المأساة والملهاة والمسرحية الرعوية التي تعالج قصص حب بين الرعاة وإلاهات الغابات. وليس لمسرحيات تلك الفترة أهمية فنية، وإنما لها قيمة تاريخية. وأول كاتب هزلي إيطالي مهم هو لودوفيكو أرسطو، الذي تعتبر مسرحياته، مثل: كاساريا (1508م)، بداية المسرح الإيطالي. وظهر شكل مسرحي جديد هو اللحن الفاصل، وهو فاصل يعتمد على الألبسة والمشاهد ويتفنن الخيال في تصميمها. وبعد عام 1600م، اندمج اللحن الفاصل في الأوبرا، التي بدأت محاولة لتقليد المأساة الإغريقية، وأصبحت بحلول عام 1650م، أكثر الأشكال المسرحية شعبية في إيطاليا.
أما بين عامة الشعب فقد كانت أكثر الأشكال رواجًا المسرحية المرتجلة، التي كانت تكتب الخطوط العامة لقصتها، ويرتجل الممثلون الحوار، وهم على خشبة المسرح. كما طور الإيطاليون تصميمًا جديدًا لديكور المسرح، كان له أثر كبير، وانتشر في أوروبا حتى بداية القرن العشرين.
التمثيليات القصيرة كانت محكمة ومتقنة. وكانت العروض اللافتة للنظر تصحبها الموسيقى والرقص والأزياء المشرقة والمسرحية الرمزية. وكانت التمثيليات الإنجليزية القصيرة تتمتع بالشعبية وفيها فخامة ونبل.
إنجلترا. شجعت حركة الإصلاح الديني اللوثري في أوروبا استخدام اللغات المحلية بدلاً من اللاتينية، مما أتاح الفرصة لظهور مسرح قومي. وكانت إنجلترا أول دولة تصل المسرحية فيها إلى درجة عالية من التطور والإبداع، وذلك بين عامي 1580م ، و1642م. ويطلق على الأعوام (1580 - 1603م) اسم العصر الإليزابيثي، أما باقي تلك الفترة (1604 - 1642م)، فتشمل الفترتين اليعقوبية والكارولينية. وكانت المسارح الإنجليزية مصممة بشكل يناسب المسرحيات الإليزابيثية السريعة الحركة والكثيرة المشاهد.
تطور المسرح الإليزابيثي حين بدأت مجموعة جديدة من كتاب المسرح المثقفين بكتابة مسرحيات للفِرق التجارية المحترفة. وجاءت أعمالهم مزيجا لتراثين هما الفواصل الترفيهية التي كان يؤديها ممثلون جوّالون، والمسرحيات التي كانت تُستلهم من العصر الكلاسيكي، وتعرض في المدارس والجامعات، مما ضيق الفجوة بين الطبقة الشعبية وطبقة المثقفين.
من هؤلاء الكتاب توماس كيد الذي أدخل تأثير الكتاب الكلاسيكيين، وخاصة سنيكا، على المسرح الشعبي، وكتب المأساة الأسبانية، أكثر مسرحيات القرن السادس عشر رواجًا وأشدها تأثيرًا. فقد أصبحت هذه المسرحية نموذجا للمأساة في ذلك العصر في طريقتها في بناء قصة واضحة مشوقة، وفي استخدامها للشعر غير المقفَّى.
ووصل كريستوفر مارلو بالشعر المرسل في كتابة المأساة إلى درجة عالية من الجودة، وتميزت مآسيه بمقاطع شاعرية رائعة، وبمشاهد تسيطر فيها العواطف سيطرة كاملة.
ديفيد جاريك كان في مقدمة الممثلين الإنجليز في زمانه. وقد ترك أسلوب جاريك الواقعي في التمثيل أثرًا كبيرًا على المسرح الإنجليزي.
وقد شكلت أعمال كيد ومارلو وغيرهما قاعدة بنى عليها وليم شكسبير مسرحياته. ولم يقدم شكسبير ماهو جديد إلا فيما ندر، فقد استعار من التاريخ والأساطير والأعمال الروائية والمسرحية السابقة، لكنه طور الوسائل المسرحية، وكتب شعرًا مسرحيًا لامثيل له، وتعمق في سبر الأغوار النفسية والفلسفية في أعماله.
ومن معاصري شكسبير بن جونسون الذي كتب ملاهي تهدف إلى تحسين السلوك البشري عن طريق السخرية من الحماقة والرذيلة. ومن معاصريهما أيضًا جورج تشابمان وتوماس دكر وتوماس هَيْود وجون مارستن.
وفي عام 1610م، بدأت المسرحية الإنجليزية تتغير؛ إذ أخذت شعبية المأساة الكوميدية، أي المسرحية الجادة ذات النهاية السعيدة تزداد. كما ركز كتاب المأساة على العنف والخداع والرعب. وقد برز في الفترتين اليعقوبية والكارولينية من كتاب المسرح فرانسيس بومونت وجون فليتشر وتوماس مدلتون وسريل تورنر وجون وبستر وفيليب مسنجر وجون فورد.
وبعد سيطرة البيوريتانيين (التطهيريين) على الحكم في إنجلترا، قامت السلطات بإغلاق المسارح، مما أسدل الستار على أغنى عصور المسرح الإنجليزي وأكثرها تنوعًا.
أسبانيا. ازدهرت المسرحية في أسبانيا أيضًا بين منتصف القرن السادس عشر وأواخر القرن السابع عشر، مما جعل تلك الفترة تعرف بالعصر الذهبي للمسرحية الأسبانية. فبعد استيلاء النصارى على الأندلس، استخدموا المسرحية وسيلة مهمة من وسائل التعليم الديني، وهذا ما جعل المسرحية الدينية تكتسب أهمية خاصة في أسبانيا، وتستمر بعد توقفها في باقي أوروبا.
وقد جمعت المسرحية الدينية عناصر من مسرحيات الأسرار الدينية والمسرحيات الأخلاقية، كما جمعت شخصيات خارقة القوى وأخرى بشرية بالإضافة إلى الشخصيات الرمزية كالخطيئة والمسرات، وما إلى ذلك. وكانت المسرحيات تمثل على عربات تشكل مسرحًا متنقلاً. وكان الممثلون يؤدون أيضًا فواصل هزلية ورقصات، وغيرها من العناصر الدنيوية الترفيهية التي تزايدت أهميتها تدريجيًا، مما حدا بالسلطات الدينية في عام 1765م إلى تحريم المسرح.
وأعظم كتاب المسرح الأسبان في ذلك العصر لوبي دي فيجا، الذي كتب ما يقارب 1,800 مسرحية، ويشترك في بعض السمات مع شكسبير ولكنه يفتقر إلى العمق. وبدرو كالديرون الذي كانت وفاته عام 1681م، بداية الانحدار السريع للمسرحية الأسبانية التي لم تستعد حتى الآن حيوية عصرها الذهبي.