الحبس الاحتياطي مشروع في الإسلام ، ولكن بضوابط حددها الفقهاء منها أن تكون الشبهة قوية ، والمتهم غير مشهور بالصلاح ، فإن كان مشهورا بالصلاح فلا يحبس ولا يعزر بل يعزر من اتهمه ، ولا يستمر الحبس أكثر من شهر .
تعريف الحبس الاحتياطي وضرره :
يقول المستشار محمد محمود منصور رئيس محكمة استئناف القاهرة الأسبق :
الحبس الاحتياطي هو سلب حرية المتهم مدة من الزمن تسمح بها مقتضيات التحقيق ومصلحته وفق ضوابط معينة .
وللتوسع في الحبس الاحتياطي ضرره فهو يناقض قرينة البراءة باعتباره ينزل بالمتهم إيلاما في وقت لم تثبت فيه إدانته ، ويفصم صلته بعائلته، ويوقف نشاطه المهني ويعرضه لأضرار يصعب وقد يستحيل فيما بعد إصلاحها .
وأما عن ضوابط الحبس الاحتياطي فيقول الدكتور أنور دبور أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة :
القاعدة في الإسلام هي براءة الذمة ومنها أخذ مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، ومن هنا ما لم تثبت إدانة الشخص ، فهو معصوم كرامته مصانة ، ولا يجوز بحال إهدار هذه الكرامة .
والحبس الاحتياطي له أسباب ترجع للجريمة وللشخص فما يرجع للجريمة يتلخص في وجود شبهة قوية ، يحد معها تعزيرا إن لم تثبت عليه الجريمة ، ولا يكون الحبس الاحتياطي لمدي بعيد فقد حدده العلماء بشهر ، ولا تمارس فيه أي وسائل ضغط . أما في الشبهة الضعيفة فلا يجوز الحبس الاحتياطي.
وما يرجع للشخص فيتلخص في حال الشخص نفسه ، فإن كان ظاهر حاله الصلاح فلا يعزر بدون تهمة بل يعزر من اتهمه . وإن كان مجهول الحال ، فيجوز حبسه إلى أن يتبين حاله . والمشهور بالفجور والفسق وارتكاب الجرائم يحبس ويعزر .انتهى
ولمزيد من التـاصيل الشرعي فقد جاء في الموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف الكويتية:
الحبس مشروع بالقرآن والسنة والعقل وإجماع الصحابة :
أولا : من القرآن الكريم :
اتفق الفقهاء على مشروعية الحبس للنصوص والوقائع الواردة في ذلك , وإن كان قد نقل عن بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجن أحدا . واستدل المثبتون بقوله تعالى : { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } . وللعلماء أقوال في نسخ هذه الآية منها : أن الحبس نسخ في الزنى فقط بالجلد والرجم وبقي مشروعا في غير ذلك .
واستدلوا أيضا بقوله تعالى : { أو ينفوا من الأرض } . وبقوله أيضا : { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله } ففي هذه الآية إرشاد إلى حبس من توجب عليه الحق حتى يؤديه . والآية غير منسوخة لعمل أبي موسى الأشعري بها في الكوفة زمن إمارته وفي الحبس جاء قوله تعالى : { وخذوهم واحصروهم } . و الحصر هو الحبس , والآية ليست منسوخة , وإلى مشروعية الأسر ذهب الفقهاء .
بل إن الأسير يسمى مسجونا . وفي آية أخرى : { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق } وهي محكمة غير منسوخة عند المحققين , وفيها الأمر بتقييد الأسير , وهو في الحقيقة محبوس ومسجون .
ثانيا : من السنة المشرفة :
ومما يدل على مشروعية الحبس في السنة حديث : { لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } ويقصد بحل العرض : إغلاظ القول والشكاية , وبالعقوبة : الحبس . وهذا قول جماعة من فقهاء السلف منهم : سفيان ووكيع وابن المبارك وزيد بن علي . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا أمسك الرجل , الرجل , وقتله الآخر , فيقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك } . وبنحوه قضى علي رضي الله عنه حين أمر بقتل القاتل وحبس الممسك في السجن حتى يموت . ويعرف هذا بالقتل صبرا أي الحبس حتى الموت , وبه عمل النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بقتل القاتل وصبر الصابر . وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة } , وفيه مشروعية الحبس ولو بتهمة . وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس أحد رجلين من غفار اتهما بسرقة بعيرين , وقال للآخر : اذهب فالتمس , فذهب وعاد بهما } .
ثالثا : إجماع الصحابة على جواز الحبس :
وأجمع الصحابة ومن بعدهم على مشروعية الحبس , وقد حبس الخلفاء الراشدون وابن الزبير والخلفاء والقضاة من بعدهم في جميع الأعصار والأمصار من غير إنكار , فكان ذلك إجماعا .
رابعا: الدليل على الحبس من العقل :
وتدعو الحاجة - عقلا - إلى إقرار الحبس , للكشف عن المتهم . ولكف أهل الجرائم المنتهكين للمحارم , الذين يسعون في الأرض فسادا ويعتادون ذلك , أو يعرف منهم , ولم يرتكبوا ما يوجب الحد والقصاص.
مدة الحبس الاحتياطي :
وقال الإمام الماوردي من فقهاء الشافعية في كتابه الأحكام السلطانية:
للأمير أن يجعل حبس المتهم للكشف والاستبراء . واختلف في مدة حبسه لذلك , فذكر عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي أن حبسه للاستبراء والكشف مقدر بشهر واحد لا يتجاوزه . وقال غيره : بل ليس بمقدر وهو موقوف على رأي الإمام واجتهاده وهذا أشبه وليس للقضاة أن يحبسوا أحدا إلا بحق وجب.
ويقول ابن فرحون الفقيه المالكي في تبصرة الحكام:
وأما قدر مدة الحبس فيختلف باختلاف أسبابه و موجباته , فحبس التعزير راجع إلى اجتهاد الحاكم بقدر ما يرى أنه ينزجر به وفي مختصر الأحكام السلطانية والحبس في التعزير قد يكون يوما , ومنهم من يحبس أكثر .
المصدر
www.islamonline.net/fatwaapplication/.../display.asp?...