الرئيسية > السؤال
السؤال
ما اسباب تأسيس الدولة الاسلامية في بادئ الامر في المدينة وليس في مكه حتى بعد فتح مكة؟
السيرة النبوية | التاريخ | العلوم السياسية | الإسلام 7‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة himo egypt.
الإجابات
1 من 11
حلو السؤال. لحظة وبرجعلك بالاجابة
7‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة فرح s.
2 من 11
لأن الأنصار الذين ناصروا دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام وآمنوا به هم أهل المدينة
لذلك فالمدينة واهلها هم أول نواة للدولة الإسلامية وهم السابقون باحتواء الدعوة
والرسول عليه الصلاة والسلام قال بعد غزوة حنين بما معناه (يا معشر الأنصار..
أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتعودوا برسول الله )
7‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة عمر البصري (عــراق عــمــر).
3 من 11
لم اجد في كل ما قرأته اسباب تكوين الدولة الاسلامية في المدينة وبقائها هناك حتى بعد فتح مكة. انما يمكنني ان احلل الامر مما فهمته من مراحل الهجرة وتكوين الدولة الاسلامية ما يلي :
اولاً : اقامة الدولة الاسلامية في المدينة .
والسبب في ذلك ان اهل المدينة احتضنوا الرسول صلى الله عليه وسلم منذ اوائل ظهور الدعوة النبوية (بيعة العقبة الاولى والثانية) وتعهد اهل المدينة بحماية الرسول والرسالة وافتدائهم اياه باموالهم وانفسهم واولادهم وازواجهم .  واي دولة لكي تقوم وتستمر لا بد ان يتكون الاجواء المحيطة بها وبقادتها مستقرة وامنة وان يكون مؤسسها يحظى بالقبولفي نفوس مواطني هذه الدولة . وهذا ما كان متحققاً لدى الانصار والمهاجرين في المدينة.
ثانياص انه كان لا بد من اقامة الدولة بعد الهجرة لأن الدعوة كانت قد اصبحت علنية والمدينة معروفة بتنوعها الاجتماعي من حيث تعدد القبائل التي تسكنها وكذلك تعدد الاديان التي فيها : اليهودية والمسيحية. وكانت هذه القبائل معروفة بتاريخها الدموي بمعنى انهم كانوا على مر التاريخ يتقاتلون والروح القبلية متجذرة فيهم (الأوس والخزرج) انما كل هذه القبائل توحدت تحت راية الاسلام . فمن حكمة الرسول عليه الصلاة  والسلام علم ان مثل هذا الخليط القائم على حافة بركان لن يهدئه ولن يكون الانسجام بين مكونات المدينة الا بوجود دولة تحتويهم ويخضعون لها بكافة اطيافهم ويحكمهم قانون واحد هو قانون الاسلام وينظم حياتهم قيدخلون كلهم في حلف واحد ويؤازرون بعضهم  في وجه اعداء الدولة الاسلامية . فكان لا بد من اقامة مثل هذه الدولة في المدينة,
وسبحان الله اعتقد انها حكمة من رب العالمين الا يتمكن الرسول من اقامة هذه الدولة في مكة لسبب وجيه. وهو وجود اليهود والمسيحيين في المدينة وخضوعهم لهذه الدولة وذلك لتصل الرسالة منذ ذلك التاريخ وحتى نهاية الكون ان دولة الاسلام في الحقوق والواجبات لا تميز بين مسلم وغيره في علاقتهم بالدولة وقادتها . فكما كان على المسلمين ان يخرجوا للجهاد ودفع الزكاة. كان على غير المسلمين ان يؤدوا الجزية لقاء حماية المسلمين لهم ولقاء اعفائهم من المشاركة في الجيش . وليسطر المسلمون وعلى رأسهم الرسول عليه الصلاة والسلام اسمى ايات التسامح و السماحة في التعامل مع غير المسلمين.
كذلك فان الموقع الجغرافي للمدينة كان يحميها من اي غزو محتمل من قريش او اياص كان . والمسلمون في تلك الفترة كانوا بحاجة لهذه الحماية والدولة التي لا تكون حدودها مستقرة ومحمية تنهار مع اول معركة ويتم احتلالها. (ومكة كانت مكشوفة ولا تحظى بمثل هذه الحماية الطبيعية)   فالمدينة المنورة يحتضنها جبلان وواديان. من الجنوب جبل عير وبجانبه وادي العقيق، ومن الشمال جبل أحد ووادي قناة.
هذا الموقع الجغرافي جعلها منيعة على الغزاة وهو ما كان سبباً رئيسياً لانهزام الاحزاب في المعركة التي سميت بهذا الاسم بالاضافة الى الخندق الذي حفر في اتجاه واحد من المدينة.

وحتى بعد فتح مكة لم يكن من الممكن ان ينقل مركز الدولة من مكان الى اخر لعدة اسباب اولاً كل ما ذكرته سابقاً لأن مكة لا تتمتع بكل ذلك . فمكة ليس فيها تنوع ديني وليست فيها قبائل متناحرة . واهم شيء ان عهد الرسول عليه السلام مع اهل المدينة بان يحموه ويفتدوه كان مازال قائماً فكان من الاخلاص والوفاء لهم ان تبقى الدولة الاسلامية التي قامت على عاتقهم واكتافهم وكانوا اول من دعمها ، كان لزاماً ان تبقى مدينتهم مركزاً لها.
ولربما اراد الرسول عليه الصلاة  والسلام ان تبقى مكة المركز الديني للمسلمين في كل بقاع الارض دون ان تنازعها اي صفة اخرى .


هذا تحليلي المتواضع للأمر
7‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة فرح s.
4 من 11
لان الامر لم يستتب فى مكه
7‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة إسأل استشير (no ejabat).
5 من 11
بسبب دعاء النبىّ صلّى الله عليه و سلّم و فضل أرضها .. !!



روى البُخارى و مُسلم فى صحيحهما عن الصحابى الجليل أنس بن مالك رضى الله عنه و أرضاه أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال ((اللهمّ اجعل بالمدينة ضعفىّ ما جعلت بمكّة من البركة)) ..

روى البُخارى و مُسلم فى صحيحيهما عن السيّدة عائشة رضى الله عنها و أرضاها أنّها سمعت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال ((اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكّة أو أشد و انقل حُمّاها إلى الجُحفة اللهمّ بارك لنا فى مُدّنا و صاعنا)) ..


فبعدما فتح الله عزّ و جلّ لرسوله صلّى الله عليه و سلّم مكّة المُكرّمة و استقرّ له الأمر بها بعون من الله عزّ و جلّ أولًا و بصحابته رضوان الله عليهم جميعًا ثانيًا ممّن ناصروه من بادئ الأمر إلى مُنتهاه فكانوا له سترًا و عونًا فى دين الله و بعد أن حبّب الله عزّ و جلّ لقلب نبيّه المدينة المنوّرة و أهلها الكرام فلمّا كانت له الحرية فى الحياة بمكّة أو بالمدينة اختار عليه الصلاة و السلام من اختاروه و هذا هو المتوقّع من النبىّ صلّى الله عليه و سلّم و عظيم كرمه فى أن يختار صحابته و أعوانه و أنصاره فى المدينة فى وقت النعمة بعدما اختاروه و ناصروه قبلًا فى وقت المحنة رضى الله عنهم جميعهم و عن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. !!
8‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة Name Enough.
6 من 11
*
الدوله الاسلاميه الاولى والمدينه المنوره --------------1-------------

لايوجد تأويل ولا تأولات/======(في معركة حُنيَن) فُصِل الامر وبقي النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم بالمدينه المنوره ---- لينطلق الاسلام منها /

فقد قرر الرسول الكريم وقال لانصاره المقوله الخالده =            (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله)

فلما أصاب رسول الله الغنائم يوم حنين ، وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم ، ولم يكن في الأنصار شيء منها ، قليل ولا كثير ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم : لقى – والله – رسول الله قومه . فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال : يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم ؟ قال : فيم ؟ قال : فيما كان من قسمك هذه من الغنائم في قومك وفي سائر العرب ، ولم يكن فيهم من ذلك شيء . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ قال : ما أنا إلا امرؤ من قومي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجمع لي قومك في هذه الحظيرة فإذا اجتمعوا فأعلمني ، فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة . . .

حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه ، فقال : يا رسول الله اجتمع لك هذا الحي من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم ؟ ؟ ؟ قالوا : بلى ! قال رسول الله : ألا تجيبون يا معشر الأنصار ؟ قالوا : وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك ؟ المن لله ورسوله . قال : والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم : جئتنا طريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك ، وخائفا فأمناك ، ومخذولا فنصرناك . . .

فقالوا : المن لله ورسوله . فقال : أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام ! !

أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم ؟ . فوالذي نفسي بيده ، لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار . اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار .

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم . وقالوا : رضينا بالله ربا ، ورسوله قسما ، ثم انصرف . . وتفرقوا . .
*
8‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة عبد الإله (عبد الإله مكاوي (سعودي حرّ)).
7 من 11
*
الدوله الاسلاميه الاولى والمدينه المنوره --------------2-------------

أنزل الله سبحانه وتعالى آياته الكريمة في الثناء على الأنصار إذ يقول عز وجل
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)     الحشر 9

                                              ---*حب رسول الله صلى اللهعليه واله وسلم للأنصار*------
 
كان الأنصار يحبون رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يحبهم ، حتى كان صغارهم يضربون بالدفوف ، فلما سألهم رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم
عن سبب فعلهم هذا ، قالوا : لحبنا لك يا رسول الله . فقال لهم : " وأنا والله أحبكم " . وقال : " خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث
ثم بنو ساعدة ، وفي كل دور الأنصار خير " .

وقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، في الأنصار : " لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم " .

وقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، مادحا الأنصار : " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا منافق ، فمن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله " .

وقال : " آية الإيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار " وقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : " اللهم اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار " .
*
8‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة عبد الإله (عبد الإله مكاوي (سعودي حرّ)).
8 من 11
*
الدوله الاسلاميه الاولى والمدينه المنوره --------------3-------------

خطا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) خطوة اُخرى لإقامة الدولة الجديدة والقضاء على بعض قيم النظام القبلي من دون أن يمس القبيلة بشيء

مستثمراً حالة التعاطف وحرارة الإيمان التي بدت من المسلمين فجعل أساس العلاقة بين الأفراد رابطة العقيدة والدين متجاوزاً علقة الدم والعصبية، فقال (صلى الله عليه وآله)

: تآخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخي[11]، وأخذ كل رجل من الأنصار أخاً له من المهاجرين يشاركه الحياة. وبذا طوت المدينة صفحة دامية من تأريخها إذ كانت لا تخلو أيامها من صراع مرير بين الأوس والخزرج يؤججه اليهود بخبثهم ودسائسهم وانفتح على العالم عهد جديد من الحياة الإنسانية الراقية حيث زرع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بذلك عنصر بقاء الاُمة، وفاعليتها الإيمانية.

                                                          --*ابعاد ونتائج التآخي بين المسلمين*-----

البعد الاقتصادي :--------------------------------------------

1 ـ إعالة المهاجرين وإعادة تأهيلهم اقتصادياً للعودة لممارسة حياتهم الطبيعية.

2 ـ إزالة الفوارق الطبقية في محاولة للقضاء على الفقر.

3 ـ السعي للاستقلال الاقتصادي بعيداً عن مركز الثروة غير المشروعة وقطع أيادي اليهود المرابية.

4 ـ إنجاز مشاريع اقتصادية: زراعية مع تنشيط حركة التجارة ـ من خلال تلاقح فاعلية المهاجرين والأنصار وأفكارهم وترابط جهودهم واستثمار كل الموارد المتاحة في المدينة.

البعد الاجتماعي :--------------------------------------------------

1 ـ القضاء على الأمراض الاجتماعية المتأصلة في المجتمع ومخلفات التناحر القبلي واشاعة روح الحب والود والتآلف لسد الثغرات لئلاّ يستغلّها المتآمرون
   على الاسلام، وتوفير الجهود والطاقات البشرية لخدمة الاسلام في مراحله اللاحقة.

2 ـ إلغاء النظام القبلي وإحلال النظام والقيم الإسلامية محله في التعامل اليومي.

3 ـ تهيئة المسلمين نفسياً وتربيتهم على التضحية والإيثار للانفتاح على العالم لنشر الرسالة الاسلامية الذي يتطلب مرونة عالية وقيم رفيعة تتوفر في الداعية المسلم.

البعد السياسي :----------------------------------------------------------

1 ـ تكوين نسيج مترابط من المسلمين يتحرك مستجيباً لأوامر الرسول والرسالة كفرد واحد في ظرف تعددت فيه الجهات المعادية ولم تتوقف عن دسائسها.

2 ـ تناقل الخبرات التنظيمية ووسائل المقاومة والصمود والتجربة الإيمانية وطرق التحرك وسط المهاجرين والأنصار إذ لم يعش الأنصار تجربة المهاجرين ومحنتهم.

3 ـ بناء الفرد كخطوة من خطوات بناء الدولة وهيكلها الإداري.

4 ـ إشعار المسلمين بالقوّة في الدفاع عن أنفسهم وفق قيم الإسلام بعيداً عن الروح القبلية والعنصرية.

                                        -----* معاهدة المدينة *---------------

ولكي ينتقل النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالمسلمين من حالة الصراع والمقاومة إلى مرحلة البناء وتطبيق الشريعة الإسلامية كان لابد من توفير
أجواء الأمن والاستقرار ـ ولو نسبياً ـ فالصراع قد يعيق انتشارها في الوسط الجماهيري.

وفي يثرب كانت قوى تنافس المسلمين في الوجود، فاليهود كانوا يشكلون عبئاً كبيراً بقوتهم الاقتصادية وخبثهم السياسي المعروف إضافة إلى عُدّتهم وعددهم الذي لا يستهان به. والمشركون أيضاً قوة أخرى وإن ضعف دورهم بقدوم النبي (صلى الله عليه وآله) والمهاجرين ولكنه لم ينته تماماً ـ فجاملهم النبي (صلى الله عليه وآله) وقابلهم بالحسنى.

وفي خارج المدينة كانت قريش وسائر القبائل المشركة تمثل تهديداً حقيقياً للكيان الإسلامي الفتيّ وكان على الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يستعد لمواجهتهم ودفع خطرهم.

وهنا تجلت عظمة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومقدرته السياسية في التعامل مع القوى المتعددة مُظهراً النوايا الحسنة والطيبة تجاه الآخرين، داعياً جميعهم الى السلام والأمان.

وكتبت معاهدة صلح وتعاون بين المسلمين واليهود لبناء دولة تعود بمركزيتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يتمتع الجميع فيها بالحقوق الانسانية على السواء.

ويمكن القول بأن الصحيفة كانت بمثابة أوّل مشروع دستوري لبناء دولة اسلامية متحضرة في مجتمع المدينة الذي سوف ينطلق نحو المجتمع العربي
ثم المجتمع الإنساني العالمي لتقبل النظام الاسلامي الجديد.

وأهم ما تضمنته الصحيفة هو مايلي:-------------------------------------

1 ـ إبراز وجود المجتمع المسلم وإشعار الفرد المسلم بقوة انتمائه إليه.

2 ـ الإبقاء على الوجود القبلي ـ مع تحجيم دوره وصلاحياته ـ لتخفيف العب عن كاهل الدولة، باشراكه في بعض النشاطات الاجتماعية والاستعانة به لحل جملة من المشكلات.

3 ـ التأكيد على حرية العقيدة بالسماح لليهود بالبقاء على ديانتهم وممارسة طقوسهم واعتبارهم مواطنين في الدولة الاسلامية الجديدة.

4 ـ ترسيخ دعائم الأمن في المدينة بجعلها حرماً آمناً لا يجوز القتال فيه.

5 ـ إقرار سيادة الدولة والنظام الإسلامي وإرجاع قرار الفصل في الخصومات الى القيادة الإسلامية المتمثلة في شخص الرسول (صلى الله عليه وآله).

6 ـ توسيع دائرة المجتمع السياسي باعتبار أنّ المسلمين واليهود يتعايشون في نظام سياسي واحد ويدافعون عنه.

7 ـ الحث على إشاعة روح التعاون بين أفراد المجتمع المسلم كي يتجاوز الأزمات التي تعترضه.

                                   -------*النفاق وبدايات الاستقرار في المدينة *----------

وكان لابد للنبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً أن يحتوي وجود المنافقين------------------

اهتم النبيّ (صلى الله عليه وآله) ببناء المجتمع المسلم ومن هنا فرض الهجرة على كل مسلم إلاّ بعذر وذلك لاستقطاب كل الطاقات والكفاءات وسحبها إلى المدينة.

وقد تمتعت المدينة في هذا العهد الجديد بحياة الأمن والاستقرار فأصبح الأمر مزعجاً لسائر القوى التي رفضت دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) أولاً ورأت فيه طرفاً يهدد معتقدها واليوم أصبح كياناً يرتقي بالإنسان نحو الفضائل وقوة تنمو باطّراد لا يصدّه أحد عن نشر رسالته فأسلمت أعداد كبيرة منهم ومضى قسم آخر يخطط للابتعاد عنه أو التحالف معه.

ومن جانب آخر كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يرصد حركة النفاق ومساعي اليهود الحاقدة لتقويض الكيان الاسلامي الفتيّ بتمزيق صفوفه بالتفرقة في ما بين المسلمين.

ولم تمض فترة طويلة حتى دخل الإسلام في كل بيت من بيوت المدينة[12]، واتسق النظام الاجتماعي العام تحت حكم الإسلام وقيادة الرسول (صلى الله عليه وآله).

وفي هذه الفترة شرّعت أحكام الزكاة والصيام وأحكام اقامة الحدود، كما شرع الأذان لإقامة الصلاة وقبل ذلك كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أعدّ منادياً ينادي للصلاة إذا جاء وقتها ، ونزل الوحي الإلهي يعلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) صيغة الأذان فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه بلالاً وعلّمه كيفية الأذان.

                                                                     -------* تحويل القبلة*---------

وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله) طوال فترة تواجده في مكة يتجه في صلاته نحو بيت المقدس ولم يغيّر من اتجاه صلاته بعد هجرته المباركة
إلى سبعة عشر شهراً ثم أمره الله أن يتجه في صلاته نحو الكعبة.

وقد أمعن اليهود في عدائهم للدين الإسلامي واستهزائهم بالرسول والرسالة حتّى أنهم كانوا يفخرون على المسلمين بتبعيّتهم لقبلة اليهود فكان هذا يحزن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأصبح ينتظر نزول الوحي الإلهي بتغيير القبلة ، وخرج النبيّ (صلى الله عليه وآله) في جوف الليل يطيل النظر إلى آفاق السماء فلمّا أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلّى من الظهر ركعتين فنزل جبرئيل (عليه السلام) فأخذ بعضديه وحوّله الى الكعبة وأنزل عليه قوله تعالى: (قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّيـنّك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام).

وقد كانت حادثة تحويل القبلة بمثابة اختبار للمسلمين في مدى طاعتهم وانقيادهم لأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله)، وتحدّياً لعناد اليهود واستهزائهم وردّاً لكيدهم كما كانت منطلقاً جديداً من منطلقات بناء الشخصية المسلمة.

                                                            ------* بدايات الصراع العسكري *------------

لقد كانت القوّة هي التي تحكم الناس وتسودهم، وفي هذا الظرف تحرّك النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمون ـ بعد الاستقرار النسبي في المدينة ـ ليؤكّد لكل القوى المؤثرة في الجزيرة بل وخارجها ـ كالروم وفارس ـ إصراره على نشر الرسالة الإسلامية وبناء الحضارة وفق تعاليم السماء، وكان للمسلمين من أدوات البناء ما لم يملكه غيرهم، فهم أصحاب عقيدة وفكر وطلاّب حقٍّ وعدل، ومشرّعي سلام وأمان، وأهل سيف وقتال.

وقد توقع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ قريشاً ومن نصب له العداء سيلجأون لمحاولة استئصال المسلمين ولو بعد حين فكان طلبه من الأنصار في بيعة العقبة الثانية النصرة والقتال كما أن قريشاً هي التي تمادت في التعدي والظلم بل وخرجت تتتبّع النبيّ (صلى الله عليه وآله) والمسلمين للقضاء عليهم، وفي مكة قد صادرت الأملاك ونهبت البيوت. وكانت الرغبة لدى النبيّ (صلى الله عليه وآله) والمسلمين ـ المهاجرين خصوصاً ـ أن تدخل قريش في الإسلام طواعية أو أن لا تمضي في غيّها على أقل تقدير.

من هنا بدأ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يبعث (السرايا) وهي عبارة عن مجاميع صغيرة تتحرك لتعلن عن وجودها وعدم استسلامها. وإذا نظرنا إلى عدّتها البسيطة وعددها القليل الذي لا يتجاوز الستين فرداً وكلهم من المهاجرين وليس فيهم من الانصار الذين بايعوا على القتال والنصرة، ندرك أنها لم تكن مرشّحة للقتال وإنّما كانت هذه السرايا وسيلة للضغط على قريش اقتصادياً[16] أيضاً لعلّها تسمع نداء الحق باُذُن صاغية وبقلب مفتوح أو تهادن المسلمين فلا تتعرض لهم لينتشر الإسلام في أطراف اُخرى، وفي الوقت نفسه كان ينبغي إشعار اليهود والمنافقين بقوة الإسلام وهيبة المسلمين.

وهكذا بعد مضيّ سبعة أشهر على الهجرة المباركة انطلقت أول سريّة وكان عدد افرادها ثلاثين رجلاً بقيادة حمزة عم النبي (صلى الله عليه وآله). ثم تلتها سرية اُخرى بقيادة عبيدة بن الحارث. وسرية ثالثة بقيادة سعد بن أبي وقاص.

وخرج النبي (صلى الله عليه وآله) في صفر من العام الثاني للهجرة على رأس مجموعة من أتباعه لاعتراض قوافل قريش ولكن لم يحصل الصدام بين الطرفين في حركته نحو الأبواء وبواط . وفي خروجه الى ذي العشيرة وادَعَ بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة .

وتحرك النبيّ (صلى الله عليه وآله) لردّ الاعتبار ومعاقبة المعتدي حين أغار كرز بن جابر الفهري على أطراف المدينة لسلب الإبل والمواشي فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) لملاحقته وخلّف زيد بن حارثة على المدينة--------------

ومن هنا تبدأ المعركه الفاصله بين الحق والباطل معركة (بدر الكبرى) --------->---------

*
8‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة عبد الإله (عبد الإله مكاوي (سعودي حرّ)).
9 من 11
*
الدوله الاسلاميه الاولى والمدينه المنوره --------------4-------------معركة بدر الكبرى و (تأسيس دولة :الاسلام بالمدينه المنوره) ------------------

فاتحة الفتوحات، أو هي غزوة الإيمان... هي القتال المشروع والنضال المقدس، والفتح المبين، والإيمان المحصن، والنصر المؤزر، والزحف الغلاب، والبشرى المشجعة، والدفعة الفتية، والنفحة لإنقاذ البشرية من نير الوثنية، فقد صدق الله وعده، ونصر عبده وأعز جنده.
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ} [آل عمران: 126].

وقبل أن نتحدث عن بعض تفاصيل المعركة ينبغي أن نَلفت النظر والعقل والقلب إلى بعض عناصر دروس الإنسانية التي تجلت في هذه المعركة في مقدماتها، وفي أثنائها، وفي نهايتها، ونتائجها، لتكون مواضيع دراسة للعالم أجمع ، وكذلك نبراسًا وهديًا لنا نحن العرب... ما أحوجنا لدراستها في الوقت الذي نهيئ فيه جميع إمكاناتنا البشرية، وطاقاتنا المادية والتكنولوجية.... لملاقاة عدو الله والبشرية، بل أشد الناس عداوة للذين آمنوا... اليهود... الشعب الملعون في القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
{قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13].

تبلغ المسافة التي قطعها سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم على رأس أول جيش في الإسلام 165 كم، ما بين المدينة المنورة وبدر، ولم يكن معهم سوى سبعين بعيرًا يتعقبونها.

روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير -أي يتعاقبون- وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا له: نحن نمشي عنك -ليظل راكبًا- فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما....!".

المخابرات والعيون: ------------------

يوفد النبي بعض صحابته يتحسسون الأخبار فيخبرونه بنبأ المرأتين التين تطالب إحداهما الأخرى بدين فتستمهلها يومين إلى أن تحضر عير قريش فتستقي لها بأجر يسد عنها ما يبرأ ذمتها. ويحضر الإمام علي كرم الله وجهه من يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بعدد المشركين استنتاجًا عرفه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من نسبة عدد ما ينحرون يوميًا من الذبائح "الإبل"، كما يتوصل القائد الحربي السياسي أيضًا إلى معرفة الأسماء البارزة في جيش المشركين فيتخذ من أسمائهم ذريعة لاستثارة حماس المسلمين، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها"... وأخذ يشع على الجند من أساليب التوعية ليشعر الجند بحقيقة الموقف فيبصروا على ضوئه ما يفعلون حتى وثق من استعدادهم لهذا الامتحان المفاجئ والاختبار المباغت والابتلاء الشاق الفاصل، فكانت النتيجة.. نصر من الله وفتح مبين.

إجماع آراء أركان حرب الجيش: ------------------

ومع ما هم فيه، فحينما انعقد مجلس القيادة الجماعي، تعاقب المهاجرون والأنصار في إبداء الرأي والمشورة.

قام سيدنا أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام سيدنا عمر بن الخطاب، فقال وأجاد، واستحث المسلمين على الطعن والنزال للحصول على إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة، ثم قام سيدنا المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - مكان بأقصى اليمن - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.

وقام أخيرًا زعيم الأنصار سيدنا سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدًا، إنا لصُبُر في الحرب صُدُق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله... ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله أمرًا غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك، فامض، فصِل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت.

دعاء العربي: ------------------

يحاول أبو سفيان أن يأخذ الحيطة لنفسه ولمن معه وما معه... فيحاول أن يعرف من أخبار القوم ليأمن الطريق على قافلته... وهو أعلم الناس بما لحق المهاجرين من أضرار مادية ونفسية، فأخذ يتجسس ويتحسس حتى علم أن اثنين من العرب أناخا بعيريهما عند التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما وتناول بعرات من فضلات الراحلتين ثم فتها فوجد فيها النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، وأدرك أنهما من جيش محمد بالقرب منه، فرجع إلى العير يضرب وجهها عن الطريق. شاردًا نحو الساحل... ونجا بمن كان معه... ولكنه لم يستطع التأثير في قريش للعودة دون قتال بعد أن أرسل لها ضمضمًا الغفاري يستنفرها للذود عن اللطيمة وعن شرف اللات والعزى.

القيادة الجماعية: ------------------

حينما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر بالعدوة الدنيا قال له الحباب بن المنذر في أدب ولباقة وكياسة ودبلوماسية: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نفور ما وراءه من القليب ونبني عليه حوضًا فنملؤه ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي. ونهض الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم بالقليب ففوره، وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية.

عدم البدء بالعدوان: ------------------

ومع إجماع المهاجرين والأنصار على القتال... ومع ما لاقاه المهاجرون من عنت قريش وظلمها وتعذيبها لهم والحصار الاقتصادي ضدهم... لم يسمح رسول الله القائد الملهم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى... لم يسمح بالاعتداء
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]
وقد بدأ الهجوم من جانب المشركين؛ إذ هجم الأسود بن عبد الأسد على الحوض الذي بناه المسلمون معاهدًا اللات والعزى ليشربن من الحوض أو يهدمنه أو يموتن دونه، فتصدى له حمزة بن عبد المطلب فضربه فلم يرتدع، فأجهز عليه قبل أن يبر بعهده على الأصنام، ثم ظهر بالاعتداء مرة ثانية في صورة صناديد الكفر ممثلين في أبطالهم الثلاثة عتبة وابنه الوليد وأخيه شيبة بن ربيعة يتحدون أبطال الإسلام وفرسانهم، فتصدى لهم حمزة بن عبد المطلب وابن أخيه علي كرم الله وجهه وعبيدة بن الحارث... فقتل المسلمون الكفرة، وعلى الباغي تدور الدوائر والبادي أظلم.

الإيثار والفدائية والحب في الله: ------------------

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقود المعركة من داخل المعركة ومن قلب المعمعة، ولكن الصحابة يجمعون على ضرورة بناء عريش أعلى الكثيب ليشرف منه ويوجه منه التعليمات ويتصل منه بالله يدعوه ويناجيه ويناشده النصر الذي وعده... وأخذًا بالأحوط إذا دارت الدائرة على المسلمين، والمفروض أن يقدروا جميع الحالات... فيجدد رسول الله الدعوة مع المسلمين وهم لا يقلون حبًا للرسول صلى الله عليه وسلم وبذلا في سبيل نشر الدعوة عن هؤلاء المقاتلين، ولو كان من بالمدينة يعلمون قتالا ما تأخروا وما تخلفوا. وكان هذا التخطيط: دليل إخلاص، وعمق، وإصرار على نجاح الدعوة.... دعوة الله.

وحدة الصف: ------------------

وحدة الهدف أمر مسلّم يؤمن بها جميع المسلمين ... ووحدة الصف في المعركة مثل وحدة الصف في الصلاة. استقامة الصف. سد الفرج. الاتجاه إلى الله، اتجاه مودع. عدم رضا الله عن الصف الأعوج. عدم التردد في إطاعة أوامر القيادة والإمامة، عدم التخلف عن الصف الأمامي. الجميع على قلب رجل واحد حتى إذا تحركوا فإنما يتحركون كالطود الشامخ المتماسك كالبنيان المرصوص أو كالجسد الواحد... فإذا استشهد أحدهم تخطاه من خلفه قائلا: سبقتني إلى الجنه

بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4].

شباب المعركة: ------------------

اثنان من فتيان الإسلام في ريعان الصبا وفخر الشباب، يقفان في صفوف المهاجرين، أحدهما عن يمين عبد الرحمن بن عوف والآخر عن يساره، فقال له أحدهما: يا عماه! أتعرف أبا جهل؟
فقال: نعم وما حاجتك إليه؟
قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق وجهي وجهه حتى يموت الأعجل منا، قال ابن عوف: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر وقال لي مثلها أيضًا... فلم يطل الوقت حتى نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه... فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه، فقضى بسلبه لهما، وهما معاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء، وكان سنهما لا يعدو العشرين ربيعًا... رضي الله عنهما...

وعرض ابن عمر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ليكون ضمن صفوف المقاتلين وهو صبي يافع، فلم يقبله الرسول صلى الله عليه وسلم.

أراد سعد بن خيثمة بن الحارث أن يخرج للقتال مع أبيه. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج أحدهما فقط... فقال الوالد لابنه: إنه لا بد لأحدنا أن يقيم فأقم أنت مع نسائك. فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا... فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فاستشهد. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال: والذي نفس محمد بيده؛ لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، فما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل
رسم الخطة ثم الالتجاء إلى الخالق:
أشرف قائد المسلمين على تنفيذ تخطيط المعركة بنفسه، واطمأن إلى دقة تنفيذ هذا التكتيك العسكري المرسوم في المعركة كما هو مرسوم في صلاة الجماعة يتمرن عليه ويتمعن فيه المسلمون كل يوم خمس مرات. واطمأن الرسول القائد إلى رسوخ وثبات وارتفاع الروح المعنوية عند جماعة المؤمنين.... عقلها وتوكل... يناجي ويدعو ويلح ويستغيث... وترتفع وتتسامى روحه إلى أعلى عليين، إلى الأجواء العلوية السماوية التي يسمع فيها صريف الأقلام، وتتضاءل الأفهام وتتعطر الأنسام، وتوزع الأقسام.... حيث تتلقى البشرى، وتنزل بها إلى دنيا الناس نصرًا مؤزرًا محققًا... لأولئك الذين نصروا الله فنصرهم الله إن الله لقوي عزيز.

بسم الله الرحمن الرحيم
{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ} [الأنفال: 7].
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26].

ومع الدعاء المستجاب بالنصر: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة ثم انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر! أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع".. عندما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النصر... لم يفته أن يدعو لهؤلاء النفر من المسلمين بخير الدنيا.... "اللهم إنهم جوعى فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، وكان له ما أراد؛ لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وهو الحريص عليهم ويعز عليه العنت الذي يصيبهم....

الاعتصام بالله تبارك وتعالى:-----------------------------

....."ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل أحبه، فإذا أحببته كنت يده التي يبطشن بها..."... من حديث قدسي... يتجلى تفسيره عمليًا واضحًا في غزوة بدر... فقد أكد المحاربون من المسلمين في هذه الموقعة أن رأس الكافر كانت تهوي إلى الأرض مفصولة عن جسده قبل أن يقع عليها سيفه... إنهم جند الرحمن... أو ذلك الصحابي الذي يهرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الموقعة ويقول له: لقد كسر سيفي من كثرة الطعن في الرقاب... فيعطيه الرسول قطعة من سعف النخيل "جريدة"، ويقول: اذهب واضرب بها أعناق الكفار.... ويأتي الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الموقعة ويقول: "والله يا رسول الله! لقد كانت أحدَّ من السيف في قط أعناق الكفار...".

ويأخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من التراب ويقذف بها وجوه الأعداء وأبصارهم فتغشاهم فهم لا يبصرون.
بسم الله الرحمن الرحيم
{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]،
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 9-13].

التكتيك الحربي: ------------------و القرؤآن الكريم --------------------

وما تشاؤون إلا أن يشاء الله....
الله أعلم حيث يجعل رسالته.....
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.....
لذلك كان التخطيط لهذه المعركة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه من حكيم حميد....
لم يكن تخطيط بشر وإنما الهدى هدى الله....

يتلخص في قول الحق تبارك وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّم وَبِئْسَ المَصِيرُ} [الأنفال: 15-16].

ويقول سبحانه وتعالى آمرًا المؤمنين بالثبات والصبر والاتحاد وعدم التنازع:
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَه وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45-46].

ويأمرهم سبحانه وتعالى بالإعداد الكامل والاستعداد التام للمعركة.
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].

ثم يوجه القول إلى قائد المعركة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسلوب رائع قدسي

بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّه وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 64-66].
*
8‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة عبد الإله (عبد الإله مكاوي (سعودي حرّ)).
10 من 11
*
الدوله الاسلاميه الاولى والمدينه المنوره ----5-------ولنعد الى مابتدأنا به  من بعد معركة حنين وفتح مكه (وتحطيم الاوثان والوثنيه) ------------------

وماجت جزيرة العرب واضطربت لهذا الدين الجديد ، وحاولت وأده والقضاء على رسوله بكل وسيلة ، ولكن النصر كان أخيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نضال استمر إحدى وعشرين سنة . فافتتح عاصمة الوثنية ، وحطم آلهتها  ،  وهزم جيوشها ، وتغلب على مؤامرات زعمائها ، هل يصدق العقل أن ذلك كله قد تم خلال هذه الفترة القصيرة ،  
بسم الله الرحمن الرحيم
( وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمَى ) [ الانفال : 17] .

لقد أنهى محمد بن عبدالله مأساة العرب الفكرية التي استمرت زهاء خمسمائة عام أو تزيد ، وحرر العقل العربي في أغلال الوثنية وخرافاتها ، وأنقذ الكرامة العربية من مهانة الوثنية وحقارتها ، وفتح أبواب الخلود للعرب يدخلون منه ثم لا يخرجون ، ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : " لاعزى بعدها للعرب ، إما إنها لن تعبد بعد اليوم " فقد ودعت جزيرة العرب حياة الوثنية إلى الأبد ، وبلغ العقل العربي سن الرشد ، فلم يعد يرضى بعودته إلى طفولته : طفولة الوثنية التي تحمل صاحبها على أن يضع جبهته عن أقدام حجارة صماء بكماء ، ولقد قامت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حروب وفتن ، وادعى النبوة من ادعاها ، وعارض القرآن من عارضة ، ولكنا لم نسمع أن عربياً وأحداً فكر في العودة إلى الوثنية وآلهتها ، ذلك أن الراشد لن يعود طفلاً ، و كل ذلك إنما تم بفضل محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته ، فله على كل عربي إلى انتهاء الدنيا فضل الإنقاذ والتحرير ، ثم فضل زيادة الهدى لشعوب الأرض  من اتبع الهدى ومن أعرض عنه ، وجل الله حين يقول
بسم الله الرحمن الرحيم
(هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الأمِّيينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَليْهِمْ آيَاتِهِ ، وَيُزَكِّيهِمْ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةِ ، وَإن كَانُوا مِنْ قَبْلُ لفِي ضَلالٍ مُبين ) . [ الجمعة :  ] .

ج-  غزوة تبوك---------وأهم ما في هذه الغزوة من عبر ودروس----هو ما نوجز الكلام عنه:---

أولاً ـ كان سبب هذه الغزوة أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام وأن هرقل قد رزق أصحابه سنة ،وأنضمت اليه من القبائل العربية لخم ، جذاع ، وغسان ، وعامل ، ثم قدموا طلائعهم إلى البلقاء ـ كور من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى ، فلما بلغ ذلك رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ندب الناس للخروج إلى تبوك ، ودعاهم إلى التأهب والاستعداد ، ودعا الاغنياء إلى البذل والإنفاق .

وهذا يفسر لنا طبيعة الحرب في الإسلام ، فهي ليست عدوانية ، لا استفزازية ، ولكنها للدفاع عن الدين والبلاد ، وردع المعتدين ، ومنهم عن الأذى والفساد ، وهذا ما سحرت به آيات كثيرة من القرآن الكريم ، وقد تكلمنا عن أسباب مشروعية الحرب في الاسلام ، وأهدافه ، وطريقه ، في مذكرات السنة الأولى . وفي خروج رسول الله  إلى تبوك بعد تأهب الروم وجمعهم للجموع تأييد لما قلناه هناك . وفي انضمام بعض القبائل العربية إلى الروم ضد المسلمين ، دليل عن أن الإسلام ورسالته التحريرية للناس عامة وللعرب خاصة ،  ولو كانوا يعلمون ذلك لأبوا أن يكونوا أعواناً للروم على أبناء قومهم من العرب المسلمين .

ثانياً ـ لقد كانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للتأهب في وقت عسر وحر وموسم لجني الثمار، فأما المؤمنون الصادقون ،فقد سارعوا إلى تلبيتهم للرسول غير عابئين بمشقة ولا حرمان ، وأما المنافقون،  فقد تخلفوا ، واخذوا يعتذرون بشتى الأعذار، وهكذا يتبين المخلصون من المنافقين في أيام الشدائد ، وينكشف أمر الأدعياء في أيام الشدائد ، و في أيام المحن  ، وقد قال الله تعال :
بسم الله الرحمن الرحيم
" آلم . أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَليَعْلمَنَّ اللهُ الذِينَ صَدَقُوا وَليَعْلمَنَّ الكَاذِبِينَ )[ العنكبوت : 1ـ2 ] .

وإنما تقوم الدعوات ، و تنهض الأمم بتطهير صفوفها من المنافقين والمخادعين ولا يثبت للشدة إلا كل صادقة العزيمة ، مخلص النية ، ثابت المبدأ ، كثيراً ما عوق الضعاف والمخادعون سير دعوات الاصلاح في الأمة ، وحالوا بينها وبين النصر ، أو أخروها ولو إلى حين ، ولقد تلخص جيش العسرة في غزوة تبوك من أمثال هؤلاء بفضل افتضاح أمرهم ، وانكشاف ضعف إيمانهم ، وخور عزائمهم ، وإن جيشاً متراض الصف ، متحد الكلمة ، صادق العهد ، أجدى للأمة ـ ولو كان قليل العدد  ـ وأدعى الاكتساب النصر من جيش كثير العدد ، متفاوت  الفكرة والقوة والثبات
بسم الله الرحمن الرحيم
" كم مِّنْ فِئَةٍ قَليِلةٍ غَلبَتْ فِئَةً كثِيرَةً بِإذْنِ اللهِ ، واللهُ مَعَ الصَّابِرينَ " [ البقرة:249 ].

ثالثاً ـ أن في مسارعة الموسرين من الصحابة إلى البذل  والإنفاق ، كأبي بكر، وعمر ، وعثمان ، وغيرهم ، دليلاً على ما يفعله الإيمان في نفوس المؤمنين من مسارعة إلى فعل الخير ومقاومة لأهواء النفس وغرائزها ، مما تحتاج إليه كل أمة ، وكل دعوة ، لضمان النصر على أعدائها ، وتأمين الموارد اللازمة  لها وهذا ما نجد أمتنا اليوم أشد الحاجة إليه ، فالأعداء كثر ، والاعباء ثقيلة ، والمعركة رهيبة ، والعدو قوي ماكر ، فلا نستطيع التغلب عليه إلا بمزيد من التضحيات في الأموال والأنفس والأهواء والشهوات ولا يحق ذلك إلا الدين الصحيح المفهوم على حقيقته الذي يربي النفوس على احتساب الأنفاق والتعب في سبيل الأمة جهاداً يثيب الله عليه كما يثب المجاهدين في ميادين النضال .
وخير ما يفعله المصالحون وزعماء النهضات ، هو غرس الدين في نفوس الناس غرساً كريماً ، ولكن مقاومة للدين ، أو دعوة إلى التحرر منه  ، أو تظاهر بالاستخفاف من شأنه  جريمة وطنية تؤدي إلى أسوأ النتائج ، واخطر الآثار ، كذلك علمنا الله ، وكذلك أثبت لنا التاريخ في الماضي ، وأثبتت التجربة في الحاضر ، وكل إنكار لهذه الحقيقة مغالطة لا يلجاً إليها إلا الذين لم يتلخص للحق نفوسهم ، ولم تتفتح للخير أفئدتهم ، ولم تتحلى بالسمو والنبل طباعهم .

رابعاً ـ وفي قصة الذين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون أن يأخذهم معه إلى الجهاد ، فردهم لأنه صلى الله عليه وسلم   ما يجد ما يحملهم عليه . فولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً على حرمانهم من شرف الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في هذه القصة التي حكاها الله في كتابه أروع الأمثلة على صنع الإيمان للمعجزات ، فطبيعة الإنسان أن يفرح لنجاته من الأخطار ، وابتعاده عن الحروب ، ولكن هؤلاء المؤمنين الصادقين بكوا من أجل  ذلك ، إذا اعتبروا أنفسهم قد فاتهم  حظ كبير ..وأي خسارة تلحق بالامة حين تخلو من أمثال هؤلاء ؟

خامساً ـ وفي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد إيثاراً للراحة على التعب ، والظل على الحر ، والإقامة على السفر ، من  أنهم مؤمنون صادقون ، درس اجتماعي من أعظم الدروس ، فقد استيقظ الإيمان في نفوسهم بعد قليل ، فعلموا أنهم ارتكبوا بتخلفهم عن رسول الله والمؤمنين إثماً كبيراً ، ومع هذا فلم يعفهم ذلك من العقوبة ، وكانت عقوبتهم قاسية رادعة ، فقد عزلوا عن المجتمع عزلاً تاماً، و نهي الناس –حتى زوجاتهم- عن كلامهم والتحدث إليهم ، ولما علم الله منهم صدق التوبة ، وبلغ منهم الندم والألم والحسرة مداه ، تاب الله عليهم ، فلما بشروا بذلك كانت فرحتهم لا تقدر ، حتى أنسلخ بعضهم عن ماله وثيابه شكراً لله على نعمة الرضى والغفران  

إن مثل هذا الدروس تمنع المؤمن الصادق في إيمانه عن أن يتخلف عن عمل يقتضيه الواجب أو يرضى لنفسه بالراحة والناس يتعبون ، و يبتئسون ، وتلك هي طبيعة الإيمان : أن تشعر دائماً وأبداً أنك فرد من  جماعة ، و جزء من كل ، وأن ما يصيب الجماعة يصيبك ، وما يفيدها  يفيدك  ، وأن النعيم لا معنى له من شقاء الأمة و بؤسها ، والراحة لا لذة لها مع تعب الناس وعنائهم ، وأن التخلف عن الواجب نقص في الإيمان ، وخلل في الدين ، وإثم لا بد فيه من التوبة والانابة . كما تعطينا القصة درساً بأن العقيدة فوق القرابة، وأن تنفيذ النظام  المشروع مقدم على طاعة الهوى والعاطفة، وأن القرابة لا تغني شيئاً إزاء غضب الله  ومقته
بسم الله الرحمن الرحيم
( فَلْيَحْذَرالذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ ) [ النور :63 ]

د ـ حجة الوداع :------------------------------------------

كانت حجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنة ، توافدالناس إلى الحج من  مختلف أنحاء الجزيرة العربية حتى بلغوا ـ  كما قال بعض المؤرخين ـ مائة وأربعة عشر ألفاً ، ونحسب أن هذا العدد تقديري ، وإلا فكيف أمكن إحصاؤهم وتحديد عددهم بهذا القدر ؟

وقد خطب  رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته الشهيرة التي يجب أن يحفظها  كل طالب علم ، لما تضمنته من إعلان المبادئ العامة للاسلام ، وهي آخر خطبه صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء فيها :  " أيها الناس ، اسمعوا قولي ، لا أدري لعلي لا ألقاكم  بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً " - وهذا من معجزات رسوله صلى الله عليه وسلم  - أيها الناس ، إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا ، وحرمة شهركم هذا ، و إنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، وقد بلغت ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ، وإن كل رباً موضوع ، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، قضى الله  أنه لا ربا ، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله ، وإن كل دم في الجاهلية موضوع ، وإن أول  دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ـ وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل ـ فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية .

أما بعد أيها الناس ، فإن  الشيطان قد يئس من أن يعبد  بأرضكم هذه أبداً  ، ولكنه إن يطع فيها سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذورا على دينكم .

أيها  الناس إن النسيء زيادة في الكفر ، يضل به الذين كفورا يحلونه عاماً ، ويحرمونه عاماً ، ليواطئوا عدة ما حرم الله ، فيحلوا ما حرم الله ، ويحرموا ما أحل الله ، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم : ثلاثة متوالية ، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان .  أما بعد  أيها الناس فإن لكم على نسائكم حقاً ، ولهن علكيم حقاً  لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبنية ، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح ، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، واستوصوا بالنساء خيراً ، فإنهن عندكم عوان ، لا يملكن لأنفسهن شيئا ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمات الله .

فاعقلوا أيها الناس قولي ، فإني قد بلغت ، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به ، فلن تضلوا  أبداً ، أمراً بيناً ، كتاب الله وسنة نبيه ، أيها الناس أسمعوا قولي وأعقلوه ، تعلموا أن كل مسلم أخ للمسلم ، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه  ، فلا تظلموا أنفسكم ، اللهم هل بلغت ؟ " .

إن أول ما يلفت النظر فى حجة الوداع هذا الجمهور الضخم الذين حضروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم من مختلف أنحاء الجزيرة العربية ، مؤمنين به ، مصدقين برسالته ، مطيعين لأمره ، وقد كانوا جميعاً قبل ثلاثة وعشرين سنة فحسب على الوثنية والشرك ، ينكرون مبادئ رسالته ، ويعجبون من دعوته إلى التوحيد ،  وينفرون من تنديده بآبائهم الوثنيين ، وتسفيهه لاحلامهم ، بل كان كثير منهم  قد ناصبوه العداء ، وتربصوا به الشر ، وبيتوا على قتله ، وألبوا عليه الجموع ، وجالدوه بالسيوف والرماح ، كيف تم هذا الانقلاب العجيب في مثل هذه المدة القصيرة ، وكيف استطاع صلى الله عليه وسلم  أن يحول هذه الجموع من وثنيتها وجاهليتها وترديها وتفرقها إلى توحيد الله  ووحدة الهدف والغاية ؟ وكيف كسب حب هذه القلوب بعد عداوتها ، وهي المعروفة بشدة الشكيمة وعنف الخصام ؟ ألا إن إنساناً مهما بلغت عبقريته ودهاؤه ، وقوة شخصيته ليستحيل أن يصل إلى هذا في مئات السنين ، وما سمعنا بهذا في الأولين والآخرين ، إن هو إلا صدق الرسالة ، وتأييد السماء ، ونصرة الله، ومعجزة الدين الشامل الكامل الذي أتم الله به نعمته على عباده ، وختم به رسالاته للناس ، وأراد أن ينهي به شقاء أمة كانت تائهة في دروب الحياة ، مستذلة للأهواء والعصبيات ، وأن يدلها على طريق الهداية ، ويفتح أعينها لأشعة الشمس ، ويقلدها قيادة الأمم ، ويحول بها مجرى التاريخ ، ويحمي بها مهانة الإنسان ، ويورثها الحكمة والكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب .

مائة وأربعة عشر ألفاً كانوا له مكذبين ، أصحبوا له مصدقين ، وكانوا محاربين ، فأصبحوا له مذعنين ، وكانوا له مبغضين ، فأصبحوا له محبين ، وكان عليه متمردين ، فأصبحوا له طائعين ، كل ذلك في ثلاث وعشرين من السنين .. ذلك هو صنع الله الحق المبين ، فتعالى الله عما يشركون ، وتنزهت ذات رسوله عما يقول الملحدون ، وسبحان ربك رب العزة عما  يصفون ، وسلام على المرسلين ،  والحمد لله رب العالمين .

وثاني ما يلفت النظر في حجة الوداع هذا الخطاب القوي المحكم الذي خاطب به رسول صلى الله عليه وسلم الناس أجمعين ، وتلك المبادئ التي أعلنها بعد إتمام رسالته ونجاح قيادته ، مؤكدة للمبادئ التي أعلنها في أول دعوته ، يوم كان وحيداً مضطهداً ، ويوم كان قليلاً مستضعفاً ، مبادئ ثابتة لم تتغير في القلة والكثيرة ، والحرب والسلم ، والهزيمة والنصر ، وإعراض الدنيا وإقبالها ، وقوة الأعداء وضعفهم ، بينما عرفنا في زعماء الدنيا تقلباً في العقيدة والمبدأ ، وتبايناً في الضعف والقوة ، وتغيراً في الوسائل والأهداف ، يظهرون خلاف ما يبطنون ، وينادون بغير ما يعتقدون ، ويلبسون في الضعف لبس الرهبان ، وفي القوة جلود الذئاب ، وما ذلك إلا لأن هؤلاء رسل المصلحة ، وأولئك رسل الله وشتان بين من يحوم فوق الجيف ، وبين من يسبح في بحار النور ، شتان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم
( اللهُ وَلِيُّ الذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلمَاتِ إلى النُّورِ وَالذِينَ كَفَرُوا أوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُوَنَهُمْ مِنَ النُّورِإلى الظُّلمَاتِ أوْلئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ) [ البقرة : 257]

هـ -  بعث أسامة :------------------------------------------

إن أخر ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنشر الدعوة وحمايتها ،  ورد غارة المعتدين على الدولة الجديدة والمتربصين بها أن جهز جيشاً إلى  الشام تحت قيادة أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، وقد كان في هذا الجيش جميع المهاجرين والأنصار، ومن كان حول المدينة من المسلمين ، لم يتخلف منهم أحد ، لما كان الجيش في ظاهر المدينة يتأهب للمسير ابتدأ مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه ، فتوقف الجيش عن السير انتظاراً لشفاء الرسول ، ورغبة في تلقي تعاليمه وهدية ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بعد  أيام ، واختاره الله إلى جواره بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة ، وهيأ جزيرة العرب كلها لحمل لواء الاسلام ، ونشر حضارته وتعاليمه في أنحاء الأرض ، وبعد أن تكون الجيش الذي يقوم بحمل أعباء هذه الأمانة العظيمة الأثر في التاريخ ، بعد أن تهيأ جنوده الصالحون لخوض معاركها ، والقادة الأكفاء لقيادة حروبها ، والرجال العظماء الصالحون لادارة دولتها ، فصلى الله وسلم على رسوله ، وجزاه الله عنا وعن الإنسانية خير الجزاء ، فلولاه ولولا جنوده الأوفياء الذين أدوا الأمانة من بعده لكنا الآن في  ضلال مبين .

لقد أكرم الله رسوله بما لم يكرم نبياً من قبله ، إذا طالت حياته حتى رأى ثمرة دعوته وكفاحه تلف الجزيرة  كلها، فتطهرها من الأوثان تطهيراً أبدياً ، وتجعل الذين حطموا هذه الأصنام بأيديهم فرحين بنعمة الله في أنقاذهم من الضلال ، هم الذين عبدوها من قبل ، وعفروا لها وجوههم بالسجود لها ، وطلب الزلفى عندها ، ثم تجعل هؤلاء مستعدين تمام الاستعداد للانسياح في الأرض ، يحملون إلى الناس نور الهداية التي أنعم الله عليهم بها ، إنه جيل واحد في الذين كان يعبد الأصنام ويؤلهها ويعش في جاهليته هملاً مبعثراً ا لكفاءات والمواهب ، ثم هو الذي حطم الأوثان ، وأقام الدولة العربية الاولى في تاريخ العرب كله ، التي تحمل رسالة وتحدد هدفاً ، وتقف من أقوى أمم الأرض حولها موقف المعلم المنقذ ،والرائد المعتز بما  يحمل من هدى ونور وخير المشفق على ما كانت تتردى فيه الأمم من جهالة وظلام وانحلال ، بينما كان العرب ينظرون اليها قبل الاسلام  نظر الإكباروالإعظام ، ويقفون منها موقف التبعية السياسية والفكرية الاجتماعية ، إنه حدث فريد في التاريخ قديمة وحديثه ، وليس بعث أسامه إلا عنوان هذا الحدث ونتائج هذه الرسالة الميمونة المباركة . ثم  يتجلى من جعل رسول الله الحدث ونتائج هذه الرسالة الميمونة المباركة .

قيادة الجيش لأسامة بن زيد و هو شاب في سن العشرين وتحت لوائه شيوخ المهاجرين والأنصار ، كأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وهم من هم في سبقهم إلى الإسلام ، وحسن بلائهم فيه ، وتقدمهم في السن والمكانة على أسامة ، إن في هذا سنة حميدة من سنن الإسلام في إلغاء الفوارق بين الناس من حيث السن والفضل  وتقديم الكفء الصالح لها مهما يكن سنة ومكانته ، ثم في رضي هؤلاء العظماء الذين أثبت التاريخ انه لم ينجب  مثلهم في عظمتهم وكفاءاتهم ، على أن يكونوا تحت إمرة أسامة الشاب ، ما يدل على مدى التهذيب النفسي والخلقي الذي وصلوا اليه بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهدايته وتربيته وإرشاده .

إن في تأمير أسامة على  عمر وعثمان وعلي ، سابقة عظيمة لم تعهدها أمة من  الأمم ، تدل على وجوب فسح المجال لكفاءات الشباب وعبقرياتهم ، وتمكينهم في قيادة الأمور حين يكونون صالحين لذلك ، وهذا درس عظيم لو بقي المسلمون يذكرونه من بعد لاختفت من تاريخ الإسلام  محن وكوراث ، ومن تاريخ دولته عواصف وفتن زعزعت أركانها  وأضعفت من قوتها ، فنعم ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم   المؤيد بوحي السماء الموهوب من الحكمة السداد ، و  بعد  النظر ، وعظيم السياسة ، مالم يوهب نبي قبله ، ولم يعرف عن عظيم في التاريخ من قبله ومن بعده ، ورضي الله عن أسامة الشاب ، وهنيئاً له ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم  بكفاءة قيادته  وصدق عزيمته ، وحسن إسلامة ، رضي الله عنه وجعله قدوة لشبابنا المؤمنين العاملين  

و ـ وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم  :------------------------------------

توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن علم من طريق الوحي بقرب أجله ، فودع الناس في حجة الوداع ، وكانت قلوب الصحابة واجفة هلعة خشية أن يكون أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد اقترب ، ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر فلما أشيع عن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم اضطرب الصحابة جميعاً لهول الكارثة ، وزلزلت المدينة زلزالها ، وطاشت عقول كثيرة من كبار الصحابة والسابقين إلى الاسلام ،فمنهم من عقل لسانه ، ومنهم من أقعد عن الحركة ،  ومنهم وهو عمر من شهرسيفه ينهى الناس أن يقولوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ، ويزعم أنه غاب ، وسيرجع اليهم ، ولكن أبا بكر وحده هو الذي كان ثابت الجأش ، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم  هو مسجى على فراشه ، فقبله وقال له : بأبي أنت وأمي يارسول الله ! ما أطيبك حياً وميتاً ! أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موته أبداً ، يا رسول الله أذكرنا عند ربك .


ثم خرج أبو بكر إلى الناس ، فخطب فيهم وقال : أيها الناس ! من كان يعبد محمداً ، فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حي لا يموت ، ثم تلا قوله تعالى  :
بسم الله الرحمن الرحيم
" وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلْ ، أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلْ انْقَلبْتُمْ عَلى أعْقَابِكُمْ ، وَمَنْ يَنْقَلبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئَاً ، وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) [ آل عمران : 144] . فلما تلاها أبو بكر أفاقوا من هول الصدمة ، وكأنهم لم يسمعوها من قبل ، قال أبو هريرة : قال عمر : فوالله ما هو إلا أن سمعت أن أبا بكر تلاها فعقرت ـ أي دهشت وتحيرت ـ حتى وقعت إلى الأرض وما تحملتني رجلاي ، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد مات .



وهنا درسان بالغان : --------------------------------

أولهما : أن الصحابة دهشوا لموت رسول الله عليه وسلم ، حتى لكأن الموت لا يمكن أن يأتيه ، مع أن الموت نهاية كل حي ،  وما كان ذلك إلا لحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم  حباً أمتزج بدمائهم وأعصابهم ، والصدمة بفقد الأحباب تكون على  قدر الحب  ، ونحن نرى من يفقد ولداً أو أبا كيف يظل أياماً لا يصدق أنه فقده ، وأي حب في الدنيا يبلغ حب هؤلاء الصحابة الأبرار لرسول الله صلى الله عليه وسلم  وقد هداهم الله به ، وانقذهم من  الظلمات إلى النور ، وغير حياتهم ، وفتح عقولهم وأبصارهم ، وسما بهم إلى مراتب القادة العظماء ،ثم هو في حياته مربيهم وقاضيهم ومرشدهم يلجؤون إليه في النكبات ، ويسترشدونه في الحوادث ، ويأخذون منه خطاب الله لهم وتعليمه لهم ، فلما  مات رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنقطع ذلك كله ، في صدمة أبلغ من هذه الصدمة وأشدها أثراً .

ثانيهما : أن موقف أبي بكر دل على أنه يتمتع برباطه جأش وقوة أعصاب عند النكبات لا يتمتع بها صحابي آخر . وهذا ما يجعله أولى الناس بخلاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وقد أثبت ذلك في حروب الردة في جزيرة العرب .
انتهى / وصلى الله على سيد البشر محمد بن عبدالله وعلى اله وصحبه وسلم
*
8‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة عبد الإله (عبد الإله مكاوي (سعودي حرّ)).
11 من 11
الدولة الإسلامية أسست في المدينة قبل فتح مكة .
8‏/12‏/2011 تم النشر بواسطة Alqaraani.
قد يهمك أيضًا
اسباب ظهور المنافقين في المدينه ولم يظهروا في مكه في فترة العهد المكي
كيف دخل الامير طلال بن عبد العزيز موسوعة جنيس ؟؟؟ ماهو سبب الدخول
ما هو وسط العالم
لزوار مكه ؟
لماذا يطلق على مكة بكة
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة