الرئيسية > السؤال
السؤال
مناهج العلم التفسير
مناهج العلم التفسير
الإسلام 27‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة raour66.
الإجابات
1 من 1
تمتاز العلوم الإسلامية بكونها تتركب في الغالب من شق نظري وشق تطبيقي . و أبرز مثال على ذلك الفقه الإسلامي الذي يمثل الجانب التطبيقي ،حيث واكبه علم أصول الفقه الذي يمثل الجانب النظري. وقل نفس الشيء بالنسبة لعلم الحديث ،فمنه الجانب التطبيقي الذي يهتم بالرواية وهو المتعلق بالنصوص الحديثية تحملا وأداء ،ومنه الجانب النظري وهو علم الدراية أو أصول  الحديث .ومن ذلك أيضا علم أصول التفسير الذي يمثل الجوانب النظرية من علم التفسير. وإلى هذه  الميزة  يشير الدكتور يوسف القرضاوي عند حديثه عن ضوابط التجديد فيقول :” الضابط الثاني :أن هناك أصولا للتجديد ،هناك علوم ، المسلمون أجمعوا عليها، يوجد علم اسمه علم أصول الفقه ، وعلم اسمه علم أصول التفسير وعلم اسمه علم أصول الحديث “[1]

لكن هذه العلوم ليست على درجة واحدة من النضج ، ونعتبر علم أصول التفسير أقل هذه العلوم نضجا  وهذه الثغرة من بين الأسباب التي جعلت التفسير مجالا للطعن والتحريف قديما وحديثا، بقصد وبغير قصد . وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية :” إن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين والباطل الواضح والحق المبين “[2].

ولئن كان الإمام أحمد رحمه الله، قد عد علم التفسير من العلوم التي لا أصل لها، قاصدا بذلك جانب الرواية والسند، حين قال:” ثلاث كتب لا أصل لها : المغازي والملاحم والتفسير”  وقد قال محققو أصحابه : يعني أنها في الغالب ليس لها أسانيد صحيحة متصلة [3]، فيجوز أن نقول أيضا إن التفسير علم بلا أصول بالمعنى الذي يفهم من أصول الفقه في علاقته بالفقه…ونتناول هذا الموضوع من خلال البحث في مفهوم علم أصول التفسير ، ودواعيه وأهم مظانه وهيكلة عامة له.
أولا : مفهوم علم أصول التفسير

من خلال تتبع أهم الذين تعرضوا لمفهوم أصول التفسير  يتبين  أن هذا المفهوم عند الاستعمال كان يدور بين مصادر التفسير وقواعد التفسير من جهة ، ومن جهة ثانية لم يكن ينظر إليه باعتباره علما .

أما أصول التفسير بمعنى مصادر التفسير  فمن أوسع الاطلاقات وأكثرها تداولا. وفي هذا المعنى يقول أحد الباحثين :”لا شك أن لكل تفسير أصوله الخاصة التي يعتمد عليها والتي تميزه عن غيره من التفاسير الأخرى وهذه المصادر تخضع في طبيعتها وقوتها إلى عوامل عديدة…”[4]. فواضح أنه عبر في البداية بلفظ أصول ثم عبر بلفظ مصادر ثم عرض لهذه الأصول/المصادر فجعلها : السنة النبوية ، أسباب النزول ، الحس اللغوي والأدبي ، والاجتهاد الشخصي.

و من أبرز من استعمل أصول التفسير بمعنى مصادر التفسير الدكتور محسن عبد الحميد في كتابه :دراسات في أصول التفسير . إذ يميز المؤلف في الكتاب بين أصول نقلية و أصول عقلية يقول :”… كنت حريصا على عرض الأصول النقلية  والعقلية التي تضبط تفسير الآيات القرآنية وتوضح قواعده …”[5]

لكن المؤلف قبل تفصيل ما اصطلح عليه الأصول النقلية والعقلية، والتي خصص لها الباب الثاني من الكتاب[6]، جعل الباب الأول للأصول اللغوية [7].فتكون الخلاصة أنه جعل أصول التفسير بمعنى مصادر التفسير ثلاثة : أصول لغوية ،و أصول نقلية و أصول عقلية .

أما أصول التفسير بمعنى قواعد التفسير  ويعد من أكثر إطلاقات تداولا أيضا ، ففي حدود ما وقفت عليه يمكن أن نمثل بنموذجين :

الأول خالد عبد الرحمن العك : وهو أبرز من يمثل هذا الإطلاق في كتابه أصول التفسير وقواعده . وقد برز هذا الاتجاه واضحا في الكتاب ،بدءا من العنوان . فالكتاب صدر في طبعته الأولى  تحت عنوان ‘أصول التفسير  لكتاب الله المنير ’[8]والعنوان كما هو واضح لا يتضمن كلمة:” قواعد” ، أما في طبعته الثانية فالمؤلف أضاف القواعد للعنوان  فصار هو ‘‘أصول التفسير وقواعده’’ .

وإذا رجعنا إلى أقسام الكتاب الستة وجدنا المؤلف ينص على القواعد دون الأصول في أقسام الكتاب الخمسة ، و نص عليها مع الأصول في القسم الأول  فقط والذي جعله مدخلا . فإذا تجاوزنا القسم الأول لا نجد لكلمة الأصول حضورا، فكل أقسام الكتاب معنونة بـ :‘ قواعد التفسير في … ’ على الشكل التالي :

القسم الثاني : قواعد التفسير في المنهج النقلي والعقلي [9]

القسم الثالث : قواعد التفسير في بيان دلالات النظم القرآني .[10]

القسم الرابع : قواعد التفسير في حالات وضوح الألفاظ القرآنية وإبهامها و دلالاتها على الأحكام[11]

القسم الخامس : قواعد التفسير في حالات شمول الألفاظ القرآنية في دلالتها على الأحكام وعدم شمولها[12] .

الثاني خالد بن عثمان السبت ، وهو إن لم يتحدث عن أصول التفسير ولكنه قدم قواعد التفسير باعتبارها علما وسماها:” علم قواعد التفسير”[13].وهو يتحدث عنها كفن مستقل.[14] أما المضمون فلا يختلف كثيرا عن غيره فقد تحدث ضمن ما سماه قواعد التفسير  عن مصادر التفسير وعن آداب المفسر وشروطه .

أما محاولات وضع تعريف لعلم أصول التفسير فمن بين الذين عرفوه خالد العك ، وقد وجدت له  تعاريف  ثلاثة لأصول التفسير :

قال : “   علم أصول التفسير هو العلم الذي يبين المناهج التي انتهجها وسار عليها المفسرون الأوائل في استنباط الأسرار القرآنية ، وتعرف الأحكام الشرعية من النصوص القرآنية التي تبنى عليها  وتظهر المصالح التي قصد إليها القرآن الكريم .”[15]

وبيان مناهج المفسرين الأوائل قد يكون ثمرة من ثمار علم أصول التفسير ،ثم لماذا المفسرين الأوائل بالذات؟ ومع ذلك  فيحمد له أنه يسمي أصول التفسير علما وينظر إليه كذلك .

وقال أيضا:”فعلم أصول التفسير على هذا هو مجموعة من القواعد والأصول التي تبين للمفسر طرق استخراج أسرار هذا الكتاب الحكيم بحسب الطاقة البشرية ،وتظهر مواطن العبرة من أنبائه، وتكشف مراتب الحجج والأدلة من آياته الكريمة. فهي تعين عالم التفسير على فهم معانيه وإدراك عبره وأسراره، وترسم المناهج لتعرفها وتضع القواعد والأصول ليسير المفسر عل منهاجها القويم في سيره أثناء تفسيره.”[16]

وفي هذا التعريف خلط بين ما هو من صميم مهمة علم أصول التفسير وما ليس كذلك .ثم يجعل الأصول فيه مرادفة للقواعد حين يقول عن أصول التفسير أنه مجموعة من القواعد والأصول، ثم يناقض نفسه ويجعل مجموعة القواعد والأصول هذه ، تضع القواعد والأصول ليسير المفسر على منهاجها .

وقال أيضا :”علم أصول التفسير هو ميزان للمفسر يضبطه ويمنعه من الخطأ في التفسير ،ولأنه ميزان فإنه يتبين به التفسير الصحيح من التفسير الفاسد .”[17]

وهذا التعريف هو الأقرب إلى الصواب .و إن لم يكن لا جامعا ولا مانعا، فهو تعريف بالغاية والمقصد .فغاية علم أصول التفسير أن يكون ميزانا يضبط المفسر ، ويتبين به التفسير الصحيح من الفاسد .

         والمفهوم الذي نود طرحه يجمع بين مصادر التفسير وقواعد التفسير وغيرهما ، كما ينطلق من ضرورة الاستقلال العلمي للموضوع بأن يكون علما قائما بذاته مثله مثل باقي العلوم .

       وممن اتجه هذا الاتجاه  الدكتور محمد بن لطفي الصباغ الذي يقول في تعريفه لعلم أصول التفسير :” علم أصول التفسير علم يقوم على ضبط التفسير ، ووضع قواعد مهمة ضرورية لسلامة السير في طريق هذا العلم واشتراط شروط للمفسر يعمل على تحقيقها قبل البدء في التفسير .”[18]

وهذا التعريف وإن لم يكن تعريفا اصطلاحيا ،فهو قريب من ذلك إذ يسمي أصول التفسير علما،  ويسند له وظائف ثلاثة وهي :

ا ـ ضبط التفسير.

ب ـ وضع قواعد للتفسير .

ج ـ وضع شروط للمفسر .

فإذا تجاوزنا ضبط التفسير فنعتبر النقطتين الأخيرتين على الأقل في غاية الأهمية، تفيدان أن هذا العلم ليس مرادفا لقواعد التفسير ، ولا مرادفا لشروط المفسر ، بل هو علم يضع القواعد ويضع الشروط .

ولئن كان المؤلف قيد القواعد هنا بالمهمة والضرورية حين قال :” ووضع قواعد مهمة ضرورية “فإنه أطلقها في موضع آخر،  والإطلاق أولى ، قال:‘ وهذا العلم يضع القواعد ، ويبين الطريقة المثلى في شرح كلام الله عز وجل ’[19] .

وعن قول المؤلف :”إن هذا العلم يبين الطريقة المثلى …”، فيمكن القول  إن هذه هي الغاية النهائية لمن أحاط بأصول التفسير علما ، بمعنى أن الطريقة المثلى هي الاهتداء بعلم أصول التفسير عند التفسير .

وعليه فيمكن تعريف أصول التفسير بأنه: علم يحدد مصادر التفسير لكتاب الله تعالى و يضع قواعده ويحدد شروط المفسِّر لبيان الطريقة المثلى في التفسير بما يحقق مقاصد المفسَّر.
ثانيا : دواعي علم أصول التفسير

إن حرص كل عالم، ومن ثم كل فرقة أو مذهب على الاستدلال بالقرآن الكريم و التأصيل لمفاهيمه منه،أدى بلا شك، إلى كثير من الانحراف في التفسير فضلا عن الكثرة والاتساع في الإنتاج .وهذا من أهم دواعي قيام علم أصول التفسير ، وإلى نفس المعنى يشير الدكتور محمد بن لطفي الصباغ حين يقول :” لقد ألف أحد العلماء رسالة يبين فيها أن كل أصحاب المذاهب الهدامة كانوا يستدلون على باطلهم وعقائدهم الزائفة بآيات من القرآن…ويرى الناظر فيها التمحل،ولي عنق الآية،والاعتماد على المغالطة، وإغفال سياق الآيات وأسباب النزول.  إن هذا كله ليبين لنا أهمية قيام علم أصول التفسير بمهمته الجليلة  وهي صيانة كتاب الله عن هذا العبث”[20].

وإلى جانب هذا المبرر العلمي يوجد مبرر واقعي وهو الفراغ الذي تعرفه المكتبة القرآنية في هذا الميدان وهو ما  تشهد له نصوص عديدة : فإلى حدود القرن الثامن الهجري يطالعنا نص لسليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري البغدادي المتوفى سنة 716هـ يقول فيه : ” إنه لم يزل يتلجلج في صدري إشكال علم التفسير وما أطبق عليه أصحاب التفاسير، ولم أجد أحدا منهم كشفه في ما ألفه ولا نحاه في ما نحاه ، فتقاضتني النفس الطالبة للتحقيق الناكبة عن جمر الطريق لوضع قانون يعول عليه ويصار في هذا الفن إليه “[21]

وقبل أن نتجاوز القرن الثامن الهجري نقف مع نص آخر لابن تيمية وهو يتحدث عن الباعث له على تأليف المقدمة المعروفة بين الناس  ب ‘ مقدمة في أصول التفسير’[22]يقول فيه:”أما بعد فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن  قواعد كلية تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه والتمييز في منقول ذلك و معقوله بين الحق وأنواع الأباطيل والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل”[23]

أما النص الأول فصريح في سبق المؤلف إلى الكتابة في الموضوع حين يقول:” ولم أجد أحدا منهم كشفه في ما ألفه ولا نحاه في ما نحاه “، أما النص الثاني  فيدل بكيفية غير مباشرة  على الحاجة التي دعت إلى طلب “مقدمة تتضمن  قواعد كلية تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره” . وهو أشبه ما يكون برسالة الإمام الشافعي حين كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي :” أن يضع له كتابا في معاني القرآن ، ويجمع قبول الأخبار فيه ، وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة. فوضع له كتاب الرسالة”[24].وإذا كانت رسالة الشافعي من آصل ما كتب في أصول الفقه فإن رسالة ابن تيمية يعدها العلماء من آصل ما كتب في أصول التفسير[25].

         وهكذا ،فمن خلال النصين يتبين إذن أنه إلى حدود القرن الثامن الهجري لم يحظ علم أصول التفسير بالعناية اللائقة به . أما الطوفي فمع وعيه بالموضوع إلا أن الحجم الذي تناوله به أقل من القليل   إذ لم يتجاوز صدر كتابه الإكسير قال:” فجعلت له صدر  هذا الكتاب “[26] والذي يقع في أقل من ثلاثين صفحة.أما باقي الكتاب فهو في البلاغة .وهذا ما جعل الدكتور عبد القادر حسن  الذي حقق كتاب الإكسير يقول عنه :” وكل ما أرجوه أن أكون قد أسهمت بتقديم هذا الكتاب القيم المجهول إلى أيدي القراء والدارسين في إثراء المكتبة البلاغية ،و إضافة علم جديد إلى أعلام البلاغة وهم قلة.”[27]

أما رسالة ابن تيمية ،بفصولها السبعة لا تتجاوز إثارة بعض قضايا هذا الموضوع ،وهي بذلك لا تعدو كونها مباحث في التفسير،وفي بعض قضاياه .مما جعل الحاجة قائمة بعد هذين العلمين.

         وهكذا استمر الوضع على ما هو عليه في ما يبدو إلى القرن الرابع عشرالهجري، فهذا عبد الحميد الفراهي المتوفى سنة 1349هـ يقول في رسالته التكميل في أصول التأويل : “ولم نحتج إلى تأسيس هذا الفن لترك العلماء إياه بالكلية ، فإنك تجد طرفا منه في أصول الفقه  ولكنه غير تمام “[28]  ويفهم من كلامه أن أصول التفسير ، أو أصول التأويل بعبارته ، يوجد طرف منه في أصول الفقه . ولعله يشير إلى ما يتناوله علماء الأصول عادة عند حديثهم عن الأصل الأول وهو الكتاب وعند  مباحث الدلالة . ومعلوم أن علماء أصول الفقه  إنما يركزون على ما تعلق بالأحكام خاصة ، والتفسير أوسع من ذلك وهذا ما جعل الفراهي  يقول :”فلو جعل هذا الفن من علم التفسير لعظم محله في الدين “[29] وهو نص صريح في كون هذا العلم لم يكن من علم التفسير بل كان من الفقه أو بعبارة المؤلف من فروع المسائل .

من أجل ذلك وجدنا باحثين معاصرين يثيرون الإشكال مرة أخرى ،وينبهون إلى خطورته ،ويدعون إلى ضرورة  تظافر الجهود من أجل قيام علم أصول التفسير

         ومن هؤلاء الدكتور محمد بن لطفي الصباغ ، والإشارة الأولى منه لهذا الموضوع كانت في  كتابه لمحات في علوم القرآن  الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1973 م، وفيه يقول : “أصول التفسير مبحث مهم تفرقت موضوعاته في مقدمات بعض المفسرين وفي كتب أصول الفقه …” ثم يقول :  “والبحث في أصول التفسير ما زال متسعا لمزيد من الدراسة والتأليف .”[30]  ويلاحظ أنه في هذه المرحلة لا يتحدث عن علم أصول التفسير وإنما عن مبحث أصول التفسير .ثم هو في هذا الكتاب لم يزد على لمسه لمسا خفيفا و في ذلك يقول:” وسنلمس هذا المبحث لمسات تتناول النقاط الثلاث التالية:

     1.        سنذكر العلوم التي لابد من تحصيلها ليتسنى لنا أن نفسر القرآن

     2.        كما نذكر ما يشترطه العلماء عادة في المفسر

     3.        ونشير إلى أهم قواعد أصول التفسير.”[31]

وهذه اللمسات الخفيفة ناسبت عنوان كتابه :”لمحات في علوم القرآن ” لكنه في كتابه “بحوث في أصول التفسير ” والذي صدرت طبعته الأولى سنة 1988م يدعو إلى جمع مباحث علم أصول التفسير ويعتبره علما مستقلا ، يقول:”ونود أن نقرر الآن أن هناك ضرورة علمية ملحة لإفراد مباحث هذا العلم أي علم أصول التفسير وإبرازها تحت عنوان  قرآني متميز وفي حيز خاص لخدمة كتاب الله تبارك وتعالى .ذلك لأن بقاء تلك المباحث العميقة ،والقواعد الرائعة حيث ذكرنا ولاسيما في علم أصول الفقه لأن بقاءها هناك يجعلها بعيدة عن ساحة الحضور والتصور ،ويجعل فائدتها قليلة ،وربما لا يذكرها عند التصدي للتفسير من سبق له أن اطلع عليها،بله من لم يقرأها ولم يسمع بها”[32]

ومن أهم ما يدعو إليه ما يمكن أن نسميه إستقلالية هذا العلم وأن يكون مستقلا لا تابعا،ويوضح ذلك بقوله:”فإن إقرار تلك المباحث من أصول التفسير، وإبرازها تحت عنوان خاص بها ،يتيح لها مزيدا من التحرير والتنقيح ،والزيادة والتسديد،فطاقات البشر متكاملة، والمواهب غير مقصورة على زمان ولا بلد،فقد تأتي عبقرية وموهبة فذة وتسهم في إثراء هذا العلم و تكميله .”[33]
ثالثا : مظان علم أصول التفسير

لا ينكر أحد اهتمام العلماء بمباحث علم أصول التفسير ، إلا أن ذلك بقي في حالات عديدة متفرقا مشتتا بين كتب كثيرة كل واحد منها تناول جانبا أو جوانب محددة دون الإلمام الكلي بالموضوع، وأحيانا أخرى  تتوزع هذه المباحث بين علوم متعددة . وهذا ما يشير إليه الدكتور محمد بن لطفي الصباغ  بقوله :” مباحث هذا العلم الجليل منثورة في بطون كتب أصول الفقه والتفسير والبلاغة”و عليه  فمظان هذا العلم كثيرة ويمكن إجمالها في ما يلي :

1)    كتب علوم القرآن قديمها وحديثها:

    وتأتي هذه الكتب في المقدمة، حتى عدها بعضهم أنها هي أصول التفسير[34].والغالب على هذه الكتب أنها تجمع سائر العلوم التي لها تعلق مباشر بالقرآن الكريم: كعلم أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني ، وجمع القرآن والرسم القرآني ،والمحكم والمتشابه …و غيرها. ” هذه العلوم التي يقوم كل منها مستقلا عن الآخر تروم كلها غاية واحدة ألا وهي خدمة كتاب الله تعالى وتيسيره”[35].إلا أنها لم تقعد التقعيد الذي يضبط العملية التفسيرية نفسها.

         وهذه الكتب وما اشتملت عليه من العلوم، وإن صيغت في أصلها لتيسير تفسير القرآن الكريم فقد غلب عليها أحد المنهجين: الوصفي، أو التاريخي ، مما يجعلها قاصرة عن ضبط التفسير . فالحديث عن أسباب النزول وعن المكي والمدني والناسخ والمنسوخ ونحو ذلك لا يزيد عن وصف ما وقع.والجهد كله منحصر في بيان المكي من المدني ، وبيان الناسخ من المنسوخ، وبيان سبب نزول الآية أو الآيات. وفي مبحث كجمع القرآن لا يتعدى الأمر التأريخ للمراحل التي مر بها تدوين النص القرآني.وهي بهذا الشكل  لا يصح إطلاق أصول التفسير عليها حقيقة.

2) مقدمات كتب التفسير:

تتضمن أغلب كتب التفسير مقدمات وضعها أصحابها تمهيدا نظريا لتفسيرهم.ومع أهمية هذه المقدمات إلا أن مضامينها أشبه ما تكون بكتب في علوم القرآن.و لعل هذا هو الذي جعل آرثر جفري  ينشر مقدمتين لكتابين في التفسير، و سماهما” مقدمتان في علوم القرآن، مقدمة كتاب المباني، ومقدمة ابن عطية”.

و من بين الذين نبهوا إلى قيمة هذه المقدمات العلمية وفائدتها في ما يتصل بموضوعنا الدكتور محمد بن لطفي الصباغ . فقد جعل هذه المقدمات من أهم المصادر التي يمكن أن يرجع  إليها طالب العلم الراغب في معرفة أصول التفسير ، قال :”من ذلك المقدمات النفيسة التي كتبها المفسرون الكبار من أمثال الطبري والقرطبي  وأبي حيان وابن كثير وغيرهم” [36]و يمكن أن نضيف أيضا مقدمة القاسمي التي وضعها لتفسيره ” محاسن التأويل” تحت عنوان:” تمهيد خطير في قواعد التفسير”[37].

و ما قيل عن كتب علوم القرآن يقال عن أغلب هذه المقدمات ، من حيث القصور التقعيدي ،فأغلبها مباحث في علوم القرآن .

3) الإشارات النظرية المبثوثة في كتب التفسير:

والمقصود بها القواعد التي يضعها المفسر وهو يمارس عملية التفسير في محاولة للتأصيل لمفهوم يريد تأصيله، أو في نقده لتفسير اختل فيه ضابط من الضوابط، أو في مجالات أخرى …

         ومع الاقتناع بأن هذه الإشارات تشكل مادة مهمة لأية صياغة تأصيلية، فإنه لم تقم إلى الآن محاولة تتقصى هذه الإشارات وتتبعها. وفي غياب أي إحصاء لها تبقى هذه المادة مظنة من مظان البحث، وهي بطبيعتها هذه في حاجة إلى استنباط واستقراء ثم استثمار.

4) الدراسات المنجزة عن كتب التفسير ومؤلفيها:

والمقصود بها الدراسات التأريخية التي حاول أصحابها تتبع مسيرة التفسير، إن بشكل مطلق مثل كتاب “التفسير والمفسرون” لمحمد حسين الذهبي، أو بشكل مقيد بالزمان مثل “اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر” للدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي ،أو مقيدة بالمكان مثل “مدرسة التفسير في الأندلس” للدكتور مصطفى المشيني ،أو مقيدة  بالزمان والمكان معا مثل “اتجاهات التفسير في مصر في العصر الحديث” للدكتور عفت محمد الشرقاوي ،أو “الدراسات القرآنية بالمغرب في القرن الرابع  عشر الهجري” للدكتور إبراهيم الوافي  ،  أو بقيد آخر غير الزمان والمكان مثل “منهج أهل السنة في تفسير القرآن الكريم” للدكتور صبري المتولي ،أو “منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير” للدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي…

وكذلك الدراسات التي رصدت قضية من قضايا علم التفسير مثل” بدع التفاسير”للشيخ عبد الله بن الصديق أو ” الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير” للدكتور محمد بن محمد أبو شهبة.

ويلحق بهذا القسم الدراسات التي تناول أصحابها مناهج المفسرين سواء اقتصر البحث على منهج مفسر واحد، و الأمثلة كثيرة جدا، أو شمل مجموعة من المفسرين ككتاب ” مناهج في التفسير” لمصطفى الصاوي الجويني وغيرها من الدارسات والبحوث  …

         وهذه تجمع مادة مهمة ، وإن كانت ليست كافية وذلك لطغيان التجزيء عليها. فأما الدراسات التأريخية فأغلبها ملاحظات عامة لا تقوم على استقراء ولا إحصاء ، ومثلها كتب مناهج المفسرين فغالبا ما تتشكل مادتها من مواقف المفسر المدروس من جملة من القضايا  دون أن ترقى إلى درجة تقديم تصور نظري مركب للعملية التفسيرية عنده .

5) كتب أصول الفقه :

         ولقد كان بإمكان علماء الأصول أن يوفوا هذا الأمر حقه من الدراسة لكنهم اقتصروا على ما تعلق بهم، وهو ما انبنى عليه أحكام، وتركوا البقية لغيرهم.”فلقد حظيت شعبة الأحكام بعلم يضبط الاستنتاج والاستنباط وهو علم أصول الفقه ، وقد عرفه أسلافنا منذ القرن الثاني الهجري … وشعبة الأحكام واحدة من شعب توجد في كتاب الله .. “[38] وهذه أهم ملاحظة وهي أن جهد الأصوليين إنم
27‏/1‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم.
قد يهمك أيضًا
كيف يمكن الاستفادة من القواعد المنهجية بمادة مناهج البحث العلمي
مناهج ماجستير كلية الاعلام جامعة بغداد
هل حقا تحولت مناهج الرياضبات في السعودية و اصبحت بالانجليزي ؟
هل وضع مناهج التربية الدينية فى العالم العربى تخضع لاجندة خاريجية؟
ماهي اكثر دوله عربيه اصعب مناهج بالدراسه؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة