الرئيسية > السؤال
السؤال
ما تفسير : لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ .... سورة البفرة
التفسير | الإسلام | القرآن الكريم 28‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
الإجابات
1 من 4
لا تقولوا: راعنا :

يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعِنا، وقولوا انظُرْنا، واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (آية 104).
كان المسلمون يقولون لمحمد: راعنا يا رسول الله (من المراعاة) أي ارعنا سمعك وانتبه لكلامنا. وكانت هذه اللفظة سبّاً قبيحاً بلغة اليهود، ومعناها عندهم اسمع لا سمعت! . وقيل من الرعونة إذا أرادوا أن يحمِّقوا إنساناً قالوا: راعنا، يعني أحمق. فلما سمعت اليهود هذه الكلمة من المسلمين، قالوا فيما بينهم: كنا نسبّ محمد سراً فأعلنوا به الآن . فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم. فسمعها سعد بن معاذ، ففطن لها، وكان يعرف لغتهم. فقال لليهود: لئن سمعنا من أحدٍ منكم يقولها لمحمد لأضربنّ عنقه . فقالوا: أَوَلستم تقولونها؟ فكان ذلك موجباً لمحمد أن يقول: لا تقولوا راعنا، حتى لا يجد اليهود بذلك سبيلاً إلى شَتْمه (المنار في تفسير البقرة 2: 104).

فهذا لا يستلزم وحياً ولا إلهاماً، فإنه تنبيهٌ لأصحابه أن لا يخاطبوه بعبارة تحتمل سبّه. ومع ذلك قالوا إن سعد بن معاذ كان أول من عرف مكيدة اليهود وسبّهم. فلو كان محمد من الذين يوحي الله إليهم حقيقةً، لعرف من نفسه مكائد اليهود بدون سعد!

الرد

الله تعالى لما شرح قبائح أفعال أهل الكتاب قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وههنا مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا } في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن. قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بقوله: يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخراً حيث قال:
{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ }
[البقرة: 61]

وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولاً فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة، وأيضاً فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات.

المسألة الثانية: أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى، ولذلك فإن عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله: { رٰعِنَا } ويأذن في قوله: { انظُرْنَا } وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله: { رٰعِنَا } لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهاً :

أحدها: كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي «راعينا» ومعناها: اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون: راعنا إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: { انظُرْنَا } ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء:
{ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَإسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدّينِ }
[النساء: 46]

وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها ؟ فنزلت هذه الآية

وثانيها: قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها

وثالثها: أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها

ورابعها: أن قوله: «راعنا» مفاعلة من الرعي بين اثنين، فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال:
{ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً }
[النور: 63].

وخامسها: أن قوله: «راعنا» خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول: راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في «انظرنا» إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه

وسادسها: أن قوله: «راعنا» على وزن عاطنا من المعاطاة، ورامنا من المراماة، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق، فالراعن اسم فاعل من الرعونة
فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر. كقولهم: عياذاً بك، أي أعوذ عياذاً بك، فقولهم: راعنا: أي فعلت رعونة. ويحتمل أنهم أرادوا به: صرت راعنا، أي صرت ذا رعونة، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة

وسابعها: أن يكون المراد لا تقولوا قولاً: راعنا أي: قولاً منسوباً إلى الرعونة بمعنى راعن: كتامر ولابن.

وهذه الآية نوع من أنواع قوة وعظمة القرآن وأنه كلام الله المتعبد بتلاوته ، لأن هذه الآية ثبتت أن القرآن كسر حاجز النفس وكشف ما يدور في كواليس أهل الكتاب وأستخدام اللغة العبرية والسريانية ومشابهتها باللفظ باللغة العربية ونسب الأكاذيب ضد المسلمين لجهالة العرب لهذه اللغات الآخرى .

ولو كان العرب يعلمون أن كلمة (راعنا) تعنى أسمع لا سمعت بالعبرية أو السريانية ما ذكروها في البدء ، ولكن نتوصل من خلال هذا الموضوع أن العرب كانوا يجهلوا اللغة العبرية والسريانية ، فكيف أقتبس رسول الله القرآن من التوراة أو الإنجيل ؟
28‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
2 من 4
-يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم
القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {لا تقولوا راعنا} فقال بعضهم: تأويله لا تقولوا خلافا. ذكر من قال ذلك:1432 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال: لا تقولوا خلافا.1433 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لا تقولوا راعنا} لا تقولوا خلافا.وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن رجل عن مجاهد، مثله.حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد، مثله.وقال آخرون: تأويله: أرعنا سمعك: أي اسمع منا ونسمع منك. ذكر من قال ذلك:1434 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: {راعنا} أي أرعنا سمعك.1435 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.1436 - وحدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {راعنا} قال: كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك.ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا راعنا، فقال بعضهم: هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة، فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:1437 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} قول كانت تقوله اليهود استهزاء، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.1438 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: {لا تقولوا راعنا} قال: كان أناس من اليهود يقولوا أرعنا سمعك، حتى قالها أناس من المسلمين. فكره الله لهم ما قالت اليهود، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} كما قالت اليهود والنصارى.1439 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال: كانوا يقولون راعنا سمعك، فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين، فقال الله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} .1440 - وحدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا بسمعك ! وإنما راعنا كقولك عاطنا.1441 - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال: راعنا القول الذي قاله القوم قالوا {سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} [النساء: 46] قال: قال هذا الراعن، والراعن: الخطاء. قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطاء كما قال القوم وقولوا انظرنا واسمعوا، قال: كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويكلمونه ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم.وقال آخرون: بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:1442 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني هشيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، فنزلت هذه الآية: {لا تقولوا راعنا} ولكن {قولوا انظرنا} إلى آخر الآية.حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء قال: {لا تقولوا راعنا} قال: كانت لغة في الأنصار.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله.1443 - وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك؛ فنهوا عن ذلك.1444 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: راعنا قول الساخر، فنهاهم أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم.وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه يقال له رفاعة بن زيد، كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم به على وجه السب له، وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه، فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:1445 - حدثني موسى، قال ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} كان رجل من اليهود من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب.قال أبو جعفر: هذا خطأ إنما هو ابن التابوت ليس ابن السائب؛ كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع. فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع، كقولك اسمع غير صاغر، وهي التي في النساء: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} [النساء: 46] يقول: إنما يريد بقوله: {طعنا في الدين} . ثم تقدم إلى المؤمنين فقال: لا تقولوا راعنا.والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه: راعنا، أن يقال إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة " ، و "لا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي " وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.فإن قال لنا قائل: فإنا قد علمنا معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في العنب أن يقال له كرم، وفي العبد أن يقال له عبد، فما المعنى الذي في قوله: {راعنا} حينئذ الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله: {انظرنا} ؟ قيل: الذي فيه من ذلك، نظير الذي في قول القائل الكرم للعنب، والعبد للمملوك، وذلك أن قول القائل عبد، لجميع عباد الله، فكره للنبي صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عباد الله، بمعنى العبودية إلى غير الله، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل، فيقال: فتاي. وكذلك وجه نهيه في العنب أن يقال كرما خوفا من توهم وصفه بالكرم، وإن كانت مسكنة، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد، فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا "راعنا " ، لما كان قول القائل "راعنا " محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك وارقبنا ونرقبك، من قول العرب بعضهم لبعض: رعاك الله بمعنى حفظك الله وكلأك. ومحتملا أن يكون بمعنى أرعنا سمعك، من قولهم: أرعيت سمعي إرعاء. أو راعيته سمعي رعاء أو مراعاة، بمعنى: فرغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميمون بن قيس:يرعى إلى قول سادات الرجال إذا أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعايعني بقوله يرعى: يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك.وكأن الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم، فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ذلك قولهم: {راعنا} لما فيه من احتمال معنى ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، كما يقول القائل: عاطنا وحادثنا وجالسنا، بمعنى أفعل بنا ونفعل بك، ومعنى أرعنا سمعك حتى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بقولهم له: {اسمع غير مسمع وراعنا} . يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} [البقرة: 105] فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه مما يسر اليهود والمشركين.فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله: {راعنا} أنه بمعنى خلافا، فمما لا يعقل في كلام العرب؛ لأن "راعيت " في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين: أحدهما بمعنى فاعلت من "الرعية " ، وهي الرقبة والكلاءة. والآخر بمعنى إفراغ السمع، بمعنى أرعيته سمعي. وأما "راعيت " بمعنى "خالفت " ، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب، إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد، فيكون لذلك وإن كان مخالفا قراءة القراء معنى مفهوم حينئذ.وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكى ذلك عنه، أن قوله: {راعنا} كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم؛ فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي هي عند اليهود سب، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني. فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به. وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك من الوجه الذي تقوم به الحجة. وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره.وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: {لا تقولوا راعناً} بالتنوين، بمعنى: لا تقولوا قولا راعنا، من الرعونة وهي الحمق والجهل. وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين وخلافها ما جاءت به الحجة من المسلمين. ومن نون "راعنا " نونه بقوله: {لا تقولوا} لأنه حينئذ عامل فيه. ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي؛ لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: {راعنا} بمعنى مسألته؛ إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم على ما قد بينت فيما قد مضى؛ فقيل لهم: لا تقولوا في مسألتكم إياه راعنا. فتكون الدلالة على معنى الأمر في "راعنا " حينئذ سقوط الياء التي كانت تكون في "يراعيه " . ويدل عليها - أعني على الياء الساقطة - كسرة العين من "راعنا " . وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود: {لا تقولوا راعونا} بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا كان خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره، ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأخبار..القول في تأويل قوله تعالى: {وقولوا انظرنا} .يعني بقوله جل ثناؤه: {وقولوا انظرنا} وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم صلى الله عليه وسلم: انتظرنا وارقبنا نفهم ونتبين ما تقول لنا وتعلمنا. كما:1446 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وقولوا انظرنا} فَهِّمْنا بيِّن لنا يا محمد.حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وقولوا انظرنا} فَهِّمْنا بيِّن لنا يا محمد.حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.يقال منه: نظرت الرجل أنظره نظرة بمعنى انتظرته ورقبته. ومنه قول الحطيئة:وقد نظرتكم أعشاء صادرة للخمس طال بها حوزي وتنساسيومنه قول الله عز وجل: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} [الحشر: 13] يعني به انتظرونا. وقد قرئ {أنظرنا} بقطع الألف في الموضعين جميعا، فمن قرأ ذلك كذلك أراد أخرنا، كما قال الله جل ثناؤه: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} [ص: 79] أي أخرني. ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمروا بالدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستماع منه وإلطاف الخطاب له وخفض الجناح، لا بالتأخر عنه ولا بمسألته تأخيرهم عنه. فالصواب إن كان ذلك كذلك من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: {انظرنا} ولم يقطعها بمعنى انتظرنا.وقد قيل: إن معنى {أنظرنا} بقطع الألف بمعنى "أمهلنا " ، حكي عن بعض العرب سماعا: أنظرني أكلمك؛ وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته في معناه، فأخبره أنه أراد أمهلني. فإن يكن ذلك صحيحا عنهم فـ "انظر " و "أنظرنا " بقطع الألف ووصلها متقاربا المعني. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا استجيز غيرها قراءة من قرأ: {وقولوا انظرنا} بوصل الألف بمعنى انتظرنا، لإجماع الحجة على تصويبها ورفضهم غيرها من القراءات..القول في تأويل قوله تعالى: {واسمعوا} .يعني بقوله جل ثناؤه: {واسمعوا} واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم وعوه وافهموه. كما:1447 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {واسمعوا} اسمعوا ما يقال لكم.فمعنى الآية إذا: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيكم راعنا سمعك وفرغه لنا نفهمك وتفهم عنا ما نقول، ولكن قولوا انتظرنا وترقبنا حتى نفهم عنك ما تعلمنا وتبينه لنا، واسمعوا منه ما يقول لكم فعوه واحفظوه وافهموه. ثم أخبرهم جل ثناؤه أن لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته وخالف أمره ونهيه وكذب رسوله العذاب الموجع في الآخرة، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذاب أليم، يعني بقوله الأليم: الموجع.وقد ذكرنا الدلالة على ذلك فيما مضى قبل وما فيه من الآثار.


جامع البيان عن تأويل آي القرآن - الشهير بتفسير الطبري - للإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري


--------------------------------------------------------------------------------
28‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة haizof.
3 من 4
قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد، مثله.وقال آخرون: تأويله: أرعنا سمعك: أي اسمع منا ونسمع منك. ذكر من قال ذلك:1434 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: {راعنا} أي أرعنا سمعك.1435 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.1436 - وحدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {راعنا} قال: كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك.ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا راعنا، فقال بعضهم: هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة، فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:1437 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} قول كانت تقوله اليهود استهزاء، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.1438 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: {لا تقولوا راعنا} قال: كان أناس من اليهود يقولوا أرعنا سمعك، حتى قالها أناس من المسلمين. فكره الله لهم ما قالت اليهود، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} كما قالت اليهود والنصارى.1439 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال: كانوا يقولون راعنا سمعك، فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين، فقال الله: {لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} .1440 - وحدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا بسمعك ! وإنما راعنا كقولك عاطنا.1441 - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} قال: راعنا القول الذي قاله القوم قالوا {سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} [النساء: 46] قال: قال هذا الراعن، والراعن: الخطاء. قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطاء كما قال القوم وقولوا انظرنا واسمعوا، قال: كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويكلمونه ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم.وقال آخرون: بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:1442 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني هشيم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، فنزلت هذه الآية: {لا تقولوا راعنا} ولكن {قولوا انظرنا} إلى آخر الآية.حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء قال: {لا تقولوا راعنا} قال: كانت لغة في الأنصار.حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله.1443 - وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: {لا تقولوا راعنا} قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك؛ فنهوا عن ذلك.1444 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: راعنا قول الساخر، فنهاهم أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم.وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه يقال له رفاعة بن زيد، كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم به على وجه السب له، وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه، فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:1445 - حدثني موسى، قال ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} كان رجل من اليهود من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب.قال أبو جعفر: هذا خطأ إنما هو ابن التابوت ليس ابن السائب؛ كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع. فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع، كقولك اسمع غير صاغر، وهي التي في النساء: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} [النساء: 46] يقول: إنما يريد بقوله: {طعنا في الدين} . ثم تقدم إلى المؤمنين فقال: لا تقولوا راعنا.والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه: راعنا، أن يقال إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة " ، و "لا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي " وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.فإن قال لنا قائل: فإنا قد علمنا معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في العنب أن يقال له كرم، وفي العبد أن يقال له عبد، فما المعنى الذي في قوله: {راعنا} حينئذ الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله: {انظرنا} ؟ قيل: الذي فيه من ذلك، نظير الذي في قول القائل الكرم للعنب، والعبد للمملوك، وذلك أن قول القائل عبد، لجميع عباد الله، فكره للنبي صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عباد الله، بمعنى العبودية إلى غير الله، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل، فيقال: فتاي. وكذلك وجه نهيه في العنب أن يقال كرما خوفا من توهم وصفه بالكرم، وإن كانت مسكنة، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد، فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا "راعنا " ، لما كان قول القائل "راعنا " محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك وارقبنا ونرقبك، من قول العرب بعضهم لبعض: رعاك الله بمعنى حفظك الله وكلأك. ومحتملا أن يكون بمعنى أرعنا سمعك، من قولهم: أرعيت سمعي إرعاء. أو راعيته سمعي رعاء أو مراعاة، بمعنى: فرغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميمون بن قيس:يرعى إلى قول سادات الرجال إذا أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعايعني بقوله يرعى: يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك.وكأن الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم، فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ذلك قولهم: {راعنا} لما فيه من احتمال معنى ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، كما يقول القائل: عاطنا وحادثنا وجالسنا، بمعنى أفعل بنا ونفعل بك، ومعنى أرعنا سمعك حتى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بقولهم له: {اسمع غير مسمع وراعنا} . يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} [البقرة: 105] فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه مما يسر اليهود والمشركين.فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله: {راعنا} أنه بمعنى خلافا، فمما لا يعقل في كلام العرب؛ لأن "راعيت " في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين: أحدهما بمعنى فاعلت من "الرعية " ، وهي الرقبة والكلاءة. والآخر بمعنى إفراغ السمع، بمعنى أرعيته سمعي. وأما "راعيت " بمعنى "خالفت " ، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب، إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد، فيكون لذلك وإن كان مخالفا قراءة القراء معنى مفهوم حينئذ.وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكى ذلك عنه، أن قوله: {راعنا} كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم؛ فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي هي عند اليهود سب، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني. فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به. وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك من الوجه الذي تقوم به الحجة. وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره.وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: {لا تقولوا راعناً} بالتنوين، بمعنى: لا تقولوا قولا راعنا، من الرعونة وهي الحمق والجهل. وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين وخلافها ما جاءت به الحجة من المسلمين. ومن نون "راعنا " نونه بقوله: {لا تقولوا} لأنه حينئذ عامل فيه. ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي؛ لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: {راعنا} بمعنى مسألته؛ إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم على ما قد بينت فيما قد مضى؛ فقيل لهم: لا تقولوا في مسألتكم إياه راعنا. فتكون الدلالة على معنى الأمر في "راعنا " حينئذ سقوط الياء التي كانت تكون في "يراعيه " . ويدل عليها - أعني على الياء الساقطة - كسرة العين من "راعنا " . وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود: {لا تقولوا راعونا} بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا كان خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره، ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأخبار..القول في تأويل قوله تعالى: {وقولوا انظرنا} .يعني بقوله جل ثناؤه: {وقولوا انظرنا} وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم صلى الله عليه وسلم:
28‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
4 من 4
كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين‏:‏ ‏{‏رَاعِنَا‏}‏ أي‏:‏ راع أحوالنا‏,‏ فيقصدون بها معنى صحيحا،
وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا‏,‏ فانتهزوا الفرصة‏,‏ فصاروا يخاطبون الرسول بذلك‏,‏ ويقصدون المعنى الفاسد،
فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة‏,‏ سدا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز‏,‏
إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب‏,‏ واستعمال الألفاظ‏,‏ التي لا تحتمل إلا الحسن‏,‏
وعدم الفحش‏,‏ وترك الألفاظ القبيحة‏,‏ أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق،
فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال‏:‏ ‏{‏وَقُولُوا انْظُرْنَا‏}‏ فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور،
‏{‏وَاسْمَعُوا‏}‏ لم يذكر المسموع‏,‏ ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن‏,‏ وسماع السنة التي هي الحكمة‏,‏ لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة‏.‏

ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع‏,‏
وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين‏,‏
أنهم ما يودون ‏{‏أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ‏}‏ أي‏:‏ لا قليلًا ولا كثيرًا ‏
{‏مِنْ رَبِّكُمْ‏}‏ حسدا منهم‏,‏ وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه ‏{‏ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ‏}‏ ومن فضله عليكم‏,‏
إنزال الكتاب على رسولكم‏,‏ ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة‏,‏ ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون‏,‏ فله الحمد والمنة‏.‏


تفسير الإمام السعدي رحمه الله (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)
28‏/3‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
قد يهمك أيضًا
من هو الله؟
+18
وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُـمُ
رب النصارى يحب تعديل كلامه كثيرا
• ﺃﺣﺐُ ﺍﻟﺤَﺪﻳﺚْ معه ، ﺭُﻏﻢَ ﺃَﻧِﻲّ ﻻَ ﺃَﻣْﻠِﻚُ ﻣَﺂ ﺃﻗُﻮﻟﻪَ ﺃﺣﻴﺂﻧﺎً !♥
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة