الرئيسية > السؤال
السؤال
هل تؤيد ماقيل في هذا المقال من حقائق تاريخية؟

 بقلم   خالد منتصر    ٢/ ٥/ ٢٠١١
من المؤكد أن د. عبدالمنعم أبوالفتوح قد شاهد فيلم «الناصر صلاح الدين» وأتمنى منه ألا يناقش التاريخ بنفس طريقة هذا الفيلم، فالفيلم برغم روعته الفنية إلا أنه يتناول التاريخ بطريقة صوت العرب فى عصر أحمد سعيد والبرافدا فى زمن لينين وستالين، طريقة أحادية النظرة، دعائية، لا ترى التاريخ إلا من زاوية واحدة، والحقيقة أنه لا يوجد تاريخ فى العالم مشرق وملائكى طوال الوقت، والتاريخ الإسلامى ليس استثناء من هذه الرؤية، فرغم المساحات المشرقة المتسامحة فى هذا التاريخ إلا أن هناك مساحات اضطهاد للفكر المخالف على عكس ما قال د. أبوالفتوح بأن تاريخنا الإسلامى لم يشهد قمعاً للمجددين والعلماء،

وأسأل د. أبوالفتوح: هل تعرف من الذى أمر بقتل السهرودرى، وهو واحد من كبار الفلاسفة الموسوعيين الذين جمعوا بين الفلسفة الإسلامية واليونانية والهندية والمصرية والفارسية؟!

هل تعرف من الذى أمر بقتل هذا الشاب صاحب الستة وثلاثين عاماً بسجنه ومنعه من الطعام والشراب حتى يموت وتتعفن جثته؟!

إنه صلاح الدين الأيوبى! بالتأكيد سيصدم كل من يصر على تناول التاريخ بطريقة فيلم صلاح الدين، ولكنه لن يندهش كل من يقرأ التاريخ بعين ناقدة وعقل محايد.

لا نريد أن يبحر شراع وتتجه دفة التاريخ حسب الهوى والمزاج الشخصى، من يضمن لنا أن تكون مساحة قبول الآخر المختلف ليست رهناً بمزاج الحاكم وتركيبته الشخصية؟،

من يضمن لنا أنه عند اللزوم لن يخرج لنا هذا الحاكم من عباءة النصوص الفقهية الدينية مما يرسخ ظلمه وما يدين ويجرم ويكفر الخروج عليه، إنها العلمانية التى تحتاجها الإنسانية ولا يحتاجها دين معين، هى الضامن، المناطق المظلمة فى التاريخ لا تلوث الدين نفسه، ولكن ما يلوث الدين هو جره إلى شارع السياسة الذى يزكم الأنوف ترابه ودسائسه.

مضطر أنا يا دكتور أبوالفتوح لأن أفتح عدسة الرصد التاريخى لمفكرين وعلماء اضطهدوا بسبب ألوهية الحاكم وخلط الدين بالسياسة، أن تتحول من الزووم إلى البان، حتى تقتنع بأن العلمانية ضرورة وليست ترفاً، وبأنها الحل الوحيد لصناعة نهضة الأمم، وهى ليست ضد الدين وإنما هى ضد تدخل السلطة الدينية، وهى لا تفصل الدين عن المجتمع بل تفصله عن السياسة، وأسألك عن ابن المقفع ومن قتله وكيف قتل؟!

قتله الخليفه أمير المؤمنين أبوجعفر المنصور، المؤسس الحقيقى لأعظم خلافة إسلامية وهى الخلافة العباسية، والذى قال عن نفسه: «إنما أنا سلطان الله فى أرضه»، قتل الخليفة هذا المفكر العظيم، لأنه فقط نصحه فى كتاب رسالة الصحابة بأن يحسن اختيار معاونيه! كيف يتجرأ ابن المقفع على ظل الله فى الأرض؟!

عاقبه المنصور بتقطيع أطرافه قطعة قطعة، ثم تشوى على النار أمام عينيه، ثم يأكلها ابن المقفع حتى يموت!!!، أعتقد أن ما حدث هو البذرة الأولى لفيلم الرعب «هانيبال»، الذى لم يصل بالطبع إلى واحد على مليون من رعب ابن المقفع.

لضيق المساحة أرجو أن تقرأ كيف تعامل الحاكم النصف إله مع الرازى وأنت تعرف كطبيب من هو الرازى فى تاريخ الطب، تم عقابه بضربه على أم رأسه بكتبه التى ألفها حتى فقد بصره، وكيف طورد ابن رشد؟، وكيف صلب الحلاج؟، وكيف جلد الكندى؟!

التاريخ يا دكتور أبوالفتوح رمادى ليس فيه هذا اللون الأبيض الناصع ولا الأسود الغطيس، ولهذا نحتاج إلى العلمانية، لأننا لسنا استثناء من التاريخ، وغداً نستكمل الرد.

info@khaledmontaser.com

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=295479&IssueID=2123‏
Google إجابات | العلاقات الإنسانية | العالم العربي | مصر | الثقافة والأدب 2‏/10‏/2011 تم النشر بواسطة alex_ghost (alex ghost).
الإجابات
1 من 4
فى حقيقة الأمر المقال لا يدلّ على إنصاف تاريخى و هذه هى عادة الصحفى خالد منتضر فى التلاعب بالتاريخ دون أن يبحث فى مداخله جيدًا ..



* أولًا .. صلاح الدين الأيوبى و قصّة مقتل السهروردى ..

الناصر صلاح الدين الأيوبى كان رحمه الله و رضى الله عنه و أرضاه دائم العفو حتّى عن أعداءه و دائم العطايا و الهدايا حتّى للصليبيين المُعتدين و دائم الردّ للسيئة بالحسنى و دائم مُجالسة العلماء و الفقهاء و صلاح الدين الأيوبى دومًا يتعرّض للهجوم مؤخّرًا من بعض الشيعة خاصةً بالكذب و البُهتان بسبب إنهاءه على الحكم الشيعى و حكم الحشاشين إستغلالًا منهم لكون صلاح الدين الأيوبى مرحلة تاريخية صعبة و كبيرة و لن يجد من يدافع عنه لكن هذا الرجل خصيصًا يشهد له أعداءه فى التاريخ الغربى قبل أحبابه فى التاريخ العربى بالعدالة و الحصافة و الإنصاف و الكرامة و السماحة و لن أزيد فوق ما قاله عنه المؤرّخين ..

- قال عنه المؤرّخ الصليبى وليم الصورى الذى هو من أعداءه (كان كريمًا لدرجة السخاء).
- كتب صلاح الدين بنفسه لأحد أبناءه (إياك و سفك الدماء فإنّ الدم لا ‏ينام).
- قال عنه البريطانى ستانلى لين بول (لقد أجمع الناس ‏على أنّ صلاح الدين كان نادر المثال فى أخلاقه فهو بلا مراء طاهر النفس شجاع غير أنّه ‏هادئ النفس رقيق الطبع ليّن الجانب رحيم الفؤاد زاهد فى الدنيا مجاهد ليس فيه كبر بل فيه ‏بساطة و ورع).
- قال عنه ابن شداد فى كتابه النوادر السلطانية و المحاسن اليوسفية (لقد كان حبّه للجهاد و الشغف به ‏قد استولى على قلبه و سائر جوانحه استيلاءًا عظيمًا بحيث ما كان له حديث إلّا فيه و لا نظر إلّا فى ‏ءالته و لا كان له اهتمام إلّا برجاله و لا ميل إلّا إلى من يذكره و يحث عليه لقد هجر فى محبّة الجهاد ‏فى سبيل الله أهله و أولاده و وطنه و سائر بلاده و قنع من الدنيا بالسكون فى ظل خيمة تهب بها ‏الرياح ميمنة و ميسرة).
- قال عنه المؤرّخ ستيفن رانسيمان (صلاح الدين عبّر عن روح الإسلام .. احتفل صلاح الدين بإنتصاره فى حطّين و فى بيت المقدس كما يحتفل الرجل الشريف).
- أجمع المؤرّخون أنّ صلاح الدين كان جزل العطاء و شديد التسامح و الرأفة و احترم على الدوام نفسه و وعده و عهده فى عصر لم يكن يحترم شيئًا من ذلك حتّى ضدّ من خانه و نكث عهده مثل لوزينان الذى وعده بعدم مُحاربته ثانيةً عندما كان يرتعد بين يديه خوفًا من أن يقتله فقال له صلاح الدين (صلاح الدين لا يقتل الملوك و الأمراء) فأكرمه و أطعمه و ضيّفه و أجزل عليه العطاء إلّا أنّ لوزينان عاد فى وعده لصلاح الدين و حاربه ثانيةً.
- جاء الملك وليام الثانى ملك ألمانيا إلى قبر صلاح الدين فى أواخر القرن التاسع عشر ليعتذر له و ليعتذر لسائر المسلمين على ما فعله أجداده فى حقّهم فى مُقابل سماحة صلاح الدين الذى بقى اسمه مجلجلًا حتّى اليوم رغم أنّه من العصور الوسطى التى كانت تُلقّب بعصور الأساطير إلّا أنّ صلاح الدين بقى كحقيقة لا جدال فيها.
- قال عنه الأنبا المصرى المسيحى ساويرس ابن المقفّع (إنّ الملك صلاح الدين عامل رعيته فى بلاد مصر بخير يعجز الواصف عن وصفه و أرسى العدل و أحسن إلى المصريين و أزال مظالم كثيرة على الناس و أمر بإبطال الملاهي فى بلاد مصر و أبطل كل منكر شرير و أقام حدود شريعة الإسلام و كان يجلس للحكم بين الناس فينصف المظلوم من الظالم و يكون فى مجلسه مجموعه من الفقهاء و مشاهير الدولة للنظر فى القضايا بين الناس و العمل بما توجبه أحكام الشريعة و الحق و العدل).

فنكتفى بهذا رغم توافر المزيد و المزيد من فضائل صلاح الدين رضى الله عنه من كلام أعدائه قبل أحبابه لكن للأسف بعض الناس لا ترى أو لا تريد أن ترى هذه الحقائق بهدف تلويث سمعة الشرفاء من أجل مآربهم و أغراضهم الفاسدة و المريضة أمثال خالد منتصر و حتّى لا نخرج عن صلب الموضوع نذكر بأنّ حادثة مقتل الشيخ شهاب الدين يحيى السهروردى كانت بأمر ابن صلاح الدين و ليس صلاح الدين نفسه و كانت بكتابات و مُكاتبات الفقهاء التى تتهمه بالكفر و الفكر الباطنى الذى كان ظاهره الكُفر حيث كان يعتنق السهروردى هذا الفكر فى فلسفته فنقلوا بعضًا من أقواله و كلامه من كتبه فقضى فيه القضاء بما اتفق عليه الفُقهاء و هذا أمر لا يدّ للسلطان صلاح الدين فيه لا من قريب و لا من بعيد بغض النظر عن حقيقة تكفير السهروردى من عدمها فهذا أمر تفصيله يطول لكن فى كلّ الأحوال تكفير أهل الباطن كان أمرًا معروفًا بسبب أقوالهم التى فى ظاهرها الشناعة على الدين الإسلامى و ثوابته و لا نلوم أبدًا من كفّرهم حتّى و إن تعاطفنا و التمسنا العذر لبعضهم .. !!



* ثانيًا .. حادثة المنصور مع ابن المقفّع و غيرها من الحوادث ..

كانت أسباب المُعاقبة للعلماء فى تلك العصور لا تأتى من قبيل الفكر الإسلامى و القضاء الإسلامى بل تأتى من قبيل الخلافات الشخصية بين الحاكم و العالم بسبب الآراء و الأفكار السياسية فينتقم الحاكم من العالم بدافع شخصى مثل أىّ حاكم ظالم على وجه الأرض أو على أقلّ الدرجات مُسيئ و مخطئ و لا علاقة للدين أو للقانون بذلك لأنّ الشبهة التى قام على أساسها الحكم هى شبهة باطلة مثل شبهة التهمة الكاذبة المُفتقرة لرائحة الدليل التى استخدمها الخليفة المنصور لإدانة ابن المقفّع بينما كان السبب الحقيقى هو ما فعله ابن المقفّع معه حين أخذ على المنصور العهد فى تأمين عمّ المنصور منه و من بطشه مُحتاطًا حيث جعله يوقّع على بعض الجمل العنيفة مثل (إذا أخلّ المنصور بشرط من شروط الأمان كانت نساءه طوالق و كان الناس فى حلّ من بيعته) و التى أثارت غضب المنصور بشدّة و بالتالى لا دخل للإسلام فى هذا بل ينصب الجرم كلّه على الحاكم نفسه ..




*** الخلاصة ..

التاريخ الإسلامى ليس رمادى اللون بل هو واضح و دومًا ينصف الحقّ حتّى لو كان ضدّ الخليفة و لا يدافع عن الظالم مهمًا كان و لم يقل أىّ واحدٍ من المسلمين أنّ كلّ الحكّام المُسلمين كانوا أنبياء فالفساد و الظلم دومًا موجود بسبب مُخالفة الإسلام و ليس بسبب الإسلام فإذا كان فى العلمانية خير فهى من أسباب توافقها مع الإسلام الذى يدعو للشورى و العفو و الصفح و العدل و الأمانة فى القصاص و الحكم.


لا أعلم ماذا يستفيد هؤلاء من تزوير التاريخ .. ؟!! .. و كأنّه سيُزوّر بأكاذيبهم و تضخيماتهم الواهية .. !!
4‏/10‏/2011 تم النشر بواسطة Name Enough.
2 من 4
اخي الفاضل بارك الله فيك انك تريد ان تظهر للناس الوجه السيء للخلفاء او الامراء والسلاطين
ولكنك نسيت انك وقعت في الفخ بنفسك فقد تركت كل مافي حسنات صلاح الدين وجئت على سيئه تحسبها من مساوء صلاح
وانك مررت عليها مرور الكرام كانك تريد الصيد في الماء العكر
اخي الفاضل انك رجل تدعي الاكاديميع والعلميه والدليل
كان الاحرى بك ان تركز على اسباب ودوافع وماقيل في حادثه قتل السهروردي

ما لصلاح الدين وما عليه
لاعطيناك درجه كامله
ولكنك تكلمت في غاية في نفسك
هداني الله واياك
4‏/10‏/2011 تم النشر بواسطة ALSENED ALSE7E7.
3 من 4
اخي انف نيم بعد السلام
انا لااجاوب اي سوال انت جاوبت عليه فانك تعطي المواضيع حقها وتترك مجالا لغيرك ان يبدع فيها بارك الله فيك وكثر من امثالك
اما ردك على هذا السوال فانك وقعهت ماوقع فيه الاخ السائل
قانك لم ترد على صلب الموضوع وهي قتل الصلاح الدين للسهروردي
اخي اعد اجاباتك بما فيه دلائل قويه لتدافع عن صلاح مع علمنا ان صلاح لايحتاج الى مديح فكما قلت اعدائه مدحوه قبل اصداقائه ومواليه

وكثر الله فن امثالك اخي الفاضل
4‏/10‏/2011 تم النشر بواسطة ALSENED ALSE7E7.
4 من 4
حسنًا ..



القصّة بإختصار شديد أنّ السهروردى أبدع مذهب فلسفى جديد يُسمّى المذهب الإشراقى القائم على التكشّف أو المُكاشفة و هذا المذهب قائم على المذهب الصوفى التأمّلى التكشّفى الذى يميل للفكر التذوّقى الذاتى أو كما اتّهموه يُسمّى الفكر الباطنى و حتّى لا تكون الألفاظ متشعّبة فالمذهب الباطنى هو مذهب إخفاء المعنى المقصود داخل الظاهر الغير المقصود فيُفسّر بالمجاز بما يليق من خلال سياق الكتاب و هذا معروف فى لُغات العرب مثل أن تقول (اسأل القرية) فالمقصود هنا هو أهل القرية و كما نقول (علىٌ أسد) فالمقصود هنا علىٌ شُجاع و هكذا إلى ءاخره لكن المذهب الباطنى مذهب له تأمّلات ذاتية بالغ إستخدام المجاز فى تبيانها حتّى أصبح يُسمّيها بعض المتصوّفة شطحات (الشطحة تعنى إظهار كلام العارف بالله بدون إذن إلاهى كما قال الجرجانى فى مادّة شطح) مثل أن يقول قائل (أنا الله) و مقصوده هنا يكون أنّه يقول عن لسان الله (إنّى أنا الله) و من أمثال هؤلاء الذين اتّهموا بالتكفير من خلال الوقوع فى الفكر الباطنى الحلّاج و ابن عربى و البسطامى إلّا أنّ المذهب الباطنى أو المذهب الذى يستخدم المجاز كثيرًا بما يصل الأمر لحالة من الألغاز و الشفرات و المُصطلحات الجديدة الغير مألوفة قد واجه تكفيرًا كثيرًا و تمّ اتهامه بالإتحاد و الحلول و ما غير ذلك ممّا سأضع شرحًا مُبسّطًا له قدر الإمكان.



* الجزء الأوّل .. تعريف مبسّط بمنهج بعض المتصوّفة التى اختلف حولها المُتابعون ..


كان فى هذا الموضوع كلامًا للإمام الشيخ أبو الوفا التفتازانى شيخ مشايخ الطرق الصوفية و أحد كبار أساتذة كلية الآداب بجامعة القاهرة حتّى وصل لمنصب نائب رئيس جامعة القاهرة فى شئون الدراسات العليا و البحوث حيث شرح هذه النقاط فى كتابه (مدخل التصوّف) و شرح المُصطلحات الغريبة مثل مُصطلح (الفناء) عند الصوفية الذى كان يعنى فناء النفس عن الإرادة فى سبيل الله و ضرب مثالًا لذلك الشعور الذى يُمكن أن نصفه بالذهول بقوله تعالى عن سيّدنا يوسف (فلمّا رأينه أكبرنه و قطّعن أيديهن) و وصل الأمر بهنّ أن قُلن (ما هذا بشر) و هكذا من حالات الفناء التى لا تعنى ما يتصوّره البعض من المفاسد على الله و هذا المنهج التصوّفى تحديدًا لا يختلف عليه أحد لكن الخلاف كان حول مذهب الصوفية الآخرين مثل أبى يزيد البسطامى و الحلّاج و ابن عربى و غيرهم.

ظهر منهج أبى يزيد البسطامى من خلال فكرة مُعبّرة عن الفناء الذاتى فى الله فأصبحت إرادة المخلوق عنده هى من إرادة الله فلا يرى فى نومه سوى الله و لا فى يقظته سوى الله و دائم حواره يكون مع الله حتّى ورد عنه عبارة موضّحة لذلك المنهج قال فيها عن هذه الحالة للمخلوق (أراد أن لا يريد) و قد شرحها الإمام عطاء الله السكندرى قائلًا (هو إرادته أن لا يريد موافقًا لإرادة الله) بمعنى أبسط أنّه يريد أن يحيا على إرادة الله لا على إرادته هو الشخصية و قد نقل فريد الدين العطّار فى كتابه تذكرة الأولياء أقوالًا واضحة ممّا تمّ إتّهام أبى يزيد على إثرها مثل (خرجت من الحقّ إلى الحقّ حتّى صاح منّى فى " يا من أنت أنا فقد تحققت بمقام الفناء) و قد نقل أيضًا (منذ ثلاثين سنة كان الحقّ مرآة نفسى لأنّى لست الآن من كنته و فى قولى أنا و الحقّ إنكار لتوحيد الحقّ لأنّنى عدم محض فالحقّ تعالى مرآة نفسه بل انظر إنّ الحقّ مرآة نفسى لأنّه هو الذى يتكلّم بلسانى أمّا أنا فقد فنيت) و نقل أيضًا قوله (أنّى أنا الله لا إله إلّا أنا فاعبدنى) و كذلك قوله (سبحانى ما أعظم شأنى) و كذلك قوله (خرجت من بايازيدتى - يقصد نفسه - كما تخرج الحيّة من جلدها و نظرت فإذا العاشق و المعشوق و العشق واحد لأنّ الكل واحد فى عالم التوحيد) و نقل عنه كذلك (" سُئل ما العرش .. ؟!! " .. فأجاب " أنا هو " و " سُئل ما الكرسى .. ؟!! " .. فأجاب " أنا هو " و سُئل " ما اللوح المحفوظ .. ؟!! " .. فأجاب " أنا هو ") و هنا قال الكثيرون هذا الكلام حلول مع الله و على الرغم من شناعة و غرابة الألفاظ إلّا أنّ الصوفية التمسوا العذر لقائل هذا الكلام الذى يقوله فى حالة غير كاملة الوعى لأنّه يحيا فى عالم ءاخر مع الله بصورة أخرى غير معروفة لنا فهو أحيانًا ينطق بما فى صدره عن لسان ربّه و لا يقصد أن يبوح بهذا الكلام لشخصه و ذاته و مثل ذلك ما ورد فى الحديث القدسى فى صحيح البخارى (إنّ الله يقول " من عادى لى وليًا فقد ءاذنته بالحرب و ما تقرّب إلىّ عبدى بشيئ أحبّ إلىّ ممّا افترضت عليه و ما يزال عبدى يتقرّب إلى بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به و بصره الذى يبصر به و يده التى يبطش بها و رجله التى يمشى بها و إن سألنى لأعطينّه و لئن استعاذنى لأعيذنّه و ما تردّدت عن شيئ أنا فاعله تردّدى عن نفس المؤمن يكره الموت و أنا أكره مساءته ") و من هنا يتضح شيئان أنّ المجاز معلوم فى الكلام الإلاهى فالله لن يكون يد أو رجل المؤمن على الحقيقة و الله لن يتردّد على الحقيقة لكن الله جلّ فى علاه يتكلّم بالمعنى المجازى المنشود بعد أن أثبت التنزيه لنفسه سُبحانه و بعد أن أثبت الفرق بينه و بين عبده و فى نفس السياق اتضح ممّا سبق أنّ أبا يزيد و من شابهه قد أفنى نفسه فهو لا يتكلّم بلسانه عندما يكون فى هذه الحالة فهو يتكلّم بلسان الحقّ مجازًا.

فهنا قال الصوفية تفسيرًا لهذه الحالة أنّ القائل بهذا الكلام لا يهذى فهو يقصد كلامه لكنّ كلامه هذا غير مفهوم مقصده بسبب إستهلاكه بما لا يطيق فى التعلّق بالله فهو كالنهر الذى امتلأ ففاض و بدء الجديد يتناحر مع القديم و الماء يتلاطم مع كلّ شيئ حوله فهكذا كان أبو يزيد البسطامى و من شابهه عندما تكلّموا بهذا الكلام الذى يبدو عليه الكفر لكنّه فى النهاية كلامًا ليس عن لسانه بإعتراف المتكلّم نفسه و هنا هو لا يقصد الإتحاد الحقيقى بل يقصد الشعور و الحالة فقط و على كلٍ فلقد صرّح الإمام الجنيد أحد أكابر المتصوّفة المشهود لهم بالإيمان و الإعتدال قائلًا (أنّ أبا يزيد البسطامى رحمه الله مع عظم حاله و علو إشاراته لم يخرج من حال البداية و لم أسمع منه كلمة تدل على الكمال و النهاية) و كذلك مثله الحلّاج الذى التمس العذر لقاتله و على مشارف الموت بدعوى أنّه فُهم خطء و أنّ قاتله لم يفهمه فلقد بيّن جمال بدوى و الدكتور التفتازانى و غيرهما كثير من المُناقشين السابقين أنّ سبب قتل الحلّاج هو أنّ كلامه كان غير مفهومًا بين التنزيه و بين التألّه رغم ثبوت التنزيه عنه إلّا أنّ كلامه كان فى ظاهره الشناعة و الخطأ و بهذا قُتل.

و ممّا سبق نستدلّ على أنّ قائل هذا الكلام لم يكن قاصدًا أبدًا الكفر لكن كان شديد التداخل فى الكلام بين الألفاظ بسبب حالته التى جعلته ينطق كلامًا هو وحده من يعرف معناه أو من جرّب تجربته مثلما قال الإمام ابن عربى ردًا على تلميذه الذى شكى له لوم الناس لهم أنّ التصوّف كتذوّق العسل لا يُعرف إلّا بالتذوّق مهما وُصف طعمه و لقد أكّد ابن عربى على هذا المفهوم قائلًا (فهناك سر عجب مركب صعب يحرم كشفه لأنّه لا يُطاق حمله لأنّ العقل لا يعقله و لكن الكشف يكشفه فلنسكت عنه و ربما نشير إليه من بعيد .. يتفطّن إليه الباحث اللبيب ..) و بالتالى يتضح أنّ الغرائب التى ينطق بها الصوفية هى ناشئة عن تجارب شخصية يكون فيها الكلام بالمُصطلحات التى تُفهم من أرباب التجربة و ليست للجميع و من الأفضل عدم التصريح بها لأنّها من العلوم الباطنية و التى تعنى ببساطة علوم القلب و فى مثل ذلك قال الإمام القشيرى فى رسالته (الشريعة أمر بإلتزام العبودية و الحقيقة مشاهدة الربوبية فكلّ شريعة غير مؤيّدة بالحقيقة غير مقبول و كلّ حقيقة غير مقيّدة بالشريعة غير محصول) فالعلم الباطنى هو المشاهدة و بالتالى وجوده مطلوب لكن بدرجات المفهوم للمُتلقّى.

و على كلٍ المنهج الباطنى عندما تحوّل لمنهج يهدف للتضليل نشأت جبهة مواجهة له مثل جبهة الإمام الغزالى الذى انتقدهم بشدّة خاصةً بعد استفحال وجودهم و تضليلهم للشباب المسلم خاصةً على أيدى أصحاب منهج الإسماعيلية الشيعية إلّا أنّ الإمام الغزالى التمس العذر للحلّاج و أبى يزيد رغم إقراره بنقص منطقهم و ضعفه لأنّه يوقع فى النفوس التشكيك بل و ألّف كتابًا له أسماه (تهافت الفلاسفة) فى نقضهم بالكلية و هناك من كفّر هؤلاء المتصوّفة لأخذه بكلامهم دون أخذه لتنزيههم و لا نلوم من كفّر لأنّه كفّر بدليل رغم نُقصان الدليل إلّا أنّه بالفعل كان كلام هؤلاء المتصوّفة الكبار فى إستخدامهم الرموز كان فيه من التشكيك الكبير على غير العارفين لكن فى نفس الوقت هم أثبتوا التنزيه و لم يقصدوا أبدًا النيل من الذات الإلاهية لذلك وجب التيقّن من كلامهم بعيدًا عن حالاتهم فلا نأخذهم بما اختلط فهمه لأنّهم كانوا فى حالات من عدم القدرة على الوعى مع الموجودات فكان كامل الوعى عندهم فى الأفكار و الخواطر و الإلاهيات.



* الجزء الثانى .. قصّة الخلاف حول السهروردى ..


كان السهروردى عالمًا بالفلسفة و العلوم الشرعية و من كبار المتكلّمين و قد ذكر عنه ابن خلكان فى وفيات الأعيان أنّه استطاع أن ينال إعجاب الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين الأيوبى و لمّا أجلسه فى نقاش مع الفقهاء بان عليهم و تفوّق و كان كلامه مدعومًا بالحجج فقرّبه الملك الظاهر له لكن الفقهاء أرسلوا لصلاح الدين برسالة نقلوا فيها كلامًا له أنّه صنّف الحكماء على ثلاثة مراتب ..

- الأولى كانت مرتبة حكيم متوغّل فى التألّه (معرفة الله) بلا بحث مثل أكثر الأنبياء و الأولياء.
- الثانية كانت مرتبة حكيم بحّاث بلا تألّه مثل أتباع مدرسة المشّائية (النظر و الإستدلال العقلى) التى أقامها أرسطو من تبعوه من المتقدمين مثل ابن سينا و الفارابى و غيرهم.
- الثالثة كانت مرتبة حكيم متوغّل فى التألّه و البحث و هى المرتبة التى وضع نفسه بها.

و بالطبع وضعه لنفسه فى مرتبة فوق مرتبة الأنبياء كانت سببًا كافيًا جدًا لتكفيره و التشنيع عليه فأرسلوا لصلاح الدين بهذا فكتب لإبنه الملك الظاهر بقتله وفقًا لما ورد إليه من كلام الفقهاء فجمع ابنه الملك الظاهر الفقهاء فى حلب فاستفتاهم فأمروا بقتله و قد اتّهمه ابن تيمية فيما بعد بإدّعاء النبوة إلّا أن من دافعوا عن السهروردى قالوا أنّه لم يقصد رفع مقام حكمته على أغلب الأنبياء بل قصد أنّ الجهد المبذول و البحث و التشكيك للوصول للحكمة هو عند البشر الباحثين عن الله المتوغّلين فى علوم الله يكون أعلى من الأنبياء لأنّ الأنبياء لا يحتاجون لبحث و تشكيك فهم مُخاطبين من الله و واثقين منه بلا أدنى شكّ.




*** الخلاصة ..

الفقهاء الحلبيين هم من ارتأوا فساد معتقد السهروردى فكتبوا للسلطان صلاح الدين فنزل على رأيهم بعد أن فهم منهم أنّ السهروردى يدّعى منزلة أعلى من أكثر الأنبياء أو بمعنى أوضح يدّعى النبوة فأرسل لإبنه الملك الظاهر فى رسالة بخط القاضى الفاضل بقتله فجمع الملك الظاهر الفقهاء الذين بدورهم أمروا بقتله فبالتالى السلطان صلاح الدين لا علاقة له بالأمر من قريب أو من بعيد و الأمر كلّه كان عائدًا لفقهاء حلب و الملك الظاهر الذى كان يحكم بينهم .. !!


و بغض النظر عن صحّة التكفير من عدمه أرجو أن أكون قد وضّحت صورة عامة لمذهب بعض الصوفية الذين انتمى إليهم السهروردى ليتضح سبب الإشكالية حول تكفيره التى ربّما لا أراها أنا شخصيًا حكمًا عادلًا لما سبق للسهروردى من أقوال واضحة فى التنزيه إلّا أنّى كذلك لا ألوم من قال بتكفير أصحاب الفكر الباطنى لأنّه من المفترض أن يُخاطب الناس بقدر العقول و بإبراز التنزيه فى المقال و عدم الخلط بما يوحى الشرك أو النيل من الأساسيات الإسلامية فلا يُترك الكلام هكذا فيُشتّت الناس و يوحى بظاهر الكفر و الإلحاد و الله أعلى و أعلم .. !!


و عذرًا على الإطالة .. !!
4‏/10‏/2011 تم النشر بواسطة Name Enough.
قد يهمك أيضًا
من صاحب كتاب كليلة ودمنة ؟وهل قرأت هذا الكتاب ؟
مـــــــــــــــن قائل؟؟؟
من القائل؟؟؟؟
ما هواشهر الكتب قراءة في التاريخ
من هو مؤلف كتاب حقبة من التاريخ ؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة