الرئيسية > السؤال
السؤال
ماهي المجاورة في النحو
اللغة العربية 30‏/4‏/2012 تم النشر بواسطة رايمان.
الإجابات
1 من 1
المجاورة في النحو العربي

توطـــئة:

يرى الكثير من النحاة أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، قال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتاب أضواء البيان: "التحقيق أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين."
وقال الشيخ مصطفى الغلاييني: "وقد يُجرُّ ما حقهُ الرفعُ أو النصبُ، لمجاورتهِ المجرورَ كقولهم:”هذا جُحرُ ضَبٍّ خَرِبٍ".
ومنه قولُ امرئ القيس:
كَأَنَّ ثَبيراً، في عَرانِينِ وَبْلِهِ         كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
ويرى العديد من النحاة أنه مما يدل على أن اللغة العربية حية وتميل إلى اليسر والسهولة، تأثر الألفاظ فيها بعضها ببعض إذا تجاورت، وذلك هو ما يسميه النحاة بـ"المجاورة" أو ظاهرة الجر على الجوار، إذ نجد الاسم يجر بتأثير اسم سابق له، لمجرد استحسان لفظي، دون علاقة لذلك بالمعنى .وهي ظاهرة سماعية.
وتأثير المجاور لم يعرف عند النحاة إلا في حركة الجر، ولم يخرج عن أبواب التوابع، وهي النعت والتوكيد والعطف والبدل.
وقد اتفق النحاة على أن الجر على الجوار لم يقع في باب البدل، قال أبو حيان: "وأما في البدل، فلا يحفظ ذلك من كلامهم، ولا خرّج عليه أحدٌ ممن علمناه"، وعلل لذلك ابن هشام فقال: "وينبغي امتناعه في البدل  لأنه في التقدير من جملة أخرى، فهو محجوزٌ تقديراً"، أي أنه يفصل بين المتجاورين تقديرا العامل في البدل .
والحق أن مسألة الجر بالمجاورة ليست متفقا عليها عند النحويين، بل هي قول لبعضهم.
وشاهدها - عند القائلين بها - ليس فقط المثال الشهير لجحر الضب، وإنما بعض ما جاء في أشعار العرب، مثل قول الشاعر:
وكان أبانا في أفانين ودقة       كبيرُ أناس في بجاد مزملِ
فمزمل بالجر، وحقه الرفع، لأنه نعت لكبير. قالوا: فلما جاور المخفوض وهو بجاد انخفض للجوار. إلا أنه في هذه الحالة يبدو أن سبب الخفض كان الضرورة الشعرية أكثر من رغبة الشاعر استعمال أسلوب المجاورة في حد ذاته.
وتكون للمجاورة، وهي المتضمنة معنى عن، نحو قوله تعالى فاسأل به خبيراً، وقوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع، أي: عن عذاب واقع .
ومنه قول علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني       بصير بأدواء النساء طبيب
وفي رواية خبير والمعنى: عن أدواء.
ومنه قول عنترة :
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك      إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
أي : عما لم تعلمي.
وتحت واو العطف جوازُ العطفِ على الجِوارِ في الجرِّ خاصةً نحو {وامْسَحُوا بِرُؤُوُسِكُمْ وأَرْجُلِكُمْ} (الآية "6" من سورة المائدة "5".
والمراد بالجوار هنا أن كلمة برؤوسكم مجرورة، فجرُّ ما بعدها وهي أرجلكم لمجاورتها ما قبلها، وهذه قراءة من جرّ أرجلكم، والقراءة الثانية: وأرجلكم بفتح اللام عطفاً على الوجوه، على الأصل، في قراءةِ أبي عمرو وأبي بَكر وابن كثير وحمزة.


3
خلاف النحاة حول المجاورة

يعد أسلوب الجر بالمجاورة من الأمور المقررة عند بعض النحاة، واستدلوا على هذا بما ينقلونه عن العرب قولَهم: "هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ"، فالأصل أن يُقال: خربٌ، لأنه صفة للجحر لا الضب، ولكنه أخذ حركة الضب وهي الكسرة بسبب المجاورة، وهذا ما يذكره النحاة.
وقد قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي المتوفي سنة 1384 هجرية 1964 ميلادية: "هذا النوع مِن الجرِّ مسموعٌ عن العرب، وهو مِن شذوذاتهم اللغوية وانحرافاتهم عن مقاييس لغتهم، وهو مقبول منهم، لكنه مقصورٌ على ما سُمِعَ منهم، وإنما هو مثالٌ سوقيٌّ انتحلوه ثم قلَّد آخرُهم أولَهم فيه على عاداتهم."
ولقد اتفق كثير من الأئمة على أن الجر بالمجاورة ضعيف جداً ولا يصح القياس عليه، وإنما يقتصر على الوارد المسموع عن العرب فقط، وذلك ما أشار إليه صاحب خزانة الأدب ج2 ص324.
وقال صاحب مجمع البيان لعلوم القرآن: ظ"إن المحققين من النحويين نفوا أن يكون الإعراب بالمجاورة جائزاً في كلام العرب". ج3 ص335.
وقال ابن جني في المحتسب: "إن الخفض بالجوار في غاية الشذوذّ" ج2 ص297.
وقال عباس حسن: "يجب عدم الأخذ به مطلقاً."
وهناك خلاف بين النحاة في حدوث المجاورة في غير البدل من باب التوابع، فقد اختلفوا في وقوع الحمل على المجاور، وذلك في أبواب النعت والتوكيد والعطف، ولهم في ذلك ثلاثة آراء، رأي يقول بأن الجر على الجوار وجه في العربية ويجوز مطلقا، ورأي يقول بجواز الجر على الجوار شريطة أن يقتصر على باب النعت، ولا يتعداه إلى باب العطف وبخاصة عطف النسق، ورأي ثالث يقول بمنع الجر على الجوار مطلقاً، باعتباره شاذا في كلام من لا يؤبه به من العرب، وهذا الرأي الثالث هو الذي نراه منصفا ومنطقيا .وفي ما يلي نفصل في هذه المواقف الثلاثة للنحويين في ما يتعلق بظاهرة المجاورة.

الرأي الأول:

هو رأي سيبويه وأبي عبيدة والأخفش والمبرد ومن سار على دربهم، وهو رأي جمهور النحاة من بصريين وكوفيين، وتفصيله أنهم يجيزون الجر على الجوار مطلقا، حيث يرونه وجهاً في العربية، وإن خالف الأصل في متابعة التابع المتبوع، قال سيبويه: " ومما جرى نعتاً على غير وجه الكلام هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، فالوجه الرفع، وهو كلام أكثر العرب وأفصحهم، وهو القياس، لأن الخرب نعت الجحر والجحر رفع، ولكن بعض العرب يجره". وقال الفراء في قوله تعالى: "اِشْتَدَّتْ بِهِ الْرِّيْحُ فِي يَومٍ عَاصِف( [إبراهيم : 18] "، وإن نويت أن تجعل عاصف من نعت الريح خاصَّة فلما جاء بعد اليوم أتبعته إعراب اليوم وذلك من كلام العرب أن يتبعوا الخفض الخفض إذ أشبهه."
أما الجمهور فيجيزونه في باب النعت والعطف وبندرة في باب التوكيد، وشرطهم في ذلك أن يؤمن اللبس، وقد أكد ذلك السمين بقوله: "وهذه المسألة عند النحويين لها شرط، وهو أن يؤمن اللبس كما تقدم تمثيله، أي بقول: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، بخلاف: "قام غلام زيدٍ العاقلِ" إذا جعلت العاقل نعتاً للغلام امتنع جره على الجوار لأجل اللبس ".
وقد استشهد القائلون بهذا الرأي على مذهبهم بالسماع في كثير من الآيات والشواهد الشعرية، حتى قال العكبري: "وهذا موضع يحتمل أن يكتب فيه أوراق من الشواهد". فمن ذلك:

في باب النعت:

قوله تعالى: "عَذَابَ يَوْمٍ مّحِيطٍ" [هود:84] فاليوم ليس بمحيط، إنما المحيط هو العذاب، وكان حق كلمة (محيط) الرفع، ولكن الجر هنا لمجاورة يوم.

4
وقوله تعالى: "مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ" [إبراهيم :18]، إذا أريد بكلمة عاصف أن تكون وصفاً للريح، فالأصل فيها الرفع، وهي إنما جرت لمجاورة المجرور.
وقوله تعالى: "إِنّ اللّهَ هُوَ الرّزّاقُ ذُو الْقُوّةِ الْمَتِين" [الذاريات:58] في قراءة من جر المتين، وهو صفة لـ ذو الأصل فيه الرفع؛ لكنه جُرَّ لمجاورته القوة.
وقول الشاعر:
كأنَّما ضُربتْ قُدَّام أعينها        قطناً بمستَحْصِد الأَوْتَارِ محلوجِ
فـ(محلوج) نعت للقطن، الأصل فيه النصب، لكنه جر لمجاورة "الأوتار". ولعل ما دفع الشاعر إلى العمل بالمجاورة في هذا المقام الضرورة الشعرية.
وقوله:
تُريك سُنَّةَ وجهٍ غَيْرِ مَعرفةٍ       مَلْسَاءَ ليس بها خالٌ ولا نَدْبُ
فغير صفة لسنة الأصل أن تنصب، لكن جرت لمجاورتها وجه المجرورة.
وقول الشاعر:
وإيّاكم وَحَيَّةَ بطن وادٍ         هموزِ النَّاب ليس لكم بسيِّ
فهموز) صفة لحية حقها النصب، لكنها جرت المجاورة وادٍ المجرورة.
وقول الراجز:
كأنَّ نَسْجَ العَنْكبُوتِ المُرْمِلِ
فالمرمل نعت لنسج، والأصل أن تنصب، لكن جر لمجاورة العنكبوت المجرورة .
وقول العرب: "هذا جُحرُ ضَبٍّ خربٍ"، إذ الأصل في خرب الرفع، وعليه أكثر الروايات لأنه صفة للجحر لا للضب، لكنه جر لمجاورة المجرور.

في باب العطف:

وقد حصره النحاة في حرف واحد وهو الواو، وفي ذلك قال ابن مالك: "وتنفرد الواو بجواز العطف على الجوار.." فالخفض على الجوار في باب العطف مقصور على حرف الواو دون غيره من حروف الجر. ومن شواهد النحاة في ذلك:

1.قوله تعالى: "يا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ" ( [المائدة: 6] في قراءة من قرأ بجر: "أرجلكم" إذ الأصل أن الأرجل تغسل، لذلك جعلوها في المعنى معطوفة على وجوهكم فحقها النصب إلا أن قراءة الجر كانت حملاً على المجاورة لرؤوسكم.

2. قوله تعالى: وَحُوْرٍ عِيْنٍ ( [الواقعة:22] فيمن جّرَّهُما، فإن العطف حقيقة على: وِلْدانٍ مُخَلَّدُونَ [الواقعة: 17] لا على "أَكْوَابٍ وَأَبَارِيْقَ" ( [الواقعة:18]، إذ ليس المراد أن الولدان يطوفون بالحور.

3. قوله تعالى: "لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ حَتّىَ تَأتِيَهُمُ الْبَيّنَةُ" [ البينة:1] فالمشركين" مجرور بالجوار. وحقه الرفع لأنه في المعنى معطوف على اسم يكن.
ومثله  قول الشاعر:
يا صاحِ يا ذا الضامر العنسِ          والرحلِ والأقتابِ والحلسِ
برواية الرفع في الضامر، والشاهد فيه جر الرحل للمجاورة وحقه الرفع للعطف على الضامر. وقد تفرد ابن مالك بالاستشهاد به في هذه المسألة.


5
وقول الآخر:
لَعِبَ الرياحُ بها وغَيَّرها             بَعْدي سَوَافي المورِ والقطرِ
فالأصل في القطر الرفع بالعطف على سوافي إلا أنه جر لمجاورة المور.

في باب التوكيد :

وقد حكموا على الجر للمجاورة فيه بالندرة، إذ لم يُحفظ عن العرب في هذا الباب سوى بيت واحد، وهو قول الشاعر:
يا صاحِ بَلِّغ ذوي الزوجاتِ كُلِّهِمُ          أنْ ليس وصلٌ إذا انحلت عرى الذنب
فجَّر كل اتباعاً للزوجات، وحقه النصب لأنه توكيد لذوي.

الرأي الثاني :

وهو رأي الزمخشري وأبي حيان وابن هشام والسمين الحلبي وهم يجيزون الجر على الجوار، إلا أنهم قصروه على باب النعت، ولا يجيزونه في باب العطف وبخاصة عطف النسق .
وقد ردوا شواهد من أجاز ذلك في باب العطف، فقال الزمخشري في قوله تعالى: "وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ( [المائدة :6]"، قرأ جماعة "وأرجلكم" بالنصب، فدلَّ على أن الأرجل مغسولة. فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟، قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تُغْسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعُطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صبِّ الماء عليها" فجعل الجر هنا حقيقة بالعطف على المجرور لا لتأثير المجاور لحكمة سامية أرادها المعنى .
ونقل ابن هشام في هذه الآية تأويلين يستبعد فيهما أن يكون الحمل هنا على المجاورة فقال: "أحدهما أن المسح هنا الغُسْل، قال أبو علي: حكى لنا مَنْ لا يُتَّهم أن أبا زيد قال: المسح خفيف الغسل، ليُقْتَصَد في صب الماء عليهما، إذ كانت مظنة الإسراف، والثاني: أن المراد هنا المسح على الخفين، وجعل ذلك مسحاً للرِّجْل مجازاً، وإنما حقيقته أنه مسح للخف الذي على الرِّجل، والسُنَّة بينت ذلك". ثم رجح هذا الرأي معتمداً على ثلاثة أمور: "أحدها: أن الحمل على المجاورة حمل على شاذ فينبغي صون القرآن عنه، والثاني: أنه إذا حمل على ذلك كان العطف في الحقيقة على الوجوه والأيدي، فيلزم من ذلك الفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية وامسحوا برؤوسكم، وإذا حمل على العطف على الرؤوس لم يلزم الفصل بالأجنبي، والأصل ألا يفصل بين المتعاطفين بمفرد فضلاً عن الجملة. الثالث: أن العطف على هذا التقدير حمل على المجاور، وعلى التقدير الأول حمل على غير المجاور، والحمل على المجاور أولى ".
وأكد ذلك السمين بقوله: "وإذا لم يرد [ الجر على الجوار] إلا في النعت، أما ما شذ من غيره، فلا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله تعالى ".
وقد علل أصحاب هذا الرأي قولهم بأمرين :
الأول: ما ذكره أبو حيان من أن الخفض على الجوار لم يرد إلا في النعت لعدم اللبس، مما يعني أن منعه من العطف لأنه مظنة اللبس، وهذا ظاهر كما في الآية السابقة.
الثاني: ما ذكره ابن هشام من أن الخفض على الجوار لا يحسن في المعطوف لأن حرف العطف حاجز بين الاسمين ومبطل للمجاورة .
وعليه فقد عمدوا إلى تخريج القراءات الموهمة بالخفض على الجوار بتخاريج عدة، منها ما ذكره السمين الحلبي في قوله تعالى: "وَحُوْرٍ عِيْنٍ" ( [الواقعة:22]، فقال: "فأما الجر فمن أوجه:
أحدها: يقول الزمخشري أنه عطف على "جنات النعيم"، كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور.

6
وقال أبو حيان: "وهذا فيه بُعْد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض وهو فَهْمٌ أعجمي، والذي ذهب إليه معنى حسن جداً، وهو على حذف المضاف: أي وفي مقاربة حور، وهذا هو الذي عناه الزمخشري وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف .
والثاني: يقول الزمخشري إنه معطوف على "أكواب"، وذلك بتجوّز في قوله :" يطوف"، إذ معناه: ينعمون فيها بكوب وبكذا أو بحور.
الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم أيضاً، فإن فيه لذة لهم، طافوا عليهم بالمأكول والمشروب والمتفكه والمنكوح.."

الرأي الثالث:

ويمثله ابن جني والسيرافي وابن الحاجب، ومن المعاصرين سعيد الأفغاني، وهم المانعون للجر على الجوار مطلقاً، ويرونه شاذاً في كلام من لا يؤبه به من العرب. قال ابن الحاجب في قوله تعالى: "وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ" [المائدة :6] إنه مخفوض على الجوار، وليس بجيد، إذ لم يأت الخفض على الجوار في القرآن ولا في الكلام الفصيح، وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب."
وقد عمدوا إلى أدلة القائلين بالخفض على الجوار وردوها بتأويلات عدة، خاصة ما كان منها في باب النعت الذي أجمع عليه أصحاب المذهبين السابقين.
فأما ابن جني فقد قال في الشاهد العلم للنحاة على هذه المسألة "هذا جُحر ضبٍّ خربٍ" ما نصه: "أصله: "هذا جحر ضبٍّ خربٍ جُحْرُهُ "، فيجري خرب وصفاً على ضب وإن كان في الحقيقة للجحر، كما تقول: "مررت برجلٍ قائمٍ أبوه." فتُجري قائماً وصفاً على رجل، وإن كان القيام للأب لا للرجل لما ضمن من ذكره... فلما كان أصله كذلك حذف الجحر المضاف إلى الهاء، وأقيمت الهاء مقامه فارتفعت، لأن المضاف المحذوف كان مرفوعاً، فلما ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفس خرب فجرى وصفا على ضب، وإن كان الخراب للجحر لا للضب على تقدير حذف المضاف على ما رأينا، وبمثل ذلك قال في قول امرئ القيس:

كأن ثبيراً في عرانين وبله         كبيرُ أناس في بجادٍ مزمّلِ

فقال: لأنه أراد مزمل فيه، ثم حذف حرف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول.
وتبع ابن جني في منع الجر على الجوار أبو سعيد السيرافي، إلا أنه خالفه فالتقدير في قول العرب: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، فقال: "هذا جحرُ ضبِّ خربٍ الجُحرُ مِنْهُ"، قال: " كما نقول: حسن الوجه منه، وحذف الضمير للعلم به، وحُوِّلَ الإسناد إلى ضمير النصب، وخفض الجحر كما تقول: مررت برجلِ حسن الوجه" بالإضافة، والأصل حسن الوجه منه، ثم أتى بضمير الجحر مكانه لتقدم ذكره فاستتر ".
وقد تعقب النحاة هذين الرأيين لابن جني والسيرافي، ومن ذلك ما ذكره ابن هشام بعد عرضه لرأيهما: "ويلزمهما استتار الضمير مع جريان الصفة على غير من هي له، وذلك لا يجوز عند البصريين وإن أَمِن اللبس، وقول السيرافي إن هذا مثل: "مررت برجلٍ قائمٍ أبواه لا قاعدين" مردود لأن ذلك إنما يجوز في الوصف الثاني دون الأوَّل".
وأما من المعاصرين من النحاة فقد رد الجر على الجوار كل من عباس حسن وسعيد الأفغاني، فأما عباس حسن فكان أشد النحاة رفضاً له أو للأخذ به معللاً ذلك بأن الداعي لاتخاذه وردوده في أمثلة قليلة جداً وبعضها مشكوك فيه، ووضح ذلك سعيد الأفغاني حين رد الاحتجاج بقول العرب: "هذا جحر ضبٍّ خربٍ" فقال: "جملة أولع بها قدماء النحاة مِن بعدهم، ولا حجة فيها من وجهين: الأول: أن قائلها ـ إن وجد- مجهول، والثاني: أن الوقوف على الكلمة الأخيرة بالسكون، إذ العربي لا يقف على متحرك، فمن أين علموا أن قائلها جر كلمة خرب؟ هذا والجر على الجوار ضعيف جداًّ، لم يرد بطريق موثوق إلا في الضرورة الشعرية بندرة، والضرورة لا يحتج بها."
7
وقد تعقب سعيد الأفغاني في هذا الرد الباحث بدر البدر، ورد عليه بثلاث أمور: " أولها: أن جهالة القائل لا تضر، فكم من بيت أو قول من أقوال العرب مجهول القائل، ومع ذلك فقد قبله النحويون. الثاني: أن الرواية جاءت فيه صراحة بتحريك خرب حين قال العلماء: الوجه فيه الرفع وهو كلام أكثر العرب، ولكن بعضهم يجره. الثالث: قوله: "إنه لم يرد عن العرب بطريق موثوق إلا في الضرورات الشعرية غير صحيح بل ثبت عن العرب أشعار عن سيبويه والفراء من غير ضرورة ، حتى توفر لهم من ذلك شيء كثير فوجب قبوله" .

خاتمة

يرجح بعض النحاة أن الحمل على المجاور جائز في بابي النعت والعطف خاصة، وعلتهم في ذلك كثرة المسموع عن العرب في ذلك، وهي كثرة تسوغ القياس عليه وهذا هو رأي سيبويه والجمهور، خلافاً لمن قصره على المسموع، ولأن القول بمنعه يوجب التقدير الذي لا داعي له، فضلا عن أنها تقديرات يرد عليها الكثير من المآخذ كما مر معنا في عرض المسألة.
إلا أن بن جني وطائفة أخرى من النحويين يرون أن المجاورة من الشاذ في كلام من لا يؤبه به من العرب، وهم يمنعون الجر على الجوار مطلقاً، ويرونه من الشاذ الذي لم يرد في القرآن الكريم ولا في فصيح كلام العرب، وهو الرأي الذي نراه أصوب.

مراجع البحث

ـ النحو الوافي ــ عباس حسن
ـ المفصل في النحو لأبي القاسم الزمخشري
ـ أضواء البيان لمحمد الشنكيطي
ـ في أصول النحو لسعيد الأفغاني
ـ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام الأنصاري
27‏/7‏/2012 تم النشر بواسطة محب قدميها.
قد يهمك أيضًا
من مؤسس علم النحو ؟
سؤال في النحو
ماهي أجمل المناطق الليبية ؟
ماهي افضل الكتب الذي تدرس تاريخ ليبيا القديم والحديت ؟؟؟
ماهي اجمل مدينة سياحية في مصر
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة