الرئيسية > السؤال
السؤال
هل تعرف معلومات شاملة ودقيقة حول الأحزاب السياسية العربية؟
ما هي الأحزاب السياسية في كل دولة عربية ، وما هي تواريخ إنشاؤها ، وما هم رؤسائهم الحاليين؟
العلوم السياسية 15‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة محمود أسامة.
الإجابات
1 من 33
أنت كده مش طالب أجابة انت طالب كتاب
15‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة بدون اسم.
2 من 33
بالنسبه للاحزاب السياسيه في مصر
يوجد في مصر حاليا 24 حزب سياسي قانوني وهي :

   * 1- الحزب الوطني الديمقراطي : وهو الحزب الحاكم، تأسس عام 1978، ويرأسه رئيس الجمهورية محمد حسني مبارك، وأمينه العام محمد صفوت الشريف.

   * 2- حزب مصر العربي الاشتراكي : تأسس عام 1976، ورئيسه الحالى وحيد فخرى الأقصري.

   * 3- حزب الأحرار الاشتراكيين : تأسس عام 1976، ورئيسه الحالي حلمى سالم.

   * 4- حزب التجمع الوطنى الوحدوي : تأسس عام 1976، ورئيسه الحالي د/رفعت السعيد.

   * 5- حزب الوفد الجديد : تأسس عام 1978، ورئيسه الحالي الدكتور محمود احمد اباظة.

   * 6- حزب الأمة : تأسس عام 1982، ورئيسه الحالي أحمد الصباحي.

   * 7- حزب الخضر المصري : تأسس عام 1990، ورئيسه الحالي عبد المنعم الأعصر.

   * 8- حزب الاتحاد الديمقراطي : تأسس عام 1990، ورئيسه الحالي إبراهيم ترك.

   * 9- الحزب العربي الديمقراطي الناصري : تأسس عام 1992، ورئيسه الحالى ضياء الدين داود.

   * 10- حزب التكافل الاجتماعي : تأسس عام 1995، ورئيسه الحالي دكتور أسامة شلتوت.

   * 11- حزب الوفاق القومي : تأسس عام 2000، ورئيسه الحالي دكتور رفعت العجرودي.

   * 12- حزب مصر 2000 : تأسس عام 2001، ورئيسه الحالي دكتور فوزي غزال.

   * 13- حزب الجيل الديمقراطي : تأسس عام 2002، ورئيسه الحالي ناجي الشهابي.

   * 14- الحزب الدستوري الاجتماعي الحر : تأسس عام 2004، ورئيسه الحالي ممدوح القناوي.

   * 15- حزب شباب مصر : تأسس عام 2005، ورئيسه الحالي أحمد عبد الهادي .

   * 16- حزب السلام الديمقراطي : تأسس عام 2005، ورئيسه الحالي أحمد بيومي الفضالي.

   * 17- حزب المحافظين : تأسس عام 2006، ورئيسه الحالي مصطفى عبد العزيز.

   * 18- الحزب الجمهوري الحر : تأسس عام 2006، ورئيسه الحالي حسام عبد الرحمن.

   * 19- حزب الجبهة الديموقراطية : تأسس عام 2007، ورئيسه الحالي الدكتور أسامة الغزالي حرب.

أحزاب قانونية مجمد نشاطها بسبب التنازع على رئاستها

   * 20- حزب العمل المصري : تأسس عام 1978، وكيل المؤسسين هو إبراهيم شكري, تم الاتفاق على إبراهيم شكري رئيسا للحزب، وبرغم ذلك لم يتم إلغاء التجميد

   * 21- حزب مصر الفتاة الجديد : تأسس عام 1990، وكيل المؤسسين هو أحمد حسنين, والرئيس المؤقت الوصيف عيد الوصيف(تنازع على رئاسة الحزب).

   * 22- حزب العدالة الإجتماعية : تأسس عام 1993، وكيل المؤسسين محمد عبد العال, والرئيس المؤقت كمال حسين (تنازع على رئاسة الحزب).

   * 23- حزب الشعب الديمقراطي : تأسس عام 1992، وكيل المؤسسين هو أنور عفيفي.تم تنشيط الحزب عام 2007 ورئيس الحزب حاليا احمد الجبيلي ونائب رئيس الحزب خالد فؤاد حافظ


   * 24- حزب الغد : تأسس عام 2004 وكيل المؤسسين الحالي أيمن نور.

أحزاب وقوى غير معترف بها

   * حزب الكرامة العربية
   * حزب الوسط المصري
   * الحزب الشيوعي المصري
   * الإخوان المسلمون
   * الحزب المصري الليبرالي
   * الجماعة الإسلامية
   * جماعة التكفير والهجرة
15‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة almonaliza.
3 من 33
انا حزب مستقل واملك الحريه كاملة
15‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة كاتم الاسرار (بيت الخلافه سته وتسعين).
4 من 33
بصراحه لا اعلم بالتفصيل
15‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة shosho.
5 من 33
يا اخ محمود عندي القائمة كاملة ولكنها مدفوعة الاجر
20‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة Ana Masry.
6 من 33
مقدمـة
تتسع في السنوات الأخيرة دائرة البحث والمناقشات العامة حول قضايا الإصلاح السياسي والدولة والديمقراطية في البلدان العربية. ويحتل الكلام على تحارب الأحزاب السياسية العربية حيزاً من تلك البحوث والمناقشات. يأتي هذا الاهتمام، أو ربما هذه الصحوة، بعد مرور نحو ثمانية عقود على انطلاق بواكير تجارب الأحزاب السياسية العربية الحديثة في العالم العربي، وبعدما تعثرت مسيرة معظم هذه التجارب، وفشل الكثير منها في تحقيق الشعارات التي رفعها والأحلام التي وعد بها. وقد ترافقت هذه الصحوة، وتأثرت في الوقت نفسه، بالتغيرات التي شهدها النظام العالمي بين مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبين مرحلة ما بعد الثنائية القطبية، كما ترافقت وتأثرت بتغير الموجات الفكرية التي عرفها العالم والمنطقة العربية في مراحل ومحطات تاريخية متلاحقة منذ بداية القرن العشرين حتى اليوم.
تتعدد وجهات النظر في الخطاب السياسي العربي المعاصر حول تقديم تلك التجارب الحزبية، بل حول مدى مشروعية امتلاك تلك التجارب صفة الحزب السياسي فعلاً. وتتحكم في معظم أدبيات ذلك الخطاب مقاربات تعمل على قياس تلك التجار بمستويين ماضوي وموضوي: الماضوي يعمل في تقويمه لتلك التجارب على قياس أو مطابقة تلك التجارب الحزبية العربية وظروف نشأتها بظروف نشأة الأحزاب السياسية في الحزب وبأهداف تلك التجارب، فينفي عنها أصالتها نظراً إلى اختلاف شروط تأسيسها وأهدافها وهيكلياتها عن نموذجها الأصلي في التجربة الغربية.. أو نظراً إلى اختلاف هذه الشروط والأهداف والهيكليات عن النموذج الأصلي المستمد من التجربة التاريخية العربية الإسلامية.
والموضوي ينظر في تلك التجارب ويحكم عليها قياساً على المفاهيم النظرية والفكرية والمعايير السياسية السائدة حالياً بمعزل عن المسافة التاريخية وعن المفاهيم النظرية والفكرية والمعايير السياسية والظروف الاجتماعية المغايرة التي حكمت مرحلة نشأة الأحزاب السياسية العربية في النصف الأول من القرن العشرين، فينفى عنها مشروعيتها ويقضي باستحالة ديمقراطيتها نظراً إلى مغايرة طبيعتها "الأيديولوجية" وأهدافها "الاشتراكية" أو "القومية" ونهجها "الثوري" عن الطبيعة "الليبرالية" للأحزاب السائدة في البلدان الرأسمالية الغربية التي ولدت الديمقراطية من رحمها ولا مجال لتولد من رحم غيرها[1].. يحاول هذا النص تقديم قراءة نقدية للتجارب الحزبية العربية، متحررة من كلتا المقاربتين الماضوية والموضوية، اللتين تسيطران على مختلف اتجاهات الخطاب السياسي العربي المعاصر، الليبرالية منها والماركسية والقومية والإسلامية على السواء.
غير أن محاولة كهذه تتطلب التأسيس لبعض المفاهيم والفرضيات التي يجري البناء عليها بهدف بلورة رؤية تحررية على مستوى البحث في التجارب الحزبية العربية وفي التاريخ الاجتماعي – السياسي للمجتمع العربي المعاصر بوجه عام. من عناصر التأسيس هذه.
1- التحرر من موضة القراءة الديمقراطوية للتجارب السياسية والحزبية العربية المعاصرة والحديثة. وبناء على ذلك ينطلق النص من فرضية أن الديمقراطية ليست المعيار الأوحد أو الأساسي للحكم على نجاح أو فشل أو على صوابية أو عدم صوابية أي تجربة حزبية عرفتها المجتمع العربي المعاصر وبخاصة في منتصف القرن العشرين، بل هناك معايير أخرى يجب أن تؤخذ في الحسبان، ليس انطلاقاً من هامشية المسألة الديمقراطية في تجارب العمل السياسي بل انطلاقاً من عدم صوابيه اقتلاع التجارب الحزبية من سياقها التاريخي ومن سياق التحديات الاستراتيجية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية...) التي يواجهها هذا الحزب أو ذاك في نقطة زمكانية محددة، فتغدو بذلك المعايير الأساسية التي يجب أن يُحكم على تلك التجارب من خلالها هي التحديات الأساسية والأهداف الأساسية التي حددها هذا الحزب أو ذاك لنفسه في مرحلة تاريخية محددة وفي مجتمع محدد.
2- التحرر من ثنائيات الخير والشر في قراءة وفهم وتقويم التجارب السياسية والحزبية العربية، كثنائيات ديمقراطية – استبداد، يمين - يسار، اشتراكية – رأسمالية، قطاع عام – قطاع خاص، حداثية – تقليدية، ديني – علماني... إذ هناك الكثير من المشكلات والأزمات التي شهدتها تجارب حزبية من اتجاهات مختلفة ينبغي البحث عن أسبابها خلف الثنائيات، سواء في العامل البنيوي الاجتماعي أم في العامل الخارجي المؤثر. فهناك مشكلات عميقة عرفتها التجارب الحزبية العربية بمختلف نماذجها، كمشكلات الشخصنة والفساد والضدية ونفى الآخر واليمانية والماضوية والتبعية والموضوية والانتهازية، وهي لم تقف عند حدود الحزب اليمين دون اليساري، والاستبدادي دون الديمقراطي، والديني دون العلماني... بل أصابت مختلف هذه النماذج بفعل عوامل موضوعية محلية أو خارجية. لذلك، ولتجنب الوقوع في فخ الاستسهال من خلال تفسير أسباب مشكلات التجاذب الحزبية من خلال أحد أطراف تلك الثنائيات، يُفترض السعي لفهم هذه المشكلات في ضوء المنهجين البنيوي – التاريخي والشمولي الذي يربط ظاهرة التجارب الحزبية يغيرها من الظواهر والعوامل الأخرى المؤثرة فيها والمتأثرة بها، سواء على مستوى الداخل (الوطني) أم على مستوى الخارج ( الإقليمي والدولي). فالكثير من الاتجاهات الفكرية والخيارات السياسية والنماذج التنظيمية والأنماط العلائقية التي اعتمدها هذه التجربة الحزبية أو تلك لا يمكن رصدها وفهمها بمعزل عن تأثر تلك التجربة بالعامل البنيوي – التاريخي من جهة، الحزبي والمجتمعي على السواء، وبالعامل الخارجي المحيط، وطنياً وإقليمياً ودولياً من جهة أخرى.
3- يسود اليوم اتجاه في الخطاب العربي المعاصر يسعى لتفسير مشكلات المجتمع العربي، بما في ذلك مشكلات التجارب الحزبية العربية، انطلاقاً من العوامل والعوائق الداخلية لهذا المجتمع (بما فيها العوامل البنيوية)، رافضاً هذا الاتجاه تفسير تلك المشكلات بالعوائق الخارجية وبخاصة العامل الاستعماري الغربي والصهيوني، بذريعة أن التجارب الحزبية العربية تغطي فشلها وتمارس الاستبداد باسم مقارعة الاستعمار والصهيونية. ويتخذ هذا الاتجاه من تفسيره هذا ذريعة لكي يسقط من خطابه أي موقف رفضي، أو حتى نقدي، تجاه العامل الاستعماري والصهيوني في المجتمع العربي وفي التجارب الحزبية فيه، على الرغم من كل الوقائع الحسية التي تشير إلى مدى تأثير العامل الخارجي في تلك التجارب سياسياً وفكرياً وتنظيمياً ونهجاً كما في مسار التطور التاريخي للمجتمع والدولة في العالم العربي على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والتنموية، إما عبر تأثر تلك التجارب بالحركات الحزبية والاتجاهات الفكرية السائدة أو الصاعدة في أقطاب النظام العالمي، وإما كرد فعل على تدخل هذه الأقطاب في مصير المجتمع العربي (الاستعمار، التقسيم، اغتصاب فلسطين).
وفي هذا السياق يُطرح السؤال: ما الذي يجعل التجارب الحزبية العربية تقطع في شعاراتها وأهدافها وبرامجها ونهوجها مع أدبيات الفكر السياسي في عصر النهضة العربية. ولا تأتي تعبيراً عنها بهدف بناء مشروع دولة عربية ديمقراطية مؤسسية ودستورية، أليس التدخل الاستعماري والتقسيم، ومن ثم المشروع الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي هي التي بترت السياق التاريخي للحركة السياسية العربية النهضوية (الداعية إلى قيام الدولة العربية الديمقراطية الدستورية) باتجاه قضايا الاستقلال والتحرير والوحدة ودفعت إلى عسكرة التجارب الحزبية العربية، وبالتالي عسكرة أنظمة الحكم.
طبعاً هذا لا ينفي دور العوامل الداخلية الذاتية، لكن قطع الطريق على الاستمرار في تفسير تطورات الداخل في ضوء تأثيرات الخارج بهدف إعاقة الإصلاح والتغيير لا يكون (أي قطع الطريق) بارتكاب الخطأ نفسه، أي الاعتماد على الخارج وتوفير الشروط لاستمراره مؤثراً في الداخل، بل إن الحل هو بالتحرر الفعلي من المتبعية والمهضوية...
بناء على ذلك، سيحاول هذا النص وضع قراءة تقويمية للتجارب الحربية انطلاقاً من التطور التاريخي للمجتمع العربي والتحولات الإقليمية والدولية التي ولدت التجارب الحزبية العربية في سياقها، بدءاً من التحولات التي شهدتها الدولة العثمانية في نهاية عصرها، مروراً بالتدخل الاستعماري في المنطقة منذ القرن التاسع عشر الذي توج بالسيطرة الاستعمارية المباشرة على معظم الأراضي العربية بعد انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، قم بانتصار الثورة البلشفية ونشوء حركة الأممية الشيوعية (الكومنترن 1919 – 1943)، وصولاً إلى نكسة عام 1948 وقيام دولة إسرائيل وتفجر الصراع العربي – الإسرائيلي. فقد مثلت هذه الأحداث والمحطات عوامل محورية في نشوء التجارب الحزبية العربية، وهي تركت بصماتها بقوة على تلك التجارب فكرياً وتنظيمياً ونهجاً، فالتقت هذه العناصر مع بنى ثقافية واجتماعية ومع ظروف اقتصادية وسياسية قائمة في المجتمعات العربية أفرزت تلك التجارب ووسمتها بسمات محددة.
طبعاً لا يصح موضوعياً وعملياً أن تدعي دراسة في حدود فصل في كتاب معالجة موضوع الأحزاب السياسية في العالم العربي بوجه عام، فتعدد تلك التجارب وتنوعها الفكري والسياسي والتنظيمي والبرنامجي، يحول دون امكان تعميم الكثير من النتائج البحثية التي يمكن أن تنطبق على بعض تلك التجارب دون الأخرى. لذا ستركز الدوار على رصد والبحث في بعض الديناميات التي يفترض الباحث أنها مثلت قواسم مشتركة لنشوء العديد من التجارب الحزبية العربية في مختلف اتجاهاتها القومية والاشتراكية والإسلامية والليبرالية.
أولى هذه الديناميات التي يفترضها الباحث هي أن هذه التجارب كانت بمنزلة ردود فعل أكثر منها فعلاً، على الرغم من أن ردود الفعل هذه اتخذت منحيين معاكسين منحى نفيي، رافض للفعل وعاملٍ ضده، ومنحى تقليدي متماهٍ مع الفعل ساعٍ لتقليده إلى حد التبعية له.
وهذا يؤسس للديناميات الأخرى التي يفترضها الباحث، منها ديناميات الموضوية والماضوية اللتان حكمتا عمل التجارب الحزبية في مختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية.
مع العلم أن هاتين الديناميتين الثنائيتين (رد فعل مع – رد فعل ضد وماضوي – تقليدي) ليستا ظاهرتين عربيتين، بل هما حاضرتنان في الكثير من التجارب الحزبية العالمية ولو بنسب وبحدود مختلفة لأسباب موضوعية واضحة. فظاهرة العدوى غالباً ما كانت تترافق مع صعود نموذج فكري أو أيديولوجي معين، وما كان يلبث هذا النموذج أن يسود في أحد البلدان أو الحضارات حتى يأخذ ينتشر في بلدان وحضارات أخرى، وخصوصاً مع تزايد احتكاك هذه البلدان والحضارات في ما بينها، أو بسبب تشابه التحولات التاريخية، الاقتصادية والاجتماعية والإنتاجية والثقافية، ولو جزئياً، بين هذه المجتمعات والبلدان. هذا ما حصل مع أفكار عصر التنوير في أوروبا ثم في العديد من مناطق العالم وحضاراته، وحصل مع الفكر القومي الأوروبي، ثم مع الفكر الاشتراكي، وكذلك مع الفكر الاسلامي، وأخيراً مع أفكار الليبرالية الجديدة المترافقة مع الموجة العولمية.
إذا قضية العدوى الفكرية أو الموضوية تبدو أقرب إلى لونها قانوناً اجتماعي من كونها تعبيراً عن حالات مجتمعية أو حضارية خاصة أو عن مرحلة تاريخية محددة، مع الأخذ في الحسبان طبعاً هامش النسبية في مدى حضور هذه الموضوية في هذه الموجة الفكرية والحزبية أو تلك بناء على مدى قوة هذه الموجة من جهة وعلى درجات الممانعة والاستعدادية التاريخية لدى هذه الحضارة أو تلك.
في حين تبدو الماضوية أكثر عرضة للتجاوز التاريخي، وبخاصة في مجتمعات مراكز النظام وفي البنى المجتمعية والثقافية، التي وضعت حداً للعقل القدري، ولو أنه ما لبث أن أسس في وقت لاحق، لقدرية من نوع آخر هي القدرية الوضعية النيوليبرالية وهو أمر تقع معالجته خارج حدود هذا البحث.
أما ثالثة هذه الديناميات فهي الدينامية الإيمانية التي تسقط العلاقة الدينية لروحية بين الإنسان والإله، على العلاقة الوضعية بين الإنسان والمجتمع التي يجري التعبير عنها بالعقيدة أو الأهداف السياسية.
طبعاً، يظل العامل الداخلي شرطاً موضوعياً في شروط قيام الأحزاب السياسية كما في أي ظاهرة اجتماعية أخرى، لكن هذا العام وحده لا يكفي لفهم ظاهرة الأحزاب السياسية في الوطن العربي، كما هو الأمر في نشوء ظاهرة الأحزاب السياسية في الغرب[2].، حيث العوامل الخارجية كانت هي المحدد أكثر من سواها في عملية تحريك ديناميات نشوء التجارب الحزبية.
ستحاول هذه الدراسة إذاً، قراءة ظاهرة الأحزاب السياسية العربية من خلال تلك الديناميات التي حكمت بمجموعة تطورات ومحطات شهدها المجتمع العربي عقب الحرب العالمية الأولى، أبرزها (1) انهيار آخر خلافة إسلامية مع تفكك الدولة العثمانية، (2) سياسة التتريك، (3) تقسيم المنطقة، (4) المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل، (5) الاحتلال المباشر في المنطقة العربية، (6) والثورة البلشفية، وهي أحداث كان دون دور أساسي في تحريك ديناميات ردود الفعل الضدية والتقليدية، وديناميات الموضوية والماضوية.



أولاً: الخلفية السياسية والفكرية السائدة
قبيل نشوء الظاهرة الحزبية العربية
تشير التطورات التي شهدتها الدولة العثمانية منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى سقوطها عقب الحرب العالمية الأولى إلى وجود مجموعة عوامل وظروف ساهمت في توفير الشروط وفي التأسيس لنشوء حركة ثقافية وفكرية وسياسية عربية كانت مقدمة لنشوء تجارب الأحزاب السياسية العربية في ما بعد. وتظهر هذه التطورات أن ظروف نشأة الأحزاب السياسية العربية اختلفت عن ظروف نشأة الأحزاب السياسية في الغرب في مسألتين بارزتين، الأولى هي أن التجارب الحزبية العربية كانت محكومة برد الفعل أكثر منه بالفعل؛ والثانية هي أن العامل الخارجي كان العامل المحدد في قيام معظم تلك التجارب. أضف إلى ذلك مسألة ثالثة هي أن تلك الأحزاب لم تولد في رحم الديمقراطية، ولا كانت الديمقراطية بدورها تمثل محول اهتمامات وتحديات وأهداف تجارب تلك الأحزاب، على الرغم من احتلال مسألة بناء الدولة الحديثة وفق أفكار عصر التنوير الأوروبي حيزاً مهماً في أدبيات رواد عصر النهضة العربية.
ففي المجتمعات الغربية نشأت الأحزاب السياسية استجابة للتطورات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها تلك المجتمعات، ثم تمت مع نمو التجارب الديمقراطية في تلك المجتمعات. وارتبطت في بداياتها بديناميات الحراك السياسي داخل المجتمعات الغربية نفسها، وتحديداً بنشوء الأطر البرلمانية التي أسفر تطورها عن خلق كتل برلمانية ثم لجان انتخابية مثلت نواة الأحزاب السياسية، التي "كلما رأت المجالس السياسية وظائفها واستقلالها يكبران، كلما شعر الأعضاء بالحاجة إلى التكتل تبعاً للتجانس بغية العمل بصورة جماعية. وكلما انتشر حق الاقتراع وتعدد، كلما دعت الحاجة إلى الإحاطة بالناخبين من قبل لجان قادرة على التعريف بالمرشحين وعلى توجه الأصوات نحوهم"[3]. وقد كانت الكتل البرلمانية تقوم بناء على مجموعة عوامل، أبرزها وحدة العقائد السياسية، والمجاورة الجغرافية، وإرادة [4]. وأول ما ظهرت هذه الأحزاب في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة التوسع في حق الاقتراع عام 1830، وفي بريطانيا عام 1832، وفي فرنسا عام 1848... الأمر الذي تطلب توسيع القاعدة الحزبية وتكونت تنظيمات حزبية دائمة لاجتذاب الأصواب وجمع التبرعات، مع بقاء قيادة الأحزاب حكراً على أعضاء المجالس النيابية، وهو ما يظهر أن "الأحزاب" كانت نتيجة لوجود الديمقراطية أكثر منها سبباً للديمقراطية"[5].. وأول ما ظهرت هذه الأحزاب في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة التوسع في حق الاقتراع عام 1830، وفي بريطانيا عام 1832، وفي فرنسا عام 1848... الأمر الذي تطلب توسيع القاعدة الحزبية وتكونت تنظيمات حزبية دائمة لاجتذاب الأصواب وجمع التبرعات، مع بقاء قيادة الأحزاب حكراً على أعضاء المجالس النيابية، وهو ما يظهر أن "الأحزاب" كانت نتيجة لوجود الديمقراطية أكثر منها سبباً للديمقراطية".. وقد كانت الكتل البرلمانية تقوم بناء على مجموعة عوامل، أبرزها وحدة العقائد السياسية، والمجاورة الجغرافية، وإرادة الدفاع المهنية. وأول ما ظهرت هذه الأحزاب في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة التوسع في حق الاقتراع عام 1830، وفي بريطانيا عام 1832، وفي فرنسا عام 1848... الأمر الذي تطلب توسيع القاعدة الحزبية وتكونت تنظيمات حزبية دائمة لاجتذاب الأصواب وجمع التبرعات، مع بقاء قيادة الأحزاب حكراً على أعضاء المجالس النيابية، وهو ما يظهر أن "الأحزاب" كانت نتيجة لوجود الديمقراطية أكثر منها سبباً للديمقراطية".
أما من وجهة النظر الماركسية فيرتبط قيام الحزب السياسي بانقسام المجتمع على طبقات وعدم تجانس هذه الطبقات، وبالاختلافات في مصالح الطبقات والمجموعات المكونة لها. وهي أسباب تؤكد دور العامل الداخلي في تأسيس الأحزاب السياسية التي يبدأ التاريخ الفعلي لنشوئها "منذ عهد الثورة البرجوازية الفرنسية العظمى في أواخر القرن الثامن عشر"[6]..
أما في المجتمع العربي فقد تمثلت تلك الدوافع بمجموعة تحديات وتهديدات خارجية، تمثلت بمظاهر تفكك وتآكل الدولة العثمانية وتزايد إجراءات التتريك وتصاعد النزعة القومية الطورانية فيها، ثم تصاعد الهجمة الاستعمارية على المنطقة وما أسفرت عنه من مشاريع تقسيم للمنطقة العربية وسيطرة مباشرة عليها، إضافة جاذبية الثورة الحداثية في الغرب ونموذج الدولة القومية الذي أفرزته.
منذ بداية القرن التاسع عشر على الأقل أخذت العلاقة بين الدولة العثمانية وأوروبا تتخذ منحى عكسياً: نهاية عهد سلسلة طويلة من الساطين الأقوياء والأذكياء، وضعف يحل بالحكومة المركزية، وفساد يغزو الإدارة، وأزمة اقتصادية بفعل تغير خطوط التجارة العالمية، وزيادة في الضرائب، وتقهقر في الزراعة... مقابل دولة قومية تقوم على إدارة حديثة وجيش قوي وثورة صناعية وفائض إنتاج يبحث عن أسواق. في ظل هذا الانقلاب في موازين القوى لمصلحة أوروبا، أخذت شروط العلاقة بين الطرفين تتبدل، وأخذ النفوذ الأوروبي والتدخل في الشؤون الداخلية العثمانية يتصاعد. وفي سياق هذا التدخل، أدخلت الدولة العثمانية في عهد التنظيمات منذ عهد السلطان عبد المجيد، بهدف إصلاح جهاز الدولة وتحديثه وفق النموذج الأوروبي[7]. .
كل ذلك دفع بمجموعة من الشبان العثمانيين المستفيدين إلى الشعور بضرورة إعادة الحياة إلى المؤسسات الهرمة والإدارة البالية في دولتهم[8]، الأمر الذي أقضى إلى تكوين نخبة عثمانية جديدة على قدر من الوعي بالهوة التاريخية الكبيرة التي تفصل ما بين الواقع العثماني والواقع الأوروبي والعربي. وقد اشتدت حدة هذا الوعي في الو [9]. وهكذا بدأ المجتمع العربي يشهد يقظة تجاه ذاته العربية التي كانت راقدة في الفضاء العثماني المتداعي، بعدما فتحت أمامه نوافذ أوروبا وجرى التواصل الثقافي معها، بفعل تزايد البعثات التبشيرية، وانتشار الطباعة والصحافة وإصدار الكتب وإيفاد البعثات الدراسية وجلب الخبراء ونشوء حركة الترجمة[10]. وفي هذا السياق أخذ مفهوم الدولة – الأمة يترسخ لدى هذه النخبة، الأمر الذي مهّد إلى نشوء الحركات القومية لدى شعوب الدولة العثمانية بمن فيهم الشعب العربي[11]. مع العلم أن النزعة القومية في بدايتها لم تتخذ منحى استقلالي كما ظهر لدى قوميات البلقان، بقدر ما كانت تطمح إلى نوع من اللامركزية العربية في إطار وحدة الدولة العثمانية. . وهكذا بدأ المجتمع العربي يشهد يقظة تجاه ذاته العربية التي كانت راقدة في الفضاء العثماني المتداعي، بعدما فتحت أمامه نوافذ أوروبا وجرى التواصل الثقافي معها، بفعل تزايد البعثات التبشيرية، وانتشار الطباعة والصحافة وإصدار الكتب وإيفاد البعثات الدراسية وجلب الخبراء ونشوء حركة الترجمة. وفي هذا السياق أخذ مفهوم الدولة – الأمة يترسخ لدى هذه النخبة، الأمر الذي مهّد إلى نشوء الحركات القومية لدى شعوب الدولة العثمانية بمن فيهم الشعب العربي. مع العلم أن النزعة القومية في بدايتها لم تتخذ منحى استقلالي كما ظهر لدى قوميات البلقان، بقدر ما كانت تطمح إلى نوع من اللامركزية العربية في إطار وحدة الدولة العثمانية. ، الأمر الذي أقضى إلى تكوين نخبة عثمانية جديدة على قدر من الوعي بالهوة التاريخية الكبيرة التي تفصل ما بين الواقع العثماني والواقع الأوروبي والعربي. وقد اشتدت حدة هذا الوعي في الولايات المتحدة العربية ذات الثقافة الراسخة. وهكذا بدأ المجتمع العربي يشهد يقظة تجاه ذاته العربية التي كانت راقدة في الفضاء العثماني المتداعي، بعدما فتحت أمامه نوافذ أوروبا وجرى التواصل الثقافي معها، بفعل تزايد البعثات التبشيرية، وانتشار الطباعة والصحافة وإصدار الكتب وإيفاد البعثات الدراسية وجلب الخبراء ونشوء حركة الترجمة. وفي هذا السياق أخذ مفهوم الدولة – الأمة يترسخ لدى هذه النخبة، الأمر الذي مهّد إلى نشوء الحركات القومية لدى شعوب الدولة العثمانية بمن فيهم الشعب العربي. مع العلم أن النزعة القومية في بدايتها لم تتخذ منحى استقلالي كما ظهر لدى قوميات البلقان، بقدر ما كانت تطمح إلى نوع من اللامركزية العربية في إطار وحدة الدولة العثمانية.
غير أن النزعة الاستقلالية ما لبثت أن تصاعد مع تصاعد النزعة الطورانية وسياسة التتريك[12]. .
من جهة أخرى، ساهمت ثورة عرابي باشا في تأجيج النزعة القومية العربية ورفع موجة العداء العربي ضد الأتراك، إذ كانوا ينظرون إلى ثورته إذا ما نجحت بأنها ستنطوي على مضاعفات خطيرة من شأنها أن تقرر مصير العرب كأمة[13]..
عبرت الحركة القومية العربية عن نفسها من خلال تأسيس الجمعيات الثقافية والسياسية. وكان أبرز هذه الجمعيات الجمعية العلمية السورية (1857) التي أطلقت الصرخة الأولى القومية العربية داعية العرب إلى اليقظة، وهي أول جمعية تقتصر عضويتها على العرب[14] وقد أكدت الجمعيات السياسية السرية التي تألفت في كل من بيروت ودمشق والقاهرة واستانبول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رغبتها في الحكم الذاتي ومن ثم الانفصال عن الإم [15]. . وقد أكدت الجمعيات السياسية السرية التي تألفت في كل من بيروت ودمشق والقاهرة واستانبول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رغبتها في الحكم الذاتي ومن ثم الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية.
هكذا مثل رد الفعل على تداعي الدولة العثمانية والتأثر بنموذج الدولة القومية في أوروبا عنصرين محفزين لليقظة القومية العربية في القرن التاسع عشر. وهما عنصران لا يلبثان أن يتزايد تأثيرهما في تعميق تلك اليقظة وتفعيلها سياسياً في فترة الحرب العالمية الأولى
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
7 من 33
ثانياً: التحديات والظروف التاريخية التي أفرزت التجارب الحزبية العربية الأولى
1- ظروف واتجاهات الحركة السياسية في ظل الجولة العثمانية
ظل النشاط السياسي للنخبة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر محدوداً وسرياً، وبخاصة فش ظل مرحلة الاستبداد الحميدي. إلى أن حصلت الثورة الدستورية سنة 1908 التي قضت على العصر الحميدي وأفسحت المجال أمام مرحلة جديدة من العمل السياسي في أوساط النخبة العربية، "فبادرت النخبة العربية من خلاله إلى نشر وعيها الجديد لمفهوم الأمة المستند إلى مرجعية المثال الغربي وتاريخيته الأوروبية"[16]..
ترافق هذا التحول مع إخلال جمعية تركيا الفتاة بوعودها الإصلاحية، إلى جانب تصاعد سياسة التتريك التي عبرت عنها الجمعية بعد عام 1908، الأمر الذي أدى إلى توتير العلائق العربية-التركية وإلى تعميق النزعة الاستقلالية لدى العرب، بعدما كانوا يطمحون في السابق إلى مجرد صيغة لامركزية في إطار وحدة الدولة العثمانية. "فعندما اتخذت تركيا الفتاة من الوطنية المتطرفة والتفوق العرقي أساساً لبناء تركيا الجديدة، تركيا القومية الموحدة ثقافياً وسياسياً، كانت ردة الفعل عند قادة العرب أنهم راحوا يفكرون بمستقبل أوطانهم العربية بالأساليب ذاته"[17]..
إلى جانب ذلك، شهدت الدولة العثمانية عقب ثورة 1908، تصاعداً لدور المعسكر في العمل السياسي، وبخاصةٍ على يد جمعية "الاتحاد والترقي"، وهي الجمعية السرية التي أنشأتها تركيا الفتاة بهدف القضاء على استبداد عبد الحميد[18]. وقد ترافق تصاعد دور الضباط الاتحاديين مع سياسة إقصاء الموظفين غير الأتراك من جهة ومع سياسة الإلحاق التي شهدتها بعض المناطق العربية من جهة أخرى، في ظل حملة معادية للعرب نظمتها صحف جمعية الاتحاد والترفي، وسياسة تتريك فرضها الاتحاديون على مستويات التعليم والاقتصاد والجيش، إلى جانب حل الجمعيات التي أسستها جماعات غير تركية، بما فيها جمعية الأخاء العربي التركي الأمر الذي عزز أزمة الثقة بين الأتراك والشعوب الأخرى في الدولة العثمانية وأدى إلى تعزيز النزعة الاستقلالية واستثارة المشاعر القومية لدى هذه الشعوب، بمن في ذل [19] الذين عملوا على تأسيس عدد من الجمعيات والأحزاب السياسية للدفاع عن قضاياهم وحقوقهم، وهيّأ التربة الصالحة لبذور الحركة الانفصالية العربية بدءاً من عام 1909[20]. الذين عملوا على تأسيس عدد من الجمعيات والأحزاب السياسية للدفاع عن قضاياهم وحقوقهم، وهيّأ التربة الصالحة لبذور الحركة الانفصالية العربية بدءاً من عام 1909.. وقد ترافق تصاعد دور الضباط الاتحاديين مع سياسة إقصاء الموظفين غير الأتراك من جهة ومع سياسة الإلحاق التي شهدتها بعض المناطق العربية من جهة أخرى، في ظل حملة معادية للعرب نظمتها صحف جمعية الاتحاد والترفي، وسياسة تتريك فرضها الاتحاديون على مستويات التعليم والاقتصاد والجيش، إلى جانب حل الجمعيات التي أسستها جماعات غير تركية، بما فيها جمعية الأخاء العربي التركي الأمر الذي عزز أزمة الثقة بين الأتراك والشعوب الأخرى في الدولة العثمانية وأدى إلى تعزيز النزعة الاستقلالية واستثارة المشاعر القومية لدى هذه الشعوب، بمن في ذلك العرب الذين عملوا على تأسيس عدد من الجمعيات والأحزاب السياسية للدفاع عن قضاياهم وحقوقهم، وهيّأ التربة الصالحة لبذور الحركة الانفصالية العربية بدءاً من عام 1909.
وما ضاعف من أزمة الثقة بين العرب وجمعية الاتحاد والترقي هو كثافة العنصر اليهودي، إلى جانب التركي، في الجمعية[21]..
ثم جاءت فترة حكم جمال باشا في سوريا لترفع وتيرة الخلاف بين العرب والأتراك ولتدفع العرب إلى مزيد من التشدد في نضالهم من أجل الاستقلال عن الدولة العثمانية، بل يرى البعض "إن حكم جمال باشا في سوريا، في أثناء الحرب العالمية الأولى، كان أحد العوامل الحاسمة في موقف أكثرية الزعماء العرب المسلمين من تركيا. إذا إنه قضى على كل تردد ودفع بهم إلى اتخاذ قرار الانفصال التام عن تركيا. فقد ازداد شعور العرب القومي، بعد 6 أيار 1916، وأحج الاستقلال السياسي، والسيادة القومية العربية، أمراً حيوياً بالنسبة إلى العرب"[22]. كل هذه العوامل عرفت قوات الحلفاء في أثناء الحرب العالمية الأولى كيف تستغلها، فأخذت في تشجيع العرب "للقيام بثورة ضد الأتراك ومساندت [23]. وأشار لويد جورج في مذكراته إلى أن "عملائنا (بين العرب)، وفي جملتهم عدد ممن كان قد تمرس بأساليب الدبلوماسية الشرقية، راحوا يشجعون القيام بثورة، وكانوا يعدونهم بالسلاح والذخيرة"[24]. وأشار لويد جورج في مذكراته إلى أن "عملائنا (بين العرب)، وفي جملتهم عدد ممن كان قد تمرس بأساليب الدبلوماسية الشرقية، راحوا يشجعون القيام بثورة، وكانوا يعدونهم بالسلاح والذخيرة".. كل هذه العوامل عرفت قوات الحلفاء في أثناء الحرب العالمية الأولى كيف تستغلها، فأخذت في تشجيع العرب "للقيام بثورة ضد الأتراك ومساندتهم في حقهم بالمطالبة بالحرية والاستقلال". وأشار لويد جورج في مذكراته إلى أن "عملائنا (بين العرب)، وفي جملتهم عدد ممن كان قد تمرس بأساليب الدبلوماسية الشرقية، راحوا يشجعون القيام بثورة، وكانوا يعدونهم بالسلاح والذخيرة".
2- ظروف واتجاهات الحركة السياسية العربية بين الحربين العالمتين
هكذا إذاً حُكمت المرحلة التأسيسية للحركات السياسية العربية بمجموعة مناخات وظروف تاريخية محلية ودولية، طبعت شخصية تلك الحركات، بغض النظر عن اختلافها الإيديولوجي، وحددت أهدافها وأولوياتها لعقود مقبلة[25]:
1- فعلى المستوى الثقافي – الفكري كان هناك مناخ عصر التنوير والثورة الصناعية ونماذج التحديث في أوروبا، التي مثلت عناصر إلهام وجذب للكثير من نخب الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر أسسوا لنهضة أدبية وفكرية متأثرة بنموذج التحديث العربي وبأفكار عصر التنوير عبر الاحتكاك مع أوروبا عبر البعثات التبشيرية والتعليمية وبالعلائق التجارية وبالإطلاع المباشر على تلك التجربة وبحركة البضاعة والترجمة... وقد راوح هذا الانجذاب للتجربة الأوروبية التنويرية والتحديثية بين التماهي المطلق مع تجربة الدولة الحديثة في أوروبا عبر الدعوة إلى ضرورة القطع مع التراث الديني الإسلامي وتبني النموذج العلماني والتشريعات والقوانين الوضعية في مشروع الدولة العربية المرجوة، وبين تأكيد أهمية التراث الديني مع ضرورة تحديثه وتكييفه وفق تطورات العصر.
2- ترهل الدولة العثمانية وتصاعد موجة التتريك في عهد تركيا الفتاة، الأمر الذي تختلف الشعوب غير التركية في الدولة العثمانية، بمن فيهم الشعب العربي، إلى الرد عبر البحث عن مشروعهم القومي المستند إلى هويتهم الثقافية الخاصة، على الرغم من أن النزعة العروبية في القرن التاسع عشر، سواء في الأدبيات الفكرية "النهضوية" أم في الأدبيات "اليقظوية" السياسية، كانت لم تكن تطمح إلى مشروع قومي عربي يقطع كلياً مع الهوية الإسلامية الجامعة وفق صيغة لامركزية في إطار الدولة العثمانية.
3- في مقابل ذلك كان هناك الوجه الاستعماري والدور التقسيمي لهذا النموذج الحداثي الأوروبي، الذي أسس المكوِّن الخوف والحذر على مستوى السياسي لدى هذه النخبة أو بعضها، وأسس بالتالي لبعض منطلقات الحركات السياسية العربية الساعية للتحرر من الاستعمار ورفض مشاريع التقسيم ونماذج الكيانات القطرية التي فرضها على المنطقة عقب انهيار الدولة العثمانية والتي جاءت متناقضة مع وعي المثقفين العرب لمشروع الدولة العربية التي طمحوا إلى تحقيقها على القاضي الدولة العثمانية والتي لم يترددوا في التعاون مع القوات البريطانية والفرنسية بهدف تحقيقها، فتحول الدفع السياسي العربي من كونه رد فعل على عملية التتريك إلى جعله رد فعل على الاستعمار الأوروبي والتقسيم القطري.
إذا كانت نتائج الحرب العالمية الأولى قد أنهت أحد الأهداف التي عملت الحركة السياسية العربية من أجل تحقيقها في مرحلة ما قبل تلك الحرب، ألا وهو الاستقلال النسبي أو الكلي عن الدولة العثمانية، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد أعادت تأكيد الأولويات والأهداف التي رسمتها الحركة السياسية العربية لنفسها على الرغم من تغير العناصر الخارجية المحفزة على تحديد تلك الأهداف.
فمشروع الاستقلال ظل هدفاً مركزاً للحركة السياسية العربية، لكن بدلاً من أن يكون استقلالاً عن الدولة العثمانية فسيكون هذه المرة استقلالاً عن الاستعمار البريطاني الذي تقاسم المناطق العربية التي انكفأت القوات التركية عنها عقب الحرب.
ومشروع الدولة العربية التي سعى المثقفون والقادة العرب لها جاءت اتفاقات تقاسم المصالح والنفوذ الدولية عقب الحرب لتعيد تأكيدها واستمرارها في قائمة أهداف وأولويات الحركة العربية.
لكن هذه المرحلة (ما بين الحربين) ستضيف قضيتين أخريين إلى قائمة أهداف وأولويات تلك الحركة، أي: القضية الفلسطينية التي أخذت تباشيرها تتضح مع وعد بلفور وباتت تفرض نفسها على أهداف ودوافع الحركة السياسية العربية؛ والقضية الاجتماعية التي ستلقى بظلها على الحركة السياسية العربية فتحتل قضية العدالة الاجتماعية والاشتراكية موقعاً مركزياً في قائمة أهدافها، كل ذلك يوحي وبتأثير من حركة انبعاث الفكر الاشتراكي في العالم، التي توجت بانتصار الثورة البلشفية في روسيا وبقيام الأممية الثالثة (الكومنترن).
فبعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وانكفاء القوات التركية عن معظم الأراضي العربية التي كانت تمثل جزءاً من الدولة العثمانية، انشدّت أنظار القادة والسياسيين العرب إلى تحقيق مشروع الدولة العربية التي حددها الشريف حسين في ظل وعود فرنسية وبريطانية بدعمها. لكن تمتع العرب بنشوة تحقيق هذا الهدف لم يدم طويلاً. فما كادت طلائع الجيش العربي تدخل إلى دمشق في أواخر العام 1918 ليعلن فيصل بن الحسين قيام الدولة العربية في بلاد الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) حتى ووجه فيصل بن الحسين في مؤتمر الصلح في باريس في بداية العام 1919 بتناقض المصالح الاستعمارية الفرنسية والبريطانية مع مشروع الدولة تلك، على الرغم من كل الوعود التي سبق بريطانيا وفرنسا أن قطعتهما على نفسيهما بدعم مشروع الدولة العربية[26]. مقابل الدعم العربي لهما في حربهما ضد الدولة العثمانية، تقاسمت القوات الفرنسية والقوات البريطانية احتلال المنطقة وفرضت منها مشاريع كيانات قطرية.
ولم تكن المرحلة الاستعمارية الأوروبية أقل وقعاً على أهداف الحركات السياسية العربية أو أقل تأثيراً في تحديد أولوياتها أو حتى في تحيد طرائق عملها، إذ "زاد الانتداب على البلدان العربية من حدة الطالبة بتقرير المصير، وبالاستقلال السياسي، فضلاً عن أنه كان سبباً في قيام عدد من الأحزاب السياسية، بالإضافة إلى أنه وحّد المقاومة ضد الحرب"[27]. وعلى المستوى التنظيمي والإجرائي ظل الطابع السري يحكم عمل الكثير من الحركات السياسية، وبخاصة الحركات ذات الطابع القومي التي كانت رداً على الانتداب وعلى مشروع تحديد فلسطين. وقد مثلت عصبة العمل القومي أبرز هذه الحرك [28]... وعلى المستوى التنظيمي والإجرائي ظل الطابع السري يحكم عمل الكثير من الحركات السياسية، وبخاصة الحركات ذات الطابع القومي التي كانت رداً على الانتداب وعلى مشروع تحديد فلسطين. وقد مثلت عصبة العمل القومي أبرز هذه الحركات.
أدت السيطرة الاستعمارية الأوروبية على مختلف المناطق العربية بين الحربين العالمتين وما أسفرت عنه هذه السيطرة من تقسيمات جديدة للكيانات السياسية في المنطقة، عن ظهور عدة نماذج من الأحزاب السياسية العربية.
1- الأحزاب القومية العربية التي لم تعترف بشرعية الكيانات القطرية الوليدة والتي تعمل من أجل تحقيق الوحدة العربية.
2- الأحزاب القومية الإقليمية التي تركزت أساساً في بلاد الشام، الداعية إلى توحيد سورية الطبيعية.
3- الأحزاب القومية القطرية والأحزاب الوطنية القطرية.
4- الأحزاب الشيوعية.
5- الأحزاب الإسلامية.
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
8 من 33
ديناميات الحركة القومية العربية
كان حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب أبرز تنظيمين سياسيين قومين على الساحة العربية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وإذا كان معظم الحركات والأحزاب السياسية العربية بعد الحرب العالمية الأولى وعقب تنفيذ مشاريع تقسيم المناطق العربية التي كانت منضوية تحت الدولة العثمانية، قد اتخذ نضالها هماً وطنياً – قطرياً، سواء على مستوى تحقيق الاستقلال الوطني أم على مستوى الاندماج الاجتماعي، أكثر منه هما قومياً يسعى لقيام الدولة العربية الواحدة، فإن هاتين الحركتين، قد ظلت قضية الوحدة العربية بوصفها الرد الأنجع على التحديات المحورية التي يواجهها الوطن العربي، القضية المركزية لديهما[29]. وهذا ما دفع هذين الحزبين إلى توسيع دائرة نشاطهما الحزبي إلى معظم الأقطار العربية. وإذا كانت نكبة فلسطين عام 1948 مثلت المحرك الأساسي لدينامية رد الفعل الضدي لدى حركة القوميين العرب، فإن التأسيس السابق على ا لنكبة لحزب البعث العربي عام 1940 مثل امتداداً أو إنضاجاً سياسياً وتنظيمياً لردود الفعل اليقظوية التي شهدتها المجتمعات العربية في نهاية عصر الدولة العثمانية التي عبرت عن نفسها بالأطر المجعياتية، فمثلت الوحدة العربية بذلك أبرز ديناميات حزب البعث. غير أن الظروف التوليفية لنشوء حزب البعث العربي الاشتراكي، عقب توحيد حزبي البعث العربي، بعث زكي الأرسوزي وبعث ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار، ذاتي النزعة القومية والنخبوية الاجتماعية المثقفة، مع الحزب العربي الاشتراكي، بزعامة أكرم الحوراني، المرتكز على خلفية جماهيرية ذات نزعة طبقية، حالت دون طغيان دينامية على أخرى في بنية ودوافع هذا الحزب، لكن من دون أن تختفي كلياً أي من تلك الديناميات.
تأثر الأرسوزي بالتجربة القومية الأوروبية، وبخاصة النازية والفاشية، وأهتم بقضايا التنوير، وربط مشروع الأمة العربية بوجود زعيم واحد يمثلها ويعبر عنها أصدق تعبير. فالزعيم من الجمهور بالنسبة إلى الأرسوزي «كالأم من بنيها»[30].. لكن بعث الأرسوزي كان يرى في الوقت نفسه أن الديمقراطية هي النظام السياسي الأمثل.
أما ميشال عفلق، الذي يعد المنظِّر الرئيسي في حزب البعث، ولم تظهر الديمقراطية عنده، وكما لم يخفِ توجهاته العديد من المظاهر المعبرة عن تلك الديناميات. وبخاصة الدينامية الإيمانية التي ربط عفلق نظرته إلى القومية العربية بها وأعطاها الأولوية على المعرفة، إذ إن «الإيمان يجب أن يسبق كل معرفة ويهزأ بأي تعريف، بل إنه هو الذي يبعث على المعرفة ويضيء طريقها»[31]، كما لم تخلُ قوميته من التعددية، «لأن الفكرة القومية هي بديهية خالدة، وهي قدر محبب لأ [32]، فالقومية كالدين «تنبع من معين القلب وتصدر عن إرادة الله»[33]. وكذلك لم تخلُ تلك التوجهات من الدينامية الماضوية. فالعرب بالنسبة إليه هم تلك «المجموعة من البشر التي استلمت من الماضي تلك المقومات والشروط الابتدائية والضرورية للشعور المشترك، وللمصلحة المشتركة»[34]. وهكذا فإن الايديولوجيا العفلقية «تقوم على موضوعة أن نضال العرب الحديث لا يستهدف إلا (بعث) ماضيهم»[35]، فالمشروع القومي مستمدة مشروطة من الماضي.، فالقومية كالدين «تنبع من معين القلب وتصدر عن إرادة الله». وكذلك لم تخلُ تلك التوجهات من الدينامية الماضوية. فالعرب بالنسبة إليه هم تلك «المجموعة من البشر التي استلمت من الماضي تلك المقومات والشروط الابتدائية والضرورية للشعور المشترك، وللمصلحة المشتركة». وهكذا فإن الايديولوجيا العفلقية «تقوم على موضوعة أن نضال العرب الحديث لا يستهدف إلا (بعث) ماضيهم»، فالمشروع القومي مستمدة مشروطة من الماضي.، كما لم تخلُ قوميته من التعددية، «لأن الفكرة القومية هي بديهية خالدة، وهي قدر محبب لأنها حب قبل كل شيء»، فالقومية كالدين «تنبع من معين القلب وتصدر عن إرادة الله». وكذلك لم تخلُ تلك التوجهات من الدينامية الماضوية. فالعرب بالنسبة إليه هم تلك «المجموعة من البشر التي استلمت من الماضي تلك المقومات والشروط الابتدائية والضرورية للشعور المشترك، وللمصلحة المشتركة». وهكذا فإن الايديولوجيا العفلقية «تقوم على موضوعة أن نضال العرب الحديث لا يستهدف إلا (بعث) ماضيهم»، فالمشروع القومي مستمدة مشروطة من الماضي.
لكن هذه النظرة ما لبثت أن تحولت عقب تجربة الوحدة المصرية – السورية، بعدما برزت اتجاهات فكرية وسياسية متعددة داخل حزب البعث كرد فعل على النظام الناصري وعلى تجربة دولة الوحدة. وقد برز في المؤتمر القوي السادس في الحزب عام 1963 تيار يساري أضفى على نظرة للحزب للقومية مضموناً ديمقراطياً اشتراكياً متحرراً من الماضوية. فوفق هذا المضمون الذي نظّر له ياسين الحافظ «لم تعد الوحدة العربية مجرد تحقيق لماضٍ سلف، بل هي ضرورة مباشرة في معركة الوجود العربي ضد الاستعمار بشكلية القديم والجديد»[36]..
في المقابل كانت دينامية رد الفعل الضدي أكثر تأثيراً ومباشرية في نشوء حركة القوميين العرب. فقد نشأت الحركة «كرد فعل سياسي على نكبة فلسطين 1948، التي سلطت أضواء على العجز والتفلك العربيين، وكمحاولة للسعي إلى القوة والتنظيم والتوحيد والانقلاب الجذري على الأوضاع القائمة»[37]..
وقد عبرت الحركة عن هذه الدينامية بالنزعة الثأرية التي أطلقها مرشد الحركة علي ناصر الدين عام 1951 الذي وضع العرب أمام خيارين: «الثأر أو العار»[38].. وما لبث موضوع الثأر أن أصبح يمثل أحد عناصر الستار الثلاثي للحركة: «وحدة، تحرر، ثأر».
من جهة أخرى كانت دينامية الموضوية حاضرة بقوة أيضاً في اللبنية الفكرية والتنظيمية لدى مؤسسي حركة القوميين العرب. غير أن تفاعل ديناميتي رد الفعل الضد والموضوية لدى هؤلاء المؤسسين جعل تأثرهم ببعض الاتجاهات «الثورة الأوروبية» تتخذ منحى عدائياً للغرب، المسؤول عن قيام دولة إسرائيل، في الوقت الذي كان القائد الإيطالي غاريبالدي يمثل رمزاً ثورياً لهم، ووجدوا في مازيني مؤسس "جمعية ايطاليا الفتاة" معهما للعمل السري[39]..
هكذا اتخذت المرحلة التأسيسية للحركة منحى عسكرياً قبل أن تغدو حزباً سياسياً، إذ مثلت «كتائب العذاء العربي» تجربة انتقالية رد فعلية مر بها أبرز مؤسسي الحركة.
على المستوى الفكري، استمدت الحركة طروحاتها من تجربتين جمعويتين، هما جمعية العروة الوثقى التي كان قسطنطين زريق أحد روادها، وعصبة العمل القومي التي كان علي ناصر الدين أحد مؤسسيها أيضاً. كما مثلت أدبيات ساطع الحصري أحد رافد الفكرة القومية لدى أبناء الحركة.
مثلت الدينامية الإيمانية أحد مكونات العقيدة القومية لدى القوميين العرب. وقد ظهرت هذه الدينامية بقوة في نصوص ساطع الحصري، الذي رأى «أن الإيمان من أهم القوى المؤثرة في حياة الإنسان». وهو حين يقول ذلك لا يقصد من كلمة الإيمان "معناها الديني الخاص"، بل يقصد «معناها اللغوي العام»، أي «الإيمان بأي شيء»: «[...] إيمان القائد بقدرة الجيش وبالنصر النهائي... إيمان السياسي بصوابية الخطة الموضوعة [...] إيمان الوطني بمجد الأمة وكفاءتها وبقدرة الوطن ومستقبله»[40]. وهو يرى أن «النضال في سبيل النهضة القومية يتطلب بذل المجهود لبث "الإيمان القومي" في النفوس، ولتقوية هذا الإيمان وتغذيته بكل ا [41]. . . وهو يرى أن «النضال في سبيل النهضة القومية يتطلب بذل المجهود لبث "الإيمان القومي" في النفوس، ولتقوية هذا الإيمان وتغذيته بكل الوسائل الممكنة».
ويربط الحصري الدينامية الإيمانية بالدينامية الماضوية، فيرى «أن أمجاد الماضي من أهم عوامل الأمل، ودوافع الإيمان بالمستقبل، وذلك لأن المرء عندما يجد في ماضي أمته كثيراً من الصفحات المجيدة، يزداد إيماناً بإمكان استعادة ذلك المجد»[42]، فالماضي «متبع المستقبل على الدوام، كما أنه من عوامل الدفع إلى الأمام، ف [43]..،أحيان».
ديناميات الحركات الإسلامية
لم تختلف الحركات الإسلامية في نشأتها عن الحركات القومية من حيث تحكم دينامية رد الفعل الضدي على ظروف النصف الأول من القرن العشرين. فقد مثل سقوط الخلافة الإسلامية علي أيدي الأتاتوركية ذات التوجه العلماني محركاً قوياً لدينامية رد الفعل الضدي لدى العديد من رجال الدين والمثقفين المسلمين العرب. وقد أسفر إلغاء الخلافة العثمانية وفشل المساعي لنقلها إلى مصر خلال مؤتمر الخلافة الإسلامية عام 1926 عن «بروز اتجاهين إسلاميين، هما تيار السلفية المشرقية الذي مثل "منار" رشيد رضا ركنه الأساسي، وتيار لاهوتية التحرير الفاربي الذي تمثل تشكل أساسي بالشيخ عبد الحميد بن باديس (الجزائر) وبالأمير عبد الكريم الخطابي (مراكش)»[44]. وفي هذا السياق، جاء تأسيس حسن البنا للإخوان المسلمين في الإسكندرية عام 1928 «امتداداً حركياً للإصلاحية السلفية المشرقية في شروط مواجهتها الحادة للنم [45]، من جهة وكرد فعل ضدي على «المنكرات» وعلى التبشير الإنجيلي المسيحي، وعلى بعض تحولات المجتمع المصري الديني في القاهرة من جهة أخرى[46]. من جهة وكرد فعل ضدي على «المنكرات» وعلى التبشير الإنجيلي المسيحي، وعلى بعض تحولات المجتمع المصري الديني في القاهرة من جهة أخرى.. وفي هذا السياق، جاء تأسيس حسن البنا للإخوان المسلمين في الإسكندرية عام 1928 «امتداداً حركياً للإصلاحية السلفية المشرقية في شروط مواجهتها الحادة للنموذج العلماني الكمالي»، من جهة وكرد فعل ضدي على «المنكرات» وعلى التبشير الإنجيلي المسيحي، وعلى بعض تحولات المجتمع المصري الديني في القاهرة من جهة أخرى.
إلى جانب ذلك تحضر دينامية الماضوية في حركة الإخوان المسلين الداعية إلى قيام دولة إسلامية. فالإسلام في نظر البنا «عبادة وقيادة، ودين ودولة، وروحانية وعمل، وصلاة وجهاد، ومصحف وسيف، لا ينفك واحد من هذين عن الآخر»، «فالإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركناً من أركانه»[47]..
وقد جعل البنا من «الدعوة إلى الله» عنواناً رئيسياً لحركته، محملاً هذا العنوان خمسة أهداف رئيسية هي:
1- إيقاف التبشير في المجتمع المصري، والحؤول دون قيام المبشرين بتنصير المسلمين.
2- محاربة الاستعمار بوصفه الداعم الرئيسي للمبشرين، وكونه المؤسسة التي تعمل على إحلال النظم الأوروبية محل النظم الإسلامية في مختلف مجالات الحياة.
3- العمل على رد المؤمنين بالحضارة الغربية إلى القيم الإسلامية.
4- الأخذ في يد المسلمين الواقعين في متاهات المبدع والضلالات والأوهام والخرافات إلى حيث القيم الدينية السلمية.
5- اتخاذ "كتاب الله" مرجعية وميزاناً توزن به كل الأمور[48]..
أخذت تجربة الأخوان المسلمين تمتد خارج مصر منذ عام 1935، تاريخ انعقاد المؤتمر الثالث للجماعة الذي قرر تصميم الدعوة الخارج. وبدأ الأخوان ينشطون في سوريا من خلال جمعيات إسلامية متعددة قامت في مختلف المناطق والمدن السورية، واتخذت صفة الجمعيات الدعوية الخيرية والثقافية. وكان من كوادر هذه الجمعيات مرتبطاً تنظيمياً بمكتب الإرشاد العام للإخوان في القاهرة.
كان "شباب محمد" اللقب المشترك الذي يجمع نشاط هذه الجمعيات في سوريا ولبنان، حتى عام 1944 تاريخ انعقاد ما يشبه المؤتمر التأسيسي الأول لجماعة الأخوان المسلمين في سوريا ولبنان.
تميزت انطلاقة التجربة الاخوانية في سوريا عن التجربة الأم في القاهرة، فاتخذت منحى أكثر ليبرالية لم يطالب بتطبيق الشريعة بل بإجراء إصلاح على أساس الإسلام من خلال إقامة حكم صالح يزيل مساوئ الاستعمار في الحكم والإدارة والسياسة. كما أقرت هذه التجربة بالتعددية الحزبية، واتخذت منحى يسارياً وسطياً على المستويين السياسي والاقتصادي، فأسّست "الجبهة الإسلامية الاشتراكية" عام 1949.
بدت الدينامية الموضوية أكثر حضوراً في التجربة الاخوانية السورية منها في التجربة المصرية المحكومة أكثر بالدينامية الماضوية، فقد عبرت التجربة السورية عن تماهيها مع نموذج الأحزاب الديمقراطية المسيحية الغربية، إذ اقتربت من "احتمال تطور إلى نوع من حزب ديمقراطي إسلامي على غرار نمط الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا وأميركا اللاتينية"[49].وكان المراقب العام للجماعة مصطفى السباعي يدفع بهذا الاتجاه.
واللافت النظر أن التجربة الاخوانية في سوريا شبيهة لتجربة حزب البعث لناحية البنية التوليفية غير المحكومة بقوة بدينامية محددة. وقد عبرت مواقف الجماعة عن هذه التوليفية غير المحكومة بإحدى الديناميات، سواء من خلال الدفاع عن النظام الجمهوري في مواجهة مشروع سوريا الكبرى، أم بالوقوف ضد مشروع الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط، أم بتبني سياسة الحياد الإيجابي، أم بطرح الإصلاح الزراعي الجذري والتعاون الاقتصادي والسياسي مع الاتحاد السوفياتي وطرح الاشتراكية كرد فعل ضدي على الشيوعية[50]، وهو رد فعل ضدي اتخذ منحى أوضح في دينامية التجربة الاخوانية في فلسطين، التي سعت لمواجهة الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي [51] بعدما أصبح المشروع الصهيوني يمثل محور العمل السياسي لدى مختلف الاتجاهات والقوى السياسية الفلسطينية، ما عدا الحركة الشيوعية كما سنرى لاحقاً. بعدما أصبح المشروع الصهيوني يمثل محور العمل السياسي لدى مختلف الاتجاهات والقوى السياسية الفلسطينية، ما عدا الحركة الشيوعية كما سنرى لاحقاً.، وهو رد فعل ضدي اتخذ منحى أوضح في دينامية التجربة الاخوانية في فلسطين، التي سعت لمواجهة الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي كان أبرز مؤسسيه من اليهود بعدما أصبح المشروع الصهيوني يمثل محور العمل السياسي لدى مختلف الاتجاهات والقوى السياسية الفلسطينية، ما عدا الحركة الشيوعية كما سنرى لاحقاً.
مع العلم أن ديناميات المرحلة التأسيسية لدى جماعة الأخوان المسلمين في فلسطين، تطابقت إلى حد بعيد مع ديناميات الجماعة الأم في مصر. ألا وهو دينامية رد الفعل الضدي على الاتجاهات التغريبية ودينامية الماضوية الداعية إلى إعادة الإسلام إلى المجتمع وإلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية. غير أن تحديات المشروع الصهيوني فرض على جدول أعمال سياسياً تحكمة دينامية رد الفعل في وجه المخاطر القائمة آنذاك. وقد عبر المؤتمر العام الذي عقدته جماعة الأخوان المسلمين في فلسطين عام 1946 عن هذه الدينامية في مقرراته التالية:
1- اعتبار حكومة فلسطين مسؤولة عن الوضع السياسي المضطرب
2- تأييد الجامعة العربية
3- تأييد مطالب مصر بالجلاء ووحد مرادي النيل
4- عرض قضية فلسطين على مجلس الأمن
5- تأييد المشاريع التي ترمي إلى إنقاذ البلاد
6- عدم الاعتراف باليهود الطارئين على البلاد
7- تعميم شعب الأخوان المسلمين في فلسطين[52]
وفي السياق نفسه، لم تختلف تجارب الأحزاب والحركات في ديناميات نشوئها في البلدان العربية الأخرى عما كانت عليه في مصر وبلاد الشام، وبخاصة أن الكثير من هذه الحركات المبكرة تأثرت، أو ارتبطت، بصورة أو بأخرى، تنظيماً وفكراً وديناميات، بالتجربة الاخوانية المصرية
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
9 من 33
ديناميات الأحزاب الشيوعية العربية
تميزت تجارب الأحزاب في دينامياتها عن تجارب الأحزاب والحركات القومية والإسلامية. ففي الوقت الذي كانت جينامية رد الفعل الضدي ترتكز في تحريكها عملية نشوء التجارب القومية والإسلامية على عوامل موضوعية تمثلت، كما سبق أن ذكرنا، بنمو النزعة الطورانية وسياسة التتريك ثم بانهيار الدولة العثمانية وانتهاء الخلافة الإسلامية فيها، مروراً بتقسيم العالم العربي وبفرض السيطرة الاستعمارية المباشرة عليه، وصولاً إلى قرار تقسيم فلسطين وقيام الكيان الصهيوني في فلسطين، وفي الوقت الذي طغت قضايا الاستقلال والوحدة والتحرير ومواجهة آثار الاستعمار على أولويات أهداف تلك الحركات والأحزاب القومية والإسلامية، طغت على أولويات أهداف الأحزاب الشيوعية العربية قضايا أخرى بديناميتي رد الفعل التقليدي – التبعية والموضوية، المتحفزين بصعود الاتحاد السوفياتي كقطب عالمي المتميز بجاذبية أيديولوجية وثورية قادرة على محاكاة شرائح واسعة من المثقفين والشبان والحرفيين والكادحين.
ثم إن تحكم الدينامية الإيمانية في الثقافة العربية، الترافقة مع نوع من المركزية التنظيمية والسياسية للحركة الشيوعية العالمية (الكومنترن)، عززا من تحكم ديناميتي الموضوية ورد الفعل التقليدي التبعي في الحركة الشيوعية العربية.
هكذا سنجد مثلاً أن القضايا والتحديات الكبرى التي سيواجهها العالم العربي في العقود الأربعة في منتصف القرن العشرين ستتعامل الحركة الشيوعية معها باتجاه مغاير إلى حد بعيد لاتجاه الحركات السياسية والشعبية العربية بوجه عام، سواء في ما يتعلق بالموقف من الاستعمار، أم في ما يتعلق بقضية الوحدة العربية أم في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والمشروع االصهيوني. فالأحزاب الشيوعية العربية لم تستمد نشأتها من "الحركة الذاتية للبنية الاجتماعية، كما جرى في البلدان الصناعية المتقدمة التي انشقت فيها الأحزاب الشيوعية عن الأحزاب الاشتراكية ( فرنسة، إيطالية) وتلك الاشتراكية الديمقراطية (ألمانية)، بل ترافق نشوؤها بالظرف الذي نشأ عن ثورة أكتوبر 1917.
ويرى شمس الدين الكيلاني أن "الحركة الشيوعية في بلادنا تستمد شرعيتها من انتسابها إلى الفكر الماركسي، ومدى تنفيذها لقرارات الكومنترن الحامل المؤسسي لهذا الفكر، فظلت ماركسيتها عملياً تستمد أصولها من هذا "المركز"، ومن قرارات الحزب الشيوعي السوفييتي حصراً. فهي لم تتعرف على فكر ماركسي وإنجلس، ولا حتى لينين، إلا عبر التفسير الستاليني، وعبر وصاية المؤسسة الستالينية "الكومنترن"[53]. ففي المناخ الأيديولوجي والسياسي للعصر الستاليني، الذي نشأت معظم التجارب الشيوعية العربية في ظله، بات معيار الأممية "الوفاء للدولة السوفياتية والدفاع عن مواقفها حتى التكتيكية (ورفعها إلى مرتبة النظرية وتكييف النظرية وفقاً لها [54]...
هكذا سينعكس موقف الحزب الشيوعي السوفياتي من المسألة القومية على مواقف الأحزاب الشيوعية العربية من القضية القومية والوحدة؛ وسينعكس التحالف السوفياتي مع الحلفاء ضد ألمانيا النازية في أثناء الحرب العالمية الثانية موقفاً لدى الشيوعيين العرب غير معادٍ للاستعمار الفرنسي – البريطاني في العالم العربي؛ وسينعكس موقف الحزب الشيوعي الفرنسي على مواقف الأحزاب الشيوعية المغاربية من قضية الاستقلال المغاربي عن فرنسا المستعمرة وبالتالي من الثورات التحريرية والحركات الاستقلالية والعروبية هناك؛ كما سينعكس موقف الاتحاد السوفياتي من قرار تقسيم فلسطين عام 1947 على موقف الأحزاب الشيوعية العربية قضية الاعتراف بإسرائيل[55]..
خاتمـة
في القرن العشرون وانطوت معه صفحات عديدة من تجارب حزبية عربية، منها ما تشظى أو اندثر، ومنها ما لا يزال قابعاً في السلطة ولو متعثراً. وبعد مرور نحو ثمانية عقود على بدء نشوء ظاهرة الأحزاب السياسية العربية يغدو طبيعياً التساؤل أين أصبحت الشعارات والأهداف التي وضعتها تلك التجارب لنفسها ومثلت محور الحركة السياسية والنضال الجماهيري على مدى عقود: الاستقلال، تحرير فلسطين، الوحدة العربية، الاشتراكية، أو العدالة الاجتماعية، التحديث، التنمية المستقلة...صحيح أن الاستقلال (الشكلاني طبعاً) تحقق، واندحر الاستعمار المباشر عن الأرض العربية، بفضل الثورات الشعبية وملايين الشهداء، في مغرب البلاد ومشرقها، لكن الأحزاب الرئيسية التي كانت قائمة آنذاك لم تكن هي المحرك الفعلي لتلك الثورات. في حين تعثرت كل الأهداف الأخرى ولو أنها حققت اختراقات محددة هنا أو هناك. في المقابل تعرض العالم العربي لمزيد من الصدمات الكبرى ومن النكسات، وشهد العالم تحولات تاريخية أثرت جميعها في مصير الاتجاهات السياسية والفكرية العربية، بدءاً من هزيمة عام 1967 التي أحدثت اهتزازاً في الأحزاب السياسية ذات الاتجاه القومي ولدى الانتليجنسيا العربية التي راحت تتجه أكثر نحو الاشتراكية، مروراً بانتصار الثورة الإسلامية في إيران في أواخر سبعينات القرن الماضي التي مهّدت لصعود الصحوة الإسلامية وتعزيز مكانتها على الساحة الحزبية العربية، مقابل انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينات الذي ساهم بقوة في تصدع الحركة الشيوعية العربية وفي انحسار حضورها الجماهيري، وصولاً إلى العدوان الأميركي على العراق المتمرحل في عدة بلغت أوجهها باحتلال البلاد وإزالة حزب من السلطة هو بقايا المرحلة القومية.
وها نحن دخلنا في قرن جديد يقال إن له سمات جديدة. ويُدعى العالم العربي وقواه السياسية والحزبية إلى الأخذ في هذه السمات وإلى الخروج من لغة القرن العشرين سياسياً وفكرياً، مع العلم أن جل الأهداف التي تمحورت الحركة الحزبية العربية حولها لم تتحقق بعد. فهل هذا يعني أن الأهداف كانت خاطئة وبالتالي ينبغي إسقاطها وتجاوزها، أم أن الوسائل والأدوات السياسية والفكرية كانت تشكو خللاً ما، وبالتالي لا بد من إعادة البحث عن وسائل جديدة، أم أن هناك خللاً بنيوياً في المجتمع العربي نفسه وفي ثقافته العربية – الإسلامية، وبالتالي لا بد من تفكيك هذه البنية والقطع معها كشرط لدخول عصر العولمة، أم أن كل المشكلة تكمن في غياب الديمقراطية، وبالتالي فإن العقار الديمقراطي سيحقق الشفاء من كل هذه العلل؟
تلك هي بعض اتجاهات الخطاب النقدي في الفكر السياسي العربي المعاصر أو حتى في الأدبيات السياسية وفي الخطاب السياسي الرسمي في بعض البلدان العربية المعنية بشؤون العالم العربي.
في حين يجري في هذه الأدبيات إلى حد بعيد، إسقاط دور العامل الخارجي في تعثر التجارب الحزبية العربية في تحقيق أهدافها وفي إنجاز وعودها، على الرغم من كل ما كان لهذا الخارج من تأثير فكري وسياسي ونموذجي طبع تلك التجارب وفرض نفسه في تحديد أهدافها وأساليب عملها، سواء عكسياً عبر دينامية رد الفعل الضدي أم مواكبة، ولو سلباً، عبر دينامية رد الفعل التقليدي – التبعي أو دينامية الموضوية، وهما ديناميتان لا تزالان تتحكمان حتى بالخطاب السياسي "الليبرالي" المعاصر الذي يدعو إلى تجاوز جل تركة القرن العشرين بمدارسها الفكرية وتوجهاتها السياسية وأهدافها ونماذجها وتناقضاتها.
هنا لا بد من التفكير قليلاً وتطرح بعض التساؤلات المحورية: هل تجاوز العالم فعلاً سمات القرن العشرين؟ وهل أن التحديات التي واجهت العالم العربي في القرن الماضي اضمحلت واندثرت والأهداف تحققت وبالتالي هناك تحديات جديدة ومغايرة تواجه العرب اليوم يجب أن تصاغ برامج الأحزاب السياسية وأهدافها بناء عليها؟ وهل أن الخارج لا يؤثر فعلاً، وبقوة، في تحريك اتجاهات التطور (الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي) في العالم العربي، وبالتالي في مصير هذا العالم؟ وهل أن الديناميات التي أنتجت التجارب الحزبية العربية هي ديناميات معطّلة وهي وليدة المجتمع العربي المتخلف في ظرف تاريخي محدد، أم أنها ديناميات لها صفة عالمية، بل ربما تصل إلى حدود كونها قانوناً اجتماعياً، دون أن ينفي ذلك تاريخيتها؟
تتوقف على الإجابات عن هذه الأسئلة طبيعة القراءة النقدية التي ينبغي التعاطي بها مع التجارب الحزبية العربية ومع التجربة السياسية بوجه عام في القرن الماضي؛ كما تتوقف عليها طريقة رؤية التحديات التي تواجه العالم العربي والتجارب الحزبية العربية في هذا العصر، وبالتالي طريقة رسم الأهداف وتحديد الأولويات وهل هي استمرار لسمات القرن العشرين مع ضرورة التجديد في الوسائل والأهداف وطرائق التفكير، أم أنها تجاوز لسمات القرن العشرين ربما يصل إلى حدود القطيعة.
لكن هل أن سقوط الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي ونهاية الحرب الباردة، وقيام نظام عالمي أحادي القطبية وما قيل عن انبثاق عصر العولمة مع كل ما رافقه من أدبيات فكرية وسياسية وضخ إعلامي تبشر بمرحلة أو حتى بثقافة ما بعدوية ونهائوية... هل كل ذلك قد أسّس لعصر جديد له سماته المغايرة لسمات القرن العشرين، أو سمات النصف الثاني منه على الأقل؟
لا يبدو ذلك حاصلاً في العالم العربي على الأقل. وما يلفت النظر في هذا السياق أن عدم حصول ذلك هو ليس بفعل تعثر وتقادم ديناميات المجتمع العربي نفسه بل بفعل ضغوط العامل الخارجي هذه المرة أيضاً. فها هي القضايا نفسها التي مثلت عناصر حفز لديناميات الحركة السياسية في النصف الأول من القرن العشرين لا تزال تمثل عناصر حفز لديناميات الحركة السياسية في بداية القرن الحادي، وهي في معظمها عناصر ضاغطة بفعل العامل الخارجي: المشروع الصهيوني واستمرار احتلال فلسطين، الاستعمار العسكري المباشر، مشاريع تفتيت العالم العربي، التبعية الاقتصادية والتخلف الاجتماعي وتركز الثروة. لكن مع إضافة مناخ جديد هذه المرة لم يكن سائداً في تجربة القرن العشرين، هو عامل الديمقراطية، التي باتت تفرض نفسها كضرورة تاريخية لم يعد تجاهلها ممكناً لدى أي تجربة حزبية وسياسية. مع العلم أن ما نشهده من هذه الموجة الديمقراطوية ليس كله بفعل الضرورة التاريخية، بل بفعل التقاء عامل الضرورة التاريخية هذا بعامل الموضوية السياسية والفكرية التي غالباً ما يجري الترويج لها واختزالها في حدودها الشكلانية واستخدامها كأدوات للسيطرة السياسية وللاستباحة الاقتصادية.
كل هذه العوامل المتجددة على أبواب قرن جديدة لا توحي بأن القضايا والعناوين والأهداف الكبرى التي قامت عليها التجارب الحزبية العربية في القرن العشرين قد ماتت فعلاً وأصبحت من الماضي، على الرغم من تبدل الرافع الأيديولوجية والفكرية بين الربع الثاني من القرن العشرين وبين اليوم. فقضية تحرير فلسطين سيظل قضية محورية لدى الكثير من التيارات والتجارب الحزبية العربية، وقضية التحرر من الاستعمار المباشر والاحتلال العسكري الأجنبي كما هي حال العراق، ستظل بدورها عامل حفز لدينامية رد الفعل الضدي في تحريك بعض التجارب الحزبية. وفي المقابل، ستظل قضايا اللبرلة الاقتصادية والأولنة (مصر أولاً، الأردن أولاً، لبنان أولاً...) عوامل حفز لدينامية الموضوية الحركة لبعض التجارب الحزبية الأخرى. وستظل قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحديث السياسي والإداري ومكافحة الفساد والتنمية الاقتصادية منطقة وسطى يغرف منها الجميع، سواء بوصفها ضرورة تاريخية أم بوصفها موضة، وتزين شعارات هذه الأحزاب وخطاباتها السياسية والإصلاحية.
من هنا تغدو القراءات "النقدية" المعاصرة للتجارب الحزبية العربية في القرن العشرين التي تنعي تلك التجارب بسبب فشلها التنظيمي والأدائي تمهيداً لإسقاط الأهداف والقضايا الكبرى التي قامت تلك التجارب من أجلها، وتحديداً قضية تحرير فلسطين، والعراق، والتحرر من مشاريع الهيمنة الاستعمارية، والتنمية والعدالة الاجتماعية، والتكامل العربي، إن لم يكن الوحدة، قراءات غير قادرة على التأسيس لمرجعية نظرية محررة لفهم التحديات المستقبلية للمجتمع العربي ولحفز ديناميات العمل السياسي على مواجهتها.
لا شك في أن نماذج الاستبداد التي تحكمت بكثير من التجارب الحزبية العربية، بما فيها التجارب التي وصلت إلى السلطة، هي نماذج معطّلة وهي لم تعد قادرة على الاستمرار أو حتى على تبرير استمرارها. غير أن سقوط تلك النماذج في التجربة لا يعني بالضرورة سقوط الأهداف التي قامت تلك النماذج من أجلها أصلاً.
غير أن مواجهة تلك التحديات والتناقضات وتحقيق تلك الأهداف تعني من جهة أخرى استمرار ارتكاز التجارب الحزبية الجديدة أو المتحددة على الديناميات نفسها التي قامت عليها في النصف الأول من القرن الماضي، أي ديناميات رد الفعل التقليدي – التبعي، والموضوية، والماضوية، والدينامية الإيمانية وإذا كان استمرار حضور العامل الخارجي القسري غالباً يمثل مبرراً موضوعياً لاستمرار دينامية رد الفعل الضدي، فإن أي تجربة مستقبلية فاعلة وبناءة لأي حزب سياسي عربي يجب أن تقوم على دينامية الفعل، إذ لم يعد كافياً ولا مثمراً مواجهة التحديات ومقارعة الأعداء وصد الاعتداءات المتنوعة بالارتكاز على دينامية رد الفعل الضدية وحدها، بل لا بد لأي مشروع مواجهة أن يرتكز على مشروع حضاري له رؤيته المتحررة والمستقلة للمستقبل المستمدة من ظروف المجتمع العربي ومن علاقة وموقع هذا المجتمع بالمنظومة العالمية بتداخلاتها وتناقضاتها.
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
10 من 33
أولاً: إطلالة تاريخية
إن مسار التجربة الحزبية في لبنان مرَّ من حيث المبدأ، بعدد من المراحل الأساسية، يمكن إجمالها بثلاث مراحل تتضمن كل منها عدداً من المحطات.
المرحلة الأولى هي مرحلة الحكم العثماني في المنطقة عموماً، وفي المنطقة التي عُرفت لاحقاً بلبنان بوجه خاص، وهي تبدأ بعهد الإمارة المعنية كمحطة أولى وتنتهي بهزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. تكمن أهمية هذه المرحلة في لحظ تأثير البنية المجتمعية في الذهنية السياسية وسلوكياتها.
المرحلة الثانية رافقت الانتداب الفرنسي وتأسيس دولة لبنان الكبير (1920). وقد حكمت أحداثُ هذه المرحلة وقضاياها مسارَ الظاهرة الحزبية، وحددت الكثير من اتجاهاتها.
المرحلة الثالثة هي مرحلة الاستقلال (1943) وفيها أكثر من محطة. تكمن أهمية هذه المرحلة في "رسوخ" الظاهرة الحزبية واتساع حضورها وتنوع مشاربها. وهي تختزن العديد من خصائص "الماضي" وإرثه والتباساته.
إن توضيح معالم هذه المراحل، وعرض أبرز مظاهرها يساهم في بلورة الركائز العامة لمسار التجربة الحزبية، وتبيان أهم تحولاتها، ورسم أهم معالمها. فما هي التعابير "الحزبية" الأولى التي عرفها لبنان؟ وما هي سماتها؟ وإلى أي مدى عكست نفسها على التجربة ومسارها؟ كيف تبلورت الأحزاب في مرحلة الانتداب؟ وما هي أهم خصائصها؟ وماذا طرأ على الأحزاب في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية؟ وما هي التحولات التي شهدتها في مرحلة الاقتتال الداخلي؟ وكيف تبدو الظاهرة الحزبية في مرحلة ما بعد الطائف؟ ولماذا هذه الانكسارات الحادة في مسار التجربة؟ وإلى أي مدى بقيت الأحزاب أسيرة التقليد السائد وانتماءاته الأولية؟... الخ.
إن التساؤلات التي تثيرها الإطلالة التاريخية تبدو متشعبة جداً ومتعددة، غير أنها تؤسس، من حيث المبدأ، لتوصيف هذه التجربة ومراجعتها ومحاولة استشراف آفاقها المستقبلية؟ لذلك يمكن عرض هذه المراحل على النحو التالي:
1- مرحلة الحكم العثماني
تتضمن هذه المرحلة ثلاث محطات:
أ- عهد الإمارة المعنية
ساد هذا العهد الانقسام المجتمعي التقليدي القيسي – اليمني، سواء في العلائق أو المؤسسات أم في التقاليد والتحالفات بين العائلات[14]. وقد ارتكز هذا الانقسام "الحزبي" القديم على أصول قبلية – عشائرية ذات أبعاد وأهداف سياسية، وتصدرت العائلات الإقطاعية والمشايخ والأمراء الحكم – السلطة. كما عرف هذا الانقسام الاقتتال والصراع على السلطة في الإمارة، غير أنه لم يتخذ منحىً طائفياً[15]، مبدئياً، وامتد جغرافياً على رقعة المنطقة بأسرها.. وقد ارتكز هذا الانقسام "الحزبي" القديم على أصول قبلية – عشائرية ذات أبعاد وأهداف سياسية، وتصدرت العائلات الإقطاعية والمشايخ والأمراء الحكم – السلطة. كما عرف هذا الانقسام الاقتتال والصراع على السلطة في الإمارة، غير أنه لم يتخذ منحىً طائفياً، مبدئياً، وامتد جغرافياً على رقعة المنطقة بأسرها.
ب- الإمارة الشهابية
اتخذت الحزبية في ظل هذه الإمارة مظهراً آخر تمثَّل بالحزبية اليزبكية – الجنبلاطية. وتعد معركة عين دارة (1711)، مبدئياً، وانتصار القيسية فيها المحطة التاريخية الأبرز في بلورة هذا الانقسام وتمظهره. غير أن هذه الحزبية غدت أضيق من الحزبية السابقة سواء في حدودها المكانية – الجغرافية كونها انحصرت عملياً في الجبل اللبناني، أم في هدفها السياسي، كونها غدت صراعاً داخل السلطة[16] . – سلطة الإمارة – بعدما كانت صراعاً على السلطة. وفي الحالتين لم تخرج الحزبية عن البنية المجتمعية.
ج- عهد المتصرفية
جاءت المتصرفية نتيجة تطورات داخلية وخارجية، من أهمها نظام الامتيازات الأجنبية والأحداث الطائفية (1841-1860) وتدخل الدول الخمس الأوروبية الكبرى في تقرير الوضع السياسي في الجبل اللبناني، سواء في نظام القائمقاميتين (1842-1858) أم لاحقاً في نظام المتصرفية. استمرت هذه المرحلة إلى الحرب الكونية الأولى عام 1914 واتخذت الظاهرة الحزبية فيها مظاهر متعددة، من أهمها:
(1) تحوّل الحزبية السابقة (اليزبكية – الجنبلاطية) وانحسارها بطائفة الموحّدين الدروز، أي اتخاذها طابعاً درزياً - عائلياً، إذ غدت تعرف أكثر بالغرضية الجنبلاطية – الأرسلانية.
(2) بروز ما يمكن تسميته "الحزبية الطائفية". فقد مهّد نظام المتصرفية (1861-1864) الأرض الخصبة لتحول المذاهب الدينية بوجه عام، والمسيحية منها بوجه خاص إلى طوائف حزبية، سواء من خلال إقرار هذا النظام في مادته الثانية التمثيل الطائفي في مجلس الإدارة والمناصفة بين المسلمين والمسيحيين (2 موارنة، 2 دروز، 2 روم كاثوليك، 2 روم أورثوذكس، 2متاولة، 2 مسلمون)، أو من خلال الدور المهم لرؤساء الطوائف، إذ لحظت المادة الحادية عشرة (11) موقع هؤلاء في تثبيت المنتخبين لعضوية مجلس الإدارة أو قضاة الصلح أو أعضاء المحاكم قبل تنصيبهم رسمياً[17]..
إن الإطلالة على مرحلة الحكم العثماني تبين أن الحزبية التقليدية هي بانتماءاتها الأولية التي هيمنت على الحياة السياسية والمجتمعية. وبالتالي فإن تداعياتها تركت بصماتها على المراحل التالية. والأهم هو أن الطوائف – المذاهب تسيَّست وغدت موجِّهة للحياة السياسية، وناظمة لآلية عملها إلى حدّ بعيد، الأمر الذي سيخوّلها في المراحل اللاحقة لتكون الأساس لبناء "الدولة" أو مشروع الدولة الحديثة كونها الأسبق في الاجتماع السياسي اللبناني.
2- مرحلة الانتداب الفرنسي (1920-1943)
تعد هذه المرحلة مفصلاً مهماً في توضيح معالم الظاهرة الحزبية في لبنان، لأن التطورات السياسية والجغرافية التي فرضها الحلفاء على المنطقة، بحسب اتفاقية سايكس بيكو (1916) بعد هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب الكونية الأولى، أنتجت فيما أنتجته كياناً سياسياً جديداً من خلال الإعلان عن دولة لبنان الكبير (أيلول/سبتمبر 1920). وقد أسس هذا الحدث التاريخي لتحولات مجتمعية وسياسية عكست نفسها مباشرة على الأحزاب السياسية، من أهمها:
أ- قيام مشروع دولة "حديثة" - مشروع لا يزال قيد البناء – لها حدود معترف بها دولياً وسلطة "منتخبة" ونظام سياسي له دستوره (1926) وشعب تتبلور هويته"الجديدة" - إحصاء 1922 المُقاطع من قبل المسلمين، وإحصاء 1932 بمشاركتهم.
ب- ردود الفعل على قيام الكيان الجديد بين مؤيّد ومعارض، والتداعيات التي تجسّدت في قيام الأحزاب السياسية واتجاهاتها. بحيث تمحورت الظاهرة الحزبية في تلك المرحلة، والمراحل التالية، حول هذا الحدث السياسي ومضاعفاته، سواء في بُعده المجتمعي وقضاياه المعيشية وطبيعة نظامه السياسي (الحزب الشيوعي اللبناني) أم في تحديد مواقف من هويته ووجوده (الحزب السوري القومي الاجتماعي، عصبة العمل القومي) أم في بلورة صيغته وانقساماته المجتمعية الطائفية (الكتائب، النجادة) أم في الصراعات على السلطة (الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية). لقد بقي الانقسام المجتمعي أبرز العناوين الخلافية داخل الكيان الناشئ. وسيولد هذا الانقسام في مرحلة الاستقلال شروخاً حادة كادت تهدد وجوده (1958 و1975 – 1991).
ج- بلورة أدق وأوضح لظاهرة الأحزاب السياسية بحسب النموذج الأوروبي الحديث، فعلى الرغم من أن "الحزبية الحديثة" قد بدأت مظاهرها الأولية مع وصول حزب الاتحاد والترقي إلى الحكم في تركيا وإعلان الدستور (1908)، فإن هذه المظاهر كانت تجارب خجولة وأشبه بـ "جبهات حزبية" و"أحزاب وجهاء"[18]. . لذلك فإن ما بدأ يتبلور في عهد الانتداب يختلف، من حيث المبدأ، عن النماذج السابقة وإن لم يقطع معها.
د- قيام أحزاب إثنية[19] تجسَّدت عملياً بالأحزاب الأرمنية: الطاشناق والهنشاق والرامغافار وأزارجان... التي كانت امتداداً لما حمله معهم الأرمن بعد نزوحهم إلى لبنان في إثر النكبة التي حلّت بهم في أرمينيا.
3- مرحلة الاستقلال
يمكن تقسيم هذه المرحلة إلى ثلاث محطات أساسية:
أ- مرحلة ما قبل الحرب الأهلية (1943-1975)
كانت هذه المرحلة بوجه عام أو بآخر امتداداً لمرحلة الانتداب. غير أن أهم ما يمكن لحظه ما يلي:
1-الإفصاح المباشر عن الهوية الحزبية الملتبسة التي كانت لدى البعض في المرحلة السابقة، بمعنى إضافة كلمة "الحزب" على أسماء بعض "التشكيلات" التنظيمية التي استمرت سياسياً وتنظيمياً، في مرحلة الانتداب. فالمنظمة (الكتائب، النجادة) أصبحت حزباً، والكتلة (الدستورية والوطنية) غدت حزب الكتلة الوطنية وحزب الاتحاد الدستوري (1943)... الخ؛ هذا إلى جانب قيام أحزاب جديدة لم تعمّر طويلاً، مثل الغساسنة (1943)، والمؤتمر الوطني، وحزب النداء القومي (بدأ تياراً فكرياً قبل الاستقلال)... الخ.
2- استمرار الحزبيات التقليدية كنماذج حزبية تعتمد على العائلة الأكثر نفوذاً في منطقة قيامها، أو تستند إلى طبيعة الملكية والإرث الإقطاعي، أو ترتكز على التنافس التقليدي ضمن المذهب الواحد، أو في حدود منطقة محددة. من نماذج هذه "الحزبيات" التقليدية الأسعد وعسيران في الجنوب وحماده وحيدر في البقاع، وكرامي والمقدم في الشمال. إضافة إلى ذلك، تبلور بعض هذه الحزبيات بأشكال حزبية سياسية "جديدة" تحاول التماثل مع النموذج الغربي لمفهوم الحزب السياسي، لكن في الشكل دون المضمون، منها مثلاً حزب النهضة (أحمد الأسعد 1946) ومنظمة الطلائع (رشيد بيضون 1944)[20]..
3-قيام أحزاب جديدة تحاول التوليف بين خلفيتها التقليدية - الإقطاعية وبين توجهاتها الحداثوية - التجديدية. ولعل أهم نماذجها ظاهرة كمال جنبلاط. فزعيم الغرضية الجنبلاطية ووريث العائلة الإقطاعية التي تمتد جذورها إلى عهد الإمارة الشهابية، يتجه لأسباب وعوامل متعددة، أبرزها يعود إلى شخصيته وتطلعاته الإصلاحية، إلى ما يمكن أن نسميه تنكراً لهذا الإرث من خلال دعوته الإصلاحية – التقدمية وفكرته الاشتراكية – الاجتماعية. ويساهم مع نخبة من المثقفين في تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي، حزباً "حديثاً – عصرياً" متناقضاً مع الحزبية – الغرضية الإقطاعية أو الزعامة الاستزلامية[21]، وإن كان يرتكز على بعض قواعدها.، وإن كان يرتكز على بعض قواعدها.
4-قيام أحزاب قومية ذات طابع وحدوي – عربي متعارضة مع فكرة الهلال الخصيب – القومية السورية ومتناقضة مع فكرة الكيان الناشئ، مثل: حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب في بداية الخمسينات، والتشكيلات الناصرية في النصف الثاني من الستينات[22]..
5-بروز ظاهرة اليسار الجديد عقب هزيمة الخامس من حزيران/يونيو وما رافقها من دعوة إلى التجديد والمراجعة النقدية إقليمياً في ظل مناخ عالمي (أحداث فرنسا 1968) وفي ظل ما وصل إليه وضع "اليسار التقليدي" داخلياً من ارتباك، سواء في شقه الماركسي – اللينيني (الحزب الشيوعي) أم في شقه القومي العربي (البعث، الناصرية، حركة القوميين العرب). وقد تعددت نماذج "اليسار الجديد"، ولعل أبرزها منظمة العمل الشيوعي (1971) التي تكونت بعد اندماج منظمة الاشتراكيين اللبنانيين (1969) وتنظيم لبنان الاشتراكي (1968)، إلى جانب رابطة الشغيلة (1974)، وحزب العمل الثوري العربي (1973)، وحركة 24 تشرين (1970)، فضلاً عن العديد من التنظيمات التي تماثلت مع تجربة التوباماروس وأسلوب العنف الثوري والنهج التروتسكي وأفكار الثورة الدائمة.
6-بداية تبلور تشكيلات "حزبية" إسلامية جديدة، لعل "الجماعة الإسلامية" مثالها الأبرز في حينه. فبعد منع نشاط حزب التحرير الإسلامي (1952) في لبنان، كما في العديد من البلدان العربية، خَفُت الدور الحزبي – التنظيمي للقوى الإسلامية دون أن يتراجع الحضور السياسي للعديد من القوى والشخصيات والتجمعات الإسلامية. فقد عرف لبنان تياراً إسلامياً سياسياً واضحاً قبيل الحرب العالمية الأولى، كما كان هذا التيار أحد المظاهر المعبّرة عن الانقسام المجتمعي الذي رافق قيام دولة لبنان الكبير. وفي مرحلة الاستقلال أضيف إليه بعض التشكيلات التي ركزت على الأعمال الخيرية والتعليم الديني والوعظ، مثل جماعة "عباد الرحمن" (1948) التي انحصرت في المناطق التي يغلب عليها المذهب السنّي (طرابلس) وحركة الإمام موسى الصدر التي انحصرت في المناطق التي يغلب عليها المذهب الشيعي[23]..
غير أن ظروف ما بعد عام 1967 وانكشاف اهتزازات الأنظمة "التقدمية" واشتداد أزمة حركة التحرر العربية وأحزابها، وتعثر التجارب الوحدوية العربية ورسوخ البنى الاجتماعية المتخلفة والافتقار إلى تجربة ديمقراطية... الخ، ساهمت مع غيرها من العوامل في تحريك التيارات الإسلامية وتقدمها في المنطقة كما لبنان.
بناء على ما تقدّم، يمكن القول إن هذه المرحلة – ما قبل الحرب الأهلية – تميّزت بحضور حزبي فاعل، إذ يمكن توصيفها – كمرحلة – بـ"العصر الذهبي" للأحزاب السياسية في لبنان، سواء لجهة الانتشار أم لجهة الدور التمثيلي ومستوى الحضور، أم لجهة الاستقطابات، أم لجهة النشاط والحيوية السياسية والفكرية... الخ. لذلك تعد هذه المرحلة "مقياساً" أو معياراً، إذا جاز التعبير، يمكن بواسطته تبيان ما وصلت إليه الظاهرة الحزبية خلال الحرب الأهلية وبعدها.
وبسبب غنى هذه المرحلة "وتألق" الأحزاب فيها، يلاحظ أن الكثير من الذين عايشوا أحداثها وعاشوها، حزبيين وغير حزبيين، يحنون إليها، ويتغزلون بها ويستحضرونها عند كل أزمة ومنعطف، ويقف "الجميع" تجاهها كما كان يقف الشاعر في العصر الجاهلي أمام الأطلال التي تذكره بـ "حبيبته". فقد غدت "حائط المبكى" للترحم على عز هوى وانقضى، وأحلام ضاعت واندثرت، وأفكار تراخت وبهتت. غير أن من أبرز الأسئلة التي يمكن أن تثار هنا تتعلق بمدى مساهمة الأحزاب في تلك المرحلة في خلخلة التركيبة المجتمعية والسياسية وفي إطلاق أسس التطوير المجتمعي. وبالتالي إلى أي مدى رسخت فكرتها كحزبية حديثة؟ وكيف جسَّدت أفكارها؟ وما كان دورها، كأحزاب، في دفع البلاد والعباد إلى أتون الاقتتال الداخلي؟... الخ.
لا يمكن عزل هذه "النهضة" الحزبية والسياسية في تلك المرحلة عن وضع البلد. فالمناخ الليبرالي العام وفسحة الحرية والممارسة الديمقراطية والتعددية المجتمعية (على الرغم من كل الملاحظات التي يمكن أن تثار حول هذه المسائل بالتحديد) والانتعاش الاقتصادي الذي شهده لبنان بعد نكبة فلسطين (1948) وتحول الرساميل النفطية إلى مصارفه وهروب الرساميل الوطنية في العديد من الأقطار العربية خوفاً من التأميم ورياح الاشتراكية. إضافة إلى الفضاء العالمي وما تخلله من أحلام في التغيير والتحرر وتحقيق العدالة والمساواة... الخ، لقيت حضوراً في الواقع اللبناني، وأدت دوراً في بلورة حالة حزبية "متقدمة" في لبنان قياساً على ما كان سائداً في المنطقة.
غير أن هذا الوضع السياسي والحزبي المتوهج، سواء على مستوى البلد أم على مستوى أحزابه، بقي محكوماً بطبيعة المجتمع اللبناني وخصائصه، ومرتبطاً ببنيته التقليدية وانقساماته المجتمعية، إذ حالت البنية المجتمعية وتعقيداتها – ولا تزال – دون نجاح هذا المجتمع في توضيح ذاته أو "بناء" نفسه. لذلك لا يزال لبنان جزءاً من المجتمعات التي يغيب عنها التنظيم والعقلنة في المجال السياسي أو في المجالات التربوية والاجتماعية والثقافية. وتتصدر شبكات الزبونية والقرابة والولاءات المختلفة على بنائه العلائقي، وتطغى على أنماط السلوك الفردي والجماعي[24] فيه، الأمر الذي عكس نفسه على الحياة الحزبية وحاصرها. فيه، الأمر الذي عكس نفسه على الحياة الحزبية وحاصرها.
لذلك يُلاحظ مثلاً أن العديد من الأحزاب "الإصلاحية" بقي مستنداً بصورة مباشرة أو مبطنة إلى قاعدة طائفية – مذهبية، حيث بدا الحزب فيها ممثلاً لطائفة أو مذهب، يستمد نفوذه وقوته من شدة تجذّره في هذه الطائفة أو تلك، كما أن بعض الأحزاب بدأ بمصادرة طوائفه تحت ذرائع شتّى وحجج متعددة، ومستندة إلى التباسات الواقع المحلي وإفرازاته السياسية.
لقد حاول بعض الأحزاب "الإصلاحية" الخروج من "الشرنقة" المجتمعية التقليدية وتشكيلاتها القاتلة، وسعى للتفلت من حدوده "الضيقة"، وتجاوز ذهنيته الجامدة والمتجمدة، لكن هذا البعض لم يستطع أن يخترق السائد أو التحرر من أثقاله وقيوده، وبالتالي فهو لم يستطع أن يترك أثراً يحتذى به، من حيث المبدأ، لذلك بقي محصوراً في نطاق الطائفة، إلى حد ما (حزب الاتحاد الدستوري بطابعه الماروني – المسيحي)، أو محصوراً في أتونه بصورة أو بأخرى (التقدمي الاشتراكي، الكتائب اللبنانية، الوطنيون الأحرار...)، أو مصنفاً بحسب مذاهب أعضائه على الرغم من طروحاته (كالحزب الديمقراطي - 1969) وطرحه العلماني وواقعه "النخبوي" المحصور بأشخاصه وهوياتهم الطائفية.
أما الأحزاب "التغييرية" (الشيوعي، ومنظمة العمل، والبعث، والسوري القومي الاجتماعي... الخ) فعلى الرغم من الاختراقات التي أحدثتها خارج سياق البنية التقليدية، وبخاصة لجهة عدم الانحسار في منطقة محددة أو الانغلاق في طائفة دون أخرى، أو لجهة تزايد حضورها المجتمعي من خلال تبني مطالب مختلف القطاعات الشعبية والدفاع عنها، فهي حوصرت من قبل السلطة والنظام السياسي والقوى المحافظة – الإصلاحية والطائفية – من جهة، وهي حاصرت نفسها من جهة أخرى، من خلال أطرها المؤسسية وأسلوب عملها...
لذلك بقيت الحياة السياسية والمجتمعية أسيرة الإشكالات والالتباسات القائمة منذ قيام دولة لبنان الكبير، مع ما أضيف إليها من مشاكل وقضايا جديدة. هذا الوضع أبقى المناخ السياسي شديد التقلب وعرضة لكل التأثيرات والمؤثرات الداخلية والإقليمية والخارجية من جهة، وجعل الأجواء السياسية مشدودة جداً وشديدة التوتر ومتحفزة للانفجار من جهة أخرى، كما جعل الأحزاب السياسية أحد أهم الأطر المعبرة عن هذا الاحتقان والنافخة في مزماره والدافعة باتجاه "حله" من جهة ثالثة، لكن كل بحسب خلفيته الفكرية والأيديولوجية والمجتمعية.
إن مراجعة التجربة الحزبية في نهايات هذه المرحلة تبين أنه في ظل التصعيد المجتمعي، كانت الأحزاب السياسية وللحظة تاريخية محددة جداً تعبر عن أمرين: الأول المساهمة، كأحزاب، في التعبير بصورة أو بأخرى عن المناخ السياسي المتلبد في البلد واحتضانه، والأمر الثاني تجسيدها (كأحزاب)، إلى حدّ بعيد، "خشبة الخلاص" للانتقال بالبلاد والعباد إلى "المجتمع المنشود" – دون الدخول في مدى وضوح معالم هذا المجتمع وطبيعته.
قد تعود مقدرة أغلبية الأحزاب السياسية على التعبير عن هذين الأمرين لأسباب متعددة، منها الصورة الناصعة التي اتصفت بها من جهة، وجاذبية "الدعوة" التي كانت تحتضنها من جهة أخرى، دون الدخول في مضمون هذه الدعوة وهل كانت تحمل طموحات باتجاه التطوير والتقدم أم تنسج خيوطها على وتيرة رفض الآخر واللعب على وتر الهواجس والمخاوف والانقسام المجتمعي السائد.
إن "التضخم" في رؤية الأحزاب لذاتها أو رؤية الناس لها، جذبها إلى التركيز على الجانب الموضوعي – المجتمعي في خطابها وجعلها تغفل، عن قصد أو قصور، الانتباه أو التركيز على حياتها الداخلية – حياة الأحزاب الداخلية – وطريقة عملها، وما يجري داخلها، فالانشداد إلى "الخارج" – المجتمعي همّش الداخل وخفاياه، وطمس بقوة رؤية مدى تأثير "الخارج" – المجتمعي ببيئته وذهنيته وسلوكياته... في الداخل الحزبي وآليات عمله، ومضمون تربيته وإعداده للمحازبين والمناصرين.
لذلك يُلاحظ قُبيل الحرب الأهلية أن المراهنة على "الداخل الحزبي" كانت متضخمة جداً، والنظرة إلى "الذات الحزبية" مجردة من الموضوعية إلى حد بعيد، الأمر الذي شوّه النظرة إلى الآخر، سواء في الداخل الحزبي أم في الوطن، وأعاق معرفة الثغرات الكامنة في البنية الحزبية. دون أن يعني هذا التوصيف التقليل أو الانتقاص أو التشكيك في مصداقية المحازبين وبراءتهم في رؤيتهم لقضاياهم الحزبية أو الوطنية.
ضمن هذا الإطار يمكن القول إن الانتقال إلى المرحلة الثانية - مرحلة الحرب الأهلية – حكمتها مجموعة من العوامل، كان للأحزاب فيها دور ما، من أهم هذه العوامل وأبرزها ما يلي:
- طبيعة النظام السياسي وعجزه عن بناء دولة حديثة لكل أبنائه من جهة، ومنعه أي عملية تطوير أو إصلاح من جهة أخرى، الأمر الذي عطّل عملية التفاعل الوطني. والتركيز على طبيعة النظام يقود إلى التساؤل عن المشاركة الحزبية وطبيعتها ودورها في تثبيته والمحافظة عليه.
- بقاء الانقسام المجتمعي الطائفي متجذّراً بقوة وحاضراً باستمرار للاشتعال والانفجار عند كل منعطف أو أزمة داخلية أو خارجية. لقد استخدم هذا السلاح من قبل بعض القوى والأحزاب التقليدية والمحافظة، بحيث لعب بعضها، قُبيل الحرب الأهلية، على وتر الانقسام المجتمعي فازداد انغلاقه في حدود الطائفة – المذهب واندماجه فيه.
- ثقل التوترات السياسية في المنطقة، وما أفرزه الصراع العربي-الصهيوني من تداعيات في الداخل اللبناني (المقاومة الفلسطينية)، الأمر الذي جعل الاصطفاف السياسي حاداً جداً وجعل الحوار السياسي شبه معدوم وأقرب إلى التراشق والقصف العشوائي، وغدت الأحزاب السياسية المجال الحيوي للتعبير عن هذا الوضع والناقل لاحتقاناته والمجسد لطموحاته.
- انسداد الأفق أمام الحياة الديمقراطية في المحيط العربي وتضخم الآلة القمعية للأنظمة العربية. فغدا لبنان وأحزابه عموماً، على الرغم من تجربته الديمقراطية المأزومة والمحاصرة داخلياً بالطوائف والمذاهب والتوترات المجتمعية، ظاهرة مزعجة. كما بدت الأحزاب اللبنانية، التغييرية منها بوجه خاص، وكأنها تغرد خارج السرب القمعي أو كأنها تهدد ديمومة هذا المحيط بأفكارها "الهدّامة" وممارساتها "المغامرة" وجرأتها "الفجة".
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
11 من 33
ب- مرحلة الحرب الأهلية
تبدو مرحلة الحرب الأهلية (1975-1990) خاصة جداً، ومميّزة بامتياز، سواء في توصيف الأحزاب السياسية، أم في تقويم تجربتها. غير أن الدخول في متاهات هذه المرحلة وانعكاساتها على الأحزاب من جهة، أو في لحظ التحولات التي شهدتها الأحزاب خلالها من جهة أخرى، يبدو أمراً شائكاً ومعقداً، وبخاصة أنها تتضمن بحدّ ذاتها أكثر من محطة ومنعطف، كما أنها كمرحلة لم تأخذ حتى اليوم حقها في البحث المعمق والدراسة الموضوعية. لكن يمكن الإشارة إلى أبرز الخصائص التي عرفتها الظاهرة الحزبية على النحو التالي:
(1) عسكرة العمل الحزبي: تحولت الأحزاب السياسية من العمل السياسي إلى النشاط العسكري وآلية عمله المباشر (يمكن استثناء حزب الكتلة الوطنية الذي رفض عميدها ريمون إده آلية الحرب وعسكرة التنظيم وغادر إلى فرنسا عام 1976 بعد محاولة اغتياله). غير أن السؤال الأبرز هنا يتمثل بالتالي: هل كان التحوّل إلى العمل العسكري طارئاً؟ أم أن الأحزاب اختزنت بداخلها ما يؤهّلها لهذا الانتقال؟
إن مظاهر العسكرة كانت حاضرة في بنية العديد من الأحزاب اللبنانية، بل يمكن القول إن نشأة بعض الأحزاب (الكتائب، النجادة...) حملت في مضمونها طابعاً عسكرياً منذ نشأتها الأولى وإن غُلف بمظاهر رياضية – شبابية، الأمر الذي يوفر لها في المنعطفات الوطنية الكبرى الأرض الصلبة لتنمية الكامن فيها.
كما أن الخطاب "الحزبي" في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية اتّسم بطابعه التصادمي – العنفي إلى حدّ بعيد، فالمنطق السياسي الذي كان مهيمناً على الحياة الحزبية بخاصة والحياة السياسية بعامة كان منطقاً قائماً على التناقض مع الآخر – الغير ومستنداً في جوهره إلى فكرة رفض التكامل والتعاون مع هذا الآخر (أحزاب، هيئات، أشخاص...). إن "الذات الحزبية" المغالية في نظرتها إلى نفسها والمتعاكسة مع الآخر والمحرّضة عليه والمشكّكة بوطنيته، وأهدافه، وغاياته ومنطقه، وسلوكه... الخ، تجعل فكرة الخندقة ومنطقها، بالمعنى العسكريتاري، معشعشة في الذهن وقابلة للتحول إلى قوة مادية لها مستلزماتها الحيّة وآليات عملها التنظيمية.
إضافة إلى أن طبيعة المرحلة التي سبقت الحرب مباشرة، والتأزم السياسي والاجتماعي الحاد وشدة حضور الأفكار التغييرية من جهة، والقوى المحافظة الرافضة للتغيير من جهة أخرى، جذبت القوى السياسية، على اختلافها وبحسب خلفية كل منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الاتجاه العسكري ومنطقه وبنيته.
من هنا تحول "الاشتباك" السياسي قبيل الحرب إلى اشتباك عسكري حاد، على قاعدة الانقسامات المجتمعية حول هوية البلد ومضمون النظام السياسي ووظائفه وطبيعة تركيبته والموقف العملي من الصراع العربي-الصهيوني.
لقد امتصت العسكرة وتبعاتها وإفرازاتها... كل مقومات العمل الحزبي بمعناه السياسي السلمي، سواء في الجانب الفكري أم في الجانب السياسي أم الجانب التنظيمي، ليحلّ محلها عسكرة الحزب والأطر الميليشياوية بكل ما تتطلبه من مستلزمات، الأمر الذي جعل الأحزاب تتفلت من كل الضوابط المنطقية والعقلية والإنسانية...
2- غياب الهوية الحزبية: تلاشت كل الخصائص التي عُرفت في المرحلة السابقة، وبهتت كل التلوينات التي حاولت أن تخفي عن البعض مظاهر انغلاقه وتعصبه، وتكوّنت في المقابل "هوية" خاصة بالمنطقة أو الطائفة أو المذهب.
فبعد حرب السنتين (1975-1976) امتص الانقسام المجتمعي التقليدي الأحزاب غير الطائفية بصورة أو بأخرى (الحزب الشيوعي، منظمة العمل الشيوعي، حزب البعث...) وجذب هذا الانقسام الأحزاب التي تقف على حدود الطائفة أو تتداخل مع بعض مظاهرها (التقدمي الاشتراكي، الناصريون، الوطنيون الأحرار...) إلى أتونه مباشرة، الأمر الذي قرّب الأحزاب إلى مرحلة قريبة من مرحلة ما قبل الانتداب الفرنسي، فهوية «الجماعة» امتصت هوية الحزب، والدفاع عن "الجماعة" ووجودها يأتي، في الدرجة الأولى، عند هذا الحزب أو ذاك.
3- الارتهان الحزبي: إن اشتداد وتيرة الحرب وتصاعدها المستمر فرض المزيد من المستلزمات لمواكبة تطوراتها وتأمين حاجاتها. لذلك غدا الجانب المادي على قدر كبير من الأهمية والضرورة لوجود الحزب وبقائه في ساحة الصراع العسكري.
لذلك غدا التفتيش عن مصادر الدعم المادي الشغل الشاغل للأحزاب، وبخاصة أن المصادر الذاتية – الداخلية للأحزاب في أوقات السلم الأهلي ضئيلة ومحدودة جداً[25]..
من هنا كانت البلدان الأخرى بإمكاناتها وقدراتها المصدر الأول والمموّل الرئيسي لتأمين قوة الحزب وديمومة الحرب القسرية. لذلك غدت الأحزاب إحدى قنوات التدخل الخارجي في أوضاع البلد من جهة، وأحد الأطر الأكثر أهمية لتنفيذ سياسات خارجية من جهة أخرى، الأمر الذي جعل الدعم المادي له بُعد سياسي بامتياز. وهذا ما أفقد الأحزاب الكثير من استقلاليتها وجعلها أكثر ارتهاناً لمصادر التمويل ومنابعه.
إن ذريعة "حماية الوجود" المهدد من الآخر في الوطن الواحد جذبت الأحزاب إلى "حماية" أجنبية مموّهة وهشّة تخدم مصالح الخارج على حساب الوطن وأبنائه وبالتالي أحزابه. ولعل أخطر هذه المظاهر كان ثقل التدخل الإسرائيلي في الحرب الأهلية. إن الارتهان المادي والسياسي جعل الأحزاب وكأنها وكلاء معتمدون لهذا الطرف أو ذاك، الأمر الذي أفقدها توازنها واخترق بنيتها وشوّه شخصيتها وأطاح استقلاليتها وشوه طروحاتها وأفقدها الكثير من مصداقيتها.
4- السلطات الحزبية: لقد ابتلعت الحرب سلطة الدولة وصادرت مؤسساتها فتحولت الأحزاب السياسية في لبنان إلى "بديل" منها، وإن اختلفت مستويات ممارسة هذه السلطة – السلطات بين حزب وآخر وبين منطقة وأخرى.
غير أن من مخاطر هذه السلطات البديلة أنها كانت على حساب الوطن ومؤسساته من جهة، واتسمت بطابعها القهري القمعي من جهة أخرى، وفي تغييبها منطق القانون وشرعته من جهة ثالثة وفي امتهانها كرامة الإنسان من جهة رابعة. وهذا ما جعلها أكثر فظاعة وبشاعة من السلطات المتعاقبة على لبنان، دون الدخول في طبيعة السيطرة وموبقاتها ونوعية المتسلطين وتجاوزاتهم وأنواع الصراعات على السلطة في هذه المنطقة أو تلك وويلاتها... الخ، الأمر الذي جعل الأحزاب على الطرف النقيض من كل ما بشّرت به قبل الحرب وروّجت له، ووعدت به.
5- قيام تنظيمات وأحزاب جديدة: إن طبيعة المرحلة ونوعية انقساماتها السياسية والجغرافية، ولّد أنواعاً جديدة من الأحزاب والتنظيمات والتشكيلات السياسية، توازي في طبيعتها وامتدادها الانقسامات الحاصلة وتداعياتها. ولعل من أبرز هذه التنظيمات حزب الله، وحركة أمل، والمرابطون (والعديد من التنظيمات الناصرية)، والقوات اللبنانية، وحراس الأرز، والتنظيم، إضافة إلى العديد من أشكال العمل العسكري المحصور في نطاق الأحياء والزواريب... الخ.
إن هذه الملاحظات الأوّلية تحتاج إلى المزيد من المتابعة والتعميق لاتساع المرحلة (1975-1990) من جهة، ولغزارة ما عرفته من تحولات وأحداث، عكست نفسها مباشرة على الأحزاب السياسية في لبنان من جهة أخرى. غير أن ما يجمع بين هذه الأحزاب في هذه المرحلة الانسياق إلى منطق الحرب وتبرير استمراريتها. لذلك بدأت الأحزاب والقوى السياسية في نهاية هذه المرحلة تتآكل رويداً رويداً. ويمكن القول إنها تماثلت مع منطق الذئب "ولعق المبرد"، الأمر الذي جعلها تلج المرحلة التالية وهي في أوج اختلالاتها البنيوية والفكرية والتنظيمية والسياسية...
ج- مرحلة ما بعد الحرب الأهلية
يمكن عدّ اتفاق النواب اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية في تشرين الأول/أكتوبر 1989 على "وثيقة الوفاق الوطني" التي عرفت باتفاق الطائف، بداية السير باتجاه توقف المعارك العسكرية الداخلية في لبنان. وعلى الرغم من المواقف المتعارضة من هذا الاتفاق وردود الفعل عليه، فإن مضمونه أصبح جزءاً من الدستور اللبناني، إذ أقر المجلس النيابي تعديل الدستور بتاريخ 21 أيلول/سبتمبر 1990، الأمر الذي يسمح بعدّ ما سيأتي بعد هذا التاريخ مرحلة جديدة في مسار البلد وأحزابه.
تبدو مرحلة ما بعد "الطائف" تتويجاً لما سبقها، وامتداداً طبيعياً لها. بمعنى أن وضع الأحزاب في المرحلة السابقة (1975-1990) عكست نفسها على المرحلة الجديدة، الأمر الذي يجعلها لحظة تاريخية حافلة بالكثير من الأحداث وعاصفة بالعديد من التحولات. ولعل بعض التساؤلات التي يمكن أن تثار هنا تتمثل بمدى استعداد الأحزاب السياسية في لبنان لولوج هذه المرحلة؟! وإلى أي مدى كانت مهيَّأة لها؟ وهل ساهمت في بلورتها؟ وهل كان لها تصورات محددة لما ستكون عليه بعدما تنتقل إلى حالة جديدة تبدو نقيضة لما سبقها؟... الخ.
تبين متابعة أحداث ما بعد الطائف أن الأحزاب السياسية انتقلت إلى المرحلة "الجديدة" على نحو مفاجئ ودون أي إعداد أو تهيئة. فهي لم تشهد في رأي فريد الخازن، مرحلة انتقالية تمهّد للتغيرات المطلوبة، سياسياً وتنظيمياً، للعبور من حالة الحرب إلى حالة السلم، سواء على مستوى القيادة الحزبية أم على مستوى القاعدة، إذ كان عليها أن تتحول مباشرة من الميليشيات إلى أحزاب غير معسكرة، وتمتهن العمل السياسي وتزيل آثار الحرب[26]. .
بمعنى آخر خلعت الأحزاب بين ليلة وضحاها ثياب الميدان وركنت أسلحتها جانباً وأخذت وضع "استرح" عند البعض و"تفرق" عند البعض الآخر، لتنتقل إلى فضاء السلم الأهلي. وإذا كان السلم الأهلي حلماً يدغدغ مخيلة اللبنانيين ومطلباً ملحاً بالنسبة إلى الناس والبلاد، فإنه كان أمراً مجهولاً، إذا لم نقل مرفوضاً، بالنسبة إلى المستفيدين من الحرب ونظامها[27]. "فإذا كانت الأحزاب المستفيد الأول من الحرب، فهي كانت الخاسر الأكبر من إنهاء الحرب ونظامها" وهذا ما أوضحه بصورة أو بأخرى الأخضر الإبراهيمي مندوب اللجنة العربية الثلاثية في لبنان، إذ أشار إلى خشية قادة الميليشيات من هذا المجهول الذي كان اسمه السلم. ويعيد سبب هذا الخوف الشديد إلى قلقهم على وضعهم ووجودهم ومستقبلهم بعد انخراطهم في هذا المجهول[28] غير الواضحة معالمه وغير المعروفة مساراته.. "فإذا كانت الأحزاب المستفيد الأول من الحرب، فهي كانت الخاسر الأكبر من إنهاء الحرب ونظامها" وهذا ما أوضحه بصورة أو بأخرى الأخضر الإبراهيمي مندوب اللجنة العربية الثلاثية في لبنان، إذ أشار إلى خشية قادة الميليشيات من هذا المجهول الذي كان اسمه السلم. ويعيد سبب هذا الخوف الشديد إلى قلقهم على وضعهم ووجودهم ومستقبلهم بعد انخراطهم في هذا المجهول غير الواضحة معالمه وغير المعروفة مساراته.
هذه النقطة ليست أمراً شكلياً، لأنها تصف حالة وتؤشر إلى مسار. لقد انساقت أغلبية الأحزاب إلى مشروع الاتفاق (الطائف) بطريقة أو بأخرى ولأسباب متعددة، لعل في مقدمها أنه كان يحظى برعاية إقليمية – دولية. بل لعله كان أشبه بـ "قرار" أو توافق إقليمي – دولي على وقف النزف الداخلي في لبنان والحدّ من صراعات الدول، بأوجهها المتنوعة وأدواتها المتعددة، على الأرض اللبنانية، الأمر الذي جعل الالتزام أمراً مفروغاً منه.
كما أن وضع الأحزاب اللبنانية المأزومة وانسداد الأفق أمامها وشدة الاختناق الذي وصلت إليه، جعلتها في موقع المتلقي ثم المنفذ. فلا هي قادرة على الاستمرار في الحالة العبثية، ولا هي قادرة على تقديم تصور محدد لحل المأزق الوطني، ولا هي في وضع يسمح لها بالمبادرة لتجاوز "الأزمة الذاتية" من هنا فإن الترقب والانتظار كانا سيدي الموقف عند الأحزاب اللبنانية. لكن يبقى السؤال: إلى أي حدّ نجحت الأحزاب في عملية الانتقال القسري والمفاجئ؟ وهل أزالت مخلفات المرحلة السابقة ذهنياً وسلوكياً؟ وكيف انخرطت في المرحلة الجديدة؟... الخ.
يمكن القول إن الأحزاب في مرحلة ما بعد الطائف بدت أكثر تراجعاً، وأكثر هواناً، وأكثر اختلالاً، كونها انخرطت في مرحلة السلم الأهلي وهي محمّلة بكل الترهلات والانهيارات والانكسارات التي ضربت بنيتها الداخلية، وبكل الأعطاب التي أصابت منطلقاتها النظرية – الفكرية، كما بدت محاطة ببيئة مجتمعية تختزن في مخيلتها صورة سلبية عن دورها في الحرب وتحملها جزءاً كبيراً من المسؤولية لما جرى للبلاد والعباد. كما أنها تتقدم على أرض محروقة ومثقلة بالإحباطات والآلام... لذلك كانت عملية الولوج إلى المرحلة الجديدة مسألة صعبة وغير مأمونة، أثرت في توازن الظاهرة الحزبية ومستقبلها. فما هي أبرز مظاهر الحياة الحزبية بعد الطائف؟
(1) الانفعال دون الفعل: يمكن القول بداية إن الحياة السياسية وطبيعتها في مرحلة ما بعد الطائف، عكست نفسها على الظاهرة الحزبية ووسمتها بالكثير من خصائصها، فموت الحياة السياسية في البلد ومصادرتها أنتج المزيد من "الموت السريري" للأحزاب السياسية. ويلاحظ في هذه المسألة أن الأحزاب من حيث المبدأ، كانت منساقة، إلى حدّ بعيد، إلى الأحداث أكثر مما هي مؤثرة فيها، ومنفعلة أكثر مما هي فاعلة. وإذا كانت هذه الخاصية قد رافقت الظاهرة الحزبية في أكثر من مرحلة وأكثر من وجه، فهي تبدو في هذه المرحلة بالذات أكثر تعبيراً ووضوحاً وتمظهراً. فحضور الأحزاب يبدو "خفيفاً" ومشاركتها سطحية وفاعليتها هامشية إلى حدّ بعيد. إضافة إلى أنها لم تقدم أي تصور أو مساهمة جدية لتفعيل مسيرة السلم الأهلي وإغنائها، أو لتدعيم بناء الوطن وحماية مؤسساته.
كما أن الذهنية الحزبية تكاد أن تكون على حالها لجهة موقفها من الآخر في الوطن الواحد ونظرتها إليه، إلى درجة تبدو وكأنها لم تغادر، في العديد من المواقف، حالة الحرب وخنادقها، الأمر الذي يعمق الأزمة الحزبية ويجعلها أكثر استعصاء على الحلّ والمعالجة من جهة، ويعزز التساؤل عن معنى الحضور الحزبي ومدى ضرورته من جهة ثانية. فإذا كانت مقولة إن لا حياة سياسية من دون أحزاب سياسية، صحيحة في المبدأ، فإن الواقع المعاش يشوش هذه المقولة اليوم ويهمّشها، لأن التجارب الحية تبدو مقلقة، الأمر الذي يمكن أن يكون له تداعيات مباشرة على مستقبل الحياة السياسية بعامة وعلى بناء دولة "المؤسسات والقانون" بخاصة.
(2) التأثيرات الخارجية: للتأثيرات الخارجية حضورها القديم في الحياة السياسية اللبنانية، إذ تعود في بعض جذورها إلى مرحلة الإمارة في جبل لبنان، وتمتد على مدار تاريخ لبنان الحديث. غير أن مرحلة ما بعد الطائف أعطت لهذه التأثيرات أدواراً مختلفة وأشكالاً متنوعة، سواء في شقها الإقليمي – العربي أم في شقها الدولي – الغربي، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عن تداعياتها ونتائجها على الظاهرة الحزبية.
إن قراءة التجربة الحزبية في هذه المرحلة تبين بجلاء مدى كثافة الحضور الإقليمي وهيمنته على البلد وآليات عمل السلطات الرسمية وغير الرسمية، حيث أصاب في رذاذه العديد من الأحزاب السياسية. بل يمكن القول إنه اعتمد في تبرير حضوره وتعزيز فاعليته وتوسيع مدى تأثيره على هذه الأحزاب، الأمر الذي ساهم، بطريقة أو بأخرى، في تعطيل الحياة السياسية وتجميدها، وعرقلة الممارسة الديمقراطية وتشويهها، وإرباك الظاهرة الحزبية وتهميشها.
في المقابل إن تفلت بعض الأحزاب والتشكيلات السياسية من التأثيرات ذات الوجه الإقليمي، لم يكن لمصلحة إرساء دعائم موضوعية لبناء تجربة حزبية متجددة، أو لإعادة صوغ علائق سياسية ومجتمعية أكثر ديمقراطية وأكثر انفتاحاً. بمعنى آخر، إن هذه الأحزاب وتلك القوى لم تقدم عند رفضها للتأثيرات الإقليمية نموذجاً مغايراً لعلاقة الأحزاب بـ"الخارج" أو تحدد أوجهاً مختلفة لتأثيرات الخارج في الداخل وأحزابه، بل إن المنطق العام بقي مهيمناً، وفكرة استحضار الخارج أو المراهنة على حضوره حافظت على مضمونها وإن اتخذت اتجاهاً مغايراً للأول ومتناقضة معه، وذلك من خلال انسياقها في الاتجاه الدولي – الغربي. وقد بررت هذه الأحزاب توجهها برفضها الاتجاه الإقليمي وثقل هيمنته من جهة، وبدعوتها من جهة أخرى إلى حماية السيادة الوطنية وترسيخ الممارسة الديمقراطية وإنجاز الاستقلال.
لذلك يلاحظ أن التأثيرات الخارجية تبدو متجانسة في العديد من المظاهر ومتقاطعة في العديد من النقاط على الرغم من الاختلاف في الأبعاد والتوجه والمضمون. غير أن هذه التأثيرات أبقت الانقسام المجتمعي أكثر توتراً واشتداداً، الأمر الذي جعل الاصطفافات السياسية تأخذ اتجاهات عنفية وتستند في الكثير من المواقف إلى إثارة الغرائز وتحريكها. وفي الحالتين أبقت الأحزاب السياسية أقرب إلى حالة الاحتراب السياسي منها إلى حالة السلم الأهلي، وإلى وضع التصادم والخندقة والتراشق منها إلى وضع التفاعل والمراجعة والتطوير. والأمثلة على ذلك عديدة، بدءاً من مناقشة اتفاق الطائف مروراً بالانتخابات اللبنانية وصولاً إلى معارك التمديد والمواقف من القرار 1559... الخ.
إن خطورة هذا التأثير بشقّيه تبدو في أحد وجوهها تعبيراً عن عجز النصاب السياسي اللبناني – وللأحزاب موقعها المهم فيه ودورها المؤثر في ماجرياته - عن الانعتاق من شرنقة الانقسام المجتمعي القديم - الحديث على الهوية الذي رافق تأسيس الكيان وإن اتخذ بعد الطائف تعابير مختلفة ودلالات سياسية واضحة من جهة أخرى، لعل من أهم مظاهرها أمران: الأول مؤشر إلى أن الداخل اللبناني لا يزال "يجتر" أزماته ويعيد انقساماته؛ والثاني: إشارة مهمة إلى أن الأحزاب السياسية اللبنانية والتشكيلات السياسية "العابرة للطوائف" لم تستطع أن تضرب جذورها العميقة وغصونها الوارفة على مدى الاجتماع السياسي اللبناني.
لقد انطوت كل حقبة من حقبات عمر "الكيان" اللبناني على شكل من أشكال الغلبة الداخلية التي غلفت أشكالاً من الخسارة لأفرقاء لبنانيين، وأظهرت في الوقت عينه أرباحاً سياسية لأفرقاء آخرين، وتضمنت كل غلبة إقصاءً اجتماعياً ما كان له أن يتمظهر إلا طائفياً.
بناء عليه يمكن القول إن ثمن "الغلبة" الجديدة أو المتجددة سيكون فادحاً قياساً على ضرورات "الأمان اللبناني" أو ضرورات فتح السبل أمام التطور الديمقراطي الوطني. لذلك يلاحظ ضمن هذا الوضع لنشاط الأحزاب وعملها واصطفافاتها، مسائل متعددة لعل من أبرزها ما يلي: المسألة الأولى هي أن النصاب السياسي لا يزال "ناقصاً" حتى الآن، وليس مرشحاً للاكتمال في أمد منظور؛ المسألة الثانية أن التأثير الخارجي ستكون له مضاعفاته السلبية في الوضع السياسي، وهو كتأثير ربما لا يفعل سوى توسيع "فجوة" النقص في "الحكمة" السياسية اللبنانية المطلوبة[29]. والمسألتان يؤكدهما الواقع المعاش وتجاربه المؤلمة.. والمسألتان يؤكدهما الواقع المعاش وتجاربه المؤلمة.
من هنا تبدو علاقة الأحزاب بالخارج نوعاً من الاستقواء بهذا الخارج بعباءات متعددة، تأتي في أغلبها لخدمة أغراض خاصة، بل قد تزين هذه العلاقة بشعارات برّاقة سرعان ما تذوي وتذوب لتظهر الحقائق بفجاجتها، الأمر الذي شوَّه مصداقية الأحزاب السياسية في لبنان، وعزّز "تبعيتها" وجعلها تتسابق لتقديم ولاءات غير موضوعية على حساب المبادئ والأفكار التي تنادي بها.
(3) المشاركة في السلطة: عرفت مرحلة ما بعد الطائف تحوّلاً في الاصطفاف السياسي لجهة الأحزاب والقوى المشاركة في السلطة أو المعارضة لها، سواء في السلطة التشريعية أم في السلطة التنفيذية. إن هذه الملاحظة لا تتطرق إلى المشاركة أو المعارضة بحدّ ذاتها، بل تسلط الضوء على طبيعتهما.
بمعنى آخر، إن الوصول إلى الحكم أو المشاركة في السلطة هما من أهم المميزات التي تسم الأحزاب السياسية. وبالتالي تبدو هذه الخاصية من أهم المعايير لتميز الحزب السياسي عن غيره من التجمعات والمؤسسات المجتمعية الأخرى بوجه عام، وقوى جماعات الضغط بوجه خاص.
لذلك تغدو مظاهر الأزمة والارتباك عند الأحزاب التي شاركت في السلطة بعد الطائف في وسيلة الوصول وطريقة الأداء ونوعية المشاركة... الخ، بينما تلك التي أُبعدت من الحكم أو عارضت السلطات المتعاقبة، فإن أزمتها كامنة في مواقعها الطائفية، لذلك فهي تدور في فلك محدد وتبدو أسيرة خطاب محدد[30]..
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
12 من 33
إن الحضور الحزبي في السلطة ظاهرة قديمة في النظام اللبناني، سواء في مرحلة الانتداب حين تمحورت حول الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية، أم في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية (1943-1975)، حين كان للأحزاب ذات الصبغة الوطنية الكيانية (الكتائب، الكتلة الوطنية، التقدمي الاشتراكي، الوطنيون الأحرار...) حضور دائم وبأوجه متعددة ونسب متفاوتة في السلطتين التشريعية والتنفيذية بحسب الموازين الداخلية، وطبيعة العهد وتحالفاته في الداخل والخارج...
غير أن هذا الحضور الحزبي اعتمد مدخلاً تقليدياً، وخضع لمعايير الانقسام المجتمعي وامتداداته المذهبية والطائفية إلى حدّ بعيد. لذلك حظّرت المشاركة في الحكم على الأحزاب ذات الصبغة العلمانية أو تلك التي تخترق في أطرها وأفكارها حدود الوطن الصغير، وكانت مشاركتها في الندوة البرلمانية محدودة جداً (الشيوعي، السوري القومي الاجتماعي[31] البعث العربي الاشتراكي[32] الناصريون[33]...)، ولم تكتمل بسبب الحرب الأهلية. الناصريون...)، ولم تكتمل بسبب الحرب الأهلية.
بقيت المشاركة في السلطة محكومة بموازين مجتمعية خاصة، إذا جاز التعبير (دون إغفال الموازين الخارجية)، وبالتالي لم تصل هذه التجربة إلى ما عرفته البلدان الغربية، بمعنى قيام التنافس السياسي على قاعدة النظام الحزبي. أضف إلى ذلك أن طبيعة الحضور الحزبي في الحكم لم يرتقِ بالحكم أو السلطة، أو بالممارسة السياسية، إلى مستوى متمايز عن التقليد السياسي وانتماءاته الأولية. وهذا ما ساهم في إبقاء مشروع بناء الدولة مشروعاً مؤجلاً وحوّل الوطن إلى ما يشبه "المزرعة" والمحاصصة الطائفية – المذهبية.
من هنا تبرز أهمية متابعة المستجدات التي طرأت على الحضور الحزبي في الحكم والسلطة بعد اتفاق الطائف، والتساؤلات حول ما أضافته هذه المشاركة؟ وبماذا تمايزت عن التجربة السابقة... الخ.
جاءت تجربة الأحزاب في الحكم في مرحلة ما بعد الطائف، إلى حد بعيد، متماثلة مع ما سبقها لأسباب عديدة، لعل من أبرزها أمران:
الأول: إن المشاركة لم تخضع لبرنامج سياسي أو خطة منهجية أو تستند بالضرورة إلى قاعدة شعبية أو قوة في التمثيل الشعبي، بقدر ما عكست قوة التأثير الخارجي في الداخل اللبناني.
الثاني: إن المشاركة لم تخرج عن منطق التمثيل الطائفي – المذهبي الذي يحكم النظام السياسي في لبنان، وآليات عمله سواء في القانون الانتخابي أم في توزيع الحصص الطائفية داخل السلطة.
فالسبب الأول جعل الحضور الحزبي طارئاً إلى حد بعيد أو ارتجالياً، والسبب الثاني جعل الحزب مأزوماً بين ادعاءاته وطبيعة حضوره. والسببان أدخلا الأحزاب في متاهات جديدة زادت من ارتجاج صورتها ومصداقيتها.
غير أن اللافت للنظر في هذه المسألة هو "الهوس" الحزبي للوصول إلى السلطة بأية وسيلة ومهما كان الثمن، على خلفية أنه مظهر لقوة الحزب وشدة تأثيره و"عظمته". إلى درجة بدت الأحزاب فيها وكأنها تستقوي على الجماهير بحضورها "السلطوي"، بدلاً من الاعتماد عليها عبر الوسائل الديمقراطية للوصول إلى السلطة.
بل يمكن القول إن هذا "الهوس" دفع بعض الأحزاب عبر ممثليها إلى تأدية أدوار "سياسية – مسرحية" لا تليق بتاريخها وطموحاتها، وذلك من خلال لبوس (هذه الأحزاب) أقنعة هشّة ومزيفة، إذ يتم في فترة مصادرة الطائفة باسم هذا الحزب أو ذاك، وفي فترة أخرى يتم تطويع هذا الحزب أو ذاك واستبعاده بحجة التمثيل الطائفي وضرورات المرحلة. بمعنى آخر، الاستقواء على الطائفة باسم الحزب، والاستقواء على الحزب باسم الطائفة، وفي الحالتين تعمد السلطة، بما تمثله داخلياً وخارجياً، إلى استخدام بعض الأحزاب في العديد من الأزمات كـ"سلاح" فعّال لخدمة سياساتها وتكريس نهجها.
لذلك يلاحظ أن الأحزاب تدخل في لعبة تقليدية بحتة. فإذا اعترضت طائفة أو مذهب على ضعف تمثيلها في السلطة تتردد أسماء الحزبيين من هذه الطائفة أو تلك للدلالة على حجم مشاركة الطائفة وقوته. وإذا اعترض معترض على الطابع الطائفي والمذهبي لعمل السلطة وتركيبتها برز ممثلو الأحزاب لدحض هذا الادعاء وتبيان التجنّي وعدم الموضوعية وشدة الغرضية والمصلحية فيه...
ضمن هذا السياق تأتي تجربة الأحزاب في الانتخابات النيابية[34] والبلدية[35]، ففي الانتخابات الأولى كانت تتمظهر الارتباكات بحيث تبدأ من الترشح مروراً بالتحالفات وصولاً إلى البرامج... الخ. أما في الانتخابات البلدية، فإن المشاركة أكثر تأزماً لأنها تبين مدى ضعف المؤسسة الحزبية وهشاشتها، سواء من خلال عجزها عن متابعة الإدارات المحلية، أم من خلال انخراطها في لعبة الانتماءات الأولية (العائلية، الأجباب، العشائر...) وعصبياتها الضيقة. والبلدية، ففي الانتخابات الأولى كانت تتمظهر الارتباكات بحيث تبدأ من الترشح مروراً بالتحالفات وصولاً إلى البرامج... الخ. أما في الانتخابات البلدية، فإن المشاركة أكثر تأزماً لأنها تبين مدى ضعف المؤسسة الحزبية وهشاشتها، سواء من خلال عجزها عن متابعة الإدارات المحلية، أم من خلال انخراطها في لعبة الانتماءات الأولية (العائلية، الأجباب، العشائر...) وعصبياتها الضيقة.
في مختلف أوضاع مشاركة الأحزاب في السلطة فهي تبدو وكأنها في حالة من انعدام الوزن والازدواجية، بل إن الدور الحزبي هنا يبدو "أخطر" من التجربة السابقة لأنه يساهم في تكريس السائد وتثبيته. فالمواطن لم يعد يميز بين "التقليدي" والحزبي "التغييري"، الأمر الذي جعل الحضور الحزبي ملتبساً وهامشياً.
(4) ذوبان الهوية: تبدو الأحزاب السياسية في مرحلة ما بعد الطائف مرتبكة جداً في تحديد هويتها الذاتية، مقابلة بما كانت عليه في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية. ففي المرحلة الماضية كان الانتماء إلى حزب سياسي نوعاً من الهوية السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية... الخ. فالتمايزات بين هذا الحزب وذاك كانت واضحة المعالم إلى حدّ بعيد، على الرغم من التقاطعات ومساحات التلاقي ومجالات التوافق.
لقد مهّدت الحرب الأهلية لهذا الوضع (ارتباك الهوية الذاتية)، بحيث غدت الهوية الحزبية لهذا الحزب أو ذاك مندرجة ضمن هوية المنطقة – القاطع الجغرافي الذي يعمل فيه ويمارس نشاطه فوق أرضه. فالانقسام المجتمعي بتلويناته المختلفة، وخصائصه الطائفية – المذهبية بوجه خاص وسم "الشخصية الحزبية" في تلك المرحلة وحدّدها. وجاءت مرحلة السلم الأهلي لتُطبق على هذه الهوية وتطمسها من حيث المبدأ. بمعنى آخر، لم تنجح الأحزاب في مرحلة ما بعد الطائف في بلورة المعالم الخاصة التي تسم شخصيتها وتساعد على تحديد معالمها، إلى درجة تبدو فيها "البصمة الشخصية" و"الذات الحزبية" وكأنها مفقودة.
إذا استعرنا تعابير علم النفس وعلم النفس الاجتماعي، فإن الهوية الحزبية هي الشخصية الحزبية ليس بالمعنى الجسماني (أي تشبه الحزب – الأحزاب بالفرد – الأفراد) بل بما تعنيه من سمات سياسية واجتماعية وفكرية، التي من خلالها وعن طريقها يمكن التمييز بين هذا الحزب أو ذاك. لذلك فإن ذوبان الهوية الحزبية له مضاعفاته السلبية على الحزب ووجوده وعلى دوره المجتمعي في الوقت عينه.
يتجلى بعض المظاهر السلبية في هذا الجانب في ما يمكن أن نسميه "محق الإرادة" الحزبية، وعدم المقدرة على "الإبداع" والنقد، وإمحاء كل موهبة أو كل مقدرة على شق خطوط جديدة وتحديد تصورات جديدة... الخ، الأمر الذي يولد العجز في إنتاج أو انتهاج فكر أو عمل أو نشاط. وبالتالي يحدّ من إمكان الإفادة من علائق إيجابية بالآخرين، لأن الهوية في حال ذوبانها تحوّل الحزب إلى مجرد "صورة باهتة" تزيد من ارتباك هذا الحزب – الأحزاب في المقدرة على التمييز والتصرف. وبقدر ما تتضح الهوية وتتبلور ينجح الحزب في تحديد موقعه وهدفه، وبالتالي في استشراف المستقبل بدلاً من التخبط في السير، والقفز في المواقف، والانتقائية في التحليل.
إن الدخول في هذا المجال يثير سجالات حادة ويطرح إشكالات معقدة ويحرك تساؤلات قلقة... غير أن المقصود بالتحديد هو ضعف أو تراخي "المحددات الخاصة" التي تعرف بحزب ما وتحدد شخصيته.
لذلك يلاحظ أن مجالات التمايز تكاد تنحصر بالاصطفافات الحادة بين معارض وموال، بينما لا تكاد تلحظ بالقدر الكافي، تمايزات واضحة في الخط الواحد أو الصف الواحد. والقول بـ "التماثل – التطابق" لا يلغي الفوارق القائمة أو يمحيها، لكنه يؤشر إلى أن هذه الفوارق هي في أغلبيتها موروثة – تقليدية إلى حدّ بعيد. لذلك تبدو وكأنها شاخت أو بهتت من كثرة قدمها وترداد مقولاتها ودورانها في الحلقة المفرغة. وبخاصة أن ما استجد منها يبدو إعادة لإحياء القديم بلهجة جديدة. وهذا ما يدعو إلى التساؤل عن معنى هذه الفوارق وهدف استمرارها وأهمية بقائها.
إذا كان هذا وضع الأحزاب "القديمة" في البلد، فإن الفكرة تبدو أكثر وضوحاً عند التطرق إلى ما استجد بعد الطائف حول هذا الموضوع. من هنا يمكن الإشارة إلى أمرين: الأول يتعلق بتوالد أحزاب جديدة، والثاني يرتبط بطبيعة الأحزاب – التشكيلات المحددة لهويتها الخاصة. يبين الأمر الأول أن عملية التوالد – التكاثر الحزبي الجديد لا يستند إلى هوية سياسية وفكرية واجتماعية... محددة. والأمر الثاني يبين أن التحديد يزداد وضوحاً كلما أوغل هذا الحزب أو ذاك في إطار طائفي – مذهبي محدد، ضمن الانقسام المجتمعي التقليدي. وفي الحالتين إشارة إلى مزيد من التحدّيات التي تواجه الظاهرة الحزبية سواء في مواجهة الذات الحزبية أم في تحديد خياراتها أم في توضيح علائقها المجتمعية والسياسية.
يلاحظ في الأمر الأول (التوالد) أن مستوى الأزمة التي تعصف بالظاهرة الحزبية لم يلغ نشوء وقيام أحزاب جديدة، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن مبرر هذه الأحزاب ومسوغاتها الفكرية والسياسية... ودورها في تخطّي السائد وتجاوزه.
إن أغلبية الأحزاب التي نشأت في مرحلة السلم الأهلي لم تضف من حيث المبدأ شيئاً أو تطرح بديلاً أو تدعو إلى جديد، سواء على المستوى السياسي أم على المستوى الفكري أم التنظيمي... وهذا يبين مدى هامشية "الشخصية" الحزبية، وغياب مفهوم "الهوية الحزبية". كما يساهم في تحويل الحزب إلى ظاهرة "غير محسوسة" بالمعنى السياسي والفكري والعقائدي من جهة، ويؤكد استمرارية المأزق الحزبي وعمقه من جهة ثانية، وعقم المرحلة من جهة ثالثة.
لذلك، إن غياب الهوية الحزبية في مثل هذه الأوضاع سيسطح مفهوم الحزب ويزيد تمركزه حول شخص مؤسسه أو يجعله حالة عابرة لا تترك أثراً في الحياة السياسية والمجتمعية. على سبيل المثال لا الحصر، وكدعوة إلى المناقشة وليس إلى التجريح أو الانتقاص من هذا الحزب أو ذاك، يمكن السؤال ما هي الهوية المميزة للحزب الوطني الديمقراطي، حزب الحوار الوطني، تجمع الكيان، حزب العمال الديمقراطي، حزب الوعد، حركة الوحدويين الناصريين، الحركة اللبنانية الديمقراطية، الحركة الديمقراطية، حزب المؤتمر، التكتل الوطني الديمقراطي، جبهة الشعب اللبناني، الحزب العربي الديمقراطي، التيار العربي، التنظيم القومي الناصري...الخ.
إن بعض الأحزاب والتنظيمات الجديدة[36] قد حددت هويتها على قاعدة تقليدية بلباس "حزبي حديث"، مثل الحزب الوطني الديمقراطي الذي يستند عملياً إلى إرث الغرضية – الحزبية الأرسلانية ضمن الانقسام التقليدي (يزبكي – جنبلاطي) في طائفة الموحدين الدروز. كما أن بعضها يرتكز في تحديد هويته على فكرة سياسية قديمة – حديثة تنطلق من موضوع الهوية والسيادة كالتيار الوطني الحر، على الرغم من أنه لم يتبلور بصيغة التنظيم الحزبي الواضح. إضافة إلى العديد من النماذج السياسية "الجديدة" التي تبدو فيها الهوية هلامية. إن التباين العام بين هذه النماذج لا يُخرجها عن السائد مجتمعياً.
يلاحظ في الأمر الثاني (الطائفة تحدد) أن الأحزاب التي يمكن القول إنها "معرّفة" لجهة الهوية فهي تكاد تكون محصورة في إطار طائفي أو مذهبي شديد الخصوصية، ويغلب عليها من حيث المبدأ الطابع الإسلامي (لقاء قرنة شهوان إطار غير حزبي لكنه يتدرج في إطار طائفي محدد)، إذ تأخذ من الدين هويتها وتعطي لنشاطها السياسي بُعداً دينياً. بمعنى آخر، إن الأحزاب والتنظيمات الإسلامية تستند إلى الإسلام كعقيدة وبنية ونظام شامل للحياة والحكم، داعية إلى الالتزام بتعاليمه وتطبيق شعائره معتمدين كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح.
بيد انه يمكن في هذه النقطة استثناء حزب الله، وتحديداً في طرحه قضية المقاومة والارتباط بها من جهة، وفي الاحتضان الاقليمي لحضوره كحزب مقاوم من جهة أخرى. إلا أنه يتقاطع مع غيره من التنظيمات الإسلامية في دخول السياسة من بوابة الدين – الطائفة المباشرة، والاعتماد عليها لتأمين الامتداد الشعبي.
لذلك كان حضور هذه الأحزاب البرلماني يعتمد هذه الخاصيّة الطائفية على مدار المعارك الانتخابية، الأمر الذي وفر لها حضوراً ما، وإن اتخذ وضعاً متقطعاً، كما يبين الجدول التالي[37]::
الحـزب 1992 1996 2000
حزب الله 8 7 8
حركة أمل 5 8 10
جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش) 1 - -
الجماعة الإسلامية 3 1 -

كما يلاحظ أن أغلبية التشكيلات تبدو أكثر انحساراً في أطر جغرافية محددة يغلب عليها اللون الواحد، مثل حركة التوحيد الإسلامي (بجناحيها)، وجمعية الإصلاح الإسلامي، ودعوة الإيمان والعمل والإحسان (إضافة إلى العديد من التنظيمات في المخيمات الفلسطينية مثل: حركة النور، وجيش الشام، وجماعة أبو محجن...) وحركة المحرومين - ثورة الجياع (الشيخ صبحي الطفيلي). وعلى الرغم من ارتكاز التشكيلات الإسلامية على خلفية دينية واحدة، غير أن تمايزاتها تنطلق من الانقسامات التقليدية داخل الطائفة الإسلامية ومن الخلافات داخل كل مذهب (حاول الشيخ الطفيلي أن يعطي لحركته بُعداً مجتمعياً بتعبيره عن ثورة الجياع غير أنه بقي في حدود الطائفة والمنطقة).
إن مقابلة بين الأحزاب ذات اللون الطائفي في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية وبين الأحزاب – التشكيلات الطائفية اليوم يلاحظ على الأقل وجود سمتين: تتمثل الأولى بطبيعة التمركز والثانية بطبيعة التعبير عن الهوية.
يلاحظ في السمة الأولى (طبيعة التمركز) أن الأحزاب ذات اللون الطائفي كادت في مرحلة ما قبل الحرب أن تختنق في شرنقتها الطائفية لولا اندلاع الحرب الأهلية. بمعنى أن الحروب الداخلية التي كرَّت سبحتها منذ عام 1975 وسَّعت فجوة الانشراخ المجتمعي على قاعدة الحروب الطائفية – المذهبية، الأمر الذي وسّع في المقابل من حضورها على نحو لافت للنظر. أما الأحزاب الطائفية اليوم فهي تتغذى وتنمو على قاعدة ترسيخ هويتها الطائفية الشديدة الخصوصية.
في السمة الثانية (طبيعة التعبير) يمكن القول إن الأحزاب التي كانت هويتها قبل الحرب تتسم بلون طائفي أو مذهبي محدد، كانت تسعى جاهدة، بأسلوب أو بآخر، لتلميع صورتها من خلال التخفيف من شدة هذا اللون وحدة سطوعه؛ في حين تسعى الأحزاب الطائفية اليوم لمزيد من الانحسار في حدود الطائفة. بل يمكن القول إن مجالها الحيوي يرتكز على هذه القاعدة وفضائها. لذلك يغدو التجنيد في صفوفها محصوراً ضمن الإطار الطائفي – المذهبي البحت، الأمر الذي يجعل من عملها عملاً فئوياً، إلى حدّ بعيد. وهو عمل يؤدي، كما يقول سليم الحص، إلى تعميق الانقسامات ويهدد الوحدة الوطنية ومصير الوطن. لذلك فهو يتنافى مع أي جهد وطني استراتيجي[38]..
إن فقدان "الهوية الذاتية" بوجه عام وتبلور هذه الهوية في الحدود الطائفية – المذهبية يختزن الكثير من العوامل المؤثرة لانطلاقة الأحزاب وتجددها من جهة، ويحمل مظاهر "مفجرة" مجتمعياً من جهة أخرى، الأمر الذي يعزز التساؤل حول طبيعة الأحزاب ودورها في عملية التفاعل الاجتماعي وتعزيز مسيرة السلم الأهلي سياسياً ومعيشياً
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
13 من 33
ثانياً: أفكار للمناقشة
تعطي هذه القراءة الأولية انطباعاً سلبياً حول الظاهرة الحزبية في لبنان. فتبدو عملية التقويم وكأنها قائمة اتهامات بحق الأحزاب السياسية وتحريض ضدها وتشكيك في وجودها. فالمساهمة وكأنها تركيز على مواطن الضعف ومظاهر الخلل، وتجاهل للإيجابيات ورصد للهفوات وتعتيم على التضحيات وإبراز للأخطاء مقابل تناسي الإنجازات... هي تصور فيه بعض الصحة، من حيث المبدأ، فالصورة القاتمة للأحزاب السياسية تعززت كون الأحزاب لا تقوّم تجربتها ولا تزال محصنة بوجه المراجعة الذاتية، ومستنكفة عن ولوج المسلك الصعب في قراءة تاريخها، وبالتالي فإن ما تلحظه في مسيرتها ينحصر في تعداد الإيجابيات وتناسي الارتباكات. لذلك فإن المظاهر السلبية تعود، في رأيها، إلى أسباب خارجية وظروف مرحلية. من هنا بقي الخطاب الحزبي "نرجسياً" إلى حد بعيد، وأسير التغني بـ"الذات الحزبية" وتمجيدها من جهة، وتعظيم الدور الحزبي وضرورته المجتمعية من جهة أخرى، الأمر الذي أبقى الأحزاب في دائرة شرنقتها المقفلة وحدودها الضيقة ونتائجها القاتلة.
إن الخروج من هذه الدائرة الشديدة الإحكام لا يستند إلى وصفة طبية، كما لا يعتمد على أحاجي وألغاز صعبة الحل، بل يحتاج إلى نظرة فاحصة ودقيقة في ثنايا التجربة الحزبية سواء في أبعادها المجتمعية أم في إطارها الحزبي الخاص. وهذه العملية مسؤولية حزبية بقدر ما هي قضية وطنية. وانطلاقاً من هذا التصور يمكن الإشارة إلى منطلقات أولية قد تساهم في إغناء النقاش والتمهيد له.
1- الواقع وتغييره
إن إشكالية العلاقة بين الواقع القبلي من جهة، وبين الطموح إلى تغييره من جهة أخرى (مهما كانت طبيعة هذا التغيير وحدوده وأبعاده) لا تزال تتحكم بمسار العمل الحزبي. بمعنى آخر، لا تزال علاقة الأحزاب بالواقع ومقاربة هذا الواقع ملتبسة. لذلك وقعت الأحزاب في خضم هذه الإشكالية والتباساتها دون أن تجد مخرجاً. ماذا تغير؟ وكيف؟ وعلى ماذا تُبقي؟ ولماذا؟ ما هو الدور الحزبي في عملية التغيير؟... الخ. لقد حاصر الواقع القبلي طموحات التغيير وطوعها بوجه أو بآخر، وهذا ما عكس نفسه على الأحزاب السياسية وأربك أداءها وهمّش حضورها وجعلها تراوح إلى حد بعيد في مكانها.
لقد فُهم المجتمع اللبناني على أنه مجتمع تعدّدي، في حين أنه أقرب إلى أن يكون فسيفسائياً. وبحسب تحليل حليم بركات، يقع المجتمع التعدّدي بين المجتمع المتجانس والمجتمع الفسيفسائي. وما يمكن لحظه هنا هو مستوى الاختلاف بين المجتمعين (التعددي والفسيفسائي) ومدلول كل منهما.
تتصف الجماعات في المجتمع الفسيفسائي بأنها تغلب هوياتها الخاصة على الهوية العامة، وتتسم العلائق التي تحكمها بالمراوحة بين عمليتي التعايش والنزاع، وعدم المقدرة على الاتفاق حول الأسس، الأمر الذي يرسخ الانقسامات بينها ويؤدي بها إلى التنازع. في حين أن الجماعات في المجتمع التعددي تحتفظ بهوياتها الخاصة، لكنها تمكنت من إيجاد صيغة تؤالف بين الهوية الخاصة والهوية العامة. وبالتالي من التفاهم على بعض الأسس ومن التشديد على ضرورات الاندماج. وتمكنت نسبياً من احتواء أزماتها دون أن يعني هذا إلغاء الأزمات الداخلية[39]..
إن الإشارة إلى هذه المسألة تنطلق من التساؤل حول مدى قدرة الأحزاب من خلال اتجاهاتها السوسيولوجية كعقيدة أو نظرية أو مبادئ عامة، على فهم الواقع المجتمعي واستيعابه. ففي مرحلة ما قبل الحرب الأهلية امتصت الأحزاب السياسية انقسامات المجتمع الفسيفسائي إلى درجة الارتواء والتشبع، وفي مرحلة الحرب الأهلية جسّدتها نماذج حية، وفي مرحلة ما بعد الحرب بيّنت حتى الآن عدم مقدرتها على تجاوز الحالة الفسيفسائية لبناء مجتمع تعددي – وتحقيق التكامل الوطني وإغناء فكرة التنوع كظاهرة طبيعية في المجتمع وبين جماعاته.
من هنا تبدو الأحزاب كأنها تعيش حالة من "السلفية السياسية"، بمعنى التجمد والجمود عند مرحلة معينة ومقولات محددة، دون السعي لتجاوزها انسجاماً مع تطور الظروف وتبدل الأحوال. لقد قاربت الأحزاب اللبنانية الواقع بما أسقطته عليه، وليس بالضرورة بما هو عليه وعدت رؤيتها هذه بأنها الأصح والأسلم وغيرها على "ضلال مبين". والقاموس السياسي، كما الحياة السياسية في لبنان، يزدحم بالكثير من المصطلحات والتعابير[40] والتهم المتبادلة والفهم المغلوط عن الآخر، الذي يعرف "الواقع" من زاوية أخرى أو مختلفة.
هذه السلفية منعت الأحزاب من الإطلالة على التحولات المجتمعية والتبدلات العالمية، الأمر الذي جعلها تتعامل مع السياسة بازدواجية فاضحة، فهي من جهة تعمد إلى خطاب "ايديولوجي" – مثالي، ومن جهة أخرى تدخل في "بازارات" سياسية تكتيكية متقلبة وغير مفهومة. وفي الحالتين لا تراكم تجربتها وتبقى مقاربتها للواقع "ارتجالية" محكومة بانقساماته الحادة، وغير قادرة على إحداث تحولات تساهم في إغنائه وتطويره.
2- البناء التنظيمي وحياة الحزب الداخلية
إن طبيعة البناء التنظيمي وحياة الأحزاب الداخلية لا تزال من الإشكاليات العصية على التطور والتحول في الظاهرة الحزبية. فالبناء التنظيمي وما يتفرع عنه من علائق ناظمة للحياة الحزبية يبدو من الركائز الأساسية التي تستدعي البحث والدراسة، وبالتالي النقد الموضوعي والمراجعة. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى مسألتين: تتعلق الأولى بأهمية نقد البناء التنظيمي ومبررات هذا النقد، وتتعلق الثانية بملاحظة طبيعة هذا البناء بوجه عام.
في المسألة الأولى تنبع أهمية نقد البناء التنظيمي للأحزاب اللبنانية (كما العربية) من عدّة أسباب، من أهمها:
1- حظي نقد الخط السياسي ومتابعة مواقف الأحزاب السياسية والتعرض لمنطلقاتها النظرية... الخ باهتمام أكثر من البناء التنظيمي، الأمر الذي عطل إلى حد بعيد رؤية الكثير من القضايا المهمة في التجربة الحزبية.
2- إن النماذج الحزبية – التنظيمية التي وُلدت من رحم بعض الأحزاب كانت متماثلة في الجانب التنظيمي مع الحزب-الأم، ولم تعمد إلى تغييرات تُذكر، بل عادت هذه النماذج بعد فترة لتقليد السائد الذي انقلبت عليه، الأمر الذي ساهم في إعادة إنتاج "المشكلة".
3- إن النقد الموجه من بعض الأحزاب إلى بعضها الآخر، أو من بعض المؤسسات والاتجاهات إلى الأحزاب لا يتوانى (الناقد) من تبني البناء التنظيمي نفسه إلى حد بعيد. بمعنى آخر، إن من ينتقد الخط السياسي لحزب ما لا يتورّع عن تبني الخط – البناء التنظيمي لهذا الحزب، الأمر الذي يبين وكأن الأزمة تكمن في موقع آخر وليس لحياة الحزب الداخلية والأسس الناظمة لها أي أثر أو تأثير.
4- يساهم تجاهل أو تأجيل نقد البناء التنظيمي في تكريس المركزية الصارمة بمنطقها القمعي، وبما يؤدي إليه من تهميش للحوار والمناقشة وتغييب للديمقراطية وتداول السلطة... الخ.
5- إن البناء التنظيمي انعكاس للاطار الفكري من جهة، ونتاج مرحلة تاريخية محددة من جهة أخرى، الأمر الذي يدفع إلى الاستنتاج (نظرياً) أن هذا البناء هو على تماس مباشر مع التحولات الفكرية والتطورات المجتمعية. لكن بما أن الإطار الفكري يتسم بنوع من "الجمود" أو "التجميد" وبما أن التبدلات المجتمعية لا تحظى بالاهتمام اللازم، فإن البناء التنظيمي يبقى على حاله ثابتاً مستقراً مطمئناً لما "يُنتجه" ويولده، الأمر الذي يؤثر سلباً في تطور الظاهرة الحزبية بحدّ ذاتها.
تدفع هذه الأسباب وغيرها إلى متابعة البناء التنظيمي، وتجعل من هذا البناء موضوعاً حياً للمناقشة الهادفة إلى مراجعة التجربة الحزبية وتقويمها.
في المسألة الثانية يمكن الإشارة في هذا المجال إلى غياب "النظرية التنظيمية" عند الأحزاب السياسية في لبنان (كما في البلدان العربية). فالمسألة التنظيمية يُنظر إليها عملياً في حدودها التقنية البحتة، ويتجرد البناء التنظيمي من البُعد الفكري – السياسي للحزب.
لقد كانت فكرة التنظيم الحزبي - بالمفهوم الحديث - بحد ذاتها خطوة متقدمة في مجتمع يقوم على سلطة الأب – مجتمع بطريركي – شبه المطلقة، وعلى توارث السلطة وثباتها، حيث الامتثال والطاعة وتهميش المناقشة ومحاصرة الحوار... الخ. بمعنى آخر إن فكرة التنظيم الحزبي وعلائقه الداخلية كانت في المبدأ متعارضة مع طبيعة العلائق التي فرضها المجتمع البطريركي وذهنيته وسلوكياته. بيد أن هذا التعارض لم "يتوثق" أو يترسخ في البنية الحزبية. لذلك غدا الحزب في حياته الداخلية أشبه ما يكون بمجتمع بطريركي صغير. فقد توهّم الحزب أنه أضفى طابعاً حداثوياً على عملية الانضواء إلى صفوفه والانخراط في بنائه التنظيمي. غير أن السؤال هنا: إلى أي حدّ كانت عملية الانضواء بحدّ ذاتها تساهم في التفلت من أثقال التقليد السائد؟ وإلى أي مدى ساهم الحزب في تكريس علائق داخلية متعارضة مع ذهنية المجتمع البطريركي وعلائقه؟... الخ.
إن المتابعة المتأنية لتجربة الأحزاب اللبنانية (كما العربية) تدل على أنها استندت إلى هرمية مركزية صارمة إلى حد بعيد، واعتمدت خطاً أحادياً من الأعلى إلى الأدنى. وافتقد التنظيم الحزبي الدينامية الذاتية والمبادرة الذاتية، فتقلصت مجالات التفاعل الداخلي وتحولت العلائق التنظيمية إلى نمط واحد وباتجاه واحد. وغدا البناء التنظيمي وحياة الحزب الداخلية أشبه بـ"الثكنة العسكرية". وهذا ما عكس نفسه على أساليب العمل وطرائق التفكير وأنماط التحليل... وأصبح الحزبي – الشخص المحازب أحادي النظرة عملاً وتفكيراً. هل في هذا الرأي مغالاة؟ وهل هناك استثناءات محددة؟
يمكن القول إن هذه السمة تكاد تخترق أغلبية الأحزاب السياسية في لبنان. فالبناء التنظيمي يلغي التعددية ولا يقرّها، بل يعدها تهدد الحزب وتهز مقوماته. والمعارضة محاصرة ومرفوضة، ومجالات تعبيرها عن نفسها مفقودة عملياً، على الرغم من شرعنة الأنظمة الداخلية لرأي الأقلية. وتداول السلطة شبه معدوم باستثناءات بسيطة (الكتائب بعد وفاة مؤسسه بيار الجميل، والسوري القومي الاجتماعي، والشيوعي بعد مؤتمره السادس).
لذلك تأتي المؤتمرات الحزبية كإجراء "فولكلوري" تتضاءل فيها المحاسبة وتكاد تنتفي، وهذا ما يؤثر سلباً في مسار التجربة الحزبية إلى درجة يرى البعض معها أن "كل شيء في لبنان يتغير إلا الأحزاب. فالأحزاب وحدها حافظت على مبدأ التوريث... والأنكى من ذلك كله أنهم يحاضرون في العفة"[41]..
ضمن هذا الإطار السياسي للأحزاب، يشهد البناء التنظيمي نزيفاً حاداً وتراجعاً مخيفاً في عملية الانخراط إلى صفوف الأحزاب السياسية. بل إن عملية الالتزام تبدو في مرحلة ما بعد الطائف في أدنى مستوياتها. وغدت هذه العملية أشبه بالتكاثر البيولوجي. وهي من خصائص الانتماءات الأولية التي تمرد عليها الحزب بمفهومه الحديث ورفضها.
إن سيادة هذا الفضاء في حياة الحزب الداخلية ساهمت في توليد نوع من الانفصام - إذا جاز التعبير - في العضو الحزبي وشخصيته. بمعنى أن الحزب "كمؤسسة" كما الحزبي كفرد- شخص، يدعو خارج أطره التنظيمية إلى قضايا ومسائل تبدو متعاكسة مع ما هو سائد في البناء التنظيمي للحزب وحياته الداخلية. فالحزب يطالب بالديمقراطية مجتمعياً ولا يمارسها في حياته الداخلية، ويدعو إلى تجديد السلطة وتداولها ويكاد يلغيها في أطره، ويصرّ على قانون عصري للانتخابات وقلما يمارس العملية الانتخابية في تنظيمه، وينادي بالحوار المجتمعي والحوار شبه مقطوع في داخله، ويطالب بمحاسبة المسيئين في البلد ولا نشاهد محاسبة لمسؤولين حزبيين... الخ.
إن التركيز على البناء التنظيمي وحياة الحزب الداخلية يتضمن بطريقة أو بأخرى جذب الانتباه إلى أهمية التأثيرات الذاتية – الداخلية في توجيه الحزب وأعضائه. وبالتالي في رسم خطابه وتحديد قراراته ومساءلة قياداته. فالمصادر الذاتية لا تؤخذ في الحسبان في مجتمعنا... هنا يبدو الخطاب السياسي في منأى من التأثير الذاتي، لأن كل من كان في موقع السياسي المسؤول هو إذاً في موقع "السيد"، و"السيد" لا يُسأل. لذا ليس هناك من ذاتية وهذا أمر موروث. ونلاحظ في تاريخ العرب أن الخليفة لا يُسأل عن مسبباته، والمسببات هي في علم الخالق، وبوصف "الحاكم" وصياً على الناس من قبل الخالق فهو إذاً غير مدين لشعبه[42]..
إن المقصود بهذه الفكرة هي أن الحزب بوجه عام والعديد من الرموز والقيادات الحزبية بوجه خاص، تتصرف أو تستبطن هذه الذهنية، سواء في تغييب المساءلة أم في الاعتماد على قوى غير حزبية لتعزيز مواقعها السياسية، الأمر الذي حوَّل البناء التنظيمي وحياة الحزب الداخلية في العديد من الأوقات وفي الكثير من الأحزاب، إلى ما يمكن أن نسميه حضوراً شكلياً أو من ضرورات تمرير هذا التوجه.
تعد هذه المساهمة مدخلاً إلى الحوار حول التجربة الحزبية. لكن السؤال يبقى قائماً حول مدى فاعلية الحوار والمناقشة حول الأحزاب وداخلها في اختراق التحصينات الدفاعية التي تقيمها حول نفسها، حتى تأخذ هذه المناقشة معناها وتعطي جدوى ما من إثارته. إنه سؤال ليس إلا؟
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
14 من 33
تجربة الأحزاب السياسية في الأردن*
مقدمة

تعد الأحزاب السياسية في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة الآلية الأساس للمشاركة السياسية، والتعددية السياسية، وتداول السلطة، وإنتاج النخبة السياسية. وقد ظهرت الأحزاب السياسية تعبيراً عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية للفئات الاجتماعية المختلفة في المجتمع بحسب واقعه وتطوره التاريخي. وبذلك، تتفاوت طبيعة الأحزاب السياسية وتركيبتها وعددها من دولة إلى أخرى. ولكن في المقابل، لا توجد دولة واحدة تتمتع بدرجة عالية من الديمقراطية لا تسيرها الأحزاب وتتداول السلطة فيها.
وفي حال الأردن، تعود الحياة الحزبية إلى بدايات تأسيس الدولة، وقد مرت هذه التجربة بالعديد من المحطات والمراحل تعاقبت خلالها الأحزاب والتيارات السياسية المختلفة على الساحة الأردنية. وجاءت الأحزاب السياسية تعبيراً عن واقع البنى الاجتماعية والظروف الإقليمية والعالمية على حد سواء. وفي البدايات، كانت الأحزاب انعكاساً لواقع البنى الاجتماعية التقليدية ولاحقاً جاءت الأحزاب امتداداً لحركة التحرر القومي العربية الاستقلالية التي عمت أرجاء الوطن العربي زمن الانتداب والاستعمار. وبعد نكبة فلسطين وتوحيد الضفة الغربية والشرقية، حصلت انطلاقة جديدة في العمل الفكري والسياسي القومي بوجه خاص. وبعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 وظهور العمل الفلسطيني المسلح على الساحة الأردنية، دخلت التجربة الحزبية في مسار تداخل فيه هم إنهاء الاحتلال الإسرائيلي مع هم بناء الدولة الأردنية، إذ هيمنت أجندة تحرير فلسطين على العمل الحزبي في الأردن. وحدث أخيراً نزاع بين منظمة التحرير والدولة الأردنية أدى إلى خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن عام 1971.
وجاء الدستور الأردني عام 1952 ليكون مرجع الإطار القانوني العام لنظام الحكم في الأردن وليؤكد حق المواطنين في تأليف الأحزاب السياسية والمشاركة والانخراط فيها. بناءً على ذلك صدر قانون الأحزاب السياسية عام 1955 وبدأت عملية ترخيص الأحزاب السياسية، وخاضت هذه الأحزاب أول تجربة برلمانية عام 1956. وشهد الأردن في تلك الفترة حركة حزبية نشيطة وانتخابات برلمانية بتأليف حكومة ائتلافية ممثلة أوسع ألوان الطيف السياسي في البلاد.

هذا وانتهت التجربة الحزبية العلنية وغابت الأحزاب عن العمل الحزبي المنظم حتى عام 1989، الذي شهد استئناف الحياة الديمقراطية. وصدر قانون الأحزاب السياسية عام 1992، وعادت الحياة من جديد تدب في عروق الأحزاب القديمة، وشهدت الساحة السياسية ظهور أحزاب جديدة تجاوز عددها الثلاثين حزباً تمثل مختلف الاتجاهات العقائدية والفكرية والسياسية، وقد أتيح لمؤسسيها فرصة المشاركة في أربعة انتخابات نيابية جرت منذ عام 1989. جاءت هذه التطورات الأخيرة بعد حدوث تغيرات وتحولات سياسية واقتصادية كبيرة على المستوى العالمي والاقليمي والوطني أيضاً. ولكن يبقى دور الأحزاب السياسية في مجمل عملية التحول الديمقراطي والمشاركة السياسية دون المستوى المطلوب. ولا تزال التجربة الحزبية تعاني العديد من المشكلات التي تعيق عملها ومشاركتها الفاعلة.
سنحاول في هذه الورقة تسليط الضوء على هذه الإشكالية، ولكن لا بد قبل ذلك من عرض سريع لتطور الحياة الحزبية في الأردن بأبعادها الثانوية والمجتمعية والسياسية ومن خلال تشخيص واقعها الحالي وسبل النهوض بالحياة الحزبية في الأردن.
أولاً: تطور الحياة الحزبية في الأردن
مرت التجربة الحزبية في معرض تطورها بعدة مراحل، والتي كانت مرتبطة بتطور الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الأردني، وبتكون الدولة الأردنية وبالظروف الإقليمية والعربية المحيطة، وبخاصة القضية الفلسطينية.
يمكن تقسيم تطور التجربة الحزبية الأردنية إلى المراحل التالية:

1- مرحلة البدايات(1921-1950)
وجدت الأحزاب السياسية على الساحة الأردنية قبل نشوء الإمارة، مثل حزب العربية الفتاة وحزب الاستقلال العربي وحزب العهد السوري والاتحاد السوري والحزب الوطني السوري. وقد كان جل اهتمام هذه الأحزاب في هذه الفترة هو تحرير البلاد السورية وإعلانها دولة مستقلة. وبالتالي، وكان الأردن ساحة لهذه الأحزاب أكثر من كونه هدفاً لها. لكن هذه الأحزاب كان لها نفوذ سياسي في الفترات اللاحقة وبخاصة بعد تأسيس الإمارة.
في هذه الفترة، لم يكن يوجد قانون لتنظيم الأحزاب السياسية، وكانت الأحزاب تسجل تحت نظام الجمعيات العثماني. وعلى الرغم من ذلك، فقد ظهر 20 حزباً سياسياً بين عامي 1921 و 1949 في الأردن كما هو موضح في الجدول رقم (3-1).



الجدول رقم (3-1)
الأحزاب السياسية الأردنية (1921-1950)[1]
اسم الحزب سنة التأسيس ملاحظات
أم القرى 1921 موال للحكومة، شكل لمقاومة حزب الإستقلال واستمر حتى 1925
أحرار الأردن 1921 أسسه مثقفون أردنيون رفعوا شعار "الأردن للأردنيين".
العهد العربي 1921 قوميون عرب منافسون لحزب الإستقلال.
جمعية الشرق العربي 1923 جمعية سياسية ألفها زعماء لواء عجلون.
الشعب 1927 أول جمعية سياسية معارضة تنبثق عن البيئة المحلية.
اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني 1928 تأسس بعد انعقاد المؤتمر الوطني الأول للمعارضة الأردنية للمعاهدة البريطانية.
الحر المعتدل 1930 ضم قيادات تقليدية وأسس لمواجهة المعارضة
أحرار الأردن 1931 اعادة تأسيس لحزب سابق
العمال الأردني 1931 لا يوجد معلومات عن مؤسسيه ويبدو أنه لم يرفض وتلاه تأسيس "جمعية مساعدة العمال الأردنيين".
التضامن الأردني 1933 موال للحكومة
جمعية الشباب الوطني الأردني المثقف 1933 تنظيم شبابي قاد المعارضة السياسية في ما بعد.
الوطني الأردني 1936 حزب معارض نشأ في المنفى / دمشق.
الأخاء الوطني 1937 حزب موال ضم وجهاء وشيوخ العشائر
اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني 1944 إعادة تأسيس لحزب سابق وقد تم حله نهاية العام.
جماعة الاخوان المسلمين 1946 تأسس على يد عدد من التجار وهو فرع من الجماعة الأم في مصر.
جماعة الشباب الأحرار الأردنيين 1946 جماعة معارضة مقرها دمشق.
العربي الأردني 1946 حزب معارض يضم مثقفين أردنيين ولكنه لم يحصل على ترخيص من الحكومة.
النهضة العربية 1947 حزب موال، تأسس لدعم مشروع الأمير عبدالله لاقامة سوريا الكبرى.  
الشعب الأردني 1947 حزب معارض تم حله بعد أشهر بحجة تطرفه.


لقد تمايزت هذه الأحزاب على عدّة أسس منها: أن بعض الأحزاب كان ذا توجهات قومية أغلبها منخرط بالتوجه القومي العام للأمير عبدالله، في ما كان البعض الآخر، وبخاصة بعد المؤتمر الوطني الأول عام 1928، ذا توجهات وطنية تسعى تأليف معارضة ناشطة ضد الحكومات القائمة وضد النفوذ البريطاني. وقد لجأت هذه الأحزاب إلى عقد خمسة مؤتمرات وطنية بين عامي 1928 و 1935 ذات طابع تمثيلي عشائري واسع، إضافة إلى المثقفين والمهنيين والأقليات الدينية والعرقية. ونتيجة لذلك، فقد تم اتخاذ إجراءات صارمة ضد هذه الأحزاب، وأقرت قوانين تحد من حريات الاجتماع وتنفي المعارضين وتفرض الإقامة الجبرية عليهم، الأمر الذي أثر سلباً في الحياة السياسية في السنوات العشر اللاحقة. وقد شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية نشوء تيارات مختلفة، كان من أهمها جماعة الإخوان المسلمين على يد بعض التجار ورجال الأعمال، وأصبحت الفرصة مهيأة لنشوء أحزاب سياسية قومية واشتراكية في الفترة اللاحقة[2]..

2-المرحلة الثانية(1950-1967)
بدأت هذه المرحلة بعد حرب عام 1948 وإقامة دولة إسرائيل ووحدة الضفة الشرقية والغربية لاحقاً في كيان سياسي واحد، الأمر الذي أدى إلى تغيير التركيبة السكانية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لقد شهدت هذه الفترة إدخال إصلاحات سياسية على النظام السياسي الأردني ووضع دستور جديد للبلاد عام 1952، وإقرار أول قانون للأحزاب السياسية عام 1955. كما شهدت هذه الفترة ولادة التيارات والأحزاب العقائدية الدينية والقومية واليسارية التي تعد إلى درجة كبيرة امتداداً للأحزاب في المنطقة العربية، سواء على الصعيد الفكري أم على الصعيد التنظيمي. تجدر الإشارة إلى أن أغلب الأحزاب القومية واليسارية قد نشأت فعلاً قبل صدور قانون الأحزاب عام 1955، وأن جزءاً كبيراً منها لم يحصل على ترخيص للعمل الحزبي حتى بعد صدور ذلك القانون. لكن هذه الأحزاب كانت تتمتع بامتداد جماهيري وتنظيمي كبير على الساحة السياسية. وكان لها تأثير مباشر وغير مباشر في السياسات العامة في البلاد.


جدول رقم (3-2)
الأحزاب السياسية الأردنية: 1950-1956[3]
اسم الحزب تاريخ التأسيس ملاحظات
الجبهة الوطنية 1950 حزب وطني ذو توجهات قومية اشتراكية أسسه سليمان النابلسي ولم تجرِ الموافقة على ترخيصه.
الشيوعي الأردني 1951 حزب يساري ولد نتيجة اندماج عصبة التحرر الوطني الفلسطيني والخلايا الشيوعية في شرق الاردن، لم يحصل على ترخيص رسمي.
البعث العربي 1952 حزب قومي رفضت الحكومة ترخيصه ثلاث مرات (1952، 1953، 1954) ثم حصل على ترخيص له بقرار من المحكمة العليا في أواخر عام 1955.
التحرير 1952 حزب إسلامي رفض ترخيصه ولكنه نجح في إيصال نائب في انتخابات عام 1954-1956.
الاتحاد الوطني 1952 حزب وطني أردني.
الجبهة الوطنية 1954 حزب يساري لم يحصل على ترخيص وأوصل نواباً عنه عام 1956.
القومية العربي - امتداد لحركة القوميين العرب ولكنه لم يتقدم للترخيص.
القومي السوري - فرع للحزب القومي السوري.
الوطني الاشتراكي  1954 حزب قومي معتدل حصل على 13 مقعداً في انتخابات عام 1956 وألف رئيسه حكومة ائتلافية.
الأمـة 1954 حزب محافظ ضم وجهاء وأثرياء لكنه لم يعمر .
العربي الدستوري 1956 حزب محافظ ولم يعمر طويلاً.


شهدت فترة الخمسينات من القرن الماضي نمواً كبيراً للحياة الحزبية والسياسية، وتفاعلاً مع التحديات العربية والإقليمية التي من أهمها: اغتصاب فلسطين، والتحرر من الاستعمار، وظهور المد الاشتراكي والشيوعي العالمي. وقد انصبت أنشطة الأحزاب السياسية وبرامجها على تحرير فلسطين والتحرر من الاستعمار والوحدة العربية. لقد اكتسبت هذه الأحزاب مشروعية جماهيرية وامتداداً شعبياً واسعاً بسبب هذه البرامج والمطالب. وانخرطت في صفوفها فئات اجتماعية كبيرة مثل: الطبقة الوسطى والمهنيين والعمال وأبناء العشائر. استطاعت الأحزاب السياسية أن تمثل أغلبية برلمانية في انتخابات عام 1956، الأمر الذي حدا بالملك حسين الطلب من قائد أكبر حزب (سليمان النابلسي)، على الرغم من أنه لم ينجح في الانتخابات، أن يؤلف حكومة وطنية عريضة، ولكنها لم تستمر بسبب اصطدام برامجها مع توجهات الدولة في تلك الفترة، وحلت الحكومة بعد ذلك بفترة وجيزة، وحين بلغ الصدام بين الأحزاب السياسية والدولة أشده أمرت الحكومة بحل الأحزاب السياسية ومنع العمل الحزبي في الأردن، إذ دخلت البلاد في مرحلة من القمع السياسي غير المسبوق حتى تلك الفترة الأمر الذي أدى بالأحزاب السياسية إلى التوجه نحو العمل السري[4].
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
15 من 33
- المرحلة الثالثة(1971-1989)
جاءت هذه المرحلة بعد حرب حزيران/ يونيو واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، وظهور المقاومة الفلسطينية على الساحة الأردنية، وانخراط أغلب الأحزاب في هذه الحركة التي وجهت جل اهتمامها نحو تحرير فلسطين. ثم جرت أحداث أيلول/ سبتمبر عام 1970، التي أدت إلى خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة من الأردن. وقد فتح هذا الخروج الباب أمام مرحلة جديدة في الحياة السياسية الأردنية، تميزت بضعف أو اندثار الأحزاب السياسية الأردنية. وخلال فترة السبعينات والثمانينات ظهر إلى جانب تنظيمات الحزب الشيوعي وحزب البعث تنظيمات ذات امتداد فلسطيني، وهي يمكن وصفها بأنها فروع للفصائل الفلسطينية على الساحة الأردنية. وبوجه عام، بقيت الأحزاب السياسية الجسم الرئيسي للمعارضة الأردنية، وإن كانت ممنوعة. وفي هذه الفترة نشطت الأحزاب السياسية من خلال الأطر والمؤسسات المرخص لها والمسموح بها، مثل النقابات المهنية والعمالية، إذ أضحت هذه المؤسسات ساحة للعمل الحزبي. واختلطت الأجندة الحزبية بالأجندة النقابية. لكن هيمنة الأحزاب، وبخاصة اليسارية والقومية، على هذه النقابات كانت عالية، ولا يزال تأثيرها يتفاعل حتى الفترة الحالية. وبقيت الحياة السياسية محكومة بالاحكام العرفية حتى عام 1989، الذي مهّد لانطلاقة جديدة في الحياة السياسية والحياة الحزبية في الأردن[5]..

4- المرحلة الرابعة(1989-2003)
مهّدت التطورات السياسية والاقتصادية والإقليمية والمحلية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي إلى عودة الحياة النيابية والحزبية في الأردن، فقد شهد الأردن أزمة اقتصادية خانقة في أواسط الثمانينات أدت إلى زيادة نسبة الفقر والبطالة. وبدأت الحكومة في تطبيق برنامج التكيُّف الهيكلي تحت إشراف البنك الدولي، الأمر الذي أدى إلى رفع أسعار المحروقات وتلته الانتفاضة الشعبية، التي بدأت في جنوب الأردن وامتدت إلى باقي المناطق. لقد تطورت مطالبة هذه الانتفاضة من احتجاج على الوضع الاقتصادي إلى مطالبة بالديمقراطية، إضافة إلى ذلك، مهد فك الارتباط بالضفة الغربية عام 1988 إلى تهيئة البيئة القانونية والسياسية الداخلية وإلى عودة الحياة النيابية أيضاً. جرت الانتخابات البرلمانية عام 1989، إذ سمح للحزبيين والأحزاب المشاركة بها. وبعد ذلك جرى استصدار قانون للأحزاب عام 1992 بعد مناقشات برلمانية وحزبية علنية مستعصية، وأصبح العمل الحزبي العلني مسموحاً به من جديد شرط الحصول على ترخيص حكومي. بناءً على ذلك، تأسست الأحزاب السياسية الأردنية وشهدت فترة التسعينات بداية انطلاقة عدد كبير من الأحزاب السياسية العقائدية والجديدة. ويشير الجدول رقم (3-3) إلى وجود 31 حزباً مرخصاً له في الأردن حتى شهر حزيران/ يونيو 2003. وهي مكونة من الأحزاب العقائدية والسياسية التي كانت موجودة في الأردن سابقاً وتعمل بصفة سرية، ومن مجموعة ليست بسيطة من الأحزاب السياسية التي ظهرت إلى العلن أول مرة بعد عودة الحياة الديمقراطية. ويمكن وصف هذه الأحزاب بأنها نتاج محلي أردني وليس لها امتدادات أيديولوجية أو تنظيمية خارجية، إلا في بعض الحالات القليلة.


الجدول رقم (3-3)
الأحزاب السياسية في الأردن (1989-2003)
الرقم التسلسلي اسم الحزب سنة التأسيس
1 حزب البعث العربي الاشتراكي الأردني 1993
2 الحزب الشيوعي الأردني 1993
3 حزب جبهة العمل الإسلامي 1992
4 حزب الشعب الديمقراطي الأردني "حشد" 1993
5 حزب المستقبل 1992
6 حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني 1993
7 الحزب التقدمي 1993
8 حزب البعث العربي التقدمي 1993
9 الحركة العربية الإسلامية الديمقراطية "دعاء" 1993
10 حزب العمل القومي (حق) 1994
11 حزب الجبهة الأردنية العربية الدستورية 1994
12 حزب الأحرار 1994
13 حزب اليسار الديمقراطي الأردني تاريخ الاندماج 1995
14 حزب الأنصار العربي الأردني  1995
15 حزب السلام الأردني 1996
16 حزب الأمة 1996
17 حزب الأرض العربية 1996
18 الحزب الوطني الدستوري 1997
19 حزب الحركة القومية الديمقراطية الشعبية 1997
20 حزب العمل الأردني 1998
21 حزب الأجيال الأردني 1999
22 حزب الفجر الجديد العربي الأردني 1999
23 حزب النهضة الأردني 1999
24 حزب الخضر الأردني 2000
25 حزب حركة حقوق المواطن الأردنية "حماة" 2000
26 حزب الشغيلة الشيوعي الأردني 2001
27 حزب حركة لجان الشعب الأردني  2001
28 حزب الرفاه الأردني 2001
29 حزب الوسط الإسلامي 2001
30 الحزب العربي الأردني 2002
31 حزب الرسالة 2002

المصدر: وزارة الداخلية، دائرة الأحزاب السياسية، الأردن، 2003.
ثانياً: التشريعات الخاصة بالأحزاب السياسية
تؤدي التشريعات الخاصة بالأحزاب السياسية دوراً مهماً في تطور الحياة الحزبية والسياسية بوجه عام. فأهمية التشريعات تكمن في أنها إما أن تكون عائقاً رئيسياً، وإما أن تكون عاملاً منشطاً وميسراً للعمل الحزبي. مرّت الحياة الحزبية والتشريعات الخاصة بها في الأردن بمراحل ومحطات مهمة، كان لها الأثر الأكبر في حياة الأحزاب السياسية الأردنية، التي سوف نعرضها بنوع من التفصيل.

1- تطور التشريعات الخاصة بالأحزاب السياسية
عرفت الساحة الأردنية التنظيمات والأحزاب السياسية مع بداية نشوء الإمارة أو حتى قبل نشوئها مطلع عشرينات القرن الماضي متزامنة بذلك مع نشوء الدولة الأردنية. وعلى الرغم من هذه البدايات المبكرة للحياة الحزبية، فإن التشريعات والقوانين الناظمة لأنشطتها لم تظهر إلا في أواسط الخمسينات. وكانت الأحزاب والتنظيمات السياسية تشمل بموجب قانون الجمعيات العثماني ولاحقاً بموجب قانون الجمعيات الأردني، شأنها في ذلك شأن باقي الجمعيات الخيرية والنوادي الثقافية والرياضية والاجتماعية. وكنتيجة لذلك، وفي غياب قانون للأحزاب السياسية، فقد كانت السلطة التنفيذية تتحكم بقرار تسجيل هذه الأحزاب. لذلك كان الترخيص لها يخضع للتبدلات في السلطة التنفيذية من جانب، وكان من جانب آخر يفسح المجال أمام الحكومات المتعاقبة لرفض تراخيص الأحزاب السياسية المعارضة وإعطاء تراخيص للأحزاب الموالية.
إن غياب تشريعات خاصة بالحياة الحزبية في هذه الفترة، على الرغم من وجود الأحزاب السياسية، ساهم على نحو فعّال في إضعاف دور الأحزاب في الحياة السياسية. وربما تكون إضافة عوامل موضوعية وذاتية أخرى قد ساهمت في ضياع الفرصة لتطور تدريجي للحياة الحزبية، وتطور الأحزاب إلى مؤسسات سياسية حزبية دائمة قادرة على المساهمة على نحو فعّال في الحياة السياسية للمجتمع الأردني. ولكن مع نهاية الحرب العالمية الثانية وحصول الأردن على الاستقلال السياسي في أواخر الأربعينات، ازدادت حدة المطالبة بتشريعات الحياة الحزبية، وقد جاء صدور وإقرار الدستور الأردني عام 1952 ليفسح المجال أمام تطوير قانون خاص بالأحزاب السياسية، إذ نص القانون في المادة السادسة عشرة على "أن للأردنيين الحق في تأليف الجمعيات والأحزاب السياسية على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف الدستور". وبذلك يكون الدستور الأردني قد هيأ البيئة القانونية لظهور أول قانون للأحزاب السياسية في الأردن عام 1955.
جاء حق تأليف الأحزاب في إطار جملة من الحقوق التي نص عليها الفصل الثاني من الدستور الأردني، المتعلق بحقوق الأردنيين وواجباتهم، والتي أكدت المساواة بين الأردنيين أمام القانون وصون حرياتهم الشخصية وحرية القيام بالشعائر الدينية والعقائد، وكفلت حرية الإعراب عن الرأي ضمن حدود القانون وغيرها من الحقوق الأخرى.
ثم صدر قانون الأحزاب السياسية رقم 15 لعام 1955، الذي جاء في 15 مادة. عرَّف القانون الحزب السياسي بأنه هيئة تعمل على تنظيم وتوحيد مساعيها في المضمار السياسي وفقاً لأحكام القانون. وأكدت المادة الثالثة حق الأردنيين في تأليف الأحزاب السياسية، على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف أحكام الدستور. وعدت المادة الرابعة من القانون الحزب السياسي بعد تسجيله شخصية معنوية لها حق الادعاء والدفاع باسمه والقيام بأي عمل آخر يميزه نظامه الأساسي. وقد أعطى القانون الحق لعشرة أشخاص أو أكثر في التقدم لتسجيل حزب سياسي، على أن يقدم الطلب إلى وزارة الداخلية، التي يقوم الوزير بعدها برفعه إلى رئيس مجلس الوزراء. وأعطت الفقرة الثالثة من المادة الخامسة لمجلس الوزراء حق منح أو رفض ترخيص الحزب، وعد قراره قراراً قطعياً. إضافة إلى ذلك، أجازت المادة العاشرة الحق لمجلس الوزراء أن يقرر حل الحزب إذا اقتنع بأن غاياته لم تعد مشروعة، أو أنه خالف نظامه الأساسي، أو أنه قدم بيانات غير صحيحة، وأنه تلقى إعانات مادية أو معنوية من جهات أجنبية أو خالف أي حكم من أحكام القانون. وقد عدت المادة الحادية عشرة قرارات مجلس الوزراء نهائية وغير خاضعة للطعن[6]..
اللافت للنظر في قانون الأحزاب هو السلطة المطلقة غير الخاضعة للطعن في قرارات مجلس الوزراء إذا ما قرر رفض طلب ترخيص أو حل حزب قائم ومرخص له من قبل. إضافة إلى ذلك، فإن الحالات التي تبرر حل الحزب بالقانون خاضعة لاجتهاد مجلس الوزراء وغير قابلة للمراجعة أو الطعن القضائي. لذلك يمكن الاستنتاج أن هذا القانون لم يكن أداة لتنظيم الحياة الحزبية بل كان أداة لضبط هذه الأحزاب والسيطرة عليها ومنعها من العمل السياسي الحر. وقد يكون مرد ذلك إلى سببين رئيسيين مرتبطين بالحياة السياسية في البلاد، وفي طبيعة الأحزاب التي كانت سائدة في تلك الفترة وفي أيديولوجياتها وبرامجها:
السبب الأول: هو أن سن قانون للأحزاب جاء على خلفية المد الجماهيري للفكر القومي والتحرري والعالمي، والذي جعل الساحة الأردنية زاخرة بالنشاط السياسي الجماهيري، وتمشياً أيضاً مع روح الحريات التي منحها الدستور الأردني.
السبب الثاني: ربما يعود إلى أن أغلب الأحزاب السياسية المعارضة كانت في حالة صراع مع الدولة ولم تكن معترفة بشرعية النظام السياسي. وبالتالي، كانت برامجها تتمحور حول نظام سياسي بديل للنظام القائم. وقد تجلى ذلك بطريقة أكبر لدى الأحزاب ذات التوجه القومي التي كانت تسعى لإقامة الدولة القومية العربية، الأمر الذي أدى بها إلى الصدام مع الدولة القطرية، وبالتالي كانت الدولة تنظر إلى هذه الأحزاب نظرة سلبية وعدائية هي الأخرى[7]..

لم يدم العمل بقانون الأحزاب طويلاً، إذ جرى تجميده بعد عامين فقط من صدوره عام 1957، في إثر اتخاذ الحكومة قراراً بحل الأحزاب السياسية القائمة وحظرها وتجميد العمل بالقانون المذكور. غير أن هذا التجميد الذي يفترض به أن يكون موقتاً استمر حتى عام 1992.
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
16 من 33
- قانون الأحزاب المعمول به حالياً (1992)
صدر قانون الأحزاب السياسية رقم 32 لعام 1992 المعمول به حالياً في أيلول/ سبتمبر 1992. وبدأ تنفيذه بعد ذلك بشهر. جاء القانون في 28 مادة عالجت قضايا مختلفة، من تعريف الحزب السياسي إلى إجراءات حل الأحزاب إلى القضايا الأخرى المختلفة. وفيما يلي قراءة لأهم الأحكام الناظمة لعمل الأحزاب كما جاءت في القانون.

أ- تعريف الحزب
عرفت المادة (3) الحزب بأنه "كل تنظيم سياسي يتألف من جماعة من الأردنيين وفقاً للدستور وأحكام القانون بقصد المشاركة في الحياة السياسية، وتحقيق أهداف محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والعمل بوسائل مشروعة وسلمية".

ب- متطلبات تأسيس الأحزاب وشروط العضوية فيها
تشترط المادة (5) من قانون الأحزاب أن لا يقل عدد مؤسسي أي حزب سياسي عن خمسين شخصاً. كما يتطلب القانون أن يكون العضو المؤسس أردنياً منذ عشر سنوات على الأقل، وأن يكون قد أكمل الخامسة والعشرين من عمره، وأن يكون متمتعاً بالأهلية المدنية والقانونية الكاملة، وألاّ يكون محكوماً بجناية أو جنحة مخلة بالشرف والأخلاق العامة أو بأي جناية أخرى، ما لم يكن قد رد اعتباره. واشترط القانون في المؤسس أن يكون مقيماً عادة في المملكة الأردنية الهاشمية، وألاّ يدعي جنسية أخرى أو حماية أجنبية، وألاّ يكون عضواً في حزب آخر، أو أي تنظيم سياسي حزبي غير أردني، وألاّ يكون من المنتسبين إلى القوات المسلحة الأردنية، أو الأجهزة الأمنية والدفاع المدني أو أن يكون قاضياً.

ج- شروط العضوية في الحزب السياسي
اشترطت المادة (16) من قانون الأحزاب أن يكون العضو المنتسب إلى الحزب قد أكمل الثامنة عشرة من عمره. كما اشترطت أن تنطبق عليه البنود الأخرى المنصوص عليها في المادة 5 من قانون الأحزاب، باستثناء الفقرة (أ) والمادة (5) اللتين تحددان الشروط المشار إليها أعلاه الواجب توافرها في مؤسسي الحزب.

د- النظام الأساسي للحزب
يتطلب تأسيس الحزب أن يكون له نظام أساسي معلن يحتوي على المعلومات الأساسية التالية:
1- اسم وشعار مميز لا يتشابه مع اسم وشعار حزب آخر.
2- عناوين معلنة لمقره الرئيسي ومقاره الفرعية إذا وجدت، ويشترط أن تكون جميعها داخل الأراضي الأردنية، وغير مختلطة مع/ أو قائمة ضمن أي مقار من المؤسسات العامة أوالخاصة أو الخيرية أو الانتاجية أو التعليمية.
3- قائمة بالمبادئ والأهداف التي يسعى الحزب لتحقيقها ووسائل تحقيقها.
4- شروط عضوية الحزب على أن تكون متفقة مع أحكام الدستور.
5- هيكل تنظيمي واضح بتشكيلات الحزب، وآليات اختيار قياداته وسبل تنظيم الحزب بأعضائه وممارسته أنشطته... ويشترط القانون أن تكون جميع هذه الإجراءات والتشكيلات قائمة على أساس ديمقراطي.
6- مالية الحزب وقواعد تنظيم شؤونه المالية والإدارية وإجراءات صرف أمواله، وأن تكون له موازنة نظامية.
7- إجراءات حل الحزب أو اندماجه مع غيره من الأحزاب وأسلوب تصفية أمواله.
8- إدراج نص في نظامه الأساسي يعلن فيه التزام الحزب المبادئ والقواعد المنصوص عليها في قانون الأحزاب.

هـ- إجراءات تسجيل الحزب السياسي وإشهاره
جرى تخصيص سبعة مواد لإجراءات تسجيل الحزب، أهمها: تقديم طلب تأسيس الحزب إلى وزير الداخلية؛ الذي يجب أن يوقعه جميع المؤسسين، وأن ترفق به بيانات ووثائق عديدة من أهمها: ثلاثة نسخ من النظام الأساسي موقع عليها من جانب المؤسسين، وقائمة بأسماء المؤسسين، وتفاصيل شخصية كاملة. وللوزير الحق أن يطلب إيضاحات أو وثائق أو بيانات يراها ضرورية لتنفيذ أحكام القانون. كما تعطي المادة العاشرة، الفقرة (أ)، وزير الداخلية صلاحية الإعلان عن تأسيس الحزب إذا وجد أن طلب التأسيس مستوفياً شروط القانون، وذلك خلال أسبوع من انقضاء ستين يوماً على تاريخ تسليم طلب التأسيس، أو خلال خمسة عشر يوماً على تسلم الإيضاحات والوثائق، ويجري الإعلان عن ذلك بنشره في الجريدة الرسمية. وإذا انقضت الفترة القانونية دون قرار من وزير الداخلية، يعد الحزب قانونياً ويستطيع ممارسة نشاطه.

أما المادة (17) فقد أباحت للحزب إصدار مطبوعة دورية أو أكثر وفق الشروط المنصوص عليها في قانون المطبوعات والنشر المعمول به. وصانت المادة (18) مقار الحزب ووثائقه ومراسلاته ووسائل اتصاله من المراقبة أو المزاحمة أو المصادرة، واشترطت لاتخاذ أي من هذه الاجراءات أن تكون صادرة بقرار قضائي. ونصت الفقرة (ب) من المادة نفسها على عدم جواز تفتيش أي مقر للحزب إلا في حالتي التلبس والجرم المشهود، وبقرار من المدعي العام وبحضوره، إضافة إلى وجود ممثل عن الحزب، أما إذا رفض الأخير، فيثبت ذلك في محضر التفتيش الذي يجري حينئذ بحضور شاهدين. وفي حال مخالفة الفقرة السابقة فيعد القانون التفتيش باطلاً، ويحمّل المخالف المسؤولية المدنية والجزائية. من ناحية أخرى، فقد يعفي القانون مقار الحزب من جميع الضرائب والرسوم الجمركية التي تترتب على الأموال غير المنقولة.

و- القيود أو الضوابط على الحياة الحزبية
وضع قانون الأحزاب رقم 32 لعام 1992 ضوابط عديدة ومتنوعة وصارمة على عمل الأحزاب السياسية، منها ما يدخل في نطاق المبادئ والقواعد السياسية العامة، ومنها ما هو متصل بالموارد المالية للأحزاب، ومنها ما هو خاص بالعلاقة بالدول والجهات الخارجية غير الأردنية. وبسبب أهمية هذه الضوابط والنواهي سننتناولها بشيء من التفصيل:
(1) الضوابط السياسية العامة: كرر قانون الأحزاب المبادئ والقواعد التي أوردتها وثيقة الميثاق الوطني، التي وضعت كنواظم وضوابط للعمل الحزبي في الأردن، فقد نصت المادة (21) على أنه يتعين على الحزب التقيد بالمبادئ والقواعد الآتية في ممارسة أعماله، وأن يدرجها بصورة واضحة في نظامه الأساسي:
- التزام أحكام الدستور واحترام سيادة القانون.
- التزام مبدأ التعددية السياسية في الفكر والرأي والتنظيم.
- التزام المحافظة على استقلال الوطن وأمنه وصون الوحدة الوطنية ونبذ العنف بجميع أوجهه وعدم التمييز بين المواطنين.
- التزام تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين عند تولي المسؤولية أو المشاركة فيها.
- التزام عدم وجود أي ارتباط تنظيمي أو مالي بأي جهة غير أردنية أو توجيه أي نشاط حزبي بناءً على أوامر أو توجيهات من أي دولة أو أي جهة خارجية.
- الامتناع عن أي تنظيم أو استقطاب حزبي في صفوف القوات المسلحة وأجهزة الأمن والدفاع المدني والقضاء أو إقامة تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية بأي صورة من الصور.
- عدم استخدام مؤسسات الدولة والمؤسسات العامة وجميع مؤسسات التعليم للتنظيم الحزبي، والمحافظة على حياد هذه المؤسسات تجاه الجميع في أداء مهماتها.

ويلاحظ أن النقاط السابقة لا غبار عليها، وقد وردت جميعها في الميثاق الوطني الذي أقرته جميع الفاعليات الحزبية والفكرية والسياسية، باستثناء الفقرة (ز) التي أدرجت جميع مؤسسات التعليم ضمن المؤسسات العامة للدولة التي يحظر استخدامها للتنظيم الحزبي. كما نجد أن الفقرة (ز) من المادة (21) تضيف بعد ذلك "الدعوة للمحافظة على حياد هذه المؤسسات تجاه الكافة في أداء مهامها".
ومن المعروف أن مجلس الأعيان توقف بوجه خاص أمام قضية النشاط الحزبي في المؤسسات التعليمية، وأعاد مشروع قانون الأحزاب الى مجلس النواب لعدم تضمينه نصاً واضحاً يحظر التنظيم الحزبي في المؤسسات التعليمية. وقد تمسك بعض أعضاء مجلس الأعيان بهذا الحظر ونجح في تثبيته في نص قانون الأحزاب.
(2) القيود والضوابط المالية: دعت المادة (19) الحزب الى "الاعتماد الكلي في موارده المالية على مصادر أردنية محلية معروفة ومعلنة ومحددة"، ومنحت الحزب حق "قبول الهبات والتبرعات من المواطنين الأردنيين فقط، على أن لا تزيد قيمة ما يقدمه الشخص الواحد عن خمسة آلاف دينار سنوياً"، وأباحت للحزب "استثمار أمواله وموارده داخل المملكة بالطرق التي يراها مناسبة، على أن تكون معلنة ومشروعة، وأن لا يكون الهدف من ذلك تحقيق أي كسب أو مصلحة شخصية لأي من أعضاء الحزب". وعدت المادة المذكورة أموال الحزب في حكم الأموال العامة، كما عدت القائمين على الحزب وموظفيه بحكم الموظفين العامين، إذ نصت على أنه تسري على أعضاء قيادة الحزب الأحكام الخاصة بالكسب غير المشروع الواردة في قانون العقوبات.
ولضمان تقيد الأحزاب بأحكام المادة (19) ألزمت المادة (20) الحزب تزويد وزير الداخلية "بنسخة من موازنته من كل سنة وببيان عن موارده المالية ومصادر تمويله ووضعه المالي" ومنحت المادة المذكورة الوزير أو من يفوضه حق الاطلاع على حسابات الحزب وتدقيق قيوده المالية.
أما المادة (24) فقد نصت في الفقرة (أ) على إصدار عقوبة الحبس "مدة لا تزيد على سنتين أو غرامة لا تتجاوز الفي دينار، أو بكلتا العقوبتين على كل من تسلم أي أموال من أي جهة غير أردنية لحساب الحزب، وعلى مصادرة تلك الأموال لحساب الخزينة".
(3) الضوابط الأمنية: نصت الفقرة (ب) من المادة (24) كذلك على "معاقبة كل من يشارك في حزب غير مرخص، أو لا يعلن عن نفسه وفق أحكام قانون الأحزاب رقم 32 لسنة 1992، بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر، أو بغرامة لا تتجاوز الخمسماية دينار أو بكلتا العقوبتين"، في حين نصت الفقرة (ج) من المادة نفسها "على معاقبة كل من أقام تنظيماً عسكرياً أو شبه عسكري بمقتضى أحكام قانون العقوبات".
(4) إجراءات حل الحزب السياسي: تطرق قانون الأحزاب رقم 32 لسنة 1992 إلى نوعين من حالات حل الحزب، هما الحل الطوعي أو الاختياري، الذي نظمته المادة (23) من القانون، التي تنص على إبلاغ قيادة الحزب إلى الوزير المختص، بكتاب تودعه في ديوان وزارة الداخلية، أي قرار يصدره الحزب بحل نفسه أو اندماجه أو تغيير قيادته أو إحداث تعديل في نظامه الأساسي، وذلك في غضون عشرة أيام من تاريخ صدور القرار أو الإجراء أو التعديل آنف الذكر.
وتلزم الفقرة (ز) من المادة (6) في قانون الأحزاب أن "يبين كل حزب في نظامه الأساسي إجراءات الحل الاختياري للحزب أو اندماجه مع غيره من الأحزاب، وتنظيم تصفية أمواله والجهة التي تؤول إليها هذه الأموال".
أما النوع الآخر من حالات حل الحزب فهو المفروض عليه فرضاً، وذلك بقرار تصدره محكمة العدل العليا يقضي بحله، إذ تنص الفقرة (أ) من المادة (25) على جواز حل الحزب بقرار من المحكمة بناءً على دعوى يقدمها الوزير، إذا خالف الحزب أي حكم من الفقرتين (2) و (3) من المادة (16) من الدستور، أو أخل بأي حكم جوهري من أحكام هذا القانون.
كما تجيز المادة المذكورة للمحكمة "أن تصدر قراراً بإيقاف الحزب عن العمل بناءً على طلب يقدمه الوزير" لكنها "قرار وقف عمل الحزب ملغىً إذا لم يقدم الوزير دعوى طلب حل الحزب خلال مدة ثمانية أيام من تاريخ تبليغه ذلك القرار". أي أن المادة المذكورة تفترض حالتين من قرارات حل الحزب، الأولى بدعوى مباشرة من الوزير بطلب حل الحزب للأسباب الواردة في الفقرة (أ) من المادة (25)، والثانية بطلب حل الحزب في إثر طلب وقفه عن العمل، وهذا يعني أن قرار وقف الحزب عن العمل قد يكون موقتاً إذا لم يتبعه طلب آخر إلى المحكمة بحل الحزب، وهو موقوت بمدة ثمانية أيام، يعود الحزب بعدها إلى استئناف عمله. أو قد يكون قرار وقف الحزب عن العمل توطئة لحل الحزب إذا تلاه حكم آخر بذلك بناءً على دعوى من الوزير إلى المحكمة.
وتلزم الفقرة (ب) من المادة المذكورة محكمة العدل العليا إصدار حكمها النهائي في أي دعوى تقام بموجب هذه المادة، خلال مدة لا تزيد على ستين يوماً من تسجيل الدعوى لديها.
أما الفقرة (ج) من المادة (25) فهي تشرح صلاحيات الوزير وإجراءاته في تقديم طلب دعوى حل أو وقف عمل الحزب.
(5) قراءة نقدية لقانون الأحزاب:كما أشرنا في مطلع هذه القراءة يمثل صدور القانون رقم 32 عام 1992، خطوة مهمة على طريق تشريع التعددية السياسية والحزبية وتكريسها في الأردن. ويعد القانون المذكور أحد مكتسبات مرحلة الانفراج الديمقراطي، التي هي تمثل في كل المعاني مرحلة انتقالية من عصر هيمنت الدولة فيه على الحياة السياسية بصورة شاملة ومطلقة، إلى مرحلة التحول نحو النظام الديمقراطي وإعادة التوازن إلى العلاقة ما بين الدولة والمجتمع، وهي المرحلة التي يفترض أن تأخذ مختلف المؤسسات الدستورية فيها دورها كاملاً في الحياة السياسية، وتطلق فيه طاقات المجتمع وحرياته في التنظيم والنشاط والمشاركة السياسية.
وإذا ما أخذنا قانون رقم 32 لعام 1992 في سياقه التاريخي، فهو يمكن عده خطوة متقدمة على وضع سابق تجمدت فيه الشرعية الحزبية والتعددية السياسية، بل خطوة متقدمة على قانون الأحزاب السابق رقم 15 لعام 1995، الذي كان يعطي مجلس الوزراء سلطة مطلقة في ترخيص الأحزاب وفي حلها دون أن تكون هذه السلطة موضع مراجعة أو طعن أمام أي مرجع قضائي، في حين وفر قانون الأحزاب الجديد إمكانية اللجوء إلى القضاء للطعن في قرار وزير الداخلية إذا ما امتنع عن إعلان تأسيس أي حزب سياسي، إذ إن محكمة العدل العليا هي المرجع وصاحبة القرار في حل الحزب، وليس مجلس الوزراء، كما كان الأمر بالنسبة إلى قانون الأحزاب السابق رقم 15 لعام 1955.
من ناحية أخرى، لا يمكن فصل الروح العامة لقانون الأحزاب السياسية عن الثقافة السياسية السائدة، ولا عن المناخ العام الذي ساد الأردن لعقود طويلة، فالثقافة السائدة لا تزال مشبعة بروح العداء للأحزاب السياسية والميل إلى عدها مصدراً للخطر على الاستقرار والأمن في البلاد. وهذا يفسر أن الدولة، وبخاصة أجهزتها التنفيذية، هيمنت على المجتمع الأردني منذ مطلع العشرينات، بل أدت دوراً مفرط الأهمية في تكوين المجتمع نفسه، وقد رسخ هذا النوع من التطور التاريخي للدولة الأردنية موقفاً حذراً وذهنية سياسية متحفظة تجاه أي جسم سياسي أو اجتماعي ينشط خارج نطاق مؤسسات الدولة الرسمية. وقد عزز هذا الموقف وتلك الذهنية حالة الاشتباك التاريخية بين الدولة الأردنية وبعض الأقطار والحركات السياسية العربية المجاورة، سواء في المرحلة المبكرة من نشأة الأردن الحديث (قبل حرب عام 1948) أو بعدها، التي شهدت مزيداً من تصعيد المواجهة بين الدولة الأردنية والأنظمة العربية ذات التوجه القومي، إذ كانت أحزاب المعارضة تتحالف مع تلك الأنظمة العربية في مواجهة سياسات الدولة الأردنية.
ويستفاد من تجربة الأردن السياسية أنه على الرغم من اعتراف الدستور بحق المواطنين الأردنيين في إقامة الجمعيات والأحزاب السياسية، وعلى الرغم من صدور قانون خاص بالأحزاب السياسية في أواسط الخمسينات، فإن التطور التاريخي للنظام السياسي الأردني لم يلحظ أي دور محدد للأحزاب في إطار مؤسساته. والأغلب أن ما ورد في الدستور قد استوحي من وحي شرعة حقوق الإنسان وتطلعات المرحلة التي صدر الدستور فيها. لكن الأحزاب السياسية ظلت في نظر الثقافة السياسية السائدة موضع شك إن لم يكن موضوع عداء سافر أو مضمر من جانب أركان السلطات التنفيذية.
ومن القضايا المهمة جداً واللافتة للنظر في قانون الأحزاب، أنه لم يعطِ دوراً للأحزاب السياسية في تداول الحكم، أو المشاركة فيه. إن عدم نص القانون على حق الأحزاب بالمشاركة أو في تداول الحكم يمكن عده من العوامل المهمة جداً والمعيقة أمام تطور الأحزاب السياسية، والحياة السياسية بوجه عام. لكن، في المقابل، لا يوجد نص في القانون أو الدستور الأردني يمنع الأحزاب من تأليف حكومة أو المشاركة في الحكم. وقد لجأ الملك حسين إلى تأليف حكومة حزبية مرة واحدة في تاريخ الحياة الحزبية والسياسية في الأردن.
بناءً على ذلك، كان من المتوقع أن يكون قانون الأحزاب الجديد محكوماً بذهنية "الديمقراطية المراقبة" أو "الديمقراطية المتحكم بها" أو "الديمقراطية المقيدة"، عن طريق آليات تشريعية وإجرائية عملية تعطي لوزارة الداخلية دوراً في الرقابة على نشاط الأحزاب وأموالها وعلائقها الخارجية، وعلى تقيدها بأحكام قانون الأحزاب وضوابطه.
لكن من ناحية أخرى، يمكن تفهم هذه الضوابط، أولاً إذا نظر إليها بوصفها ضوابط انتقالية يمكن تجاوزها مع تقدم المسار الديمقراطي ونضج التجربة الحزبية والسياسية، وثانياً إذا ما أخذنا في الحسبان إرث وثقافة أحزاب تكونت وهي تعمل "تحت الأرض" ولم يتكون لديها ثقافة وتقاليد ديمقراطية مستقرة ولم تمتلك بعد ناصية العمل السلمي والشرعي والعلني، ولا آليات الانتقال بنشاطها إلى المضمار البرلماني والمؤسسي والشعبي الواسع.
ويمكن النظر إلى قانون الأحزاب في صيغته المقررة بوصفه حصيلة مساومات وضغوط متبادلة، وقد جرى التوافق عليه في البرلمان بعد رحلة طويلة من مناقشات دارت على مختلف المستويات. وما يعبر عن طبيعة "الحل الوسط" الذي انتهى القانون إليه أنه أعطى وزير الداخلية سلطة الإعلان عن تأسيس الحزب مع ضمان الاحتكام إلى المحكمة في حال عدم اتخاذه قواعد الإعلان. في المقابل نجد أن الحزب ما أن يكتسب صفته الشرعية بعد الإعلان عن تأسيسه لا يمكن حله بقرار إداري من وزير الداخلية وإنما بالقانون وذلك بطلب من المحكمة.
أخيراً، وفّر قانون الأحزاب رقم 32 لعام 1992 إمكان التأسيس للتعددية الحزبية ولبناء الحياة الحزبية الأردنية على أسس ديمقراطية وعصرية، لكنه لا يزال بحاجة إلى تطورات عديدة تحرره من التعقيدات والضوابط الاجرائية المبالغ فيها، التي تعكس حالة عدم الثقة في الحالة الحزبية السابقة والراهنة. كما أن القانون بحاجة إلى توضيح المركز القانوني للأحزاب السياسية وإلى التداول الديمقراطي للسلطة. إن مثل هذه التطورات يمكن الشروع فيها تحت تأثير تطور الحياة الحزبية الأردنية نفسها وعن طريق تنامي وزنها تحت قبة البرلمان وفي مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية[8]..
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
17 من 33
ثالثاً: واقع الأحزاب السياسية في الأردن
1- حجم الأحزاب السياسية وبنيتها
بلغ عدد الأحزاب السياسية في الأردن 31 حزباً منذ صدور قانون الأحزاب السياسية عام 1992، أي بمعدل ثلاثة أحزاب سنوياً تقريباً (انظر الجدول رقم (3-3)). وقد شهدت الفترة التي تلت صدور قانون الأحزاب مباشره ترخيص الأحزاب العقائدية المحظورة سابقاً (القومية واليسارية والإسلامية)، ثم بدأت تظهر بعد ذلك ما يمكن تسميته الأحزاب الجديدة أو تلك التي لم يكن لها نشاط حزبي سري قبل تلك الفترة. وعلى الرغم من أنه لا يوجد أرقام وبيانات متاحة حول حجم الأحزاب السياسية وعضويتها في الأردن، فإنه يمكن القول استناداً إلى الدراسات السابقة إن أغلبية هذه الأحزاب - مع استثناءات بسيطة - لا يتجاوز عدد أعضائها المئات وفي أحيان كثيرة أقل من ذلك.

2-الاتجاهات السياسية والأيديولوجية للأحزاب السياسية
تصنف الأحزاب عادة بتصنيفات عدة على أساس الأيديولوجية المحافظة أو التقدمية أو غيرها، ولكن التصنيفات عادة ما تخفي احتمالية التقاطعات المختلفة أو الاختلافات بين الأحزاب أو بين مواقف مختلفة للأحزاب. وعلى الرغم من ذلك فمن المفيد تصنيف الأحزاب لأغراض تحليلية، آخذين في الحسبان احتمالية هذه الاختلافات وهذه التقاطعات. وستعتمد التوجهات الأيديولوجية والفكرية العامة كأساس للتصنيف. وبذلك يمكن تقسيم الأحزاب إلى أربع فئات عريضة، هي الاتجاه الإسلامي والاتجاه اليساري والاتجاه القومي والاتجاه الوسطي أو الوطني.
أ- الاتجاه الإسلامي
يوجد ثلاثة أحزاب سياسية ذات طابع إسلامي في الأردن، وهي:
(1) جبهة العمل الإسلامي: تعد جبهة العمل الإسلامي العمود الفقري للتيار الإسلامي وأكبر الأحزاب السياسية وليس فقط الإسلامية في الأردن. ويجمع المراقبون على أن جبهة العمل الإسلامي تمثل الذراع السياسي لحركة الأخوان المسلمين في الأردن، إذ كانت الحركة قبل صدور قانون الأحزاب الجديد، تمارس العمل السياسي إضافة إلى الأعمال الأخرى بصورة مباشرة. والجدير ذكره أن حركة الأخوان المسلمين هي التنظيم الوحيد الذي استمر يمارس نشاطه العلني دون انقطاع، بينما كانت الأحزاب السياسية الأخرى ممنوعة وتوجهت إلى العمل السري. ولكن الحزب يضم بين صفوفه شخصيات إسلامية مستقلة ليس لها علاقة تنظيمية بالأخوان المسلمين، وتقوم المبادئ الرئيسية على أساس تطبيق الشريعة الإسلامية في الأردن على نحو سلمي وتدريجي. وقد نادى الحزب بالتطبيق التدريجي للشريعة الإسلامية كمحاربة القروض الربوية، والحد من الترخيص للخمور وغيرها من المطالب. ويعد حزب جبهة العمل الإسلامي التنظيم السياسي الأكبر والأكثر امتداداً شعبياً والأكثر قوة على الساحة السياسية في الأردن، وهو شارك في جميع الانتخابات البرلمانية باستثناء انتخابات عام 1997، وكان لأعضائه حضور قوي فيها.
(2) الحركة الإسلامية الديمقراطية (دعاء): تأسس هذا الحزب عام 1993 وطرحت الحركة نفسها كنموذج عصري إسلامي منفتح من خلال المزاوجة بين فكرة القومية العربية والإسلام. ويعتقد الحزب أن لا تعارض بين الفكرتين لا بل إن إحداهما تدعم الأخرى. وتعدُّ حركة "دعاء" نفسها ممثل التيار العقلاني والمعتدل ضمن التيارات الإسلامية. لكن الحزب لا يتمتع بامتداد جماهيري كبير في الساحة الأردنية، وتبقى مشاركته في الحياة السياسية ضعيفة ومحدودة. وقد ضمت الحركة بين صفوفها مسيحيين حين رفعت شعار تعالوا نتعلم كيف نختلف.
(3) حزب الوسط الإسلامي: تأسس الحزب عام 2001، وقد ضم مؤسسو هذا الحزب عدداً من أعضاء جبهة العمل الاسلامي السابقين وعدداً من المستقلين الإسلاميين والنواب والذين شغلوا مناصب حكومية في فترة معينة. ويعد هذا الحزب أكثر اعتدالاً بمواقفه السياسية والأيديولوجية من مواقف جبهة العمل الإسلامي، إذ إنه يؤمن بالحوار الفكري كأساس للعمل السياسي داخل الحزب ويؤمن بالتعددية الفكرية والسياسية. ولكن بسبب الحداثة النسبية لنشوء هذا الحزب، فمن الصعب التكهن بدوره المستقبلي على الساحة السياسية الأردنية.

ب-الاتجاهات اليسارية
ينضم تحت لواء هذا الشعار عدد ليس بسيطاً من الأحزاب اليسارية، التي كانت في أغلبها نشطة وموجودة على الساحة السياسية منذ الخمسينات والستينات وقد عملت ومارست جميع هذه الأحزاب النشاط الحزبي السري قبل عام 1988 وهذه الأحزاب هي:
(1) الحزب الشيوعي الأردني: يعد الحزب الشيوعي الأردني استمراراً للحزب الشيوعي الذي تأسس عام 1951، وقد عانى هذا الحزب عدم الشرعية والملاحقة الأمنية خلال فترة الأحكام العُرفية، إذ كان مسلطاً عليه قانون مقاومة الشيوعية الذي يعود تاريخه إلى الأربعينات. وقد نادى الحزب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بمبدأ الأردن الديمقراطي، وهو يعد ناقد شديد لسياسة الانفتاح الاقتصادي وتطبيع العلائق بإسرائيل. وقد عرف الحزب الانشقاقات بين صفوفه عدة مرات، الأمر الذي أدى، إلى جانب عوامل أخرى كثيرة، إلى انحسار تأثير الحزب ونفوذه كثيراً مقابلة بموقعه على الساحة السياسية قبل عام 1989.
(2) الحزب الديمقراطي الاشتراكي: هذا الحزب منشق عن الحزب الشيوعي الأردني، وكان من الشعارات التي طرحها وقت الانشقاق ضرورة الانفتاح على المدارس الفكرية الماركسية المختلفة والابتعاد من السياسة الدوغماتية يضم الحزب في صفوفه تيارات ماركسية متعددة من الليبرالية إلى التروتسكية؛ وقد أصبح وجوده على الساحة السياسية ضعيفاً جداً، ولم يؤدِّ هذا الانشقاق إلى خلق تيار يساري أو اشتراكي معتدل على الساحة الأردنية.
(3) حزب الشعب الديمقراطي الأردني (حشد): انبثق هذا الحزب من منظمة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الموجودة على الساحة الأردنية. وبما أن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين منظمة فلسطينية فهي لم تكن قادرة على الاستمرار في العمل السياسي في الأردن بعد صدور قانون الأحزاب السياسية عام 1992. إلى جانب تولّد قناعة بأن خصوصية المجتمع الأردني والبرنامج النضالي في الأردن بحاجة إلى صيغة حزبية خاصة به. ولكن حشد لم يقطع علاقته بالجبهة الديمقراطية. يستند هذا الحزب أيديولوجياً إلى الماركسية وإلى مبادئ الاشتراكية العلمية. وقد مثله، قبل أن ينشق عنه، النائب بسام حدادين في البرلمان الأردني.
(4) حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني: كما هي الحال بالنسبة إلى الحزب الشعب الديمقراطي الأردني انبثق هذا الحزب من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو يسترشد بالماركسية اللينينية، وكان له ممثل في البرلمان عام 1989، وهو يرفض العملية السلمية ويعارض برنامج الانفتاح الاقتصادي. وقد شهد هذا الحزب في انسحابات متتالية لأعضائه.
(5) الحزب التقدمي الأردني: انبثق هذا الحزب من حزب الشعب الديمقراطي، وكان انعكاساً لانشقاق الجبهة الديمقراطية الذي يتزعمه ياسر عبد ربه في فلسطين. كانت شعارات الانشقاق تنادي بالتجديد والديمقراطية والانفصال التام عن الجبهة الديمقراطية. يدعم هذا الحزب المسيرة السلمية ويعارض برنامج الانفتاح الاقتصادي في الأردن.
(6) الحزب الديمقراطي الوحدوي الأردني (حزب اليسار الديمقراطي): نشأ هذا الحزب عام 1994 نتيجة اندماج ثلاثة أحزاب سياسية وجناح منشق عن حزب يساري، وأعلن عن نفسه عام 1995. ضم الحزب كلاً من الحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب العربي الديمقراطي والحزب التقدمي الديمقراطي. يضم هذا الحزب بين صفوفه تيارات يسارية مجددة وقومية ووطنية ليبرالية.
(7) حزب الشغيلة الأردني: هو انشقاق عن الحزب الشيوعي الأردني، قاده يعقوب زيادين (الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الأردني لفترة طويلة). شعارات الانشقاق هي: لا للدكتاتورية والجمود العقائدي. يعارض الحزب العملية السلمية وبرنامج الانفتاح الاقتصادي في الأردن.

ج- الاتجاه القومي
يشمل هذا التيار نحو ثمانية أحزاب سياسية ذات جذور فكرية وأيديولوجية ممتدة إلى الأحزاب القومية العربية التي نشأت في الخمسينات من القرن الماضي، ولها ارتباطاتها بحزب البعث السوري والعراقي أو بالاتجاه الناصري في مصر. تضم هذه الأحزاب: حزب البعث العربي الاشتراكي الأردني الذي تأسس في بداية الخمسينات وأعيد تأسسه عام 1993، وهو يعد الديمقراطية قاعدة أساسية في تكوين الدولة والحزب، وهو حزب عربي قومي أيضاً يؤمن بأن القومية حقيقة ثابتة، وقد شارك في البرلمان بأحد أعضائه في دورة عام 1997؛ وحزب البعث العربي التقدمي وهو يؤمن بالقومية العربية وبتحقيق الوحدة العربية من خلال النضال الديمقراطي، وهو لا يعالج السياسية القطرية إلا من وجهة نظر المصلحة العربية العليا، كما يؤمن بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وكان الحزب معارضاً للعملية السلمية وبرامج الانفتاح الاقتصادي في الأردن؛ وحزب العمل القومي، الذي تأسس عام 1994، وهو يسعى لتحقيق الوحدة العربية وقيام دولة عربية واحدة، ويعمل على تحرير جميع الأجزاء المختلفة من الوطن العربي، وفي مقدمها فلسطين وهو يؤمن بالعدالة الاجتماعية أيضاً، ويعارض العملية السلمية وبرنامج التصحيح الاقتصادي؛ وحزب الجبهة الأردنية العربية الدستورية الذي يدعو إلى تعميق الديمقراطية أسلوباً للحكم، وتعميق تضامن وتعاون أقطار الديار الشامية، وتوحيد البلاد السورية ورفض احتلال الأراضي العربية وغيرها. وكان هذا الحزب من معارضي عملية السلام؛ إضافة إلى حزب الأرض العربية الذي تأسس عام 1996، الذي يؤمن بالوحدة العربية وعروبة فلسطين وبالتعددية السياسية والفكرية والثقافية وبالتكامل الاقتصادي، وقد شارك أحد أعضاء الحزب في مجلس النواب عام 1997؛ ثم حزب الأنصار العربي، الذي تأسس عام 1997 وهو يؤمن بأن الإسلام عقيدة الأمة ومنهج حياة أبنائها وبتكريس الحالة الديمقراطية ومبدأ التعددية السياسية؛ وحزب الحركة القومية الديمقراطية الشعبية الذي تأسس عام 1997، وهو يؤمن بالقومية والوحدة العربية، وقد تعرض الحزب لأكثر من انشقاق في صفوفه، الأمر الذي أدى إلى إضعافه. يرتبط هذا الحزب بعلائق وثيقة بالجماهيرية الليبية؛ أخيراً الحزب العربي الأردني الذي جرى ترخيصه عام 2002، وهو يرى أن الأردن هو قلب الأمة العربية النابض وشعلة الحرية ومركز الديمقراطية الحقيقية. ومن مبادئ الحزب هذا في الدرجة الأولى حماية حقوق المواطن الاقتصادية والاجتماعية.

د-الاتجاهات الوسطية والمحافظة
برز هذا الاتجاه عقب عملية التحول الديمقراطي التي شهدها الأردن عام 1989، وهو يشمل طيفاً كبيراً من الأحزاب التي ظهرت على الساحة الحزبية والتي شهدت عمليات دمج وانشقاق في السنوات الماضية. وعلى الرغم من أن أغلبية هذه الأحزاب تعد نفسها وسطية فإنه من الصعب اعتماد هذا التصنيف بالمطلق، بل يمكن وصفها بأنها ذات توجهات محافظة ووسطية وليبرالية أحياناً، وذلك بحسب المعيار المعتمد للتصنيف. فقد يكون بعض هذه الأحزاب محافظاً في قضية ما ووسطياً في قضية أخرى. وما يميز هذه الأحزاب عن غيرها من الأحزاب التاريخية والأيديولوجية، هو أن فلسفتها وتوجهاتها الأيديولوجية ذات صيغة وطنية وليس لها جذور في التيارات السياسية والأيديولوجية المعروفة[9]، وإن كانت تميل في توجهاتها الأيديولوجية إلى الليبرالية الغربية، وبخاصة على الصعيدين السياسي والاقتصادي. والكثير من هذه الأحزاب لها ممثلين في البرلمان الأردني منذ نشوئه، لكن نادراً ما كان هؤلاء الأعضاء ممثلون لأحزابهم في الانتخابات بقدر ارتباطهم بعشائرهم وعلائقهم الشخصية. من أهم هذه الأحزاب: الحزب الوطني الدستوري، وحزب المستقبل، وحزب الجبهة الأردنية العربية الدستورية، وحزب السلام الأردني ...
3-العلائق داخل الأحزاب السياسية
تعد الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية أساساً في تقويم مدى التزام الأحزاب بالعملية الديمقراطية أو لا. وتعد في الوقت نفسه مؤشراً إلى أهمية ذلك في التكوين البرنامجي للأحزاب وأهدافها وطموحاتها. ومن الصعب وصف البنية الداخلية للأحزاب بهذه العجالة. لكن يمكن تصنيف العلائق الداخلية على النحو التالي:
إن بعض الأحزاب العريقة كحزب العمل الإسلامي والحزب الشيوعي وغيرهما من الأحزاب، تلتزم الأطر الديمقراطية في مسألة اتخاذ القرارات واتجاهاته القيادية داخل هذه الأحزاب. كما أن اعتماد مبدأ التعددية وقبول الاختلاف داخل الأحزاب نفسها يعد مؤشراً إضافياً إلى مدى توافر الديمقراطية في هذه الأحزاب. وعلى الرغم من صعوبة تقويم هذه المسألة، فإن حقيقة الأمر تظهر وجود تفاوت في مدى شفافية الاجراءات الداخلية للأحزاب، مع أن أغلبية الأحزاب العقائدية تحتوي على هيكلية ديمقراطية الحزب الواحد من حيث وجود أمين عام أو قائد للحزب ووجود مكتب سياسي ولجنة مركزية داخل الحزب وبصلاحيات محددة لكل منها. إلا أن الممارسة الفعلية قد تخضع لعوامل أخرى مختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب. ويمكن الخروج ببعض الاستنتاجات والملاحظات حول الممارسة الداخلية للأحزاب منها:
1- استمرارية القيادة في الصف الأول لفترات زمنية طويلة، باستثناء جبهة العمل الإسلامي التي تحظر لوائحها الداخلية تولي منصب الأمين العام لأكثر من دورتين متتاليتين[10]..
2- بروز ظاهرة الانشقاقات، وبخاصة داخل الصف الأول، الأمر الذي ربما يشير إلى أن الانشقاق وتكوين حزب جديد هو الطريقة الوحيدة للتعبير والتغيير.
3- طريقة عمل الأحزاب السياسية (انتخاباتها، وقراراتها...الخ) في أغلب الحالات غير معلنة وتجري في أطر غير رسمية ويعلن عنها رسمياً من خلال المجالس الرسمية.

4- الأداء السياسي الحزبي
هناك العديد من المؤشرات لقياس الأداء السياسي الحزبي، ولكننا سنكتفي هنا باستخدام دور الأحزاب السياسية في الانتخابات النيابية والوصول إلى البرلمان. فقد جرت في الأردن أربع انتخابات برلمانية منذ عام 1989، ويمكن عد وجود الأحزاب السياسية في البرلمان الأردني مؤشراً إلى أدائها السياسي. ومن مشاركة الأحزاب السياسية في هذه الدورات الانتخابية الأربع يمكن استنتاج بعض الملاحظات العامة:
1- الأداء المتواضع للأحزاب السياسية بوجه عام من حيث قدرتها على إيصال أعضائها الحزبيين إلى قبة البرلمان، وبالتالي فإن أغلبية أعضاء البرلمان تأتي من خلفيات عشائرية ومستقلة. يستثني هذا الاستنتاج حزب جبهة العمل الإسلامي[11]..
2- على الرغم من هذا الأداء المتواضع للأحزاب هناك تراجع في هذا الوجود في الدورة الانتخابية لعام 2003 لكل الأحزاب السياسية وإن كان بدرجات متفاوتة.
3- إن أغلبية الأحزاب السياسية لا تفصح عن مرشيحها وإن عدت المرشحين الذين ينتمون إليها بمنزلة مرشحيها، وذلك بسبب خشيتها من إحجام أبناء المناطق أو العشائر التي ينتمون إليها عن انتخاب هؤلاء المرشحين.

5- الأحزاب والسلطة التنفيذية
يمكن وصف العلاقة التي تربط الأحزاب السياسية بالسلطة التنفيذية بأنها علاقة يشوبها عدم الثقة بوجه عام، إلى الحد الذي يمكن أن يبلغ الصدام بين فترة وأخرى. وينظر كلا الطرفين إلى الآخر نظرة شك وريبة وتخوف. فالسلطة التنفيذية ترى من جهتها أن الأحزاب السياسية القائمة هي أحزاب لا يهمها مصلحة الوطن، وأن لها ارتباطات تنظيمية خارج الوطن وأنها لا تعطي المصلحة الوطنية الأولوية في أجندتها. في المقابل، تنظر الأحزاب السياسية إلى الحكومات المتعاقبة على أنها تنفذ برامج اقتصادية وسياسية ضد مصلحة الوطن، وأنها تقمع الحريات السياسية وتعمل كل ما في وسعها لإضعاف الأحزاب السياسية من خلال تجاهل وجودها وعدم الاكتراث لرأيها. لقد تخلل هذه العلاقة توترات عالية أحياناً انفراجات وحوارات حول قضايا محددة ومعينة أحياناً أخرى، ولكن هذه الحوارات أو الدعوات لم تنجح في تنقية الأجواء السلبية السائدة ونقلها إلى حالة شراكة. ومن المثير للانتباه أن الأحزاب السياسية تصر دوماً على أن تأخذ الحكومة في آرائها على الرغم من وجودها خارج المؤسسة البرلمانية، والأصل هو أن يتم التعبير عن صوت الأحزاب داخل البرلمان لا خارجه، وأن الأحزاب التي ليس لها وجود في البرلمان ربما لا يكون هناك ضرورة إلى سماع رأيها[12]..

رابعاً: الأحزاب السياسية والمجتمع
إن العلاقة بين الأحزاب والمجتمع تحكمها ظروف تاريخية بقدر ما تحكمها مسيرة تطور النظام السياسي والمشاركة السياسية في المجتمع الأردني. ويمكن القول إن الطريقة التي تطورت بها علاقة النظام السياسي بالمجتمع تؤثر بصورة مباشرة في علاقة الأحزاب بالمجتمع. ومن الملاحظات الأساسية على علاقة الدولة بالمجتمع هي أن الدولة قد آثرت التعامل مباشرة مع المجتمع والتواصل مع فئاته المختلفة والاستماع إلى همومه ومشاكله ومحاولة التعامل معه. وقد أعطى الدولة هذه الميزة كونها سابقة على تأسيس المجتمع، وبالتالي، فقد كانت لها اليد الطولى في تحديد أسلوب التعامل، ولم يستطيع المجتمع فرض آلياته أو أسلوبه في هذا السياق. من جانب آخر، آثر المجتمع بفئاته المختلفة التعامل مباشرة مع الدولة في معالجة قضاياه ومشاكله أيضاً. وفي هذا السياق مارست العشيرة كتنظيم تقليدي دوراً حاسماً في هذه المسألة. وقد جعل هذا الوضع الأحزاب غير ضرورية للوصول إلى السلطة لتقديم الخدمات ولحل المشكلات. وهكذا يمكن القول إن كلاً من الدولة والمجتمع لم يكونا بحاجة إلى الأحزاب السياسية في علائقهما وتحقيق مصالحهما المشتركة في الفترة السابقة. أضف إلى أن الفترة الطويلة من العمل الحزبي السري والقمع والمتابعة لأعضاء الأحزاب والنتائج التي ترتبت على حياتهم الشخصية من جراء ذلك، فقد أدت إلى تطور النظرة السلبية إلى الأحزاب السياسية وإلى تخوف من الانتماء إليها، إلى جعل العمل الحزبي غير مرغوب فيه وسلبياً وضد المصلحة الوطنية.
يعزز ذلك ما توصلت إليه استطلاعات الرأي، التي تشير إلى أن الانتماء إلى الأحزاب السياسية متدنِ جداً ولا يتجاوز 0.8 في المئة عام 2002، مسجلاً بذلك تراجعاً عن عام 1993، إذ بلغت 1.4 في المئة، كما أننا نحصل على النسبة نفسها تقريباً حول توجهات الناس نحو الانتماء إلى الأحزاب السياسية، والتي بلغت 0.9 في المئة من العام نفسه. ويشير الاستطلاع أيضاً إلى تدني المعرفة بالأحزاب السياسية، إذ أشار 10 في المئة من المنتمين فقط إلى أحزاب تمثل طموحاتهم، ولم يذكر أحد منهم عشرة أحزاب سياسية مسجلة رسمياً. وتشير هذه البيانات إلى ضعف أو غياب الامتداد الجماهيري للأحزاب السياسية في الأردن[13].
ومن الجوانب التي يجب التوقف عندها في معرض مناقشة علاقة الأحزاب بالمجتمع هو الجانب العشائري في الحياة السياسية الأردنية. وما لا شك فيه أن البعد العشائري في الحياة السياسية له جذوره مع بدايات تكون النظام السياسي وأن أهميته اختلفت بحسب المراحل المختلفة التي مر بها تطور المجتمع والدولة الأردنية. وفي هذا السياق يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
1- عند قيام الدولة الأردنية في بداية القرن الماضي، كانت العشائر، وبخاصة الكبرى منها، تهيمن على السلطة المحلية في البلاد، إذ كانت الأغلبية العظمى من الشعب الأردني تعمل إما في الزراعة أو الرعي. من هنا كانت القبيلة (العشيرة) هي التنظيم الاجتماعي والسياسي الأهم، إن لم يكن الوحيد في بداية نشوء الإمارة. فضلاً عن ذلك، كان الملك عبدالله الأول، مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية، قدم من الحجاز ضمن جهود الثورة العربية بإقامة دولة عربية كبرى في منطقة بلاد الشام. لذلك لجأت الدولة إلى التعامل مع التنظيم العشائري القائم على مستويين: الأول، كسب دعم العشائر الأردنية وتأييدها لتعزيز مشروعية الحكم، وبناء الدولة الأردنية. والثاني، تقويض السلطة العشائرية من أجل بسط سيادة ونفوذ الدولة الأردنية الجديدة بصورة تدريجية. إن هذه المعادلة، قد أدت بالعشائر أن تمارس دوراً مهماً في تكون الدولة الحديثة، والدفاع عنها، والمحافظة عليها. واستمرت الدولة في التعامل مع البنى التقليدية بصورة مباشرة في المراحل المختلفة من تكوينها، وبذلك استمرت العشيرة تؤدي دوراً مهماً في الحياة السياسية في الأردن.
2- أما في ما يتعلق بعلاقة العشيرة بالأحزاب السياسية، فقد كانت العشيرة هي المصدر الرئيسي للعمل الحزبي منذ نشأة الدولة؛ وحتى بداية الخمسينات، إذ تراجع دورها بصورة ملحوظة في الحياة الحزبية، وبخاصة مع المد القومي والديني والأممي بعد قيام دولة إسرائيل، واحتدام الصراع القومي ضد الاستعمار ووحدة الضفتين. واستطاعت الأحزاب السياسية في تلك الفترة تجاوز التنظيم العشائري، وإضعاف دوره، وخصوصاً في العمل السياسي الجماهيري في تلك الفترة. لكن بعدما حظرت الأحزاب السياسية والعمل الحزبي، وتعطلت الحياة البرلمانية عقب احتلال الضفة الغربية والصدام بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الأردنية عام 1970 وانحسار الأحزاب الأردنية، بدأ يبرز دور العشيرة من جديد وبدأ الانكفاء الشعبي والجماهيري عن الأحزاب السياسية وخسرت الأحزاب مصداقيتها الجماهيرية، وبخاصة في الضفة الشرقية. وأصبحت العشيرة تحتل مكانة سياسية مهمة وتمثل حلقة الوصل الأساسية بين الدولة والمجتمع الأردني. إضافة إلى ذلك، فشلت الأحزاب السياسية في الفترات السابقة وحتى بعد عودة الحياة الحزبية عام 1992، في بلورة أجندة سياسية أردنية وطنية. وبالتالي لم تستطع أن تتجاوز العشيرة وتقدم بديلاً مقنعاً لا للبرامج الحكومية أو للعشائر. في المقابل، استطاعت العشائر في الأردن، وبخاصة الكبيرة منها، أن تتكيف مع الديمقراطية وتغير من آليات العمل السياسي، وأن تقدم مصدراً تنظيمياً مهماً للعمل السياسي وبخاصة البرلماني، ومصدراً للدعم البشري أيضاً. ومن الجدير ذكره، أنه في الإنتخابات البرلمانية المتعاقبة، لجأ العديد من العشائر إلى استخدام أسلوب "ديمقراطي" في اختيار ممثليها قبل ترشيحهم للإنتخابات البرلمانية، من خلال إجراء انتخابات أولية للعشيرة لاختيار مرشحها للانتخابات.
من جانب آخر، فإن للعشائرية دوراً مهماً في التنظيمات الحزبية وبخاصة حديثة النشوء. فقد لجأ العديد من قيادات هذه الأحزاب إلى المخزون العشائري والمكانة العشائرية من أجل الحصول على الدعم والاستمرار في قيادة بعض الأحزاب السياسية.
خلاصة القول، إن ضعف الأحزاب السياسية على الساحة الأردنية يعود إلى أسباب داخلية مرتبطة بتكوينها الأيديولوجي والتنظيمي، ولكن يعود أيضاً إلى عدم قدرتها على منافسة الدولة في علاقتها بالعشيرة. كما أن العشائر الأردنية لم تكن مستعدة لأن تفرط في المكانة السياسية التي حصلت عليها من خلال علاقتها التاريخية بالدولة. ومن مؤشرات أهمية العشيرة في الحياة السياسية المعاصرة، هو أن الإنتماء العشائري لا يزال يمثل العامل الأول والأهم في اختيار المرشحين للانتخابات البرلمانية.
لكن يمكن عد هذه المرحلة مرحلة انتقالية أفرزتها تجربة عقود من العمل السياسي في الأردن، ويمكن تجاوزها مستقبلاً من خلال تغييرات جوهرية في قانون الأحزاب وقانون الانتخابات النيابية.
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
18 من 33
خامساً: الاستنتاجات والتوصيات
عرضنا مجمل واقع الأحزاب السياسية في الأردن بأبعاده القانونية والتاريخية والسياسية والاجتماعية، وسوف نعرض في هذا الجزء الأخير أهم خصائص الأحزاب السياسية والبيئة السياسية، التي قد تعمل كعوائق لتطور العمل الحزبي في الأردن في الوقت نفسه. وسنناقش أيضاً في جزء التوصيات أهم الأفكار المطروحة لتطوير الحياة السياسية بوجه عام والحزبية وبوجه خاص.

1- الخلاصة والاستنتاجات
على الرغم من الفترة الزمنية الطويلة التي وجدت فيها الأحزاب على الساحة السياسية في الأردن، فإنه يمكن الاستنتاج بأن تأثيرها في الحياة السياسية في الأردن بقي محدوداً. ويجادل البعض بأن تأثيرها حين كانت ممنوعة من العمل السياسي العلني كان أكثر من تأثيرها في ظل الانفراج الديمقراطي، وأن العمل العلني قد أدى إلى وضع الأحزاب في مواجهة السلطة والدولة والشعب في الوقت نفسه، وأن هذه المواجهة قد كشفت الى حد بعيد عجز الأحزاب السياسية عن تأدية الدور الدينامي المطلوب والمتوقع منها، وبقيت في أغلب الأحيان حبيسة أفكارها ووسائلها وتوجهاتها التي حكمتها لفترة زمنية طويلة. أما في ما يتعلق بالأحزاب السياسية حديثة النشوء، فيبدو أنها كانت واجهة أو وسيلة لبعض السياسيين السابقين (الحزبيون والبيروقراطيون الذين خدموا الدولة) لإعادة دخولهم معترك الحياة السياسية، بدلاً من أن تكون (إضافة إلى ذلك) وسيلة للمشاركة في تطوير الحياة السياسية وتمثيل مصالح الفئات الاجتماعية المختلفة والدفاع عنها. وهذا ينطبق على الأحزاب السياسية العقائدية أيضا،ً باستثناء حالة أو حالتين، إذ بقيت هذه الأحزاب حبيسة الصالونات الفكرية والسياسية النخبوية.

هناك مجموعة عوامل موضوعية (ذات علاقة في البنية القانونية والسياسية والاجتماعية) وأخرى (ذات علاقة بالأحزاب نفسها) يمكن أن تكون قد أدت إلى هذا الوضع. من هذه العوامل:
1- إن البيئة القانونية التي وجدت الأحزاب نفسها بها كانت بيئة وأطراً يمكن وصفها بأنها معيقة أكثر منها ممكنة للعمل الحزبي. فقد عملت الأحزاب السياسية ضمن قوانين محددة لتأسيسها وعملها ونشاطها منذ تأسيس الإمارة حتى أواسط الخمسينات، ثم جرى منع العمل الحزبي حتى نهاية الثمانينات. إن هذه البيئة القانونية والسياسية السلبية للعمل الحزبي (قد يكون هناك مبررات لذلك) قد أثرت سلباً في القدرات التنظيمية والأيديولوجية للأحزاب السياسية، كما في علاقتها بالمجتمع والدولة على حد سواء، ويمكن أن تؤخذ حركة الإخوان المسلمين، ولاحقاً العمل الإسلامي المنبثقة منها والمرتبطة بها، دليلاً على هذا الاستنتاج، فالحركة منذ نشأتها في أواسط الأربعينات استمرت في ممارسة نشاطها السياسي والثقافي والاجتماعي دون انقطاع، وذلك بسبب تسجيلها كجمعية خيرية، الأمر الذي جعلها غير خاضعة لمنع عمل الأحزاب السياسية الذي تعرضت له الأحزاب الأخرى. واستطاعت أن تنمي علاقة قوية بالمجتمع والدولة أيضاً، وأن تطور بنيتها التنظيمية بصورة ملحوظة الأمر الذي جعلها دون منازع أهم وأكبر حزب سياسي أردني معاصر. إن تواصل تجربة حركة الأخوان المسلمين قد مكنها من تربية تقاليد سياسية وقدرات تنظيمية ممكنة لها.
2- إن أغلبية الأحزاب العقائدية (القومية واليسارية والإسلامية) وتلك المنبثقة من منظمة التحرير الفلسطينية لاحقاً، لم تسخر أيديولوجيتها وبرامجها للمساهمة في بناء الدولة الأردنية، بل كان أغلبها وأغلب برامجها منصبين جعل الدولة الأردنية جسراً لتحقيق أهداف سوبر وطنية. فالقوميون كانوا يسعون لبناء الدولة العربية القومية، والاسلاميون لإقامة الدولة الإسلامية، والشيوعيون (حتى أواخر السبعينات) والأحزاب اليسارية المنبثقة من منظمة التحرير الفلسطينية لتحرير فلسطين وإقامة دولة اشتراكية. وبغض النظر عن الأسباب والمبررات التي أدت إلى ذلك، فهذا يعني ضمناً رفض مشروعية الدولة الأردنية القائمة والسعي لإيجاد بديل لها كل بحسب موقفه. لقد أدى هذا الوضع إلى قيام علاقة عدائية وقوية من عدم الثقة بين هذه الأحزاب والدولة. وكان من الصعب أن تقبل الدولة هذه التوجهات، وبالتالي ضاعت فرصة (فرص) بناء الدولة – الأمة، الأمر الذي أدى بالسلطة أيضاً إلى الانخراط في بناء الدولة (أجهزتها المختلفة ومنها الأمنية) لتأمين بقائها واستمرارها، واستطاعت السلطة أن تتجاوز الأحزاب السياسية وتقيم علاقة مباشرة بالمجتمع، فكان ذلك على حساب الانخراط في بناء الدولة – الأمة أيضاً، وأدى إلى بقاء الأحزاب خارج عملية التنمية السياسية. ولم تنته هذه الإشكالية (نظرياً على الأقل) إلا بعد تطور الميثاق الوطني الأردني الذي جاء بمنزلة عقد اجتماعي جديد أدى إلى اعتراف الأحزاب بمشروعية الدولة مقابل قبول الدولة بمشروعية الأحزاب ضمن الإطار القانوني الذي جرى تكريسه بقانون الأحزاب عام 1992.
3- أما في ما يتعلق بالأحزاب الحديثة والتي ظهرت بعد عام 1992، فإن أغلبية مؤسسيها هم من النخبة البيروقراطية السابقة في الدولة. وقد حاول البعض منها أن يصبح حزباً للدولة فتُستخدم الأحزاب للعودة إلى مؤسسات الدولة في ظل الديمقراطية. لذلك بقيت هذه الأحزاب ذات طابع نخبوي مرتبطة عضويتها بما يمكن تحقيقه من مكاسب سياسية شخصية، وبالتالي لم تستطع أن تقدم نفسها كأحزاب تسعى لتعزيز الديمقراطية والمشاركة السياسية، فضلاً عن أنها تفتقر إلى أيديولوجيات واضحة توجهها وتوجه برامجها، التي تمثل مزيجاً من مواقف وقضايا غير منسجمة فكرياً وأيديولوجياً. إن أغلبية الأعضاء الحزبيين الذين شاركوا في الانتخابات البرلمانية المختلفة لم يشاركوا كأعضاء حزبيين وإنما كمرشحين مستقلين أو عشائريين أو كلاهما معاً، وبالتالي تدنت فاعلية هذه الأحزاب ومصداقيتها وجدها في الشارع الأردني ولم تستطع أن تساهم بفاعلية في الحياة السياسية الأردنية.
4- إن وجود هذا العدد الكبير من الأحزاب السياسية لا يؤشر بالضرورة إلى ظاهرة صحية بقدر ما يعكس التشرذم الذي تشهده الساحة الحزبية الأردنية. وبنظرة سريعة إلى طروحات وبرامج هذه الأحزاب نجد أن الحدود الفاصلة بين حزب وآخر، وبخاصة ضمن الاتجاه السياسي والأيديولوجي، نفسه ضئيلة جداً. كما أن هذا العدد الكبير من الأحزاب لم يأتِ كنتيجة لتطورات مهمة حقيقية جرت في الشارع السياسي الأردني، بقدر ما كانت نتيجة لخلافات وانشقاقات ضمن أحزاب قائمة في السابق وهي مؤشر ضعف لا مؤشر قوة.
5- تعاني أغلبية الأحزاب السياسية الأردنية وجميع تياراتها السياسية عمومية برامجها السياسية وضعفها. والأهم من ذلك أنها تفتقر إلى آليات تحقيق هذه البرامج، ويؤخذ من هذا السياق أيضاً اختصار أنشطة الأحزاب السياسية على العمل الموسمي (الإنتخابات البرلمانية والأزمات الداخلية والإقليمية)، وعدم وجود أنشطة مستمرة أو متواصلة في اطار التنظيم أو التوعية أو غير ذلك.
6- باستثناء بعض الأحزاب، تفتقر الأحزاب السياسية الأردنية إلى البنية الداخلية الديمقراطية التي يمكن أن تكون مؤشراً إلى مدى تمسك هذه الأحزاب بالديمقراطية أو إلى قدرتها على التغير والتجديد. إن البناء الديمقراطي الداخلي يعد في غاية الأهمية لبناء مجتمع ديمقراطي، فإذا كانت الأحزاب نفسها غير ديمقراطية فمن المشكوك فيه قدرتها على تحقيق الديمقراطية والقبول بمبادئها.
7- على الرغم من وجود قانون للأحزاب، فإن القوانين الأخرى المرتبطة بالعملية الديمقراطية غير مشجعة لمشاركة حزبية فعّالة. ونورد هنا نقطتين مهمتين: الأولى، متعلقة بقانون الانتخابات، والثانية، متعلقة بتداول السلطة أو الحكم. في ما يتعلق بقانون الانتخاب فهو غير معد على أساس حزبي وإنما على أساس فردي، الأمر الذي يشجع الجهوية على حساب العمل السياسي المنظم. أما في ما يتعلق بتداول السلطة، فلا يوجد أي نص في الدستور الأردني ينص على ضرورة تأليف أحزاب ذات أغلبية برلمانية أو تحصل على عدد نواب أكثر الحكومة. كما جرت العادة في السنوات الخمس الماضية على تأليف الحكومة من خارج المؤسسة البرلمانية، الأمر الذي يُضعف الضرورة الحزبية للمشاركة في الحياة السياسية. بعبارة أخرى، فإن الفئات الاجتماعية المختلفة لا ترى في الأحزاب السياسية وسيلة لتحقيق الأهداف وإنما تبحث عن أطر وعلائق أخرى تمكنها من ممارسة حقوقها والمشاركة في العملية السياسية.
8- يبدو من الحالة السياسية السائدة في الأردن أن كلاً من الدولة والأحزاب السياسية يدركان وجود أزمة في عملية التحول الديمقراطي في الأردن. لكن كل طرف في الوقت نفسه يكتفي بوضع اللوم على الطرف الآخر دون محاولة لمس دور كل طرف في الأزمة الحالية. فالحكومة تلقي اللوم على الأحزاب السياسية وبرامجها وضعفها كسبب رئيس لهذه الحالة، وكذلك الأحزاب فهي تلقي اللوم بدورها على مواقف الحكومة واجراءاتها وقوانينها كعائق لعملية التحول الديمقراطي.

2- التوصيات
شهدت الساحة السياسية ولا تزال تشهد مناقشات وحوارات مستفيضة حول التنمية السياسية في الأردن، وبخاصة في ما يتعلق بدور الأحزاب السياسية بهذه العملية، إذ جرى استحداث حقيبة وزارية خاصة بالتنمية السياسية في الوزارة التي ألفها فيصل الفايز مؤخراً. ولعل مبادرة الأردن أولاً (السابقة على تأليف الوزارة)، وما انبثق عنها من لجان اشتملت على لجنة الأحزاب السياسية، جاءت تعكس رغبة الدولة وتطلعها إلى تطوير الحياة الحزبية في الأردن على نحو يساهم في عملية التنمية السياسية بوجه عام. إن هذه المبادرة تتم عن وعي سياسي بأهمية الأحزاب السياسية في التحول الديمقراطي وإدراكاً بأن الوضع الحالي يعاني إشكالية بات من الضروري تجاوزها. وبعد دراسة ومناقشة التجربة الحزبية في الأردن أكدت اللجنة أن لا ديمقراطية من دون أحزاب سياسية فعّالة، وقد خلصت اللجنة الى مجموعة من التوصيات بعضها موجه إلى الحكومة وبعضها الآخر إلى الأحزاب السياسية. ولأهمية هذه التوصيات ندرج أهمها:
أ- توصيات ومقترحات للحكومة
1- تعديل قانون الأحزاب السياسية الساري المفعول بهدف تجاوز بعض مظاهر الخلل في العمل الحزبي. ومن أهم هذه التعديلات المقترحة: إعطاء الحق لعشرة من الراغبين في تأسيس حزب بإخطار الوزير برغبتهم في تأسيس حزب سياسي، على أن يتقدموا بطلب ترخيص خلال مدة زمنية لا تزيد على العام. كما أوصت اللجنة بألاّ يقل عدد المؤسسين لأي حزب سياسي عن 200 شخص موزعين على ما لا يقل عن نصف محافظات المملكة وألاّ تقل نسبة النساء بينهم عن 10 في المئة. كما اشتملت التوصيات على تبسيط عدد من الإجراءات الخاصة بتأليف الأحزاب السياسية وعلى بعض الضوابط الخاصة بالعمل الحزبي، من أهمها:
- يحظر على الأحزاب جباية الأموال من المواطنين تحت أي ستار خارج عن إطار برنامجها السياسي.
- حظر استخدام أموال الزكاة والتبرعات المخصصة لأغراض إنسانية أو اجتماعية أو غيرها.
2- تعديل قانون الانتخاب الحالي الذي يقوم على مبدأ الصوت الواحد من خلال تخصيص 20 في المئة للقائمة الحزبية - النسبة تضاف الى مقاعد المجلس النيابي.
3- أوصت اللجنة بأن تخصص الحكومة في الموازنة العامة للدولة الأردنية دعماً مالياً للأحزاب يبدأ بجميع الأحزاب المرخص لها ثم يجري لاحقاً ضمن معايير محددة.
4- تعديل قوانين النقابات باتجاه تعزيز مهنيتها وابتعادها من العمل السياسي المباشر.
5- اعتماد منهج مدرسي وجامعي يركز على السياسة والمدنية وإبراز المفاهيم الايجابية للعمل الحزبي وتشجيع المواطنين على الانخراط في الأحزاب السياسية.
6- ضرورة مراجعة القوانين الناظمة للعمل العام والحريات والنشر والاجتماعات العامة من أجل تسهيل عمل الأحزاب. وفي هذا السياق كذلك أوصت اللجنة بحق الأحزاب السياسية في التعبير عن سياساتها ومواقفها عبر وسائل إعلام الدولة المختلفة.
7- مأسسة الحوار بين الحكومة والأحزاب السياسية مع ضرورة تفعيل القوانين وخاصة حيال التجاوزات التي يقوم بها بعض الأحزاب السياسية.
ب - توصيات ومقترحات للأحزاب
1- وجوب عدم قيام الأحزاب السياسية على أية أسس طائفية أو جهوية أو مناطقية.
على الأحزاب المخالفة للقانون أن تقوم بتصويب أوضاعها من أجل المساهمة في تطوير التجربة الديمقراطية الأردنية.
2- ضرورة السعي لإيجاد أطر وحدوية بين الأحزاب السياسية المتقاربة فكرياً أو أيديولوجياً وسياسياً، لتجاوز أزمة التشرذم والتجزئة.
3- على الأحزاب السياسية أن تضع القضايا الوطنية الأردنية في صدارة أولوياتها، مع ضرورة التحرر من الارتباطات التنظيمية أو المالية مع الجهات الخارجية أياً كانت. وفي السياق نفسه، يجب أن تقوم الأحزاب في إحياء المناسبات الوطنية بطريقة تعزز الروح الوطنية لمنتسبيها وللجمهور وتقديم العلم الأردني على الأعلام الحزبية[14]..
ج - ملاحظات حول مقترحات الأردن أولاً
تحتوي توصيات لجنة الأحزاب المنبثقة من لجنة الأردن أولاً على عدد من الأفكار والمقترحات والتفاصيل المهمة، ولا سيما أنها خرجت بتوصيات محددة لكل من الحكومة والأحزاب على حد سواء. ونحن نعتقد أن المقترحات التي تضمنتها يجب أن تخضع للمناقشة العلنية بين السلطة التنفيذية وبين كل أطياف المجتمع المدني بما فيها الأحزاب السياسية والبرلمان (أطلقت وثيقة الأردن أولاً قبل الإنتخابات النيابية التي جاءت بالبرلمان الحالي). إن الهدف من هذا الحوار هو التوصل نوعاً ما إلى اجماع حول الأولويات الواجب اتخاذها لتفعيل العمل الحزبي والأدوار المنوطة بكل طرف، والخروج بإجراءات محددة من أجل تفعيل الحياة الحزبية. لقد أبدت الدولة الأردنية على أعلى مستوى رغبتها في وجود أحزاب سياسية وطنية تشارك في عملية التنمية السياسية والتحول الديمقراطي في الأردن. وكان هناك اقتراح أو رغبة محددة للأحزاب من قبل الملك عبدالله الثاني في أن تندمج هذه الأحزاب بثلاثة أو أربعة تعبر عن التيارات الأيديولوجية والسياسية العريضة. والغريب في الأمر أن الأحزاب نفسها لم تبادر إلى الحوار الداخلي حول هذه المسألة، ويبدو أنها تنتظر الحكومة لتحاورها وتقوم بعملية التغيير. إن هذا الموقف السلبي يعكس الواقع الحزبي الأردني وهو جزء من المشكلة وليس من الحل.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن أن يكون للأحزاب دور مهم في العملية السياسية من دون المشاركة في الحكم من خلال تأليف الحكومات وتداول السلطة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تخضع لاعتبارات متعددة مرتبطة بالتركيبة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الأردني. فالدستور الأردني لا ينص صراحة على حق الأحزاب بتأليف الحكومة في حال فوزها بأغلبية الأصوات أو بأي شكل آخر، ولكن في الوقت نفسه لا يوجد نص يمنع ذلك، والسابقة الوحيدة في ذلك حصلت في أواسط الخمسينات حين طلب الملك حسين من سليمان النابلسي قائد الحزب الاشتراكي الوطني بأن يؤلف حكومة ائتلافية، ولكن عمرها كان قصيراً لأنها اصطدمت مع السلطة حول بعض السياسات الإقليمية، الأمر الذي أدى إلى استقالة الحكومة وحل الأحزاب السياسية بعد ذلك.
إن مشاركة الأحزاب في السلطة التنفيذية ضمن ضوابط معينة والإقرار بمبدأ تداول الحكم بين الأحزاب، هو الكفيل في تغيير الواقع الحزبي في الأردن، ولكن لا يبدو أن ذلك ممكناً في المدى المنظور، وبالتالي فإن التغيير سوف ينصب على المقترحات المذكورة أعلاه.
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
19 من 33
خامساً: الاستنتاجات والتوصيات
عرضنا مجمل واقع الأحزاب السياسية في الأردن بأبعاده القانونية والتاريخية والسياسية والاجتماعية، وسوف نعرض في هذا الجزء الأخير أهم خصائص الأحزاب السياسية والبيئة السياسية، التي قد تعمل كعوائق لتطور العمل الحزبي في الأردن في الوقت نفسه. وسنناقش أيضاً في جزء التوصيات أهم الأفكار المطروحة لتطوير الحياة السياسية بوجه عام والحزبية وبوجه خاص.

1- الخلاصة والاستنتاجات
على الرغم من الفترة الزمنية الطويلة التي وجدت فيها الأحزاب على الساحة السياسية في الأردن، فإنه يمكن الاستنتاج بأن تأثيرها في الحياة السياسية في الأردن بقي محدوداً. ويجادل البعض بأن تأثيرها حين كانت ممنوعة من العمل السياسي العلني كان أكثر من تأثيرها في ظل الانفراج الديمقراطي، وأن العمل العلني قد أدى إلى وضع الأحزاب في مواجهة السلطة والدولة والشعب في الوقت نفسه، وأن هذه المواجهة قد كشفت الى حد بعيد عجز الأحزاب السياسية عن تأدية الدور الدينامي المطلوب والمتوقع منها، وبقيت في أغلب الأحيان حبيسة أفكارها ووسائلها وتوجهاتها التي حكمتها لفترة زمنية طويلة. أما في ما يتعلق بالأحزاب السياسية حديثة النشوء، فيبدو أنها كانت واجهة أو وسيلة لبعض السياسيين السابقين (الحزبيون والبيروقراطيون الذين خدموا الدولة) لإعادة دخولهم معترك الحياة السياسية، بدلاً من أن تكون (إضافة إلى ذلك) وسيلة للمشاركة في تطوير الحياة السياسية وتمثيل مصالح الفئات الاجتماعية المختلفة والدفاع عنها. وهذا ينطبق على الأحزاب السياسية العقائدية أيضا،ً باستثناء حالة أو حالتين، إذ بقيت هذه الأحزاب حبيسة الصالونات الفكرية والسياسية النخبوية.

هناك مجموعة عوامل موضوعية (ذات علاقة في البنية القانونية والسياسية والاجتماعية) وأخرى (ذات علاقة بالأحزاب نفسها) يمكن أن تكون قد أدت إلى هذا الوضع. من هذه العوامل:
1- إن البيئة القانونية التي وجدت الأحزاب نفسها بها كانت بيئة وأطراً يمكن وصفها بأنها معيقة أكثر منها ممكنة للعمل الحزبي. فقد عملت الأحزاب السياسية ضمن قوانين محددة لتأسيسها وعملها ونشاطها منذ تأسيس الإمارة حتى أواسط الخمسينات، ثم جرى منع العمل الحزبي حتى نهاية الثمانينات. إن هذه البيئة القانونية والسياسية السلبية للعمل الحزبي (قد يكون هناك مبررات لذلك) قد أثرت سلباً في القدرات التنظيمية والأيديولوجية للأحزاب السياسية، كما في علاقتها بالمجتمع والدولة على حد سواء، ويمكن أن تؤخذ حركة الإخوان المسلمين، ولاحقاً العمل الإسلامي المنبثقة منها والمرتبطة بها، دليلاً على هذا الاستنتاج، فالحركة منذ نشأتها في أواسط الأربعينات استمرت في ممارسة نشاطها السياسي والثقافي والاجتماعي دون انقطاع، وذلك بسبب تسجيلها كجمعية خيرية، الأمر الذي جعلها غير خاضعة لمنع عمل الأحزاب السياسية الذي تعرضت له الأحزاب الأخرى. واستطاعت أن تنمي علاقة قوية بالمجتمع والدولة أيضاً، وأن تطور بنيتها التنظيمية بصورة ملحوظة الأمر الذي جعلها دون منازع أهم وأكبر حزب سياسي أردني معاصر. إن تواصل تجربة حركة الأخوان المسلمين قد مكنها من تربية تقاليد سياسية وقدرات تنظيمية ممكنة لها.
2- إن أغلبية الأحزاب العقائدية (القومية واليسارية والإسلامية) وتلك المنبثقة من منظمة التحرير الفلسطينية لاحقاً، لم تسخر أيديولوجيتها وبرامجها للمساهمة في بناء الدولة الأردنية، بل كان أغلبها وأغلب برامجها منصبين جعل الدولة الأردنية جسراً لتحقيق أهداف سوبر وطنية. فالقوميون كانوا يسعون لبناء الدولة العربية القومية، والاسلاميون لإقامة الدولة الإسلامية، والشيوعيون (حتى أواخر السبعينات) والأحزاب اليسارية المنبثقة من منظمة التحرير الفلسطينية لتحرير فلسطين وإقامة دولة اشتراكية. وبغض النظر عن الأسباب والمبررات التي أدت إلى ذلك، فهذا يعني ضمناً رفض مشروعية الدولة الأردنية القائمة والسعي لإيجاد بديل لها كل بحسب موقفه. لقد أدى هذا الوضع إلى قيام علاقة عدائية وقوية من عدم الثقة بين هذه الأحزاب والدولة. وكان من الصعب أن تقبل الدولة هذه التوجهات، وبالتالي ضاعت فرصة (فرص) بناء الدولة – الأمة، الأمر الذي أدى بالسلطة أيضاً إلى الانخراط في بناء الدولة (أجهزتها المختلفة ومنها الأمنية) لتأمين بقائها واستمرارها، واستطاعت السلطة أن تتجاوز الأحزاب السياسية وتقيم علاقة مباشرة بالمجتمع، فكان ذلك على حساب الانخراط في بناء الدولة – الأمة أيضاً، وأدى إلى بقاء الأحزاب خارج عملية التنمية السياسية. ولم تنته هذه الإشكالية (نظرياً على الأقل) إلا بعد تطور الميثاق الوطني الأردني الذي جاء بمنزلة عقد اجتماعي جديد أدى إلى اعتراف الأحزاب بمشروعية الدولة مقابل قبول الدولة بمشروعية الأحزاب ضمن الإطار القانوني الذي جرى تكريسه بقانون الأحزاب عام 1992.
3- أما في ما يتعلق بالأحزاب الحديثة والتي ظهرت بعد عام 1992، فإن أغلبية مؤسسيها هم من النخبة البيروقراطية السابقة في الدولة. وقد حاول البعض منها أن يصبح حزباً للدولة فتُستخدم الأحزاب للعودة إلى مؤسسات الدولة في ظل الديمقراطية. لذلك بقيت هذه الأحزاب ذات طابع نخبوي مرتبطة عضويتها بما يمكن تحقيقه من مكاسب سياسية شخصية، وبالتالي لم تستطع أن تقدم نفسها كأحزاب تسعى لتعزيز الديمقراطية والمشاركة السياسية، فضلاً عن أنها تفتقر إلى أيديولوجيات واضحة توجهها وتوجه برامجها، التي تمثل مزيجاً من مواقف وقضايا غير منسجمة فكرياً وأيديولوجياً. إن أغلبية الأعضاء الحزبيين الذين شاركوا في الانتخابات البرلمانية المختلفة لم يشاركوا كأعضاء حزبيين وإنما كمرشحين مستقلين أو عشائريين أو كلاهما معاً، وبالتالي تدنت فاعلية هذه الأحزاب ومصداقيتها وجدها في الشارع الأردني ولم تستطع أن تساهم بفاعلية في الحياة السياسية الأردنية.
4- إن وجود هذا العدد الكبير من الأحزاب السياسية لا يؤشر بالضرورة إلى ظاهرة صحية بقدر ما يعكس التشرذم الذي تشهده الساحة الحزبية الأردنية. وبنظرة سريعة إلى طروحات وبرامج هذه الأحزاب نجد أن الحدود الفاصلة بين حزب وآخر، وبخاصة ضمن الاتجاه السياسي والأيديولوجي، نفسه ضئيلة جداً. كما أن هذا العدد الكبير من الأحزاب لم يأتِ كنتيجة لتطورات مهمة حقيقية جرت في الشارع السياسي الأردني، بقدر ما كانت نتيجة لخلافات وانشقاقات ضمن أحزاب قائمة في السابق وهي مؤشر ضعف لا مؤشر قوة.
5- تعاني أغلبية الأحزاب السياسية الأردنية وجميع تياراتها السياسية عمومية برامجها السياسية وضعفها. والأهم من ذلك أنها تفتقر إلى آليات تحقيق هذه البرامج، ويؤخذ من هذا السياق أيضاً اختصار أنشطة الأحزاب السياسية على العمل الموسمي (الإنتخابات البرلمانية والأزمات الداخلية والإقليمية)، وعدم وجود أنشطة مستمرة أو متواصلة في اطار التنظيم أو التوعية أو غير ذلك.
6- باستثناء بعض الأحزاب، تفتقر الأحزاب السياسية الأردنية إلى البنية الداخلية الديمقراطية التي يمكن أن تكون مؤشراً إلى مدى تمسك هذه الأحزاب بالديمقراطية أو إلى قدرتها على التغير والتجديد. إن البناء الديمقراطي الداخلي يعد في غاية الأهمية لبناء مجتمع ديمقراطي، فإذا كانت الأحزاب نفسها غير ديمقراطية فمن المشكوك فيه قدرتها على تحقيق الديمقراطية والقبول بمبادئها.
7- على الرغم من وجود قانون للأحزاب، فإن القوانين الأخرى المرتبطة بالعملية الديمقراطية غير مشجعة لمشاركة حزبية فعّالة. ونورد هنا نقطتين مهمتين: الأولى، متعلقة بقانون الانتخابات، والثانية، متعلقة بتداول السلطة أو الحكم. في ما يتعلق بقانون الانتخاب فهو غير معد على أساس حزبي وإنما على أساس فردي، الأمر الذي يشجع الجهوية على حساب العمل السياسي المنظم. أما في ما يتعلق بتداول السلطة، فلا يوجد أي نص في الدستور الأردني ينص على ضرورة تأليف أحزاب ذات أغلبية برلمانية أو تحصل على عدد نواب أكثر الحكومة. كما جرت العادة في السنوات الخمس الماضية على تأليف الحكومة من خارج المؤسسة البرلمانية، الأمر الذي يُضعف الضرورة الحزبية للمشاركة في الحياة السياسية. بعبارة أخرى، فإن الفئات الاجتماعية المختلفة لا ترى في الأحزاب السياسية وسيلة لتحقيق الأهداف وإنما تبحث عن أطر وعلائق أخرى تمكنها من ممارسة حقوقها والمشاركة في العملية السياسية.
8- يبدو من الحالة السياسية السائدة في الأردن أن كلاً من الدولة والأحزاب السياسية يدركان وجود أزمة في عملية التحول الديمقراطي في الأردن. لكن كل طرف في الوقت نفسه يكتفي بوضع اللوم على الطرف الآخر دون محاولة لمس دور كل طرف في الأزمة الحالية. فالحكومة تلقي اللوم على الأحزاب السياسية وبرامجها وضعفها كسبب رئيس لهذه الحالة، وكذلك الأحزاب فهي تلقي اللوم بدورها على مواقف الحكومة واجراءاتها وقوانينها كعائق لعملية التحول الديمقراطي.

2- التوصيات
شهدت الساحة السياسية ولا تزال تشهد مناقشات وحوارات مستفيضة حول التنمية السياسية في الأردن، وبخاصة في ما يتعلق بدور الأحزاب السياسية بهذه العملية، إذ جرى استحداث حقيبة وزارية خاصة بالتنمية السياسية في الوزارة التي ألفها فيصل الفايز مؤخراً. ولعل مبادرة الأردن أولاً (السابقة على تأليف الوزارة)، وما انبثق عنها من لجان اشتملت على لجنة الأحزاب السياسية، جاءت تعكس رغبة الدولة وتطلعها إلى تطوير الحياة الحزبية في الأردن على نحو يساهم في عملية التنمية السياسية بوجه عام. إن هذه المبادرة تتم عن وعي سياسي بأهمية الأحزاب السياسية في التحول الديمقراطي وإدراكاً بأن الوضع الحالي يعاني إشكالية بات من الضروري تجاوزها. وبعد دراسة ومناقشة التجربة الحزبية في الأردن أكدت اللجنة أن لا ديمقراطية من دون أحزاب سياسية فعّالة، وقد خلصت اللجنة الى مجموعة من التوصيات بعضها موجه إلى الحكومة وبعضها الآخر إلى الأحزاب السياسية. ولأهمية هذه التوصيات ندرج أهمها:
أ- توصيات ومقترحات للحكومة
1- تعديل قانون الأحزاب السياسية الساري المفعول بهدف تجاوز بعض مظاهر الخلل في العمل الحزبي. ومن أهم هذه التعديلات المقترحة: إعطاء الحق لعشرة من الراغبين في تأسيس حزب بإخطار الوزير برغبتهم في تأسيس حزب سياسي، على أن يتقدموا بطلب ترخيص خلال مدة زمنية لا تزيد على العام. كما أوصت اللجنة بألاّ يقل عدد المؤسسين لأي حزب سياسي عن 200 شخص موزعين على ما لا يقل عن نصف محافظات المملكة وألاّ تقل نسبة النساء بينهم عن 10 في المئة. كما اشتملت التوصيات على تبسيط عدد من الإجراءات الخاصة بتأليف الأحزاب السياسية وعلى بعض الضوابط الخاصة بالعمل الحزبي، من أهمها:
- يحظر على الأحزاب جباية الأموال من المواطنين تحت أي ستار خارج عن إطار برنامجها السياسي.
- حظر استخدام أموال الزكاة والتبرعات المخصصة لأغراض إنسانية أو اجتماعية أو غيرها.
2- تعديل قانون الانتخاب الحالي الذي يقوم على مبدأ الصوت الواحد من خلال تخصيص 20 في المئة للقائمة الحزبية - النسبة تضاف الى مقاعد المجلس النيابي.
3- أوصت اللجنة بأن تخصص الحكومة في الموازنة العامة للدولة الأردنية دعماً مالياً للأحزاب يبدأ بجميع الأحزاب المرخص لها ثم يجري لاحقاً ضمن معايير محددة.
4- تعديل قوانين النقابات باتجاه تعزيز مهنيتها وابتعادها من العمل السياسي المباشر.
5- اعتماد منهج مدرسي وجامعي يركز على السياسة والمدنية وإبراز المفاهيم الايجابية للعمل الحزبي وتشجيع المواطنين على الانخراط في الأحزاب السياسية.
6- ضرورة مراجعة القوانين الناظمة للعمل العام والحريات والنشر والاجتماعات العامة من أجل تسهيل عمل الأحزاب. وفي هذا السياق كذلك أوصت اللجنة بحق الأحزاب السياسية في التعبير عن سياساتها ومواقفها عبر وسائل إعلام الدولة المختلفة.
7- مأسسة الحوار بين الحكومة والأحزاب السياسية مع ضرورة تفعيل القوانين وخاصة حيال التجاوزات التي يقوم بها بعض الأحزاب السياسية.
ب - توصيات ومقترحات للأحزاب
1- وجوب عدم قيام الأحزاب السياسية على أية أسس طائفية أو جهوية أو مناطقية.
على الأحزاب المخالفة للقانون أن تقوم بتصويب أوضاعها من أجل المساهمة في تطوير التجربة الديمقراطية الأردنية.
2- ضرورة السعي لإيجاد أطر وحدوية بين الأحزاب السياسية المتقاربة فكرياً أو أيديولوجياً وسياسياً، لتجاوز أزمة التشرذم والتجزئة.
3- على الأحزاب السياسية أن تضع القضايا الوطنية الأردنية في صدارة أولوياتها، مع ضرورة التحرر من الارتباطات التنظيمية أو المالية مع الجهات الخارجية أياً كانت. وفي السياق نفسه، يجب أن تقوم الأحزاب في إحياء المناسبات الوطنية بطريقة تعزز الروح الوطنية لمنتسبيها وللجمهور وتقديم العلم الأردني على الأعلام الحزبية[14]..
ج - ملاحظات حول مقترحات الأردن أولاً
تحتوي توصيات لجنة الأحزاب المنبثقة من لجنة الأردن أولاً على عدد من الأفكار والمقترحات والتفاصيل المهمة، ولا سيما أنها خرجت بتوصيات محددة لكل من الحكومة والأحزاب على حد سواء. ونحن نعتقد أن المقترحات التي تضمنتها يجب أن تخضع للمناقشة العلنية بين السلطة التنفيذية وبين كل أطياف المجتمع المدني بما فيها الأحزاب السياسية والبرلمان (أطلقت وثيقة الأردن أولاً قبل الإنتخابات النيابية التي جاءت بالبرلمان الحالي). إن الهدف من هذا الحوار هو التوصل نوعاً ما إلى اجماع حول الأولويات الواجب اتخاذها لتفعيل العمل الحزبي والأدوار المنوطة بكل طرف، والخروج بإجراءات محددة من أجل تفعيل الحياة الحزبية. لقد أبدت الدولة الأردنية على أعلى مستوى رغبتها في وجود أحزاب سياسية وطنية تشارك في عملية التنمية السياسية والتحول الديمقراطي في الأردن. وكان هناك اقتراح أو رغبة محددة للأحزاب من قبل الملك عبدالله الثاني في أن تندمج هذه الأحزاب بثلاثة أو أربعة تعبر عن التيارات الأيديولوجية والسياسية العريضة. والغريب في الأمر أن الأحزاب نفسها لم تبادر إلى الحوار الداخلي حول هذه المسألة، ويبدو أنها تنتظر الحكومة لتحاورها وتقوم بعملية التغيير. إن هذا الموقف السلبي يعكس الواقع الحزبي الأردني وهو جزء من المشكلة وليس من الحل.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل يمكن أن يكون للأحزاب دور مهم في العملية السياسية من دون المشاركة في الحكم من خلال تأليف الحكومات وتداول السلطة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تخضع لاعتبارات متعددة مرتبطة بالتركيبة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الأردني. فالدستور الأردني لا ينص صراحة على حق الأحزاب بتأليف الحكومة في حال فوزها بأغلبية الأصوات أو بأي شكل آخر، ولكن في الوقت نفسه لا يوجد نص يمنع ذلك، والسابقة الوحيدة في ذلك حصلت في أواسط الخمسينات حين طلب الملك حسين من سليمان النابلسي قائد الحزب الاشتراكي الوطني بأن يؤلف حكومة ائتلافية، ولكن عمرها كان قصيراً لأنها اصطدمت مع السلطة حول بعض السياسات الإقليمية، الأمر الذي أدى إلى استقالة الحكومة وحل الأحزاب السياسية بعد ذلك.
إن مشاركة الأحزاب في السلطة التنفيذية ضمن ضوابط معينة والإقرار بمبدأ تداول الحكم بين الأحزاب، هو الكفيل في تغيير الواقع الحزبي في الأردن، ولكن لا يبدو أن ذلك ممكناً في المدى المنظور، وبالتالي فإن التغيير سوف ينصب على المقترحات المذكورة أعلاه.
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
20 من 33
الأحزاب السياسية في مصر
الواقع … وضرورات الإصلاح*
مقدمة
يحاول هذا الفصل رصد وتحليل واقع الحياة الحزبية في مصر من جهة تطور العمل الحزبي على مدى أكثر من ربع قرن هو عمر التجربة الحزبية (1976 - 2004)، وإبراز أهم العوامل والمتغيرات التي حكمت هذا التطور، والوقوف على أهم خصائص العمل الحزبي، بما يعين على استشراف المستقبل. ويبدو أن صعوبات كثيرة تقف في وجه هذه المحاولة، من أهمها كثرة التفاصيل المتعلقة بالتجربة التي لا يمكن الإلمام بها بأي حال. وفضلاً عن أن ذلك ليس ممكناً، فهو ليس مطلوباً أيضاً في دراسة بهذا الحجم، ولكن المطلوب - وتلك صعوبة أخرى - هو استخلاص المقولات الأساسية التي يمكن أن تصف هذا الواقع أو تفسره، والتي يمكن عدّها مقولات حاكمة. ومن الصعوبات أيضاً أن جوانب التجربة وعناصرها أو متغيراتها كثيراً ما تبدو متداخلة بعضها بالبعض الآخر بحيث يصعب الفصل بينها، بل يصعب أيضاً صوغ إطار تحليلي قادر على استيعاب كل هذه المتغيرات على نحو صحيح.
تنصب الدراسة في هذا النحو على الخريطة الحزبية في مصر، التي تشمل: الحزب الوطني (الحزب الحاكم) وأحزاب المعارضة الرئيسية، وهي: حزب التجمع (برئاسة رفعت السعيد) الذي نشأ عام 1976 بالتحالف بين تيارات ماركسية وناصرية وقومية، ثم غلب عليه الطابع الماركسي ثم تبنى أخيراً الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي؛ وحزب الوفد (برئاسة نعمان جمعة) ذو الطابع الليبرالي، وحزب العمل الاشتراكي (برئاسة ابراهيم شكري) الذي تبنى التوجه الإسلامي منذ تحالفه مع الإخوان المسلمين عام 1987 والذي جرى تجميده وإغلاق صحيفته في آب/ أغسطس 2000؛ ثم الحزب الناصري (برئاسة ضياء الدين داود) الذي تأسس بموجب حكم قضائي عام 1992 ويعبر عن التيار الناصري القومي. فضلاً عن ثلاثة عشر حزباً أخرى تعد أحزاباً هامشية إلى حد كبير، منها حزب الأحرار (نشأ عام 1976)، وكان يرئسه مصطفى كامل مراد، وجرى تجميده في أيلول/ سبتمبر 1998 بسبب الصراع على رئاسته بعد وفاة رئيسه. أما الأحزاب الأخرى فقد نشأت بأحكام قضائية (عدا حزب الوفاق الوطني) وهي مجهولة إلى حد كبير، ولا تعبر عن اتجاهات سياسية واضحة، ولا تملك عضوية يعتد بها، وهي: حزب الأمة، والخضر، والاتحادي الديمقراطي، والشعب الديمقراطي، ومصر الفتاة، ومصر العربي الاشتراكي، والتكافل الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، والوفاق الوطني، ومصر 2000، والجيل الجديد، ومنها عدة أحزاب مجمدة أيضاً، وهي: حزب العدالة، والاتحادي الديمقراطي، والشعب الديمقراطي، ومصر الفتاة، ومصر العربي الاشتراكي، والأحرار، والخضر، والوفاق القومي، ثم أخيراً حزب الغد الذي وافقت عليه لجنة شؤون الأحزاب في تشرين الأول/ أكتوبر 2004[1].
يسعى هذا الفصل للإجابة عن عدد من الأسئلة، أهمها: ما هو الاتجاه العام لتطور الحياة الحزبية في مصر على مدى ربع قرن، وما هي العوامل والمتغيرات التي حكمت هذا التطور؟ وما هي مجموعة العوامل الموضوعية التي يمكن أن تفسر احتكار الحزب الحاكم للأغلبية والسلطة؟ وما حقيقة الأزمات التي تعانيها هذه الأحزاب في داخلها؟ وما علاقة كل هذه العوامل بتهافت أدوار الأحزاب في الحياة السياسية؟ ثم ماذا يمكن أن نتوقع في شأن المستقبل في ضوء هذا الواقع؟
يتضمن هذا الفصل أربع نقاط رئيسية: تتناول النقطة الأولى التعددية كإطار عام للتجربة، وتوضح هذه النقطة كيف أن ظروف النشأة قد تركت بصمتها على التجربة، بمعنى أن التجربة حملت الكثير من خصائص هذه النشأة التي كانت مرتبطة بظروف خاصة، لكنها تحولت إلى تقاليد أو اتجاهات أساسية امتدت حتى اليوم. وتعالج النقطة الثانية خصائص النظام الحزبي، فتركز على خاصية الاحتكار من جانب والاستقطاب من جانب آخر، وانعكاسهما على العلائق أو التفاعلات بين الأحزاب. وتتناول النقطة الثالثة أهم القضايا الداخلية للأحزاب، التي أصبحت بمنزلة أزمات حقيقية تهدد هذه الأحزاب بالانفجار من الداخل، فضلاً عن تأثيرها السلبي في أداء هذه الأحزاب. وتناقش النقطة الرابعة دور الأحزاب في الحياة السياسية، وتتعرض بالتحديد لوظيفتي التمثيل والمشاركة وما لحق بهما من تدهور، مع تحديد أهم مظاهر هذا التدهور وأسبابه. وأخيراً تضع الخاتمة أهم المبادئ التي يمكن أن تحكم تصورنا للمستقبل.
أولاً: الإطار العام (التعددية وتأثير النشأة)
لم تكن التعددية السياسية التي عرفتها مصر منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 1976 تتويجاً لمرحلة من التطور الطبيعي أو تعبيراً عن إرادة شعبية، بقدر ما كانت تجسيداً لتحول حاد ومفاجئ في الأيديولوجية والتوجهات جاء بقرار من جانب القيادة السياسية. وكان لهذه النشأة القسرية والمصطنعة أثرها الواضح في مسار التجربة وتكوين ملامحها الأساسية، فقد ظلت تجربة التعددية - وحتى اليوم - تعكس بوضوح خصائص هذه النشأة، أو بعبارة أخرى ظلت التجربة أسيرة نشأتها[2]..
ولما لم تكن القيادة السياسية تؤمن بقيمة التعددية فقد تصورت أن قيام تعددية حزبية لن يؤدي - أو لا ينبغي أن يؤدي ـ- إلى خلاف حول الاتجاهات الأساسية للحكم، ولا ينبغي أن يعطى الأحزاب فرصة الوصول إلى الحكم من خلال المعارضة أو العمل السياسي. معنى ذلك أن القيادة السياسية قررت أن تكون هناك أحزاب، لكن مع استمرار أيديولوجية "الإجماع السياسي" وممارساته، أو مع استمرار جوهر التنظيم الواحد وفلسفته. وعليه - ولتحقيق ذلك - تولت القيادة السياسية منذ البداية تقييد هذه التعددية من خلال سلسلة من الإجراءات. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات ارتبطت على الأغلب ببداية التجربة، وعلى الرغم من أنها جاءت لمواجهة ظروف طارئة أو لمعالجة مواقف عارضة، فهي عكست قدراً كبيراً من الاستمرارية إلى حد أنها كوّنت ملامح التجربة وصاغت تقاليد العمل فيها[3]. .
تمثلت هذه الإجراءات بالقوانين من ناحية، وبالممارسات العملية من ناحية أخرى، أو، بمعنى آخر، باستخدام أداتين هما الأداة التشريعية والأداة السياسية. فقد شهدت التجربة العديد من القوانين الاستثنائية المقيدة للحريات مثلت عائقاً حال دون إتمام مقومات التعددية أو عملية التحول الديمقراطي. من أمثلة هذه القوانين: القانون رقم 40 عام 1977 في شأن حرية تكوين الأحزاب والمعدل بالقانون رقم 114 عام 1980، الذي أفرغ حرية تكوين الأحزاب من مضمونها ووضع قيوداً صارمة على إمكان قيام أحزاب جديدة في المستقبل؛ والقانون رقم 33 عام 1978 في شأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، الذي احتوى على مواد كثيرة تهدد مبدأ كفالة الحريات العامة وحقوق المواطن؛ والقانون رقم 95 عام 1980 الخاص بحماية القيم من العيب، الذي تعارض مع مبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات؛ والقانون رقم 105 عام 1980 الخاص بسلطة الصحافة الذي فرض قيوداً على إصدار الصحف وملكيتها؛ والقانون رقم 114 عام 1983 المتعلق بتعديل أحكام القانون رقم 38 عام 1972 في شأن مجلس الشعب؛ وقانون الطوارئ رقم 50 عام 1982 الذي لا يزال ساري المفعول حتى الآن. وقد عرفت هذه القوانين بأنها مجموعة القوانين "سيئة السمعة"[4]..
وعلى الرغم من استثنائية هذه القوانين، ومن صدورها لمواجهة مواقف محددة فقد امتد تأثيرها إلى اليوم وتركت بصماتها على التجربة بصورة واضحة. فقد صدر قانون الأحزاب رقم 40 عام 1977 بخاصة - كما يرى المحللون - لضرب حزب التجمع بعد أحداث كانون الثاني/ يناير 1977، ثم جاء تعديل هذا القانون بالقانون رقم 36 عام 1979، الذي يفرض قيوداً صارمة على تكوين الأحزاب بغرض منع تحول حركة الإخوان المسلمين - أو أي تيار ديني - إلى حزب سياسي، والحؤول دون حصول أي حزب شيوعي أو ناصري على الشرعية. لكن القانون - على الرغم من ذلك - استمر، واستمرت الأهداف نفسها التي توخاها في البداية واستمرت الفلسفة نفسها التي انطلق منها. وقد عدّل القانون عدّة مرات في إطار الهدف نفسه وفي ضوء الفلسفة نفسها[5]. بعبارة أخرى إن المقصود من هذا القانون هو تقييد حرية تكوين أحزاب التي أصبحت جزءاً من تجربة التعددية، إذ إنه وضع قيوداً صارمة على هذه الحرية، وأعطى "لجنة الأحزاب السياسية" - من حيث التكوين والصلاحيات - الأمر الذي مكنها بالفعل من ممارسة هذه المهمة المنوطة بها أداؤها في تعطيل قيام أحزاب جديدة بكفاءة، فعدا الأحزاب الثلاثة التي وجدت قبل صدور القانون وتأليف اللجنة، وعدا حزبي الوفد والعمل اللذين تأسسا بدعم من القيادة السياسية (الرئيس السادات) ومساندتها، لم يحظ حزب واحد بحق الوجود عن طريق اللجنة، فقد رفضت جميع الأحزاب التي تقدمت لها منذ إنشائها وحتى الوقت الحالي والتي بلغ عددها أكثر من خمسين حزباً أو طلباً بتأسيس حزب. أما الأحزاب التي ظهرت إلى الوجود - بعد الأحزاب المذكورة سابقاً وعدا حزب الوفاق الوطني وحزب الغد الذي تأسس عام 2004- فهي جاءت استناداً إلى الأحكام القضائية، وهي: حزب الأمة، الحزب الاتحادي الديمقراطي، الحزب العربي الديمقراطي الناصري، حزب العدالة الاجتماعية، حزب الخضر المصري، حزب مصر الفتاة، حزب الشعب الديمقراطي، حزب التكافل الاجتماعي، وحزب مصر العربي الاشتراكي[6]. . ولا يعني ذلك أن القضاء كان منصفاً دائماً لفكرة تأسيس أحزاب جديدة، فكثيراً ما رفض طلبات مثل هذا التأسيس وكأنما كان على موعد مع اللجنة في هذا الشأن، إلى الحد الذي كون قناعة لدى الجميع بصعوبة، بل باستحالة، دخول أحزاب جديدة إلى الساحة السياسية.
فضلاً عن ذلك يرى البعض أن القانون رقم 33 عام 1978 وهو قانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، الذي عرف بقانون العزل السياسي، قد جاء لضرب حزب الوفد الجديد، لكن هذا التوجه: العزل السياسي أو تضييق الحريات أو المحاصرة لبعض القوى السياسية ومطاردتها، قد استمر. ويمكن الإشارة في هذا الصدد - إضافة إلى القانون السابق - إلى القانون رقم 50 عام 1982 وهو قانون الطوارئ، ثم جهاز المدعي العام الاشتراكي، الذي يرى المحللون أنه أنشئ بغرض تعقب أصحاب الآراء المخالفة للسلطة والتحقيق معهم، وهو التحقيق الذي أطلق عليه البعض مصطلح "التحقيق السياسي" الذي مثل نوعاً من الإرهاب الفكري والسياسي، ولعل أزمة حزب مصر الفتاة تقدم مثالاً واضحاً في هذا الشأن. أضف إلى ذلك الضوابط الصارمة التي انطوت عليها لائحة وزارة الداخلية التي نظمت الدعاية الانتخابية، وبخاصة ما يتصل منها بعقد الاجتماعات، إذ منعت اللائحة مشاركة العناصر التي عدّتها - أو تصفها - ضارة بالسلام الاجتماعي والوحدة الوطنية أو المكتسبات الاشتراكية للعمال والفلاحين أو الأفكار الخاصة بالعقيدة والدين. باختصار، إن استمرار هذا التوجه ليس بحاجة إلى إقامة الدليل، فثمة أمثلة عديدة يذكر منها قانون الصحافة (1992)، وقانون العمل الأهلي، وقانون العمد والمشايخ، وقانون تعيين عمداء الكليات[7]. .
تمثل الشق الثاني من إجراءات تقييد التعددية بالممارسات، ووهي يصدق عليها القول نفسه، إذ نجد أن هذه الممارسات التي توخت مواجهة ظروف محددة، قد أصبحت مرسخة بحيث تحولت إلى تقليد في العمل السياسي، فمن ناحية وضع الرئيس السادات في بداية التجربة ضوابط أو أطراً عامة لا يجوز للأحزاب أن تخرج عنها، وعبر عن هذه الأطر بأن هناك قضايا قومية لا يجوز الخلاف حولها أو الجدل في خصوصها، لأنها تتعلق بالمصالح العليا للوطن. وتمثلت المشكلة بأن ما وصف بأنه قضايا قومية كان من الاتساع بحيث لم يترك إلاّ هامشاً محدوداً للحوار أو الاختلاف.
أصبح ذلك بمنزلة تقليد في العمل السياسي، ودأبت السلطة على تكييف مفهوم المصالح العليا للوطن بقدر ما تريد محاصرة الخلاف في الرأي. وحتى حين سُمح - إجرائياً - بالاختلاف حول بعض القضايا أو فتح باب الحوار فيها، ظلت هذه القضايا خاضعة، من حيث تحديدها وإدارة الحوار فيها، لرؤية القيادة السياسية، وعلى نحو أفرغ حقيقة التعددية من مضمونها. من ناحية ثانية بدأ الرئيس السادات في تكوين المنابر باختيار بعض الرموز التي عدّها "وطنية" لتوفير الدعم السياسي في الداخل لمواجهة المعارضة الحادة عربياً وإسلامياً لاتفاقات كامب دايفيد، وعمد في تأليف لجنة الأحزاب السياسية إلى اختيار عناصر قريبة من دوائر السلطة. تلك هي الرؤية التي حكمت علاقته بالأحزاب بعد ذلك من خلال ممارسته لاختيار قياداتها، وتكرست هذه الرؤية في أغلب مؤسسات الحكم، فقد أصبحت العلائق الشخصية هي المحور الأساسي في تسيير العمل السياسي، ليس في إدارة التحول الديمقراطي، ولا في إدارة العلائق بين الأحزاب، أو داخل الأحزاب فقط، لكن في كل مناحي الحياة السياسية أيضاً. وبالتالي افتقر العمل السياسي - بما فيه العمل الحزبي - إلى الآليات المؤسسية، وبات من المستغرب أو المستبعد تداول السلطة بين الأحزاب ولا في داخل أي حزب. من ناحية ثالثة نلاحظ أن التقييد الذي مارسه الرئيس السادات على قيام المنابر (من بين أربعين طلباً قدمت، لم تقبل اللجنة المسؤولة عن إصلاح الاتحاد الاشتراكي آنذاك سوى ثلاثة طلبات) قد استمر ليمارس ضد تكوين الأحزاب في عدم قبول قيام أحزاب جديدة. من ناحية رابعة، إن توزيع الأدوار الذي مارسه السادات في نشأة الأحزاب قد بات تقليداً أساسياً في إدارة التوازنات الحزبية وفي تكوين النظام الحزبي، فحين جرى تحويل المنابر الثلاثة إلى أحزاب كان الهدف هو إقامة نوع من التوزيع الوظيفي لخدمة - حزب الوسط - الحزب الحاكم، بحيث تصبح وظيفة حزب اليمين استكشاف المدى الممكن للتحول نحو اليمين، ووظيفة حزب اليسار تجنيب الحكومة مسؤولية ما قد يترتب عن التحول صوب اليمين من خلل في البنية الاجتماعية. وسوف نلمس استمرار هذه الفلسفة في توزيع الأدوار كخاصية لازمت النظام الحزبي حتى اليوم. من ناحية خامسة نجد أن الجمع بين رئاسة الحزب الحاكم ورئاسة الدولة من جانب القيادة السياسية، قد وضع الأساس لاستغلال الحزب الحاكم لأجهزة الدولة، أو بالأحرى لهذا التداخل الكبير بين الحزب الحاكم وجهاز الدولة الذي يترتب عليه العديد من النتائج السلبية. ثم هناك أخيراً الممارسات المتعلقة بتضييق نطاق المشاركة السياسية وقنواتها، التي أصبحت تعكس توجهاً عاماً في الحياة السياسية، والتي لم تقتصر على أحزاب المعارضة فقط، وإنما امتدت إلى النقابات والنوادي والاتحادات والمنظمات غير الحكومية، فثمة إجراءات تعسفية اتخذت ضد بعض النقابات، وثمة تدخلات في العديد من انتخاباتها، وفي العديد من انتخابات الاتحادات (الطلابية مثلاً)، وفي حرية الصحافة، وثمة إجراءات ضد بعض المنظمات غير الحكومية (منظمات حقوق الإنسان)، وهناك مطاردات واعتقالات للعديد من العناصر الناشطة في العمل السياسي[8]..
مثّلت هذه الإجراءات في جملتها خصائص التعددية وتقاليد العمل السياسي عموماً، ومع التطور أو مع مرور الوقت رتبت العديد من النتائج التي يمكن أن تضاف إلى هذه الخصائص وتلك التقاليد، ومن أهم هذه النتائج:
1- إن المناخ العام للتجربة قد اتسم - أو تسمم - بالعداء والشك والريبة والتناقضات الجذرية وتبادل الاتهامات والمزايدات، وأصبح التفاعل على المستوى النفسي يحتل مساحة واسعة طغت على الحوار الجاد والمسؤول حول المصالح والسياسات، وتردي قاموس التعامل السياسي بين الجميع إلى مستوى يندى له الجبين، سواء من حيث مفرداته أو من حيث مضمونه أو قضاياه أو المنهج.
2- بقاء قوى وتيارات فاعلة في المجتمع خارج إطار الشرعية، ثم لجوء بعضها إلى التسلل إلى بعض الأحزاب سراً، أو إلى العمل خارج الإطار الحزبي، لكن في حدود تقاليد العمل السياسي (في النقابات مثلاً)، أو إلى العمل خارج إطار تقاليد العمل السياسي (باستخدام العنف).
3- أصبح هناك ثلاث أدوات للعمل السياسي، ليس من بينها ما يمكن أن يوصف بأنه "سياسي" أو "حزبي" بالمعنى الحقيقي للمصطلحين:
- الأداة الأولى هي القانون، وذلك في المواجهة بين الحكومة وأحزاب المعارضة، فالحكومة استخدمت التشريعات كأداة مهمة في تقييد التعددية وفي تضييق نطاق المشاركة وفي إضعاف المعارضة وتقزيمها، وسعت المعارضة لتعطيل هذه القوانين أو إلغائها أو استصدار قوانين أخرى، وكانت وسيلتها اللجوء إلى القضاء. في المقابل لجأت الحكومة إما إلى التأثير في القضاء - الذي يرى البعض أنه لم يفلت من هذا التأثير على الرغم من ما عرف به من نزاهة - وإما إلى عدم تنفيذ الأحكام القضائية في بعض الأحيان (أبرز مثال هو عدم السماح بعودة حزب العمل إلى الحياة السياسية على الرغم من حصوله على حكم قضائي في ذلك). المهم أن الأداة القانونية مثّلت فصلاً مهماً من فصول العلاقة بين الحكومة والمعارضة.
- الأداة الثانية هي العلائق الشخصية وتبادل المصالح والتعامل خارج الأطر والقنوات الرسمية، وقد اقتصرت هذه الأداة على العلاقة بين الحكومة والعناصر التي حققت فوائد من السياسات المتبعة.
- أما الأداة الثالثة فهي العنف الذي كان وسيلة مهمة لبعض الجماعات الإسلامية، لكنه أصبح وسيلة عامة يستخدمها الكثيرون في تحقيق مصالحهم (انتخابات عام 1995 على سبيل المثال) كما سيتضح في ما بعد.
4- إن المسألة لم تعد مسألة تغيير القوانين، على الرغم من أهميتها. بعبارة أخرى إن مسألة إصلاح التجربة لم تعد مرهونة بتعديل القوانين - تلك التي ينادي بها العديد من القوى السياسية - وترفضها الحكومة متعللة بحجة أن المصلحة الوطنية لا تحتمل طرح موضوع تعديل القوانين، لكنها مسألة مناخ ثقافي عام وشروط مؤسسية، فكثير من ممارسات الحكومة إزاء التعددية تجد صداها لدى القوى السياسية الأخرى، سواء من حيث دعاوى أو إدعاءات احتكار الحقيقة ونفي الآخر، أم من حيث غياب القيم والآليات الديمقراطية، أم حتى من حيث الاقتناع بأن هناك مقدسات لا يجوز طرحها للمناقشة أو الخلاف حولها، فعلى سبيل المثال، وبغض النظر عن القيود التي تفرضها السلطة السياسية، ثمة اتفاق ضمني بين أحزاب المعارضة على أن هناك قضايا لا يجوز الخلاف حولها، أو تعد هذا الخلاف خروجاً عن مبادئ "الوطنية". بعبارة أخرى ترى أحزاب المعارضة أنه من قبيل الإجماع الوطني وجوب عدم مناقشة بعض قضايا السياسة الخارجية، أو بعض قضايا الأمن القومي، أو بعض القضايا التي تتعلق بالقيادة السياسية أو نزاهة القضاء المصري[9].
والواقع أن هناك ما يشبه الإجماع بين المحللين وبين عناصر النخبة، إذ أجريت دراسة استطلاعية لاستكشاف توجهات النخبة إزاء تجربة التعددية الحزبية[10] ، على أن جميع النعوت التي أطلقت على التجربة أو ألصقت بها تعد صحيحة، فهي "تجربة سيئة" في نظر البعض، وهي "تعددية مقيدة" في نظر البعض الآخر، وهي "نظام حزب واحد في قالب تعددي" في نظر آخرين. والغريب أن المراقب لا يستطيع أن يلمس جديداً في التجربة على صعيد التطور الديمقراطي، والجديد هو إما مزيد من التراجع عن مقومات هذا التطور الديمقراطي، وإما أن النعوت السلبية التي أطلقت على التجربة في السابق وكانت تنطوي على قدر من المبالغة، أصبحت اليوم أكثر صلاحية لوصف الحال وأكثر مصداقية في التعبير عن واقع التجربة.
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
21 من 33
ثانياً: خصائص النظام الحزبي (نظام احتكاري ومستقطب)
في إطار هذه التجربة نشأ النظام الحزبي ليعكس الكثير من ملامحها، فقد تكوّن هذا النظام من خلال رؤية القيادة السياسية (وعلى نحو مصطنع تماماً) في البداية، ثم استكمل من خلال الدور الحاسم للقضاء. لكن الخصائص الأساسية للنظام لم تتغير كثيراً - أو بالأحرى لم تتغير إلى الأفضل - بعد ظهور أحزاب استناداً إلى أحكام قضائية، فقد حمل النظام خصائص النشأة الأولى، سواء في ما يتعلق بسيطرة الروح الأحادية، أم في ما يتعلق بتكريس هذه الروح، وبنمط مستمر من خلال العديد من الأدوات[11]. وبوجه عام يمكن تحديد أهم خصائص النظام الحزبي بأنه نظام احتكاري من جانب، ومستقطب في تفاعلاته من جانب آخر.
1- نظام احتكاري في أكثر من معنى
تمثل خاصية الاحتكار الملمح الأساسي والعريض للنظام الحزبي، وقد تعددت مظاهر هذه الخاصية ومعانيها، يتحدد المظهر الأول بتقييد حرية تكوين الأحزاب أو بفرض قيود صارمة على دخول "السوق السياسية"، فقد وضع القانون رقم 40 عام 1977 (وما لحق به من تعديلات) العديد من الشروط الإجرائية والموضوعية التي تعرقل - أو تمنع - قيام أحزاب جديدة، كما أعطى لجنة شؤون الأحزاب صلاحيات واسعة في هذا الشأن، لم تقف عند تعطيل قيام أحزاب جديدة فقط، وإنما وصلت إلى حد حل أحزاب قائمة بالفعل أو تجميد أنشطتها. على الرغم من مخالفة القانون للدستور وللأعراف الديمقراطية، فقد مارست اللجنة عملها بتعسف شديد أيضاً وانطوت ممارساتها على كثير من المخالفات، وقد جرى بالفعل تجميد أنشطة عدد من الأحزاب هي: حزب العمل، والأحرار، والعدالة، ومصر الفتاة، ومصر العربي الاشتراكي، والاتحادي الديمقراطي، والشعب الديمقراطي، ثم الوفاق الوطني[12]. .
لكن أهم دلالات هذه القيود تتضح في أن الحزب الحاكم أصبح متحكماً في رسم الخريطة الحزبية وفي تحديد ملامح النظام الحزبي، وبات يملك القدرة على تحديد الأحزاب القائمة فعلاً، وبمقدوره أن يحتكر ساحة المنافسة الانتخابية، أو أن يدخل هذه المنافسة بشروط سبق له أن قام بتحديدها على النحو الذي يريده. وعليه لم يكن الحزب الحاكم يرغب في دخول منافسين جدد بصفة عامة إلى الساحة السياسية، إذ يدرك أن ذلك سيمثل خصماً من رصيده السياسي، لأنه من غير المتصور أن تستقطب هذه الأحزاب الجديدة مؤيدي أحزاب المعارضة القائمة، لسبب بسيط هو أن مؤيدي هذه الأحزاب على الأغلب إنما يؤيدونها عن قناعة وليس نتيجة ممارسة الحشد والتعبئة كما هي الحال بالنسبة إلى الحزب الوطني، كما أن دخول أحزاب جديدة من المفترض أن يعني تزايد فرص الاختيار أمام الناخب أو المواطن، أو بالأحرى تعدد البرامج والحلول البديلة، الأمر الذي يعظم من احتمالات النقد لبرامج الحكومة أو من احتمالات عدم الرضا عنها. ثم إن السماح بدخول أحزاب جديدة إلى الساحة السياسية سوف يعني قلة الطلب على الأحزاب القائمة بسبب زيادة المعروض منها، ومن المتوقع أن يكون الحزب الوطني أكثر المتضررين في حال انخفاض الطلب. ولم يكن الحزب الوطني (أو الحكومة) يرغب في أن تحظى بعض القوى السياسية - بصفة خاصة - بالشرعية، وتحديداً التيار الإسلامي (الإخوان المسلمون) بالدرجة الأولى والشيوعيين بدرجة أقل، ولعل هذه الرغبة قد مثلت الهدف الأساسي من آليات تعطيل أو منع قيام أحزاب جديدة.
ومن البديهى أن تتعاظم المخاوف التي باتت تساور الحزب الوطني من ظهور أية أحزاب جديدة، وبخاصة حين يتعلق الأمر بهذه القوى وبخاصة الإخوان المسلمين، فمن المتصور أن يؤدي حصول هؤلاء المسلمين على الشرعية إلى قلب التوازنات الحزبية وربما السياسية جميعاً، وربما كسر احتكارية النظام الحزبي من جانب الحزب الحاكم. ولعل ذلك يفسر رفض اللجنة محاولات الإخوان الحصول على الشرعية حتى لو انطبقت على هذه المحاولات شروط تأسيس الأحزاب. تعكس المحاولة الأخيرة تحت اسم "حزب الوسط" هذه الحقيقة، فعلى الرغم من أن الحزب قد تجاوز في مشروعه عقدة حظر قيام الأحزاب لأسباب دينية، وقدم برنامجاً سياسياً، وعلى الرغم من أن مؤسسي الحزب ينتمون في قطاع منهم إلى ثقافات وسطية مختلفة، وعلى الرغم من أنه أبدى من مظاهر المرونة والاعتدال الكثير (فقد كانت نسبة النساء 20 في المئة من جملة الأعضاء المؤسسين)، وعلى الرغم من أن ظهور مثل هذا الحزب قد يؤدي دوراً يعتد به في تحقيق التوازن في العلاقة بين الحركات الإسلامية التي ترفض العمل الحزبي والمجتمع، فقد أكدت اللجنة رغبتها الأبدية في الاحتفاظ بالتيار الإسلامي خارج إطار الشرعية[13]..
بموجب هذا القانون، وصلاحيات اللجنة أيضاً، أصبح الحزب الحاكم يملك القدرة على تجميد أو حل أحزاب قائمة بالفعل، حدث هذا مع الأحزاب التي شهدت أنماطاً من الصراع على القيادة (الأحرار، مصر الفتاة، الشعب الديمقراطي)، أو بسبب ارتكاب مخالفات (العمل، العدالة )، أو ربما لأنها تحللت من تلقاء نفسها كما يزعم البعض (مصر العربي، الاتحادي الديمقراطي)، لكن ليس هذا هو الأمر المهم، إذ إنه حدث مع أحزاب هامشية، إنما المهم هو أن يحدث مع أحزاب أخرى رئيسية ولها وزنها في النظام الحزبي (حزب العمل)، والأهم أنه يمثل عنصر تهديد يمارسه الحزب الحاكم على أحزاب المعارضة، فقيمة هذه القدرة كرادع أهم وأخطر من قيمتها في التنفيذ الفعلي[14].
بطبيعة الحال لا بد من أن يترتب على مثل هذه القيود على حرية تكوين الأحزاب بعض النتائج التي تنعكس على بنية النظام الحزبي، من أهمها أننا أصبحنا إزاء "نظام تعددي"، وليس "نظاماً تعددياً"، أي أن النظام الحزبي مجرد كم أو رقم حسابي، إذ إنه ليس تعبيراً صادقاً عن جميع القوى والتيارات السياسية الموجودة في المجتمع، فمن ناحية توجد مسافة أو فجوة بين القوى التي حظيت بالشرعية وتلك التي لم تحصل على شرعية الوجود، كما توجد مسافة أو فجوة بين القوى التي تعكس نوعاً من التنظيم (سواء أكانت شرعية أم كانت غير شرعية) وبين القوى والتيارات الموجودة في المجتمع، أي بين القوى الفعلية (Actual) والقوى الكامنة (Potential)، فالثالثة أكبر من الثانية، والثانية أكبر من الأولى. من ناحية أخرى، فإن كثيراً من الأحزاب القائمة، وخصوصاً التي ظهرت إلى الوجود استناداً إلى أحكام قضائية لا تمثل أحداً أو لا تمثل سوى شلل صغيرة أو مجموعة من الأفراد تربطهم علائق معينة ولا تعبر عن قوى وتيارات حقيقية في المجتمع[15]..
والحقيقة أن القيود المفروضة على تكوين الأحزاب مخالفة للدستور، ومخالفة للأعراف والمبادئ الديمقراطية. ومع ذلك، فإن ظهور أحزاب ضعيفة أو هامشية ليس نتيجة مباشرة لهذه القيود، ففي تقديري أن هذا سيحدث بغض النظر عن ذلك. وهنا علينا أن نتخيل الوضع في غياب مثل هذه القيود، أو أن نتأمل على الأقل الأحزاب التي رُفضت، فهي أحزاب لا تعبر عن قوى حقيقية وعريضة في المجتمع، بل تندرج في إطار مفهوم "الشلة" التي تبحث عن مصالح معينة خاصة بها، وليست لها برامج واضحة ومتميزة وعلى قدر من التبلور - وتلك ليست مسؤولية القانون، على الرغم من أن الأمر يبدو كذلك - وليس لديها أدنى قدرة تنظيمية، ولا إمكانات مادية، ويبدو من مجرد عرض أسمائها (أكتوبر، السادات، المستقبل، الحضارة، الصحوة، السلام، الدستوري، الجبهة الوطنية، الوحدة الوطنية، الأمل، التحالف الشعبي، الكرامة، الوسط، الشريعة.. إلى غير ذلك من الأسماء) أول وهلة أنها تستجدي التاريخ، وتداعب الوجدان، وتخاطب مشاعر الجماهير أكثر منها تعبيراً عن توجه معين أو عن بلورة قوى ومصالح حقيقية. كما ينتمي معظم أسمائها إلى القاموس الأخلاقي أو الاجتماعي وليس إلى القاموس السياسي[16]. .
يتمثل المظهر أو المعنى الثاني لخاصية الاحتكار باحتلال الحزب الحاكم مركز النظام الحزبي. ويمكن فهم المركز هنا من زاويتين: الأولى هي أنه يعني النقطة التي يتجمع حولها أغلب الناخبين، والتي ربما لا تمثل الأغلبية بالضرورة، فقد يوجد فيها أكثر من حزب يتقاسمون هذه الأصوات؛ والثانية أنه يعني الموقع الأيديولوجي المتوسط بين الأحزاب الأخرى. وهنا نجد أن المركز بالمعنى الأول في النظام الحزبي يمثل الأغلبية أو يتطابق معها. ونجد أيضاً أن الحزب الحاكم يحتل المركز بالمعنيين: بمعنى احتلال النقطة التي يتجمع حولها أغلب الناخبين منفرداً والتي باتت متطابقة مع الأغلبية (أغلبية الأصوات)، وبمعنى الوجود في موقع أيديولوجي متوسط بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار.
في ما يتعلق بالمعنى الأول لم يكن هذا الاحتلال نتيجة طبيعية لفوز الحزب الحاكم في الانتخابات، وإنما كان مصطنعاً من جانب القيادة السياسية، فقد نشأ في السلطة أو كحزب الحكومة، وبالتالي فإن الحديث عن تغير المركز أو تداول الأغلبية من خلال الانتخابات غير ذي جدوى ما لم تتغير الظروف التي أوجدت هذا الحزب في المركز، أي تخلي الدولة عن الحزب والفصل بينهما بصورة واضحة وحياد القيادة السياسية وأجهزة الدولة في الانتخابات وفي العلائق بين الأحزاب عموماً. بعبارة أخرى يحتكر الحزب الوطني الأغلبية لأنه وضع في السلطة أو كحزب حاكم منذ البداية وقبل إجراء انتخابات، وجرت الانتخابات بعد ذلك على هذا الأساس وليس العكس كما هو مفترض. معنى ذلك أنه أصبح أقرب إلى الناخب مقابلة بالأحزاب الأخرى، التي وصفت بأنها معارضة ولم تضع برامجها موضع التطبيق وتسعى للتغيير. في المقابل يدافع الحزب الحاكم عن الوضع القائم وتوضع برامجه موضع الاختبار. وعلينا أن نلاحظ مدى ترسخ قيمة الحفاظ على الوضع القائم أو على ما عرفناه وجربناه وعدم الرغبة في التغيير في الثقافة المصرية، ونلاحظ أيضاً أن الأغلبية لم تكن مشاعاً بين الأحزاب، ولم تكن الأحزاب متساوية في السعى لها، أي لم تبدأ من النقطة نفسها، ونلاحظ كذلك مدى ارتباط الحزب الحاكم بالحكومة أو بالدولة في ذهن المواطن، ومدى تشوه صورة المعارضة في هذه الذهنية، إذ ينظر إليها على أنها عدو الحكومة أو معادية للنظام أو خارجة على الإجماع العام، إلى الحد الذي جعل كثير من المواطنين يخشى أن تلحق به تهمة المعارضة وأن يصبح مجالاً لاضطهاد السلطة[17]..
يرتبط بذلك المعنى الثاني لاحتلال المركز، وهو الموقع الأيديولوجي المتوسط للحزب الحاكم بين اليمين واليسار. وبغض النظر عن وجود أيديولوجية لهذا الحزب من عدمه أو عن طبيعة هذه الأيديولوجية، فقد وجد الحزب نفسه منذ البداية محاطاً من الجانبين بأحزاب اليمين واليسار وفي موقع متوسط بينهما. معنى ذلك - وخصوصاً أن هذا الموقع قد بات متطابقاً مع الأغلبية أو مرادفاً لها ـ- أنه ليس من المتصور أن تقترب بقية الأحزاب إلى المنطقة الوسطى التي باتت تمثل مجال نفوذ الحزب الحاكم، لأن مثل هذا الاقتراب من جانب اليمين أو اليسار سوف يعني بالضرورة تخلي هذه الأحزاب - ولو نسبياً - عن أيديولوجياتها، وسوف يعني أنها تتشابه مع الحزب الوطني أو تتبنى برامج قريبة من برنامجه أو تتحدث لغة قريبة من لغته، أو تقلد خطابه، وهنا سوف تفقد هذه الأحزاب تميزها - وربما هويتها - من ناحية، وسوف تخسر مؤيديها من ناحية أخرى، وفي الوقت نفسه ليس من المتوقع أن تكسب أصواتاً من المركز أو تقتطع أصواتاً من الحزب الوطني، لأنها حين تتماثل أو تتشابه معه فلا حاجة للمواطن أو الناخب إلى هذه الأحزاب، فالأَولى بخطاب الوسط هو حزب المركز وهو الأقدر على التعبير عنه.
ولعل ذلك قد عنى ضرورة أن يحافظ الحزب الوطني على التوازن بين اليمين واليسار من خلال توزيع الأدوار والتحالفات، وهو سلوك احتكاري بالدرجة الأولى مارسه الحزب الوطني طوال فترة التعددية[18]. لأن الخلل بين اليمين واليسار لا بد من أن يترتب عليه تحريكاً للمركز أو تغييراً فيه، ليس بالضرورة في نمط تداول الأغلبية وإنما على الأقل في تقاسم الأصوات مع حزب المركز، ومن ثم قد يكون صحيحاً أن نتصور أن اختفاء أحدهما: اليمين أو اليسار قد يغير من طبيعة المركز تغييراً جذرياً، وأن استمرار الوضع على هذا النحو - وخصوصاً مع الحفاظ على التوازن بين اليمين واليسار - معناه استمرار احتلال الحزب الحاكم للمركز وتعذر تداول الأغلبية معاً، لأن الحزب الحاكم في هذه الحالة يمثل في نظر الناخب الموقف الوسط أو المعتدل أو الأكثر اعتدالاً قياساً على المواقف الحدية أو الراديكالية التي تتبناها أحزاب اليمين واليسار على السواء والتي تبدو أكثر جذرية ما دام هناك توازن بين الطرفين. ومن المسلم به أن الحلول الوسط دائماً - في نظر المواطن - أيسر منالاً وأكثر استقراراً، وخصوصاً أن الأطراف في اليمين واليسار تبدو على درجة من الحدة بحيث يمكن معها توقع حدوث تغيير جذري، وهي نتيجة لا يرجوها كثير من الناخبين، وتخشاها حتى الأحزاب نفسها، لأن كل حزب - سواء في اليمين أم في اليسار - يتحسب من وصول الطرف الآخر إلى الحكم خشية تقويض فرصته في المشاركة. بمعنى آخر، إن قدرة الوسط على التعايش مع اليمين أو اليسار أكبر كثيراً من قدرة كليهما على التعايش معاً، وفي المنطق نفسه، إن احتمالات التعايش بين اليمين واليسار تبدو ضئيلة جداً قياساً على احتمالات تعايشهما مع الوسط. ومن الطبيعي في ظل هذا الوضع أن تكون قدرة الحزب الحاكم في الوسط على جذب مؤيدى اليمين واليسار أكبر من قدرة أي منهما على جذب مؤيدي الآخر أو حتى على جذب مؤيدي الوسط. والواقع أن الأمر يتوقف - بدرجة كبيرة - على استمرار التوازن بين اليمين واليسار، والواقع أيضاً أن الحزب الحاكم يدرك ذلك تماماً ويملك القدرة على تحقيقه إن لم يكن من خلال الوسائل المؤسسية أو المشروعة فمن خلال الأدوات القسرية (ممارسة الضغط) أو غير المشروعة (الإغراء). ولعل ذلك يفسر سماح الحكومة لقوى سياسية لم تحظ بشرعية الوجود بدخول الانتخابات من خلال أحزاب أخرى (تحالف الإخوان مع الوفد عام 1984، ثم مع العمل مع 1987 وحتى تجميده). أكثر من ذلك أخذت أحزاب المعارضة في اليمين كما في اليسار في الآونة الأخيرة تتقارب في مواقفها مع الحزب الوطني. معنى ذلك أن هذا التقارب قد يكون في أغلب الأحوال لمصلحة الحزب الوطني، لكنه لن يكون بالضرورة أو باليقين لغير مصلحته في المدى المنظور كما سيرد في ما بعد[19
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
22 من 33
2- نظام مستقطب في تفاعلاته
هذه الخاصية هي الملمح الثاني العريض للنظام الحزبي الذي يسم تفاعلات النظام أو يصمها. بعبارة أخرى إن الاستقطاب الأيديولوجي بات ملمحاً أساسياً لهذا النظام أو أحد سماته الأساسية، وقد يكون الجذب صوب اليمين أو اليسار أو في الاتجاهين معاً، فذلك يختلف من فترة إلى أخرى، ويتوقف على عوامل كثيرة، لكن ثمة حقيقة مهمة، بغض النظر عن اتجاه الجذب، هي أن الآراء السياسية مستقطبة بدرجة عالية، وبالتالي التفاعلات، وأن قطبي النظام منفصلان تماماً، وأن المسافة بينهما تغطي الحد الأقصى من انتشار الآراء على محور اليمين - اليسار، أو توفر أكبر مدى ممكن من الاختلاف في المواقف، ويتضح ذلك من مواقع الأحزاب على المحور الأيديولوجي - إذا تصورنا أن هناك محوراً يتدرج من اليمين إلى اليسار - إذ يمثل حزب التجمع قطب اليسار، ويمثل التحالف (العمل والإخوان) قطب اليمين، في حين يقع الحزب الوطني - على الرغم من عدم وجود أيديولوجية لهذا الحزب - في الوسط، وقريباً منه، وبالتحديد في يمين الوسط، يقع حزب الوفد، والوضع نفسه بالنسبة إلى الحزب الناصري والذي يقع في يمين اليسار إن صح التعبير. أما باقي الأحزاب فإما يصعب تصنيفها، وإما أن هذا التصنيف لن يغير من واقع الصورة، التي تشير إلى عمق الانقسام وضعف الاتفاق، لأن هناك مسافة بين اليمين واليسار قوامها التباعد وليس التقارب. أو على الأقل ظل التباعد الأيديولوجي عمادها لفترة طويلة، ولم يكن التقارب الذي حدث في الآونة الأخيرة تقارباً بين اليمين واليسار بقدر ما هو تقارب مع الوسط، كما لم يكن كذلك تقارباً أيديولوجياً حقيقياً وعميقاً بقدر ما كان تقارباً تكتيكياً، ولم يكن ثالثاً يعبر عن حدوث تقارب مناظر لدى الجماهير التي تعتنق هذه الأيديولوجيات بقدر ما يعكس مواقف على مستوى القيادات الحزبية[20]..
بدأ النظام الحزبي نمطاً أيديوجياً منذ النشأة، فقد حاولت القيادة السياسية - بناء على تقرير لجنة مستقبل العمل الحزبي - تحديد المواقع الأيديوجية للأحزاب، وأدت هذه المحاولة إلى خلق وتقوية التمايز الأيديولوجي بين الأحزاب، الذي كان يعني في هذه الفترة القدرة على إثبات الوجود. ولم يكن الحزب الوطني بحاجة إلى مثل هذا الإثبات نظراً إلى إمكاناته ووجوده في السلطة. كما لم تحاول الأحزاب التي ظهرت إلى الوجود بأحكام قضائية إثبات وجودها عن طريق التمايز الأيديولوجي، ربما لأنها لم تجد لها مكاناً على الساحة الأيديولوجية التي استقرت بالفعل وضمت كل "ألوان الطيف الأيديولوجي"، وربما لأنها لم تكن تملك أيديولوجية واضحة ومتبلورة. لكن الرغبة في التمايز الأيديولوجي لم تكن هي العامل الوحيد في خلق الاستقطاب الأيديولوجي وتدعيمه، وإنما يمكن القول إن الاستقطاب الاجتماعي كان مسؤولاً نسبياً - ولا يزال - عن هذا الاستقطاب الأيديولوجي في النظام الحزبي. صحيح أن النظام الحزبي لم يستوعب كل القوى والتيارات الموجودة في المجتمع، لكن النظرة المدققة تكشف عن التوازى بين الانقسام العام في المجتمع وبين ما يبديه النظام الحزبي من استقطاب أيديولوجي. وصحيح كذلك أن الاستقطاب في النظام الحزبي لم يخفف حتى الآن من حدة الاستقطاب في المجتمع، ولكن ليس لأن الأول لا يعبر عن الثاني في أيديولوجيته، وإنما لأنه لا يعبر عنه في برامجه، ولا في مخرجات النظام السياسي التي لا تزال تعبر عن الأقلية، وتلك قضية أخرى[21]. .
يقوم الاستقطاب الاجتماعي في الأساس على المحور الاقتصادي بدرجة كبيرة، والفكري بدرجة محدودة جداً، على الرغم من صعوبة الحديث عن خريطة اجتماعية لمصر أو نظام طبقي أو مصالح متبلورة لجماعات معينة. وبالتالي من الواضح أن هناك شريحتين في المجتمع المصري، الأولى تملك مصادر القوة الاقتصادية (وكذلك السياسية وخصوصاً في الآونة الأخيرة)، والثانية تعاني الفقر والحرمان والضغوط الاقتصادية وأعباء المعيشة. وعلى الرغم من أن هذا التصنيف يتسم بقدر من عدم الدقة، فهو جائز إلى حد كبير وبخاصة مع صعوبة الحديث عن وجود طبقة وسطى الآن. الشريحة الأولى تجد النظام في مصلحتها وهي تستفيد من الوضع القائم، على عكس "الشرائح" الثانية التي تجد أن الوضع ليس في مصلحتها. معنى ذلك أن الاستقطاب الاجتماعي قد ترجم إلى نوع من الاستقطاب السياسي (ذلك واضح في تقاعس ما يسمى الأغلبية الصامتة عن التصويت والمشاركة عموماً إذ يرغبون في التغيير). المهم أن النظام الحزبي لم يكن من الناحية العملية معبراً تماماً عن هذا الأسلوب من الاستقطاب لسبب بسيط، لا يكمن فقط في عدم قدرة أحزاب المعارضة على تمثيل مصالح الشريحة المضغوطة وتوصيلها وترجمتها إلى سياسات، ولكن في عدم قدرة هذه الأحزاب أيضاً على تقديم برامج متميزة إلا إذا انطوت هذه البرامج علىمواقف متشددة أوحلول جذرية، وبالتالي كان الاستقطاب الأيديولوجي بمنزلة وسيلة مهمة في جذب المؤيدين للحزب، والمجال الوحيد أيضاً للتعبير عن الشريحة العريضة التي ترغب في التغيير، وقد ترتب على ذلك أن اتخذت المعارضة على الأغلب خطاً متشدداً وتبنت مواقف جذرية جعلتها في النهاية من نوع المعارضة المضادة للنظام (Anti-System)، ومن ثم أصبح هناك تنافس على هذه الشريحة من جانب أحزاب المعارضة ككل. بعبارة أخرى إذا كان الاستقطاب على هذا النحو قد عنى أن الحزب الوطني يمثل الشريحة المستفيدة من النظام القائم، وأن أحزاب المعارضة تعبر عن الشريحة التي ترغب في التغيير، وأن ذلك قد أدى بالتالي بأحزاب المعارضة إلى تبني مواقف جذرية صنفتها أو وضعتها في مصاف المعارضة المضادة للنظام، فإن أحزاب المعارضة لا بد من أن تتنافس في ما بينها على هذه الشريحة، على نحو يتوازى مع تنميط المعارضة إلى يمين ويسار، وعليه فقد أصبحت المعارضة ثنائية. ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى رد فعل من جانب الحزب الوطني الذي استغل هذه الثنائية، وحاول من خلال استخدام العديد من أساليب الضغط والإغراء تمزيق المعارضة وتشتيت جهودها وعرقلة تماسكها أو توحدها في جبهة واحدة[22]..
هذه المبادئ (معارضة مضادة للنظام، ثنائية الجانب، وإجراءات من جانب الحزب الحاكم لقمع المعارضة وتشتت المعارضة وعدم تماسكها) هي التي حكمت التفاعلات أو العلائق بين الأحزاب، ليس بين الحزب الحاكم والمعارضة فقط، لكن بين أحزاب المعارضة أيضاً. لقد أخذ الموقف المضاد للنظام من جانب المعارضة درجات متفاوتة من الاغتراب إلى الاحتجاج إلى الرفض الكلي. ولعل المستوى الأول، وهو الاغتراب، قد مثل القاسم المشترك الأعظم بين كل أحزاب المعارضة، ويبدو أن مصدر هذا الاغتراب هو فقدان الثقة لدى هذه الأحزاب في الانتخابات كآلية للتغيير، وفي جدوى العمل الحزبي والسياسي عموماً. وليس مستغرباً أن ينسحب هذا الاغتراب أيضاً على المواطنين، وخصوصاً الذين يرغبون في التغيير[23]. .
تمارس أحزاب المعارضة الاحتجاج أيضاً، بمعنى الانسحاب من القنوات المخصصة للممارسة السياسية، وإعلان رفض قواعد هذه الممارسة ونتائجها، لكن بطريقة غير منتظمة وبطريقة نسبية تختلف من حزب إلى آخر ومن وقت إلى آخر، وذلك بحسب علائق كل حزب بالحزب الحاكم وبالحكومة، وفق ظروف كل حزب على حدة. ويتمثل الاحتجاج بصورة ظاهرة وجلية في مقاطعة الانتخابات المحلية، وانتخابات مجلسي الشعب والشورى، وبلغت موجة الاحتجاج مداها أو أقصاها في مقاطعة انتخابات مجلس الشعب عام 1990، التي شملت أكبر أحزاب المعارضة (التحالف والوفد)، ثم في انتخابات المحليات عام 1996. وعموماً بدأت موجة الاحتجاجات من جانب أحزاب المعارضة مجتمعة وبصورة واضحة عام 1987، في أول اجتماع عام لكل أحزاب المعارضة لرفض قانون الانتخابات الجديد آنذاك، ومن عام 1987 وحتى اليوم تكررت محاولات الاحتجاج الجماعي في مواقف مختلفة[24]. .
وإذا كان حزب الوفد يأتي على رأس أحزاب المعارضة في ممارسة الاحتجاج وطوال حياة التجربة الحزبية وحتى اليوم، إذ يطالب منذ قيامه بالإصلاح السياسي وتعديل الدستور، بمعنى عدم الاقتناع بقواعد اللعبة، فإن حزب التجمع هو الحزب الوحيد الذي مثل موقف الرفض الكامل للنظام منذ قيامه وحتى عام 1990، إذ تغيرت المواقف فأصبح التحالف (العمل والإخوان) في المقدمة يليه التجمع. ويخرج الوفد من هذا التصنيف، لكن كليهما لم يطرح فكرة التغيير الكامل للنظام بصورة رسمية أو صريحة، ويبدو أن الحزبين قد فضلا - في هذا المقام - التصرف في حدود التزام الشرعية قدر الإمكان. ومعنى الرفض هو أن هناك معارضة أيديولوجية، أي أنها تتعلق بقضايا جذرية وليس مجرد اختلاف حول قضايا فرعية، ومن ثم تفرض على الحزب الحاكم مواجهة مسافة أيديولوجية في حدها الأقصى[25]. .
وعلى الرغم من وجود العوامل التي يمكن أن تحمل أحزاب المعارضة على التماسك أو تدفع بها إلى التوحد، فقد أخفقت في ذلك، وبدت ثنائية في أغلب الأحيان بسبب وجود قطبين متنافرين، كل منهما يطرح نفسه كبديل للنظام من ناحية، ويرى أنه الممثل لأغلب الشرائح الاجتماعية المقهورة من ناحية أخرى. وتحققت هذه الثنائية بصور مختلفة، لكن كان قطبيها دائماً اليمين واليسار، وكان التجمع هو الممثل لقوى اليسار دائماً والتحالف (العمل والأحرار والإخوان) هو الممثل لقوى اليمين وبصورة دائمة. وهناك العديد من العوامل التي عززت من هذه الثنائية، من أهمها الخلافات العقائدية والشخصية بين هذه الأحزاب وقياداتها، وانعدام الثقة بينهما، ثم المحاولات الدؤوبة من جانب الحكومة لاستغلال هذه الثنائية في ضرب قطبيها كل منهما بالآخر، وخصوصاً أن كليهما كان أقرب من الحكومة قياساً على تقارب أحدهما من الآخر. ولعل تقارب الحكومة من حزبي الوفد والعمل في فترات مختلفة واستخدامهما لضرب التجمع، أو بالأحرى موقف التنسيق والتعايش مع الوفد والعمل، ثم محاولة الحزب الحاكم التمايز عن الوفد ودعوة أحزاب المعارضة الأخرى إلى التوحد ضده، تعد خير شاهد على ذلك، بل وخير دليل على أن العلاقة بالحكومة من جانب بعض أحزاب المعارضة، ولا سيما الوفد والعمل والتجمع، كانت ضمن العوامل الرئيسية في تعزيز هذه الثنائية[26].
بيد أن تصرفات الحزب الحاكم في هذا الصدد ينبغي أن تُفهم في إطار أوسع، وهو علاقة هذا الحزب بأحزاب المعارضة، التي لم تكن تهدف إلى تعزيز هذه الثنائية فقط بقدر ما كانت تهدف دائماً إلى تمزيق المعارضة عموماً. وقد استخدم الحزب في ذلك جميع الوسائل، ابتداء من الإغراء الذي تمثل بتسهيل فوز الحزب ببعض المقاعد في مجلس الشعب أو الشورى، مروراً بتقديم تسهيلات لفوزه، أو تعيين عضو من الحزب في مجلس الشعب، وصولاً إلى المساهمة في تمويل الحزب. وكانت وسيلة الإغراء تقتصر في كل مرة على حزب واحد أو حزبين على الأكثر، أما الضغوط فكانت تمارس على كل الأحزاب، وكذلك التشريعات والإجراءات التعسفية التي يضيق المجال عن حصرها. وبوجه عام تمثلت هذه الإجراءات في فرض العديد من القيود التي تحد من نشاط تلك الأحزاب عموماً ومن حرية الرأي والتعبير خصوصاً، حتى بات العمل الحزبي محصوراً داخل مقار الأحزاب أو مقصوراً على مجرد الصحف الحزبية. ولا شك أن هذه الإجراءات تمثل امتداداً طبيعياً لتلك التي لازمت التعددية منذ بدايتها، ولا شك أيضاً أنها نجحت في تمزيق المعارضة وتشتيت جهودها[27]..
وفي إطار هذه العلاقة بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة باتت المعارضة حقيقة تعاني التمزق وعدم التماسك. لكن ثنائية المعارضة كانت أوضح من تمزقها في الفترة التي سبقت عام 1995. ومنذ ذلك الحين يبدو أن هذه الثنائية قد اختفت أو خفتت أو تراجعت لمصلحة سيادة التمزق بصورة واضحة، وعلى نحو أصاب المعارضة داخل مجلس الشعب، التي كانت من قبل أكثر تماسكاً أو استثناءً من هذه الحالة. وقد يرجع ذلك - إلى جانب ممارسات الحكومة التي سبق التنويه بها - إلى محاولات كل أحزاب المعارضة إعادة النظر في برامجها ورؤاها ومواقفها، فبدا كما لو أنها تتصارع على مواقع جديدة على الخريطة الحزبية أو على خريطة البرامج. لقد تجذر الخلاف بين أحزاب المعارضة حتى مسّ القضايا التي كانت تحظى باتفاق واسع وصل في بعض الأحيان إلى حد الإجماع، فبعد أن كان هناك اتفاق كامل على إلغاء القانون رقم 40 عام 1977، الذي يعرقل تكوين الأحزاب، أصبح هناك أحزاب لا ترغب في إلغائه، لأنها تعارض إعطاء الشرعية للإخوان المسلمين. وبعدما كان هناك اتفاق على ضرورة إلغاء قانون الطوارئ، رأى بعض الأحزاب الإبقاء عليه في ما يتعلق بتجّار المخدرات. ولعل قراءة مواقف الأحزاب في قضية ترشيح الرئيس مبارك لفترة رئاسة رابعة قد تفيد في التدليل على هذا التمزق الذي يبدو كما لو أنه أصاب الأحزاب في الداخل، فقد تحول حزبان عارضا ترشيح الرئيس مبارك لفترة ثالثة عام 1993 عن موقفيهما، واتجه أحدهما (حزب الوفد) إلى تأييد التجديد فيما فضل الثاني (حزب التجمع) الامتناع عن التصويت. وبذلك لم يبق معارضاً لهذا الترشيح سوى الحزب الناصري بعدما أرجأ حزب العمل تحديد موقفه، وتلك هي الأحزاب الأساسية في المعارضة، أما بقية الأحزاب فهي أحزاب أشخاص وليس لها وجود في الشارع وبعضها مجمد نشاطه بسبب صراعاته الداخلية. ولعل التباين في المواقف واضح، ودلالته على التمزق أوضح، فتلك قضية - وخصوصاً حين توضع في سياقها العام - أولى بتوحيد المواقف[28]، وهي في الواقع تكشف - إلى حد ما - عن المراجعة التي بدأت تمارسها الأحزاب في مواقفها بصفة عامة. على سبيل المثال نلاحظ أن معارضة إعادة الترشُّح قد اقتصرت على الحزب الناصري، الذي تربطه بنظام الحكم قواسم مشتركة مستمدة من استناد كليهما إلى ثورة تموز/ يوليو 1952، والتي تعد مصدر إلهام الحزب أو مرجعيته، وأحد مصادر شرعية النظام الحاكم. وعلى الجانب الآخر، فإن الحزب الوحيد الذي أيد إعادة الترشُّح (الوفد) هو أكثر أحزاب المعارضة اختلافاً مع النظام واستقلالاً عنه، أو هو أكثر اختلافاً مع سياسات الحكومة، ومن أكثر منتقديها، وخصوصاً في ما يتعلق بهيكل النظام والقواعد التي يقوم عليها. صحيح أن الوفد يحبذ السياسات الاقتصادية للحكومة بحكم توجهه الليبرالي، بخلاف الحزب الناصري الذي يعارضها، إلا أن لديه انتقادات حادة لهذه السياسات من جهة مدى وسرعة التطبيق وعمقه أو كيفيته. وبهذه الانتقادات ربما يصير الوفد أكثر بعداً من هذه السياسات قياساً على الناصري. وعلى الرغم من أن الحزب الناصري - مرة أخرى - يحتفظ بقواسم مشتركة مع الحكومة، ولا سيما عبر تردده في اتخاذ موقف إزاء المطالبة بتعديل الدستور، فقد أعلن في بيانه معارضته كل السياسات المطبقة خارجياً وداخلياً. والغريب أنه أسس هذه المعارضة على ما وصفه تراجعاً ضمنياً لنظام الحكم عن هذه القواسم المشركة بينهما، ويقصد في ذلك بالتحديد ثورة تموز/ يوليو 1952. ولم يكن واضحاً إذا ما كانت الإشارة قد قصد بها فعلاً الاختلاف على المرجعية أم أنها جاءت عفواً أو عفوية، إذ إن معارضة الحزب الناصري التي تبدو في كثير من الأحيان راديكالية تنصرف على الأغلب إلى الشكل دون المضمون، كما أن القضية التي يعلو فيها صوت الحزب أكثر من غيرها، وهي قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، يصعب على الكثيرين إدراك مدى الخلاف فيها مع الحزب الحاكم. وهنا نلمس مفارقة أخرى لدى حزب العمل، الذي ترى قيادته أن نظام الحكم قد صار أكثر اقتراباً من موقفها[29
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
23 من 33
القضايا الداخلية للأحزاب: أزمات تهدد بالانفجار
تعاني الأحزاب السياسية في مصر العديد من القضايا الداخلية التي طرحت نفسها في أنماط مختلفة تمثلت بمظاهر الخلاف السياسي والفكري داخل الحزب أو في أنماط من الصراع على النفوذ أو على المواقع القيادية، وتمخض عنها تزايد حالات الخروج على الأحزاب، ثم تعدد حالات الانشقاق، ثم انفجار بعض الأحزاب في النهاية، وترشيح بعضها الآخر للانفجار أو التجمد أو التجميد. ويبدو أن هذا الوضع قد أصبح تعبيراً عن وجود أزمة مركبة داخل الأحزاب، وأن هذه الأزمة ليست وليدة الساعة، وإنما ترجع بجذورها إلى بداية كل حزب وترتبط بتراكمات الأداء داخل الحزب. ويبدو كذلك أنها في تصاعد مستمر، وأن لها عدة جوانب، قد تختلف ترجماتها من حزب إلى آخر، لكن ثمة قواسم مشتركة بين كل الأحزاب تقريباً في أن جوانب هذه الأزمة تتمثل بـ: أزمة التجنيد السياسي داخل الحزب، وأزمة الديمقراطية، ثم أزمة التماسك، وهي أزمات يمكن تناول كل منها بشيء من التفصيل على النحو التالي:
1- أزمة التجنيد
يعد تجنيد النخبة مقياساً مهماً ودقيقاً في مجال التعرف إلى حقيقة عملية التجنيد داخل الحزب وما يرتبط بها من سياسات حزبية داخلية. والمفترض أن يتم تجنيد النخبة بصورة منتظمة وعلى نحو يوازن بين ضرورة إعطاء فرصة لشاغل المنصب من جهة بقائه فيه لفترة معقولة، وبين ضرورة إتاحة الفرصة لأكبر عدد من العناصر الجديدة للترقي إلى هذا المنصب، وأن يجري بأساليب ديمقراطية تحظى بالقبول والاتفاق من جانب الجميع. وعليه يمكن قياس تجنيد النخبة من خلال ثلاثة معايير: المعيار الزمني، الذي ينطوي على مؤشرين، أحدهما عن متوسط مدة البقاء في المنصب، والثاني عن مدى انتظامية التغيير، أي إتمام عملية التغيير بصورة دورية وأن تكون الفترات التي تفصل بين كل تغيير وآخر متساوية تقريباً. والمعيار العددي الذي ينصرف إلى عدد الذين يشملهم التغيير في كل مرة، وهو ما قد يخفيه المعيار الأول، فقد تتكرر عملية التغيير بطريقة منتظمة من دون أن يجري بالضرورة تغيير الأشخاص الذين يشغلون هذه المناصب، بمعنى أن يعاد انتخابهم أو تعيينهم مرة أخرى؛ ثم المعيار النوعي الذي يشمل مؤشرين، أحدهما يتعلق بأسلوب التغيير، أي الطريقة التي يجري التغيير بها (الانتخابات، التعيين، الضم، الطرد، الوفاة، حكم القضاء )، والثاني يتعلق بنوعية العناصر التي يتم تجنيدها من حيث السن أو المؤهلات الأخرى، التي يمكن أن يكون لها دور في تصعيدها أو تجنيدها[30]..
بتطبيق هذه المعايير على تجنيد النخبة في الأحزاب المصرية منذ عام 1976 وحتى عام 2004، وعلى أساس أن المقصود بالنخبة هو المستوى التنظيمي الأعلى في الحزب، نجد أن النتائج تختلف من مؤشر إلى آخر ومن حزب إلى آخر على النحو التالي:
- بالنسبة إلى متوسط مدة البقاء في المنصب، نجد أن الاتجاه العام في الأحزاب الرئيسية هو بقاء رئيس الحزب مدى الحياة، وأنه ليس من المتوقع أن يترك هذا الزعيم موقعه بغير وفاته. يصدق ذلك على الحزب الوطني كما على حزب العمل وحزب الوفد، وفي ما عدا التغيير الذي حدث بوفاة الرئيس السادات، والتغيير الذي حدث في حزب الوفد بوفاة رئيسه فؤاد سراج الدين، والتغيير الذي بادر به حزب التجمع، فإن قيادات هذه الأحزاب لم تتغير منذ تأسيسها. ويصدق ذلك أيضاً على حزب الأمة، وحزب الأحرار (توفي رئيس الحزب عام 1998). وعلى الرغم من أن الوضع يختلف بالنسبة إلى الأحزاب الأخرى، لجهة عدم بقاء رئيس الحزب لفترة طويلة، فإن دلالة عدم البقاء أسوأ من دلالة بقاء رئيس الحزب مدى حياته في الأحزاب السابقة. لقد جاء عدم البقاء نتيجة تجميد الحزب بسبب الصراعات أو نتيجة انشقاقات حزبية، أو نتيجة صراعات لم تحسم فيها النتيجة لأي طرف[31] . ولعل معرفة متوسط مدة البقاء لرئيس الحزب في ظل سيادة اتجاه البقاء مدى الحياة لن يغير كثيراً في النتيجة، إذ إن التغيير في هذه الحالة لا يخضع لأية اعتبارات سياسية أو حزبية وإنما يخضع للمشيئة الإلهية فقط.
وبوجه عام تشير الصورة إلى وجود " أزمة تجنيد" داخل الأحزاب من دون استثناء، وإن يكن بدرجات متفاوتة، وإلى أن هذه الأزمة ليست مقصورة على النخبة في أي حزب، وإنما تمتد بالضرورة وبحكم طبيعة الأمور إلى جميع مستويات الحزب، بمعنى أنه إذا كانت هذه هي الحال في النخبة، فعلى اليقين أنها أسوأ في المستويات الوسطى والدنيا في الحزب. بيد أن الأزمة ليست في خفض معدلات التجنيد فذلك عرض من أعراض الأزمة، التي يُعتقد أن جوهرها هو في غياب آليات واضحة ومستقرة ومقبولة ومتفق عليها للتجنيد، ومن ثم لم يكن ارتفاع معدلات التجنيد له دلالة إيجابية كما هو مفترض، بل كان - في غياب هذه الآليات - تعبيراً عن وجود خلل. وعليه، كانت المعدلات المنخفضة أفضل في دلالتها النسبية. معنى ذلك أن ما يتحدث عنه البعض من وجود فجوة بين الأجيال في الأحزاب، أو صراع بين الأجيال القديمة والأجيال اللاحقة، أو ما عبر عنه البعض بأزمة جيل الوسط، لا ينبغي أن تفهم - كما يطرحونها - على أنها ناتجة من حرمان هذه العناصر من الترقي داخل الأحزاب، ولا على أنها نتاج احتكار الجيل الأقدم للمناصب، وإنما تفهم في إطار عدم اقتناع هذه الأجيال اللاحقة بقواعد الترقي أو بآليات التجنيد. ومن الطبيعي أن يكون ترسيخ آليات مقبولة للتجنيد في النهاية لمصلحة اتساع فرص الترقي أمام هذه العناصر. لكن يجب ألاَّ ننسى أن قنوات التجنيد مسدودة من أعلى، بمعنى أن المناصب الحزبية هي نهاية المطاف بالنسبة إلى كل الناشطين في الأحزاب، بمن فيهم أغلب هؤلاء الذين ينتمون إلى الحزب الحاكم، ومن ثم فإن جزءاً كبيراً من الحل يتوقف على مدى فتح المؤسسات السياسية الرسمية في الدولة أمام الأحزاب بصفة عامة، وأحزاب المعارضة بصفة خاصة، لتأخذ نصيبها العادل في البرلمان والوزارة[32]..
2- أزمة الديمقراطية
تتفق أغلبية الدراسات على وجود أزمة ديمقراطية داخل الأحزاب السياسية، وأن أهم مظاهر هذه الأزمة يتمثل بـ: عملية صنع القرار، ومركزية التنظيم، وهيمنة الرؤساء على أحزابهم، وضعف الأطر المؤسسية لمشاركة الأعضاء.
في خصوص عملية صنع القرار داخل الأحزاب تستخلص الدراسات السابقة ثلاثة اتجاهات رئيسية تمثّل الطابع الأساسي لهذه العملية. وتؤكد هذه الاتجاهات وجود أزمة ديمقراطية ووجود سلطوية في صنع القرار داخل الحزب.
- الاتجاه الأول هو الدور المحوري لرئيس الحزب في هذه العملية، ويعد هذا الدور انعكاساً لطبيعة البناء التنظيمي، فرئيس الحزب يتمتع بمركز متميز في هذا البناء بما يتيح له السيطرة على عملية صنع القرار عموماً. ويبدو أن أغلب الأحزاب قد أعطت لوائحها صلاحيات واسعة لرؤسائها، جوهرها هو جعل رئيس الحزب المسؤول الأول عن كل ما يتعلق بالسياسة العامة للحزب، في الوقت الذي اتسمت صيغة آلية صنع القرار بقدر من الغموض في هذه اللوائح. وقد مارس رئيس الحزب في أغلب الأحوال هذا الدور المحوري بمفرده، وفي أحيان أخرى بالتعاون مع حلقة ضيقة من النخبة الحزبية أو بالاشتراك مع المستوى القيادي للحزب. وليس هناك سوى استثناءات قليلة جداً كان يجري توظيفها على نحو معين لخدمة توجهات رئيس الحزب أو للإيحاء بأن هناك ديمقراطية ما أو لتخفيف التوتر، وأحياناً لم يُعمل بالقرار[33]..
- الاتجاه الثاني هو سعي رؤساء الأحزاب لتغليف المضمون السلطوي لعملية صنع القرار بوجه ديمقراطي من خلال إخراج القرارات، وهو ما يعرف باستيفاء الشكل أو المظهر الديمقراطي. وفي معظم الأحوال لا يجد رئيس الحزب صعوبة في تمرير القرار الذي يريده في المستوى القيادي للحزب، ويستخدم الرؤساء في هذا المجال ما يتمتعون به من وزن معنوي ومكانة أدبية. وفي بعض الحالات يعمد رئيس الحزب إلى ممارسة ضغط مباشر على أعضاء النخبة الحزبية لضمان اتخاذ القرار المطلوب، أو إلى إحالة الموضوع إلى المستوى الوسيط ممثلاً في المؤتمر العام إذا كان ذلك يتيح فاعلية أكبر لهذه الضغوط.
وعلى الرغم من ذلك فهناك استثناءات من هذا الاتجاه العام الذي يضفي مجرد الطابع الشكلي الديمقراطي على عملية صنع القرار، إذ كانت عملية صنع القرار في هذه الاستثناءات أقرب إلى مضمون الديمقراطية، من أهمها: قرار حزب العمل في شأن التحالف الثلاثي عام 1987، وقرار حزب التجمع بتجميد نشاطه خارج المقار عام 1978، وبدرجة أقل قرار حزب الأحرار الائتلاف مع الحزب الوطني عام 1979. والملاحظ أن هذه القرارات من النوع الذي يمس مصير الحزب أو يرتبط بهذا المصير.
- الاتجاه الثالث هو محدودية مشاركة المستوى الوسيط وتواضع - إن لم يكن وضاعة - مشاركة المستويات القاعدية في عملية صنع القرار، وكان أهم دور للمستوى الوسيط يتعلق بقرارات التصرف في الأحزاب بالحل أو التجميد نتيجة ظروف واجهتها ثلاثة من هذه الأحزاب هي الوفد والتجمع ومصر العربي الاشتراكي (قبل عام 1978)، وكانت مشاركة الجمعية العمومية للوفد والهيئة التأسيسية لحزب مصر في صنع هذا النوع من القرارات أكبر من مشاركة الهيئة التأسيسية لحزب التجمع، أما مستوى القاعدة فقد اقتصرت مشاركته على بعض قرارات تحديد مرشحي بعض الأحزاب للانتخابات العامة. وكان هذا هو النوع الوحيد من القرارات الذي أتيح للمستوى القاعدي المشاركة فيه، وعلى الرغم من ضآلة هذه المشاركة، فهي لم تكن معروفة أو لم تجرِ في كل الأحزاب (في التجمع والعمل والوفد والناصري فقط)، ولا في كل الأوقات على مستوى الحزب نفسه. ويمكن تفسير السماح بهذا النوع من المشاركة بأن قرار تحديد المرشحين ينطوي أكثر من غيره على مصالح قاعدية مباشرة قد تزيد الضغوط على المستوى القيادي[34].
وبغض النظر عن نمط عملية صنع القرار فإن استمرار الدور المهيمن لرئيس الحزب يعد من أهم مظاهر أزمة الديمقراطية داخل الأحزاب، وخصوصاً أن هذه الاستمرارية تؤثر في مدى التقدم المتاح أو الممكن نحو الديمقراطية وتضع عليه حدوداً أو تفرض عليه قيوداً صارمة، شأنها في ذلك شأن الدور المحوري لرئيس الدولة في الأنظمة السياسية، وحيث توجد علاقة (ما) بين دور الرئيس وبين حدود التطور الديمقراطي في هذه الأنظمة. معنى ذلك أنه حتى لو حدث تقدم ديمقراطي في عملية صنع القرار داخل الحزب، فمن المتوقع أن يكون هذا التقدم صورياً أو شكلياً وأن يظل المضمون سلطوياً إلى حد كبير. ويبدو ذلك - على سبيل المثال - مع إعمال الأسلوب الانتخابى في البناء الحزبي، إذ يمارس رئيس الحزب التدخل للتأثير في النتائج - ما لم يجرِ تعطيل الانتخابات من جانبه كما كانت الحال في حزب الأحرار - بحيث تتوافق هذه النتائج في النهاية مع نتائج أسلوب التعيين. أضف إلى ذلك أن انتخابات رؤساء الأحزاب كانت على الدوام (في الأحزاب الرئيسية) فارغة من محتواها، إذ يفوز الرئيس بالتزكية ولا تزيد المسألة على كونها استفتاء أو تجديد التأييد الجماعي لرئيس الحزب. وفي أحسن الأحوال يتقدم لمنافسة رئيس الحزب عضواً أو عضوين من الأعضاء المغمورين (كما حدث في حزبي العمل والوفد). والحالات التي خرجت عن هذا الإطار إما دفنت في مهدها (حزب الأحرار)، وإما فجرت صراعاً كاد يودي بحياة الحزب (الناصري) وهي حالات محدودة، حدثت كلها في الأحزاب الجديدة الهامشية جداً مثل حزب الشعب الديمقراطي والخضر والعدالة الاجتماعية. ويبدو - في هذا الصدد - أن ثمة ظاهرة قد تبلورت في الآونة الأخيرة، وتكاد تكون ملموسة في أغلب الأحزاب وهي تزايد حجم الاعتبارات غير الموضوعية في القرارات الحزبية، وبخاصة المصالح الشخصية والفئوية والعلائق التحتية والصفقات الخفية[35]..
وفي خصوص الأطر المؤسسية لمشاركة الأعضاء، نلاحظ أن هناك اتجاهاً عاماً لدى كل الأحزاب لتقييد هذه المشاركة وخصوصاً من جانب القواعد الحزبية، ولعل هذا الاتجاه يمثل امتداداً أو انعكاساً لأحد خصائص السلوك السياسي في المجتمع المصري عموماً. وفي ظل هذا الاتجاه نجد تفاوتاً بين الأحزاب من حيث فاعلية الأطر المؤسسية لمشاركة الأعضاء في القاعدة، وبخاصة في ما يتعلق بالإطار الرئيسي في هذا الشأن وهو "المؤتمر العام" الذي يعد الجهاز الرئيسي للمستوى التنظيمي الوسيط في أي حزب، وبالتالي فهو يعد من أهم الأطر المؤسسية للمشاركة بوصفه ساحة الالتقاء والتفاعل المؤسسي بين المستويين: القيادى والقاعدة. وقد شهدت الأحزاب تقدماً ملموساً في مجال ترسيخ هذا الإطار وإن كان بدرجات متفاوتة. يتمثل هذا التفاوت في مدى انتظام دورات هذا المؤتمر، وأسلوب اختيار مندوبي المستوى القاعدي فيه، ومشاركة هؤلاء المندوبين في مناقشاته وفي اختيار المستوى القيادي للحزب. لذلك لا يمكن فهم دلالة المؤتمر العام على وجود ممارسة ديمقراطية داخل الأحزاب دون أخذ هذه العناصر في الحسبان، فمثلاً الانتظام في عقد المؤتمر العام لا يعطي في حد ذاته دلالة مؤكدة على وجود مثل هذه الديمقراطية، ما لم يكن مندوبوا المستوى القاعدي ممثلين بالفعل لهذا المستوى وبالتالي منتخبين فيه، وما لم يشاركوا بحق وجد في أعمال المؤتمر وفي اختيار المستوى القيادي، بحيث لا يكون وجودهم مجرد استكمال للعدد أو استيفاء للشكل. هذه العناصر مجتمعة لم تتوافر إلا لدى حزب العمل، وفي الفترة الممتدة من عام 1982 (مؤتمره الأول) إلى عام 1987 (مؤتمره الرابع) فقط، أي قبل حدوث الانشقاق الكبير الذي شهده المؤتمر الخامس للحزب في آذار/ مارس 1989. في المقابل غابت هذه العوامل مجتمعة في حزب الأحرار الذي لم يعقد مؤتمره العام الأول إلا عام 1990. أما الأحزاب الرئيسية - بما فيها حزب العمل باقي الفترة - فقد تفاوتت حظوظها في المستوى الذي أتاحته مؤتمراتها للمشاركة القاعدية، ولعلها كانت مفارقة أن أكثر هذه الأحزاب انتظاماً في عقد دورات المؤتمر العام، وهو الحزب الوطني، كان أقلها حظاً من حيث المشاركة الفعلية لمندوبي المستوى القاعدي، والحقيقة أنها ليست مفارقة نظراً إلى الأداء العام للحزب الذي ظل أبعد الأحزاب من الديمقراطية، فالواقع أن انتظام انعقاد المؤتمر العام للحزب الوطني لم يؤدِّ إلى تحقيق تفاعل بين النخبة ومندوبي المستوى القاعدي. في المقابل نجد أن حزباً كالوفد الذي لم تنعقد جمعيته العمومية بصورة دورية ولا منتظمة قد شهد قدراً أكبر من التفاعل في بعض دوراته. ويبدو بصفة عامة أن حزبي العمل والتجمع أفضل حالاً من الوفد في هذا الصدد. كذلك يبدو التفاوت بين الأحزاب في الأطر الأخرى للمشاركة، سواء بالنسبة إلى الأجهزة التي تحل محل المؤتمر العام بين دوراته أو في غياب هذه الدورات، أم بالنسبة إلى الأطر غير المنتظمة للمشاركة، فعلى الرغم من أن أياً من الأحزاب لم يتح فرصاً للتفاعل بين القواعد والنخبة، فإن ثمة تميزاً طفيفاً لحزبي العمل والتجمع في هذا المقام[36]. .
كما تعد مركزية التنظيم أحد مظاهر هذه الأزمة، وهي نتاج الدور المهيمن لرئيس الحزب من جانب، ومحدودية إقبال القواعد الحزبية على المشاركة من جانب آخر. وتتسم مركزية التنظيم في الأحزاب المصرية بطابع مزدوج، فهناك مركزية أفقية ينقسم الحزب بمقتضاها إلى مركز في العاصمة ومحيط تابع لهذا المركز، يوجد في المحافظات الأخرى التي تتفاوت مساهمتها في الشؤون الحزبية وفق عدد من العوامل، من أهمها القرب أو البعد الجغرافي عن هذا المركز، وهناك مركزية رأسية داخل كل محافظة على حدة، الأمر الذي أدى إلى حلول قمة المستوى القاعدي ممثلة في لجنة المحافظة محل هذا المستوى نفسه في كثير من الأحيان، لذلك كانت مشاركة المستوى القاعدي في عملية صنع القرار (الاستثناءات التي سبق ذكرها) محصورة غالباً في قمة هذا المستوى. وتعد هذه المركزية مسؤولة إلى حد كبير عن عجز مختلف الأحزاب - بدرجات متفاوتة - عن استكمال بناء المستوى القاعدي، نظراً إلى اعتماد البناء التنظيمي على دور المركز وليس على المبادرات المحلية، لذلك توقف مدى الإنجاز في مجال بناء المستوى القاعدي على قدرة المركز، وما يمكن أن يوليه من اهتمام بهذه العملية، ومستوى الحماسة التي تجري بها. ولعل ذلك يفسر الإنجاز الذي جرى في بناء وحدات قاعدية لحزب العمل في عدد من المحافظات حين نشطت عناصر التيار الإسلامي فيه قبل المؤتمر العام الخامس للحزب. وعلى العموم ارتبط مثل هذا النشاط من جانب المركز بمصالح عناصر معينة. وافتقرت كل الأحزاب إلى المبادرات المحلية، ليس في عملية البناء التنظيمي فقط ولكن في المساهمة في النشاط الحزبي أيضاً، وبات من الصعب تعميق الممارسة الديمقراطية ما بقيت هذه المركزية[37].
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
24 من 33
أزمة التماسك الحزبي
يمكن تحديد أسباب أزمة التماسك الحزبي بـ: الصراع على النفوذ داخل الحزب، والصراع على القيادة، أو ما يمكن أن يسمى "أزمة القيادة" في هذه الأحزاب، ثم الخلافات الفكرية والسياسية. وهو ما تمخض عن ظاهرة عدم الالتزام الحزبي (الخروج على الخط السياسي للحزب أو على مبادئه أو على قراراته)، هو ظاهرة الانشقاق التي تمثل الخطر الحقيقي الذي يمكن أن يهدد هذه الأحزاب في وجودها. وعموماً يوجد تداخل بين أسباب الأزمة ومظاهرها.
والواقع أن مسألة الصراع على النفوذ والخلافات السياسية والفكرية ليست غريبة أو مستبعدة في أي حزب، فهي أمر واقع في كل الأحزاب، كما أنها ضرورة تحتمها طبيعة العمل السياسي، لكن العنصر الحاسم هو طريقة إدارة هذه الصراعات، إذ كلما توافرت للحزب هذه القدرة أمكن استثمار هذه الصراعات في تقوية الحزب وتطوير أسلوب العمل فيه. في المقابل فإن فشل الحزب في إدارة هذه الصراعات واحتوائها لا بد من أن ينعكس سلباً على تماسك هذا الحزب. ويلاحظ في الأحزاب المصرية أن الصراع على النفوذ كان محصوراً في معظم الحالات في دائرة النخبة، وأن أنماط هذا الصراع قد ارتبطت بطبيعة وتركيبة الحزب من ناحية وبامتداده التاريخي من ناحية أخرى، بمعنى تراث التنظيمات السابقة التي يمثل الحزب امتداداً لها بصورة أو بأخرى.
من جهة تركيبة الحزب كان هذا الارتباط أوضح في حزبي التجمع والعمل، ثم الناصري، كما في جميع الأحزاب الجديدة الهامشية التي ظهرت إلى حيز الوجود استناداً إلى أحكام قضائية. وقد اتسمت تركيبة الأحزاب الثلاثة الأولى بطابع متعدد الاتجاهات والتيارات السياسية والفكرية، ففي حزب التجمع كان الصراع في أغلب الأحيان بين التيارين الماركسي والناصري أو بالأحرى بين قطاعين محددين من هذين التيارين. وفي حزب العمل ظهر الخلاف في البداية بين عدّة تيارات أهمها: تيار "مصر الفتاة" القديم، وبين تيار ناصري، وآخر وثيق الصلة بالحزب الحاكم، فضلاً عن مجموعة ليبرالية محدودة. لكن بتحالف الحزب مع الإخوان المسلمين، طغى الصراع بين التيار الإسلامي وبين وما يمكن أن يعد التيار شبه العلماني. وفي الحزب الناصري نشأ الخلاف مع بداية ظهور الحزب إلى الوجود بين مجموعة "عابدين" ومجموعة "مايو"، أو بتعبير آخر بين مجموعة فريد عبد الكريم ومجموعة ضياء الدين داود. ولم تكن الصراعات في الأحزاب الجديدة نتيجة لمثل هذه التركيبة، وإنما كانت نتيجة لتركيبتها العائلية أو الشللية أو انعكاساً لتركيبة المصالح الشخصية لكونها أحزاب أشخاص في النهاية.
أما تأثير تراث التنظيمات السابقة فكان واضحاً في حزبي الوفد والوطني الديمقراطي. فقد اتسم الصراع على النفوذ بين بعض أعضاء النخبة العليا في الوفد بوضوح لم تعرفه الأحزاب الأخرى، ودون غطاء سياسي أو فكري، وليس من المتصور أن تعيين ثلاثة نواب للرئيس السابق للحزب ثم فوز نعمان جمعة برئاسة الحزب قد حسم مشكلة الصراع بصورة نهائية ومأمونة. أما في الحزب الوطني فقد اقترنت صراعات النفوذ بظاهرة التكتل والشللية التي تعد امتداداً لخصائص التنظيم السياسي الواحد، وخصوصاً أن أعضاء هذا التنظيم السياسي الواحد (الاتحاد الاشتراكي العربي) قد أنضموا إلى حزب مصر ثم إلى الحزب الوطني، وأن معظم أعضاء النخبة العليا في الحزب الوطني جاءوا من ذلك التنظيم[38]..
بوجه عام، إن المقولة التي يمكن أن تستخلص في إدارة الصراعات على النفوذ هي أن الانتخابات التنافسية الدورية تعد مهمة في تنظيم هذه الصراعات واحتوائها والحؤول دون احتمالات تفجرها أو تحولها إلى انقسامات جوهرية. والانتخابات الشكلية لا تجدي في هذا الصدد طبعاً، بل قد تفرز نتائج عكسية. على سبيل المثال استخدم حزب الوفد أسلوب الانتخاب كأداة لاستبعاد من يرغب رئيس الحزب في عدم وصوله إلى الهيئة العليا، لكن لم يساعد ذلك على الحد من الصراع على النفوذ. وفي حزب التجمع تم اللجوء إلى أسلوب القائمة في انتخابات المستوى القيادي تحت شعار ضمان تمثيل مختلف التيارات، ولم يكن لذلك جدوى في الحد من هذه الصراعات. في المقابل حين لجأ حزب العمل إلى انتخابات تنافسية مفتوحة إلى حد كبير في مؤتمراته الأربعة الأولى، كان لهذا الأسلوب فاعلية ملحوظة في تنظيم السعي للنفوذ والحد من تحولها إلى صراعات متبلورة. في المقابل أيضاً، حين تراجعت قيادة الحزب عن هذا المنهج، وقف رئيس الحزب خلف قائمة محددة لإنجاحها بأي ثمن في المؤتمر الخامس، ففقدت الانتخابات دورها في تنظيم عملية الصراع أو احتوائه وانقسم الحزب في صورة الانشقاق الشهير الذي قاده أحمد مجاهد[39]..
وفي خصوص الصراعات أو الخلافات الفكرية أو السياسية يمكن القول بصفة عامة إنها ارتبطت بأحزاب المعارضة الرئيسية أكثر من ارتباطها بالحزب الوطني والأحزاب الجديدة. بعبارة أخرى، انتفت في الحزب الوطني حتى عام 1990 تقريباً، ومنذ ذلك الحين أخذت تتصاعد بوجه محدود حتى اليوم، مع التأكيد أنها أخذت الطابع السياسي فقط دون الفكري، وقد بات متعذراً - بل مستحيلاً - أن نجد خلافاً فكرياً في الحزب الوطني الذي يتبنى الخط الفكري الذي ترسمه الدولة، هذا إذا كان هناك فكر من الأصل. ولم يكن لدى الأحزاب الجديدة ما تختلف حوله سياسياً أو فكرياً، فهي لا تزال منشغلة بصراعات النفوذ والصراعات الشخصية (على المصالح الخاصة) ولم تمارس عملها في الساحة.
هناك أيضاً ما عرف بأزمة القيادة والتي تمثلت في بقاء رؤساء الأحزاب في مناصبهم مدى الحياة، وغياب آليات واضحة ومقررة ومتفق عليها لخلافة هذه القيادات في حال اختفائها، بما ينطوي عليه ذلك من احتمالات انفجار صراعات قد تهدد الحزب في وجوده. والجديد في هذه الجزئية ثلاثة أمور. الأول هو أن أغلبية أحزاب المعارضة باتت تعاني مشكلات داخلية تتعلق باعتراض قطاعات من أعضائها على بقاء الزعماء القدامى على رأس هذه الأحزاب؛ الأمر الثاني هو أن هذه الأحزاب بدأت تواجه هذه الأزمة بالفعل، سواء لأن رئيس الحزب قد توفي فعلاً (الأحرار والوفد) أو لأنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من الرحيل أو أصبح منصبه مرشحاً لأن يخلو في وقت قريب جداً، وخصوصاً أن عدداً من الزعماء قد تجاوز عمره الثمانين عاماً، أو بدت عليه مظاهر اعتلال الصحة. الأمر الثالث هو أن تجربة حزب الأحرار التي مثلت أقصى حالات التردي في الصراع الحزبي تشي بعدم قدرة الأحزاب الهامشية على تجاوز هذه المشكلة على الإطلاق، أو بعدم قدرتها على تجاوزها دون مخاض كبير أو تداعيات خطيرة، وخصوصاً أن أغلب هذه الأحزاب يعيش على بركان من الصراعات الداخلية. ويجب التأكيد أن ما حدث في أحزاب العدالة الاجتماعية، والشعب الديمقراطي، والخضر، ومصر الفتاة، لا يمكن أن يقاس عليه بالنسبة إلى الأحزاب الرئيسية التي ربما تكون تجربة حزب الوفد مؤشراً إلى احتمالات إخفاقها في مواجهة هذه المعضلة[40]. .
رابعاً: دور الأحزاب في الحياة السياسية
( من التردي إلى انعدام الجدوى)
الوظائف المنوطة بالأحزاب عديدة، وقد ورد بعضها في سياقات أخرى. لذا يمكن التركيز هنا على وظيفتي التمثيل والمشاركة، ليس بوصفهما أهم أدوار الأحزاب فقط من حيث ارتباطهما بالهدف من وجود هذه الأحزاب، ولا بوصفهما مقياساً لمدى التطور الديمقراطي، وإنما لأنهما يعكسان بوضوح طبيعة البيئة التي تعمل الأحزاب فيها، والضوابط القانونية والمؤسسية التي تخضع لها، فضلاً عن اعتمادها على التفاعل بين الأحزاب من جانب، وبين الأحزاب والجماهير من جانب آخر، وبالتالي فهما بمنزلة الحصيلة التي يمكن من خلالها تقويم الحياة الحزبية ككل.
1- الأحزاب والتمثيل
إن مجرد الملاحظة العابرة تنبئ بوجود أزمة في التمثيل السياسي أو تمثيل المصالح الذي تمارسه الأحزاب السياسية، وهي أزمة تنطوي على شقين: الأول هو ضعف التمثيل بصفة عامة، والثاني هو وجود خلل في هذا التمثيل. ولا شك في أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الشقين، وخصوصاً إذا كان هذا الخلل يعني أن الحزب الحاكم، الذي يستحوذ على أغلبية مقاعد البرلمان، لا يمثل إلا فئة قليلة جداً من الشرائح الاجتماعية الموجودة، وأن أحزاب المعارضة التي يكاد وجودها ينعدم في البرلمان تمثل قاعدة من المجتمع، هي ليست كبيرة على أي حال ولكنها أكبر كثيراً من حجم تمثيل هذه الأحزاب في البرلمان. ومعنى ذلك أننا أبعد ما نكون عن التمثيل العادل.
والواقع أن عدم عدالة التمثيل هي جوهر أزمة التمثيل بالنسبة إلى الأحزاب بصفة عامة، وهي السبب الرئيسي في ضعف التمثيل، حتى لو كانت هناك أسباب أخرى سوف يرد ذكرها، فإن غياب العدالة يأتي في مقدم هذه الأسباب، لأنه لن يغير كثيراً من الوضع أن تكون الأحزاب قادرة على تمثيل كل شرائح المجتمع وتياراته السياسية ومصالحه المتباينة، ما دام هذا التمثيل من جانب الأحزاب لن يترجم إلى سيطرة سياسية (أو مقاعد في البرلمان) بسبب غياب هذه العدالة.
لكن على الرغم من الاقتناع التام بأن عدم عدالة التمثيل هي المسؤولة الأولى عن أزمة التمثيل، فإنه يمكن تحديد بعض العوامل الأخرى التي تتحمل جزءاً من المسؤولية في ذلك منها: أولهما ضيق القاعدة الاجتماعية والسياسية التي تمثلها الأحزاب وتركزها في دوائر المثقفين وبعض المتعلمين الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى، إذ يندر العثور على فلاحين أو عمال فقراء أو عناصر شبابية بين صفوف الأحزاب. لكن في ضوء هذه الحقيقة يمكن القول إن المشكلة الأساسية هي حالة السيولة التي يتسم بها البناء الاجتماعي المصري، بحيث لا يمكن الحديث عن تكوين طبقي محدد أو عن خريطة طبقية في مصر، أضف إلى أن القانون يمنع ظهور أحزاب على أسس طبقية. وميوعة البنيان الطبقي يترتب عليها بالضرورة سيولة "المصالح". فمن المتعذر ربط مصالح معينة بشريحة معينة أو تجميع المصالح على نحو يعطي للأحزاب الفرصة في تمثيلها والدفاع عنها، لأن قطاعات كبيرة من المصريين تتعدد انتماءاتها الاقتصادية والاجتماعية في الوقت نفسه بحكم تعدد مصادر دخلها أو تعدد أنشطتها لمواجهة الفقر والمعاناة.
أكثر من ذلك ليس هناك خطوط فكرية وسياسية واضحة ومتبلورة، اللهم إلا في قلة قليلة من المجتمع وهي التي تمثلها الأحزاب حقيقة ويوجد بينها العديد من الخلافات الفكرية والأيديولوجية في إطار التيار الواحد. وبعبارة أخرى فإن هناك اتجاهات أيديولوجية أو أحزاب لها أيديولوجيات، لكن هذه الأحزاب لم تستطع طرح صيغة واضحة ومتسقة من داخلها ومتوافقة مع الواقع.
ولعل ذلك يرتبط بالعامل الثاني وهو عدم قدرة هذه الأحزاب على بلورة برامج تمثل مصالح معينة أو توجهات فكرية معينة، حتى لو كانت هذه الأحزاب تملك الأيديولوجية. وهنا تواجه الأحزاب إشكالية أساسية، هي أن صوغ برامج على قدر من التبلور سوف يعني ضيق النطاق الذي تمثله إلى أقصى حد ممكن. في المقابل فإن توسيع البرامج لكي تعبر عن أكبر عدد ممكن من المواطنين، يفقد هذه البرامج هويتها، ويحرمها فرصة تمثيل العناصر التي تعتنق توجهات سياسية وفكرية معينة. هنا نجد التناقض واضحاً بين أيديولوجية الحزب أو برنامجه العام من ناحية، وبين مواقفه في الحياة السياسية بصفة عامة (التي قد تتسم بالتناقض أيضاً) من ناحية ثانية، وبين برامجه الانتخابية من ناحية ثالثة. الأولى والثانية فيهما خط فكري وعقائدي أو أيديولوجي، والثالثة يختفي فيها أثر هذا الخط إلى درجة أنه يصعب التمييز في كثير من الأحيان بين البرامج المختلفة للأحزاب المختلفة. وقد يرجع ذلك إلى سببين: الأول هو "اللياقة الانتخابية" التي تجعل كل الأحزاب تدعي أنها تمثل كل شرائح المجتمع وفئاته، وبالفعل نجد كل الأحزاب مثلاً تتبنى رموز الخطاب الإسلامي ومفرداته، عدا التجمع الذي يبدي احتراماً للدين الإسلامي ويتعمد أن يبدي هذا الاحترام من دون مناسبة، وكل الأحزاب تتحدث عن الشباب وعن المرأة، وعن الأقباط وعن العمال والفلاحين... الخ. إلى آخره. والثاني هو طبيعة المرحلة التي تمر مصر بها من ناحية التطور السياسي، فلسنا في صدد وضع فلسفة جديدة للحكم وإدارة شؤون المجتمع، حتى لو كنا بحاجة إلى ذلك. ففي عرف النظام الحاكم أننا تجاوزنا هذه المرحلة وحسمنا الاختيار واستقر الأمر على ما يعني في النهاية "الليبرالية السياسية والاقتصادية" الشكلية، وفي الوقت نفسه لم نصل إلى ما يشبه الاتفاق على المبادئ العامة والعريضة، التي يجب أن توجد في أي مجتمع، حول توجهاتنا - أياً كانت - بحيث يكون الخلاف بعد ذلك على التفاصيل وعلى سبل التنفيذ، أعتقد أننا لم نصل إلى هذه المرحلة، ولذلك سوف نجد الوضع لدينا معكوساً، فبدلاً من أن تكون المبادئ الأساسية محل اتفاق، وأن تنصرف أوجه الاختلاف إلى التفاصيل وأساليب التنفيذ، أصبحت الأولى عندنا محل خلاف واسع إلى درجة أن مساحة الاتفاق المفترضة قد تآكلت بالفعل، وأضحت الثانية (وهي التفاصيل) محل ما يشبه الاتفاق. على سبيل المثال قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، إذ هناك خلافات حادة في المواقف الأيديولوجية حولها، وشبه اتفاق على السياسة المتبعة وهي "السلام البارد"، مثال آخر قضية التعليم التي تشهد الخلافات الأيديولوجية الحادة نفسها، وفي النهاية يتفق الكل بوجه أو بآخر على مجانية التعليم والإبقاء عليها. وسواء كان السبب هو اللياقة الانتخابية أو طبيعة المرحلة، فإننا إزاء مجتمع غير قابل للتمثيل. وإذا كان الحزب الوطني لديه من يستفيدون من هذه الدولة وبالتالي من يمثلهم بصورة غير مباشرة، فإن أحزاب المعارضة التي يفترض أن تحتل المجتمع في جميع شرائحه بمن فيها الفقراء والأغلبية المقهورة، لم تستطع استيعاب هذه الشرائح والتعبير عنها، نظراً إلى عدم ثقة هذه الشرائح في جدوى العمل السياسي ككل بسبب المناخ القائم، ولعل ذلك ينقلنا إلى القضية الثانية وهي المشاركة[41]..
2- الأحزاب والمشاركة
هناك أزمة مشاركة على كل المستويات، سواء على مستوى المشاركة في الأحزاب بوصفها أطراً للمشاركة، أم على مستوى المشاركة من جانب الأحزاب، أم على مستوى المشاركة من خلال الأحزاب (تأييد الأحزاب في الانتخابات). بعبارة أخرى هناك أزمة في جميع أنواع المشاركة السياسية من خلال القنوات التقليدية. فالسمة الأساسية هي ضعف ومحدودية مشاركة المواطنين في الأحزاب، التي قد يكون لها يد في هذا الضعف، الذي يؤدي بدوره إلى إضعاف الأحزاب والتقليل من دورها وبالتالي الحد من مشاركتها، أي مساهمتها في التأثير في السياسة.
وفي خصوص العضوية الحزبية بوصفها أحد مؤشرات المشاركة، ليست هناك بيانات دقيقة لدى الأحزاب، لكن توجد دراسات ميدانية تؤكد الانخفاض الشديد في حجم العضوية، فهناك دراسة مثلاً أجريت على عينة من المواطنين وجدت أن نحو 65 في المئة من المواطنين لا يهتمون بالحياة الحزبية ولا يأبهون بالعمل الحزبي، وأن 33 في المئة من العينة أو نصف هؤلاء الذين ليس لديهم اهتمام بالأحزاب، لا يعرفون شيئاً عن الأحزاب على الإطلاق، وأن 84 في المئة من أفراد العينة لا ينتمون إلى أية أحزاب[42]. .
وثمة تقديرات تذهب إلى أن حجم العضوية ربما لا يتجاوز 10 في المئة من جملة المؤهلين للمشاركة السياسية أو نحو مليونين من الأعضاء، وقدرها البعض بنحو مليون واحد فقط أي ما يعادل 2 في المئة من جملة عدد السكان وربما أقل. أما تقديرات قيادات الأحزاب فتزيد كثيراً على التقديرات السابقة، ففي عام 1988 - مثلاً - أعلنت أمانة التنظيم في الحزب الوطني أن عضوية الحزب تجاوزت المليون، وأعلن الأمين العام المساعد للحزب أن العضوية بلغت أكثر من 2.5 مليون عضو قبيل انعقاد المؤتمر السادس للحزب في تموز/ يوليو 1992. وبلغت عضوية حزب التجمع 170 ألف عند تأسيسه عام 1976، إلا أن أغلب الأعضاء قدموا استقالات جماعية بعد أحداث كانون الثاني/ يناير 1977 والتضييق على الحزب واعتقال عدد كبير من أعضائه، اضطر الحزب حينها إلى حرق استمارات العضوية وحصر نشاطه داخل المقار. وبصفة عامة تذبذبت أرقام عضوية حزب التجمع مع مدى تسامح الحكومة مع أحزاب المعارضة، ففي ظل الانفراج الديمقراطي في الثمانينات بلغت عضوية التجمع 87 ألفاً. ويكاد يتطابق مسار العضوية في كل من العمل والوفد مع مسارها في التجمع. وليست هناك بيانات دقيقة عن حجم العضوية في حزب الوفد، ووفق تصريحات بعض قيادات العمل تبلغ عضويته نحو 100 ألف عضو[43]. .
والمؤكد أن تقديرات قيادات الحزب الوطني كاذبة، شأن أي تصريحات من هذا الحزب، وأن الأحزاب الأخرى لا تملك وسائل دقيقة للتقدير، فهي تعتمد على استمارات العضوية التي ليست بالضرورة دليلاً شاهداً على العضوية، فالحزب الوطني من السهل أن يعبئ الاستمارات للعضوية كما يسود بطاقات التصويت، والأحزاب الأخرى لا تحتفظ - على نحو مضبوط - بهذه البطاقات التي تشمل بطاقات الذين خرجوا من الحزب أو سافروا أو عزفوا عن المشاركة في العمل الحزبي وهم ليسوا قلة.
وعموماً فإن العضوية في الأحزاب لم تعد ثابتة ولا عادت مستقرة، فهي في تدنِ مستمر في أغلب الأحزاب، أي أن الهبوط أصبح سمة عامة أو ملمحاً أساسياً في حجم العضوية، كما بات الخروج من الأحزاب والدخول فيها ظاهرة مؤثرة في استقرار العضوية، فقد ارتبطت بمدى حصول الشخص على مزايا خاصة، ودون أدنى اعتبار لانتمائه الحزبي. وعدا العمل والتجمع والوفد والناصري يصعب أن تقرن العضوية بالانتماء. وبالتالي فإن المسألة ليست مسألة عضوية بالمعنى الكمي (كما هي الحال في الحزب الوطني) بقدر ما هي قضية نوعية، فعضوية الأحزاب الرئيسية في المعارضة هي حقيقية مهما كانت ضئيلة، وعضوية الحزب الوطني لا ينبغي أن تحسب بالمعيار العددي، إذ إن الانتماء إلى الحزب الوطني أصبح انتماءً وظيفياً مرهوناً بتحقيق مصالح معينة، وأصبح عدم تحقيق هذه المصالح مدعاة إلى الخروج من الحزب أو عليه، لذلك بات الخروج منه والدخول فيه أيسر من أن تلقي بالسيجارة بعد تدخينها.
وعموماً، هناك اتفاق على أن وظيفتي التمثيل والمشاركة في تدهور مستمر، أو بالأحرى قد انتقلت الممارسة في هذين المجالين من التردي إلى انعدام الجدوى الذي أفقد الجميع الثقة في العمل الحزبي، وأدى في النهاية إلى خلق ظاهرتين: الأولى هي اللجوء إلى قنوات أخرى للمشاركة، فقد تصاعدت المشاركة من خلال النقابات والمنظمات غير الحكومية، التي تعرضت للمطاردة والمحاصرة من جانب الحكومة، وبالمثل تزايدت صور التأثير في القرار السياسي من خلال المسالك والقنوات الشخصية (العلائق الشخصية والشللية وتبادل المصالح)، أو من خلال العنف الذي كان واضحاً في انتخابات عام 1995، والذي تشير الدراسات إلى أنه أصبح ظاهرة في المجتمع المصري، أو من خلال استخدام الوسائل غير الشرعية (كالرشوة و التزوير). الثانية هي ظهور أنماط للتفاعل مختلفة تماماً عن تلك التي كانت سائدة، فلم يعد التفاعل السياسي يخضع لثنائية الحكومة - المعارضة، وإنما أصبح يخضع لثنائية المستفيدين - غير المستفيدين، وقد نتصور أن لافتة المستفيدين تضم عناصر من المعارضة كما تضم عناصر من الحزب الحاكم، وأن فئة غير المستفيدين ينضوي تحتها عناصر من المعارضة كما تضم عناصر من الحزب الحاكم إلى جانب عناصر المعارضة، وغالباً ما تتوازى هذه الثنائية مع ثنائية أخرى للتفاعل الفكري في المجتمع هي ثنائية: إسلامي - علماني
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
25 من 33
أزمة التماسك الحزبي
يمكن تحديد أسباب أزمة التماسك الحزبي بـ: الصراع على النفوذ داخل الحزب، والصراع على القيادة، أو ما يمكن أن يسمى "أزمة القيادة" في هذه الأحزاب، ثم الخلافات الفكرية والسياسية. وهو ما تمخض عن ظاهرة عدم الالتزام الحزبي (الخروج على الخط السياسي للحزب أو على مبادئه أو على قراراته)، هو ظاهرة الانشقاق التي تمثل الخطر الحقيقي الذي يمكن أن يهدد هذه الأحزاب في وجودها. وعموماً يوجد تداخل بين أسباب الأزمة ومظاهرها.
والواقع أن مسألة الصراع على النفوذ والخلافات السياسية والفكرية ليست غريبة أو مستبعدة في أي حزب، فهي أمر واقع في كل الأحزاب، كما أنها ضرورة تحتمها طبيعة العمل السياسي، لكن العنصر الحاسم هو طريقة إدارة هذه الصراعات، إذ كلما توافرت للحزب هذه القدرة أمكن استثمار هذه الصراعات في تقوية الحزب وتطوير أسلوب العمل فيه. في المقابل فإن فشل الحزب في إدارة هذه الصراعات واحتوائها لا بد من أن ينعكس سلباً على تماسك هذا الحزب. ويلاحظ في الأحزاب المصرية أن الصراع على النفوذ كان محصوراً في معظم الحالات في دائرة النخبة، وأن أنماط هذا الصراع قد ارتبطت بطبيعة وتركيبة الحزب من ناحية وبامتداده التاريخي من ناحية أخرى، بمعنى تراث التنظيمات السابقة التي يمثل الحزب امتداداً لها بصورة أو بأخرى.
من جهة تركيبة الحزب كان هذا الارتباط أوضح في حزبي التجمع والعمل، ثم الناصري، كما في جميع الأحزاب الجديدة الهامشية التي ظهرت إلى حيز الوجود استناداً إلى أحكام قضائية. وقد اتسمت تركيبة الأحزاب الثلاثة الأولى بطابع متعدد الاتجاهات والتيارات السياسية والفكرية، ففي حزب التجمع كان الصراع في أغلب الأحيان بين التيارين الماركسي والناصري أو بالأحرى بين قطاعين محددين من هذين التيارين. وفي حزب العمل ظهر الخلاف في البداية بين عدّة تيارات أهمها: تيار "مصر الفتاة" القديم، وبين تيار ناصري، وآخر وثيق الصلة بالحزب الحاكم، فضلاً عن مجموعة ليبرالية محدودة. لكن بتحالف الحزب مع الإخوان المسلمين، طغى الصراع بين التيار الإسلامي وبين وما يمكن أن يعد التيار شبه العلماني. وفي الحزب الناصري نشأ الخلاف مع بداية ظهور الحزب إلى الوجود بين مجموعة "عابدين" ومجموعة "مايو"، أو بتعبير آخر بين مجموعة فريد عبد الكريم ومجموعة ضياء الدين داود. ولم تكن الصراعات في الأحزاب الجديدة نتيجة لمثل هذه التركيبة، وإنما كانت نتيجة لتركيبتها العائلية أو الشللية أو انعكاساً لتركيبة المصالح الشخصية لكونها أحزاب أشخاص في النهاية.
أما تأثير تراث التنظيمات السابقة فكان واضحاً في حزبي الوفد والوطني الديمقراطي. فقد اتسم الصراع على النفوذ بين بعض أعضاء النخبة العليا في الوفد بوضوح لم تعرفه الأحزاب الأخرى، ودون غطاء سياسي أو فكري، وليس من المتصور أن تعيين ثلاثة نواب للرئيس السابق للحزب ثم فوز نعمان جمعة برئاسة الحزب قد حسم مشكلة الصراع بصورة نهائية ومأمونة. أما في الحزب الوطني فقد اقترنت صراعات النفوذ بظاهرة التكتل والشللية التي تعد امتداداً لخصائص التنظيم السياسي الواحد، وخصوصاً أن أعضاء هذا التنظيم السياسي الواحد (الاتحاد الاشتراكي العربي) قد أنضموا إلى حزب مصر ثم إلى الحزب الوطني، وأن معظم أعضاء النخبة العليا في الحزب الوطني جاءوا من ذلك التنظيم[38]..
بوجه عام، إن المقولة التي يمكن أن تستخلص في إدارة الصراعات على النفوذ هي أن الانتخابات التنافسية الدورية تعد مهمة في تنظيم هذه الصراعات واحتوائها والحؤول دون احتمالات تفجرها أو تحولها إلى انقسامات جوهرية. والانتخابات الشكلية لا تجدي في هذا الصدد طبعاً، بل قد تفرز نتائج عكسية. على سبيل المثال استخدم حزب الوفد أسلوب الانتخاب كأداة لاستبعاد من يرغب رئيس الحزب في عدم وصوله إلى الهيئة العليا، لكن لم يساعد ذلك على الحد من الصراع على النفوذ. وفي حزب التجمع تم اللجوء إلى أسلوب القائمة في انتخابات المستوى القيادي تحت شعار ضمان تمثيل مختلف التيارات، ولم يكن لذلك جدوى في الحد من هذه الصراعات. في المقابل حين لجأ حزب العمل إلى انتخابات تنافسية مفتوحة إلى حد كبير في مؤتمراته الأربعة الأولى، كان لهذا الأسلوب فاعلية ملحوظة في تنظيم السعي للنفوذ والحد من تحولها إلى صراعات متبلورة. في المقابل أيضاً، حين تراجعت قيادة الحزب عن هذا المنهج، وقف رئيس الحزب خلف قائمة محددة لإنجاحها بأي ثمن في المؤتمر الخامس، ففقدت الانتخابات دورها في تنظيم عملية الصراع أو احتوائه وانقسم الحزب في صورة الانشقاق الشهير الذي قاده أحمد مجاهد[39]..
وفي خصوص الصراعات أو الخلافات الفكرية أو السياسية يمكن القول بصفة عامة إنها ارتبطت بأحزاب المعارضة الرئيسية أكثر من ارتباطها بالحزب الوطني والأحزاب الجديدة. بعبارة أخرى، انتفت في الحزب الوطني حتى عام 1990 تقريباً، ومنذ ذلك الحين أخذت تتصاعد بوجه محدود حتى اليوم، مع التأكيد أنها أخذت الطابع السياسي فقط دون الفكري، وقد بات متعذراً - بل مستحيلاً - أن نجد خلافاً فكرياً في الحزب الوطني الذي يتبنى الخط الفكري الذي ترسمه الدولة، هذا إذا كان هناك فكر من الأصل. ولم يكن لدى الأحزاب الجديدة ما تختلف حوله سياسياً أو فكرياً، فهي لا تزال منشغلة بصراعات النفوذ والصراعات الشخصية (على المصالح الخاصة) ولم تمارس عملها في الساحة.
هناك أيضاً ما عرف بأزمة القيادة والتي تمثلت في بقاء رؤساء الأحزاب في مناصبهم مدى الحياة، وغياب آليات واضحة ومقررة ومتفق عليها لخلافة هذه القيادات في حال اختفائها، بما ينطوي عليه ذلك من احتمالات انفجار صراعات قد تهدد الحزب في وجوده. والجديد في هذه الجزئية ثلاثة أمور. الأول هو أن أغلبية أحزاب المعارضة باتت تعاني مشكلات داخلية تتعلق باعتراض قطاعات من أعضائها على بقاء الزعماء القدامى على رأس هذه الأحزاب؛ الأمر الثاني هو أن هذه الأحزاب بدأت تواجه هذه الأزمة بالفعل، سواء لأن رئيس الحزب قد توفي فعلاً (الأحرار والوفد) أو لأنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من الرحيل أو أصبح منصبه مرشحاً لأن يخلو في وقت قريب جداً، وخصوصاً أن عدداً من الزعماء قد تجاوز عمره الثمانين عاماً، أو بدت عليه مظاهر اعتلال الصحة. الأمر الثالث هو أن تجربة حزب الأحرار التي مثلت أقصى حالات التردي في الصراع الحزبي تشي بعدم قدرة الأحزاب الهامشية على تجاوز هذه المشكلة على الإطلاق، أو بعدم قدرتها على تجاوزها دون مخاض كبير أو تداعيات خطيرة، وخصوصاً أن أغلب هذه الأحزاب يعيش على بركان من الصراعات الداخلية. ويجب التأكيد أن ما حدث في أحزاب العدالة الاجتماعية، والشعب الديمقراطي، والخضر، ومصر الفتاة، لا يمكن أن يقاس عليه بالنسبة إلى الأحزاب الرئيسية التي ربما تكون تجربة حزب الوفد مؤشراً إلى احتمالات إخفاقها في مواجهة هذه المعضلة[40]. .
رابعاً: دور الأحزاب في الحياة السياسية
( من التردي إلى انعدام الجدوى)
الوظائف المنوطة بالأحزاب عديدة، وقد ورد بعضها في سياقات أخرى. لذا يمكن التركيز هنا على وظيفتي التمثيل والمشاركة، ليس بوصفهما أهم أدوار الأحزاب فقط من حيث ارتباطهما بالهدف من وجود هذه الأحزاب، ولا بوصفهما مقياساً لمدى التطور الديمقراطي، وإنما لأنهما يعكسان بوضوح طبيعة البيئة التي تعمل الأحزاب فيها، والضوابط القانونية والمؤسسية التي تخضع لها، فضلاً عن اعتمادها على التفاعل بين الأحزاب من جانب، وبين الأحزاب والجماهير من جانب آخر، وبالتالي فهما بمنزلة الحصيلة التي يمكن من خلالها تقويم الحياة الحزبية ككل.
1- الأحزاب والتمثيل
إن مجرد الملاحظة العابرة تنبئ بوجود أزمة في التمثيل السياسي أو تمثيل المصالح الذي تمارسه الأحزاب السياسية، وهي أزمة تنطوي على شقين: الأول هو ضعف التمثيل بصفة عامة، والثاني هو وجود خلل في هذا التمثيل. ولا شك في أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الشقين، وخصوصاً إذا كان هذا الخلل يعني أن الحزب الحاكم، الذي يستحوذ على أغلبية مقاعد البرلمان، لا يمثل إلا فئة قليلة جداً من الشرائح الاجتماعية الموجودة، وأن أحزاب المعارضة التي يكاد وجودها ينعدم في البرلمان تمثل قاعدة من المجتمع، هي ليست كبيرة على أي حال ولكنها أكبر كثيراً من حجم تمثيل هذه الأحزاب في البرلمان. ومعنى ذلك أننا أبعد ما نكون عن التمثيل العادل.
والواقع أن عدم عدالة التمثيل هي جوهر أزمة التمثيل بالنسبة إلى الأحزاب بصفة عامة، وهي السبب الرئيسي في ضعف التمثيل، حتى لو كانت هناك أسباب أخرى سوف يرد ذكرها، فإن غياب العدالة يأتي في مقدم هذه الأسباب، لأنه لن يغير كثيراً من الوضع أن تكون الأحزاب قادرة على تمثيل كل شرائح المجتمع وتياراته السياسية ومصالحه المتباينة، ما دام هذا التمثيل من جانب الأحزاب لن يترجم إلى سيطرة سياسية (أو مقاعد في البرلمان) بسبب غياب هذه العدالة.
لكن على الرغم من الاقتناع التام بأن عدم عدالة التمثيل هي المسؤولة الأولى عن أزمة التمثيل، فإنه يمكن تحديد بعض العوامل الأخرى التي تتحمل جزءاً من المسؤولية في ذلك منها: أولهما ضيق القاعدة الاجتماعية والسياسية التي تمثلها الأحزاب وتركزها في دوائر المثقفين وبعض المتعلمين الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى، إذ يندر العثور على فلاحين أو عمال فقراء أو عناصر شبابية بين صفوف الأحزاب. لكن في ضوء هذه الحقيقة يمكن القول إن المشكلة الأساسية هي حالة السيولة التي يتسم بها البناء الاجتماعي المصري، بحيث لا يمكن الحديث عن تكوين طبقي محدد أو عن خريطة طبقية في مصر، أضف إلى أن القانون يمنع ظهور أحزاب على أسس طبقية. وميوعة البنيان الطبقي يترتب عليها بالضرورة سيولة "المصالح". فمن المتعذر ربط مصالح معينة بشريحة معينة أو تجميع المصالح على نحو يعطي للأحزاب الفرصة في تمثيلها والدفاع عنها، لأن قطاعات كبيرة من المصريين تتعدد انتماءاتها الاقتصادية والاجتماعية في الوقت نفسه بحكم تعدد مصادر دخلها أو تعدد أنشطتها لمواجهة الفقر والمعاناة.
أكثر من ذلك ليس هناك خطوط فكرية وسياسية واضحة ومتبلورة، اللهم إلا في قلة قليلة من المجتمع وهي التي تمثلها الأحزاب حقيقة ويوجد بينها العديد من الخلافات الفكرية والأيديولوجية في إطار التيار الواحد. وبعبارة أخرى فإن هناك اتجاهات أيديولوجية أو أحزاب لها أيديولوجيات، لكن هذه الأحزاب لم تستطع طرح صيغة واضحة ومتسقة من داخلها ومتوافقة مع الواقع.
ولعل ذلك يرتبط بالعامل الثاني وهو عدم قدرة هذه الأحزاب على بلورة برامج تمثل مصالح معينة أو توجهات فكرية معينة، حتى لو كانت هذه الأحزاب تملك الأيديولوجية. وهنا تواجه الأحزاب إشكالية أساسية، هي أن صوغ برامج على قدر من التبلور سوف يعني ضيق النطاق الذي تمثله إلى أقصى حد ممكن. في المقابل فإن توسيع البرامج لكي تعبر عن أكبر عدد ممكن من المواطنين، يفقد هذه البرامج هويتها، ويحرمها فرصة تمثيل العناصر التي تعتنق توجهات سياسية وفكرية معينة. هنا نجد التناقض واضحاً بين أيديولوجية الحزب أو برنامجه العام من ناحية، وبين مواقفه في الحياة السياسية بصفة عامة (التي قد تتسم بالتناقض أيضاً) من ناحية ثانية، وبين برامجه الانتخابية من ناحية ثالثة. الأولى والثانية فيهما خط فكري وعقائدي أو أيديولوجي، والثالثة يختفي فيها أثر هذا الخط إلى درجة أنه يصعب التمييز في كثير من الأحيان بين البرامج المختلفة للأحزاب المختلفة. وقد يرجع ذلك إلى سببين: الأول هو "اللياقة الانتخابية" التي تجعل كل الأحزاب تدعي أنها تمثل كل شرائح المجتمع وفئاته، وبالفعل نجد كل الأحزاب مثلاً تتبنى رموز الخطاب الإسلامي ومفرداته، عدا التجمع الذي يبدي احتراماً للدين الإسلامي ويتعمد أن يبدي هذا الاحترام من دون مناسبة، وكل الأحزاب تتحدث عن الشباب وعن المرأة، وعن الأقباط وعن العمال والفلاحين... الخ. إلى آخره. والثاني هو طبيعة المرحلة التي تمر مصر بها من ناحية التطور السياسي، فلسنا في صدد وضع فلسفة جديدة للحكم وإدارة شؤون المجتمع، حتى لو كنا بحاجة إلى ذلك. ففي عرف النظام الحاكم أننا تجاوزنا هذه المرحلة وحسمنا الاختيار واستقر الأمر على ما يعني في النهاية "الليبرالية السياسية والاقتصادية" الشكلية، وفي الوقت نفسه لم نصل إلى ما يشبه الاتفاق على المبادئ العامة والعريضة، التي يجب أن توجد في أي مجتمع، حول توجهاتنا - أياً كانت - بحيث يكون الخلاف بعد ذلك على التفاصيل وعلى سبل التنفيذ، أعتقد أننا لم نصل إلى هذه المرحلة، ولذلك سوف نجد الوضع لدينا معكوساً، فبدلاً من أن تكون المبادئ الأساسية محل اتفاق، وأن تنصرف أوجه الاختلاف إلى التفاصيل وأساليب التنفيذ، أصبحت الأولى عندنا محل خلاف واسع إلى درجة أن مساحة الاتفاق المفترضة قد تآكلت بالفعل، وأضحت الثانية (وهي التفاصيل) محل ما يشبه الاتفاق. على سبيل المثال قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، إذ هناك خلافات حادة في المواقف الأيديولوجية حولها، وشبه اتفاق على السياسة المتبعة وهي "السلام البارد"، مثال آخر قضية التعليم التي تشهد الخلافات الأيديولوجية الحادة نفسها، وفي النهاية يتفق الكل بوجه أو بآخر على مجانية التعليم والإبقاء عليها. وسواء كان السبب هو اللياقة الانتخابية أو طبيعة المرحلة، فإننا إزاء مجتمع غير قابل للتمثيل. وإذا كان الحزب الوطني لديه من يستفيدون من هذه الدولة وبالتالي من يمثلهم بصورة غير مباشرة، فإن أحزاب المعارضة التي يفترض أن تحتل المجتمع في جميع شرائحه بمن فيها الفقراء والأغلبية المقهورة، لم تستطع استيعاب هذه الشرائح والتعبير عنها، نظراً إلى عدم ثقة هذه الشرائح في جدوى العمل السياسي ككل بسبب المناخ القائم، ولعل ذلك ينقلنا إلى القضية الثانية وهي المشاركة[41]..
2- الأحزاب والمشاركة
هناك أزمة مشاركة على كل المستويات، سواء على مستوى المشاركة في الأحزاب بوصفها أطراً للمشاركة، أم على مستوى المشاركة من جانب الأحزاب، أم على مستوى المشاركة من خلال الأحزاب (تأييد الأحزاب في الانتخابات). بعبارة أخرى هناك أزمة في جميع أنواع المشاركة السياسية من خلال القنوات التقليدية. فالسمة الأساسية هي ضعف ومحدودية مشاركة المواطنين في الأحزاب، التي قد يكون لها يد في هذا الضعف، الذي يؤدي بدوره إلى إضعاف الأحزاب والتقليل من دورها وبالتالي الحد من مشاركتها، أي مساهمتها في التأثير في السياسة.
وفي خصوص العضوية الحزبية بوصفها أحد مؤشرات المشاركة، ليست هناك بيانات دقيقة لدى الأحزاب، لكن توجد دراسات ميدانية تؤكد الانخفاض الشديد في حجم العضوية، فهناك دراسة مثلاً أجريت على عينة من المواطنين وجدت أن نحو 65 في المئة من المواطنين لا يهتمون بالحياة الحزبية ولا يأبهون بالعمل الحزبي، وأن 33 في المئة من العينة أو نصف هؤلاء الذين ليس لديهم اهتمام بالأحزاب، لا يعرفون شيئاً عن الأحزاب على الإطلاق، وأن 84 في المئة من أفراد العينة لا ينتمون إلى أية أحزاب[42]. .
وثمة تقديرات تذهب إلى أن حجم العضوية ربما لا يتجاوز 10 في المئة من جملة المؤهلين للمشاركة السياسية أو نحو مليونين من الأعضاء، وقدرها البعض بنحو مليون واحد فقط أي ما يعادل 2 في المئة من جملة عدد السكان وربما أقل. أما تقديرات قيادات الأحزاب فتزيد كثيراً على التقديرات السابقة، ففي عام 1988 - مثلاً - أعلنت أمانة التنظيم في الحزب الوطني أن عضوية الحزب تجاوزت المليون، وأعلن الأمين العام المساعد للحزب أن العضوية بلغت أكثر من 2.5 مليون عضو قبيل انعقاد المؤتمر السادس للحزب في تموز/ يوليو 1992. وبلغت عضوية حزب التجمع 170 ألف عند تأسيسه عام 1976، إلا أن أغلب الأعضاء قدموا استقالات جماعية بعد أحداث كانون الثاني/ يناير 1977 والتضييق على الحزب واعتقال عدد كبير من أعضائه، اضطر الحزب حينها إلى حرق استمارات العضوية وحصر نشاطه داخل المقار. وبصفة عامة تذبذبت أرقام عضوية حزب التجمع مع مدى تسامح الحكومة مع أحزاب المعارضة، ففي ظل الانفراج الديمقراطي في الثمانينات بلغت عضوية التجمع 87 ألفاً. ويكاد يتطابق مسار العضوية في كل من العمل والوفد مع مسارها في التجمع. وليست هناك بيانات دقيقة عن حجم العضوية في حزب الوفد، ووفق تصريحات بعض قيادات العمل تبلغ عضويته نحو 100 ألف عضو[43]. .
والمؤكد أن تقديرات قيادات الحزب الوطني كاذبة، شأن أي تصريحات من هذا الحزب، وأن الأحزاب الأخرى لا تملك وسائل دقيقة للتقدير، فهي تعتمد على استمارات العضوية التي ليست بالضرورة دليلاً شاهداً على العضوية، فالحزب الوطني من السهل أن يعبئ الاستمارات للعضوية كما يسود بطاقات التصويت، والأحزاب الأخرى لا تحتفظ - على نحو مضبوط - بهذه البطاقات التي تشمل بطاقات الذين خرجوا من الحزب أو سافروا أو عزفوا عن المشاركة في العمل الحزبي وهم ليسوا قلة.
وعموماً فإن العضوية في الأحزاب لم تعد ثابتة ولا عادت مستقرة، فهي في تدنِ مستمر في أغلب الأحزاب، أي أن الهبوط أصبح سمة عامة أو ملمحاً أساسياً في حجم العضوية، كما بات الخروج من الأحزاب والدخول فيها ظاهرة مؤثرة في استقرار العضوية، فقد ارتبطت بمدى حصول الشخص على مزايا خاصة، ودون أدنى اعتبار لانتمائه الحزبي. وعدا العمل والتجمع والوفد والناصري يصعب أن تقرن العضوية بالانتماء. وبالتالي فإن المسألة ليست مسألة عضوية بالمعنى الكمي (كما هي الحال في الحزب الوطني) بقدر ما هي قضية نوعية، فعضوية الأحزاب الرئيسية في المعارضة هي حقيقية مهما كانت ضئيلة، وعضوية الحزب الوطني لا ينبغي أن تحسب بالمعيار العددي، إذ إن الانتماء إلى الحزب الوطني أصبح انتماءً وظيفياً مرهوناً بتحقيق مصالح معينة، وأصبح عدم تحقيق هذه المصالح مدعاة إلى الخروج من الحزب أو عليه، لذلك بات الخروج منه والدخول فيه أيسر من أن تلقي بالسيجارة بعد تدخينها.
وعموماً، هناك اتفاق على أن وظيفتي التمثيل والمشاركة في تدهور مستمر، أو بالأحرى قد انتقلت الممارسة في هذين المجالين من التردي إلى انعدام الجدوى الذي أفقد الجميع الثقة في العمل الحزبي، وأدى في النهاية إلى خلق ظاهرتين: الأولى هي اللجوء إلى قنوات أخرى للمشاركة، فقد تصاعدت المشاركة من خلال النقابات والمنظمات غير الحكومية، التي تعرضت للمطاردة والمحاصرة من جانب الحكومة، وبالمثل تزايدت صور التأثير في القرار السياسي من خلال المسالك والقنوات الشخصية (العلائق الشخصية والشللية وتبادل المصالح)، أو من خلال العنف الذي كان واضحاً في انتخابات عام 1995، والذي تشير الدراسات إلى أنه أصبح ظاهرة في المجتمع المصري، أو من خلال استخدام الوسائل غير الشرعية (كالرشوة و التزوير). الثانية هي ظهور أنماط للتفاعل مختلفة تماماً عن تلك التي كانت سائدة، فلم يعد التفاعل السياسي يخضع لثنائية الحكومة - المعارضة، وإنما أصبح يخضع لثنائية المستفيدين - غير المستفيدين، وقد نتصور أن لافتة المستفيدين تضم عناصر من المعارضة كما تضم عناصر من الحزب الحاكم، وأن فئة غير المستفيدين ينضوي تحتها عناصر من المعارضة كما تضم عناصر من الحزب الحاكم إلى جانب عناصر المعارضة، وغالباً ما تتوازى هذه الثنائية مع ثنائية أخرى للتفاعل الفكري في المجتمع هي ثنائية: إسلامي - علماني
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
26 من 33
حملة التضامن (دم عروبي حتى الصميم)


نحن المشتركون أدناه عرب  من  كل الشرائح
والأعمار
نعبر عن عميق أسفنا وغضبنا من التجاوزات التي حدتث للعلاقة المصرية الجزائرية ونرى أن هذا الشرخ لن يستفيد منه الا اعداء هذه الامة    

ونطالب حكومتا البلدين بانهاء هذه الازمة  منعا للفتن ورحمة في شعبي البلدين
23‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة علي محمد.
27 من 33
كلها أحزاب ورقية .... الحزب الحقيقى البارز بأعماله البطولية هو حزب الله فى لبنان .
24‏/12‏/2009 تم النشر بواسطة moummh.
28 من 33
انت بتتكلم عن ايه يا علي محمد .حسب راي اكثر الاحزاب العربيه ليس لها اي فائده لانها تعمل ضد الشعوب وخاصه الاحزاب المتنفذه حالين.فاكثرهم عملاء.اما الاحزاب العربيه الصحيحه فلا تملاك اي تاثير بالمجتمعات العربيه .واتحدى اي حزبي يقول انا اقدر ان اعمل اي شيء في الوقت الحالي .!!!!!!!!!!!!!!!تحياتي لجميع
27‏/12‏/2009 تم النشر بواسطة sltaan.
29 من 33
يوجد حزب العمال بالجزائر وحزب المراة شكرا
9‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة sabrina931.
30 من 33
تقصد الدمى السياسية هي شماعات تعلق عليها الانظمة اكذوبة التعددية و الديمقراطية
و حرية المشاركة الحزبية و الانتخاب
هل رأيت حزبا غير الحزب الحاكم في اي دولة عربية يمثل بصفة عادلة القاعدة الشعبية تمثيلا نزيها بعيد عن التزييف و التزوير
اكاد اجزم انها مجرد مسرحية لا غير للتمويه
بارك الله فيك
5‏/2‏/2010 تم النشر بواسطة سحر الكلم.
31 من 33
كلها سفسطة
17‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة abdelkadir59.
32 من 33
لا تسال يا اخي هم احزاب الصالونات يتسكعون امام باب السلطة ليس هناك احزاب بالمعنى الديمقراطي للمارسة السياسية
28‏/4‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
33 من 33
الأحزاب الرسمية في سوريا هي :
1- حزب البعث
2- أذيال وأذناب حزب البعث
3- الأحزاب الرافدة لحزب البعث
وهي تشمل الحزب الشيوعي السوري وتفريعاته والحزب الناصري وتفريعاته وفصيل من الحزب القومي السوري
وبالنسبة إلى التأثير السياسي لهذه الأحزاب فلا يتعدى التصفيق والتهليل لحزب البعث وتبرير إجرامه للشعب ولا يتعدى دورها أكثر من دور المخبر
أما في مجلس الشعب فلا يتعدى دورها سوى قول نعم
قال الشاعر
ما قال لا قط حتى في تشهده .... عند التشهد صارت لاؤه نعم
الفرزدق ... بتصرف
10‏/11‏/2010 تم النشر بواسطة مواطن..
قد يهمك أيضًا
هل انت مع أو ضد الأحزاب السياسية ذات التوجه الديني من المشاركة بالأنتخابات و لماذا؟
ما هو الفرق بين الأحزاب السياسية .. عند الغرب .. والأحزاب العربية ..؟
كم عدد الاحزاب السياسية في لبنان ؟؟
لماذا الأحزاب السياسية في البحرين تسمى جمعيات سياسية ؟!
ماذا قدمت الأحزاب الكثيرة الموجودة منذ زمن للحياة السياسية في مصر.!!!؟؟؟؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة