الرئيسية > السؤال
السؤال
من هو عمر راســـــــــم؟
أعلام الجزائر | جزائريون | الجزائر 22‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة .خديجة..
الإجابات
1 من 1
الثائر على العصر وأهله عمر راسم

رغداء زيدان


منذ أن قرأت عن عمر راسم, شعرت بغصّة كبيرة, منعتني لوقت ليس بالقليل من الحديث عن هذا الرّجل, ومازلت إلى الآن لا أملك من أدوات التّعبير ما يعينني على ترجمة أسباب هذا الشّعور, فنحن في أحيان كثيرة نلجأ إلى الصّمت كأبلغ تعبير عن مشاعر داخليّة عميقة نعجز عن ترجمتها بالكلمات, وصدق الشّاعر حين قال:

إِن يَكُن صامِتاً وغير مبين .........فمن الصمتِ ما يَكون بيانا

ولكنني قررت أن أنقل لكم بعض ما قرأته عن هذا الرّجل, وأنا أكيدة بأنكم ستعرفون أسباب غصّتي.

البائس اليائس الثائر على العصر وأهله عمير راسم:

      بهذه الكلمات الموجعة كان عمر راسم يمضي رسائله, كما أخبرنا بذلك صديقه المجاهد أحمد توفيق المدني([1]). هذه الكلمات تعبّر أصدق تعبير عن حالة اليأس الّتي وصل إليها هذا الرجل المصلح العامل. ولكن ما الّذي أوصله إلى هذا الشّعور المؤلم ؟, لنعرف ذلك لابدّ من عرض لحياة الرجل ونضاله:

وُلد عمر راسم بن علي بن سعيد بن محمّد البجائي عام 1300/ 1883, في مدينة الجزائر, وتعلّم بكتاتيبها, ثمّ اعتمد على نفسه فتعلّم العربيّة والفرنسيّة([2]). اُشتهر بخطّه العربيّ الجميل, ومقدرته على رسم المنمنمات([3]), فكان من أوائل الرّسّامين الجزائريين في العصر الحديث, وقام بتأسيس مدرسة للفن أسماها "مدرسة الفنون الزّخرفيّة والمنمنمات الإسلامية" وكانت تحمل مشعل إحياء التراث الجزائري الإسلامي, والتّصدي للأهداف الاستعمارية البغيضة الكامنة في حركة الاستشراق والفرنسة للمجتمع الجزائري([4]).

عُرف عمر راسم منذ صباه بأفكاره الإصلاحيّة, وكان من المتأثّرين بأفكار الشّيخ محمّد عبده([5]), ومن أوائل الجزائريين الدّاعين إلى الأخذ بأفكاره, لذلك فقد سلك مسلك الإصلاح والعمل لـه منذ البداية, فأصدر جريدة الجزائر في 17 أكتوبر عام 1908م, ولم يصدر منها إلّا عددان فقط([6]), ثمّ أغلقتها السّلطات الفرنسيّة.  

أصدر جريدة ذو الفقار في 5 اكتوبر 1913م, وكانت تحمل تعريفاً موجزاً عنها يقول: "جريدة عموميّة اشتراكيّة, انتقاديّة, تصدر كلّ يوم أحد".

وجاء في مقدّمتها قوله:"لما سمعنا الإسلام يئنّ من طعنات أعدائه, والوطن ينادي بالويل والحسرة على أبنائه, أنشأنا هذه الجريدة لمحاربة أعداء الدّين, وكشف أسرار المنافقين, وإظهار مكائد اليهود والمشركين للنّاس أجمعين, وانتقاد أعمال المفسدين" ([7])

وكان عمر راسم يقوم بأعباء  تحريرها وكتابتها ورسم صورها وإخراجها وطبعها بمفرده. ويوّقع مقالاته بإسم مستعار هو ابن منصور الصّنهاجي, وكانت هذه الجريدة جريدة اجتماعية دينية, تدعو إلى اشتراكيّة إسلاميّة, وتهاجم الأغنياء الاحتكاريين, الّذين لا يشعرون بالشعب الفقير, ويستغلونه بشتّى الوسائل, وجاء في افتتاحيّة عددها الأوّل "ذو الفقار يبارز الأغنياء المقصّرين, الّذين يريدون أن يجعلوا مخلوقات الله ونظامات الكون آلات يستحلبون بها منافع لهم"([8])

اهتمّ عمر راسم بالأفكار الإشتراكيّة, وصار يدعو إلى اشتراكيّة إسلاميّة, يميّز بينها وبين الإشتراكيّة العلميّة, لذلك فقد عدّه بعضهم أوّل مفكر جزائري يهتم بموضوع الاشتراكيّة, ويبحثه بحثاً اجتماعياً هادفاً, ويدعو إلى تطبيق إشتراكيّة إسلاميّة, فهي بنظره حلّ لمشكلة الفوارق الطبقيّة, وكان يدرس تجارب الأمم, فيدرس الاشتراكية في ألمانيا وفي فرنسا ويقارن بينهما, وكان عنده اهتمام شديد بالانتاج الفكري الاشتراكي العالمي, يناقشه ويعلّق عليه([9]).

هاجم عمر راسم أيضاً الصّهيونيّة والاستعمار, بل وانضم إلى الجمعيات المناهضة للصّهونيّة, وكان يُرجع أسباب انهيار الخلافة الإسلاميّة إلى تسرّب العناصر الصّهيونيّة إلى أجهزة الحكم في الدّولة العثمانيّة([10]) وكان أسلوبه هجومياً حاداً عنيفاً, لذلك لم تصبر السّلطات الفرنسيّة على جريدته طويلاً, فأسكتتها بعد صدور العدد الرابع منها فقط.([11]).

والملفت أّنه سمّى الشيخ محمّد عبده المشرف الديني على جريدته, وقال:"ذو الفقار جريدة عبدويه إصلاحيّة, وإنها لا تخرج عن الطريقة الّتي خطّها لها رجال الإصلاح المخلصون, ومما اتخذته مبدأ لها بعدها عن السياسة, لأنّها مهما دخلت في شيء أفسدته"([12]).

كان عمر راسم من الكتّاب الجزائريين الّذين قدّموا كلّ ما بوسعهم لايصال صوت الجزائر, والتّعريف بقضيّتها أمام العالم العربي, لذلك فقد راسل الصّحف العربيّة, وخصوصاً التّونسيّة منها, وكان ينشر في صحيفة التقدّم([13]),طوال سنتي 1907 ـ 1908م, وقد نشر فيها مقالاً مشهوراً بعنوان "رأي حرّ ", هاجم فيه أساليب الاستعمار, وكان له أثر كبير في الأوساط الجزائرية والعربية([14]).

وقد نشر مقالات أخرى في جريدة مرشد الأمّة([15]), وفي جريدة المشير([16]) أيضاً, وكان صوتاً جريئاً حارب الاستعمار, وبيّن أساليبه القذرة, الّتي كان يستخدمها لفرنسة الجزائر, ومحو هوية الأمّة, ولعل هذا النّشاط الكبير, والجرأة في إبداء الرأي هو ما دفع السّلطات الفرنسيّة إلى سجنه والتّنكيل به, بتهمة لفّقتها له, وهي تهمة الإتصال بالعدو, فقد ضبطت إدارة البريد الإنكليزي رسالة, موجّهة من الجزائر إلى مصر, ومما جاء فيها : "يجب على المسلمين أن يقتدوا بخليفتهم, وألّا يعينوا أعداءهم", فوجّهت السّلطات الفرنسيّة التّهمة فوراً إلى عمر راسم, بحجّة أنّ الخطّ الّذي كُتبت به الرّسالة هو خطّه, وأصدرت بحقّه حكماً بالأشغال الشاقّة, وكان ذلك في 13 أغسطس 1915م, وحكم عليه بالنّفي المؤبّد, في 6 نوفمبر من السّنة نفسها, وقد أخّر تنفيذ النّفي حتّى سنة 1921م, ثمّ ثنتت براءته وعُفي عنه([17]).

وقد لقي في سجنه هذا عذاباً شديداً, وقد وصف ذلك في رسالة له, أرسلها لأخيه سنة 1919م, قائلاً: " إنّي الآن أعيش الفترة الأكثر صعوبة في حياتي, إنّ اللحظة الّتي أستطيع فيها التنفّس لم تحن بعد, فهل أستطيع تحمّل هذه الوضعيّة الّتي لا تُطاق؟, هل أستطيع العيش في هذه المحنة القاسية؟, لمن أتوجّه؟, لمن أشكو؟, حتّى البكاء الّذي سيخفّف عنّي لا أستطيعه, لأنّ ذلك يجب أن يكون بعد إذن"([18]).

وعلى الرغم من ذلك العذاب, فقد عكف في محنته تلك على تفسير القرآن الكريم([19]), ليكون له عوناً معنوياً يستطيع بواسطته الصّمود وتحمّل ما يلاقيه من تعذيب وتنكيل.

يُرجع بعض الباحثين أسباب يأس عمر راسم إلى تجربة سجنه الصّعبة, ومن هؤلاء أحمد توفيق المدني الّذي قال:" فهمت أنّ الرّجل كان في بادئ أمره مصلحاً مؤمناً عصاميّاً طموحاً, فلمّا أصابته النائبة بالسجن ضاقت عليه الدنيا بما رحبت, ودارت عليه دائرتها بالسّوء, وخرج من سجنه غريباً وحيداً, لا يأنس لأحد, ولا يأنس له أحد, فأصبح كافراً بالدّنيا, مبتئساً بالحياة, لا يرى الأشياء, ولا يرى الحوادث إلّا من وراء منظار أسود فاحم اللون"([20]).

أمّا غيره فقد وجد أنّ ما أصاب عمر راسم هو "نوع من الإرهاق والوهن الجسمي, واليأس من طول الحياة, الّتي عاشها مفعمة بالأسى والصّدمات وليل الإحتلال الطويل, الّذي لم يسفر بالنسبة إليه إلّا عن المرارات والأحزان والنكبات"([21]).

ولكننا إذا رجعنا لسيرة هذا الرجل وأفكاره, سنجد أنّه كان ينتظر نتيجة لعمله هو ومن معه من المصلحين العاملين لتوعية الشعب, ينتظر تفاعلاً ويقظة من أفراد المجتمع الجزائري, الّذي طال نومه وغفلته, بسبب تسلط الاستعمار عليه, وسيطرة الطرقيّة المنحرفة, المتنكّرة في ثوب الدّين, والّتي أحالت المواطن الجزائري إلى " كومة هيكيليّة في خلوة الأذكار, سامعاً, مطيعاً, ملبّياً, هرعاً في خدمة الشّيخ والزّاوية, ويصبح بالتّالي عاطلاً في المجتمع, يسعى فقط للقمة والأذكار"([22]). لذلك فقد وصل الأمر بعمر راسم أنّه قال في معرض حديث نقله أحمد توفيق المدني في مذكّراته:" لا يوجد عندنا شعب اطلاقاً, وإنّ ما تراه حولك ليس إلّا سائمة ترعى في أرض, أو كما يقولون بقر الله في زرع الله!"([23]).

وكان عمر راسم قد بحث في أسباب انحراف الجزائري وضعفه, وأرجع ذلك إلى تشبهه بالأجانب, وحب الفخامة, والاعتزاز بالنياشين الّتي زوّقوا بها صدور بعضهم لضمان موالاتهم, واستعبادهم نفسيّاً واجتماعيّاً, وضعف ايمانه, وانكماشه وتهيّبه من مواجهة الخطوب والصّعاب([24]). وقد عمل عمر راسم بكلّ قوّته على توعية هذا الشّعب, وحثّه على رصّ الصّفوف, والتمّسك بالوحدة الوطنيّة, والتنبّه إلى ألاعيب الاستعمار وأساليبه, وعدم الانخداع بها, ولكنّه لم يجد إلّا زيادة في الخمول, وطغياناً للمستعمر, مما أشعره بالإحباط واليأس.

 بالإضافة إلى ذلك فإنّ عمر راسم فقد ثقته بقيادات المسلمين, وكان يراهم خونة وتابعين, وكان يقول:" لا أريد أن أكون مع أناس أعتقد أنهم أعداء الحقّ والإنسانية والوطن"([25]). فهو لم يكن يرى بارقة أمل فيهم, وقد نقل أحمد توفيق المدني أن عمر راسم كان أيام فاروق([26]) ملك مصر يقول له: " لا ثقة لي به, لا تسعد مصر إلّا بعد ذهابه", ثمّ جاء دور الجنرال محمّد نجيب([27]) فقال: "والله هذا أسوأ من فاروق, لا ثقة لي به"([28]). بل إن عمر راسم اعتبر الأمير عبد القادر الجزائري([29]), والأمير محمّد المقرني([30]), من الّذين تخاذلوا, ولم يكن يثق بهم, لأنّه وجد أنّهم لم يقدّموا ما يمكن لهم أن يقدّموه لوطنهم وأمّتهم([31]).

وكان يشعر أنّ الأمّة والشّباب المسلم بحاجة إلى من يهديهم سواء السبيل, ووجد أثناء زيارة قام بها إلى الرباط, أنّ فيها: "شبيبة مباركة, تجدّ في الإصلاح الإسلامي, ولكنها كثيراً ما تغلو وتتنطع وتسرف......ولا ينقصها إلا إمام مصلح راشد, يردّ جماحها, ويهديها إلى سواء الصراط"([32]).

فعمر راسم فقد ثقته بالشعب, وفقد ثقته بالقادة, وكان يرى الأمور تزداد سوءاً, والوطن يزداد تخلّفاً وضعفاً, والعدو يزداد شراسة, فأصابه ما أصابه من يأس وسوداوية, لذلك نراه التفت إلى العمل الفنّي, محاولاً الحفاظ على هذا التّراث العربيّ الإسلاميّ, أمام موجات الفرنسة والتّغريب, فاهتمّ بتعليم فن المنمنمات والخطّ والزّخرفة, وكان له اهتمام بالغ بالموسيقى الأندلسيّة, تاريخها, وأصولها, وتطوّرها, وقد كتب عنها مقالات متعدّدة, مدافعاً عنها, وعن أصالتها. فهو وبعد أن فقد ثقته بالنّاس, وجد أنّ من واجبه العمل على حفظ تراث الأمّة, وكان يقول: " لا خلاص للشّرق من سيطرة الغرب إلّا بإيمان الشّرق بشخصيّته, واعتداده بنفسه, واعتماده على قوّته, يستمّد كلّ ذلك من تاريخه الذّهبيّ, ويبعثه من جديد بمواكبة متطوّرة, أساسها العلم الصّحيح, الّذي لا ينبهر ببريق المدنيّة الخادع, فإنّه ليس أضرّ بالأمم النّاهضة من التّقليد والجمود"([33]) .

كان عمر راسم بارعاً في فنّه, تعلّمه بفطرته, على يد والده وعمّه, حتّى غدا أستاذاً في الرّسم والخطّ, وقد تخرّج على يديه مجموعة مهمّة من فناني الجزائر, فقد كان كما قال عنه الشاعر([34]):

بارع  الرّسم بارع الخطّ iiفيها
أزهـر الفن في يديك iiوواتى
هـيـئ الـيوم للجزائر iiنشأً
يحذق الخط في الجزائر والر


عـمـر  راسـم بدون iiنكير
قـلـم الخطّ ريشة iiالتّصوير
مـاهر الصّنع سامي iiالتّفكير
رسم ويعنى بكلّ شأن iiخطير

وقد بقي عمر راسم يعمل بصمت, حتّى توفّي رحمه الله سنة 1959م, في مدينته الجزائر([35]). كم من المصلحين في أمّتنا ذهبت أصواتهم أدراج الرّياح!
22‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة monya.
قد يهمك أيضًا
هل انت مع عمر سليمان رئيسا
من هو عمر سليمان ( نائب الرئيس المصري الجديد ) ... ؟
من هو عمر القاسم؟
من هو /اللواء عصمت عزت عزت عثمان ؟؟؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة