الرئيسية > السؤال
السؤال
ماهو النظام الاداري في عهد علي بن ابي طالب ؟
كيف تهيأ الامام علي بن لبي طالب للادارة منذ بدايةي حياته؟؟
التاريخ 29‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة حيزبون.
الإجابات
1 من 14
قام بتغير ولاة عثمان وولى أقاربه مكانهم متوخيا المصلحة العامة في ذلك,وراقبهم مراقبه شديدة ,ورفض معاوية الانصياع لطلب علي بالعزل عن ولاية الشام ,معتقدا أن اختيار علي تعلوه عواطف الضغط والإكراه ,ويتجرد من حرية الاراده وسلامه الاختيار سواء من بعض أعضاء الشورى أو من غيرهم .وان أول واجب على المسلمين في هذا الوقت هو القصاص من قتله عثمان (3)الخلافة الراشدة ص152ـ153 للمؤلف وحدثت بعد ذلك حروب وقلاقل كانت نهايتها قتل علي بن أبي طالب "رضي الله عنه
29‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة خادم القران.
2 من 14
الاداره في عهد علي بن أبي طالب:ـ

 
لم يغير علي بن أبي طالب


"رضي الله عنه "كثيرا من النظم الاداريه التي كانت موجودة في عهد الخليفتين عمر وعثمان ,وإنما قام بتغير ولاة عثمان وولى أقاربه مكانهم متوخيا المصلحة العامة في ذلك,وراقبهم مراقبه شديدة ,ورفض معاوية الانصياع لطلب علي بالعزل عن ولاية الشام ,معتقدا أن اختيار علي تعلوه عواطف الضغط والإكراه ,ويتجرد من حرية الاراده وسلامه الاختيار سواء من بعض أعضاء الشورى أو من غيرهم .وان أول واجب على المسلمين في هذا الوقت هو القصاص من قتله عثمان (3)الخلافة الراشدة ص152ـ153 للمؤلف وحدثت بعد ذلك حروب وقلاقل كانت نهايتها قتل علي بن أبي طالب "رضي الله عنه
29‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة dark.lord.
3 من 14
الامام علي ولى اقاربه!!!!!!!مثل  منو بلا زحمة!!!!!!!! مسخرة
31‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة بدون اسم.
4 من 14
من هم الأقارب الذين ولاهم أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه ؟ أذكرهم بدون زحمة
1‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة bahaamahdi.
5 من 14
الإمام علي ابن ابي طالب سلام الله عليه في إدارة شئون الدولة سار متبعاً القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فقط وفقط وفقط ..

والدليل انه لما توفي عمر ابن الخطاب ووصى عمر بتحكيم الستة ، وطلب الإتفاق على اختيار واحداً منهم للخلافة .. طلبوا من الامام علي سلام الله عليه ان يبايعوه على الخلافة على شرط ان يسير متبعاً القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسيرة الشيخين .. فرفض الامام ان البيعة على شرط إتباع سيرة الشيخين وقال بما معناه أسير بسيرة القرآن وسنة الرسول فقط ..  ..

وذاك مولانا علي ابن ابي طالب مفخرة الإسلام .. الذي لا تغره المناصب عن إتباع الحق .. فهو الذي يقول : دنياكم هذه لا تساوي عندي عفطة عنز ..

ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل .. ويقول صلى الله عليه وآله : يا علي تقاتل بعدي القاسطين والناكثين والمارقين ..
لذلك إنشغل الامام علي سلام الله عليه بمحاربة هؤلاء القاسطين عن الحق وهو معاوية واتباعه ..
والناكثين لبيعته وهم طلحة والزبير وعائشة ومن والاهم
والمارقين وهم اصحاب الخوارج .. الذين قال عنهم رسول الله انهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم ..

تحياتي
1‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة فجر المهدي.
6 من 14
لا اله لا الله

طبعا نظام اسلامي
3‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة Al-Kaaby.
7 من 14
وفق كتاب الله تعالى و سنة نبية

السلام عليك يا سيدي و مولاي ابا الحسن يا علي
3‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة بدون اسم.
8 من 14
خصائص الإدارة عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
أولاً: الصفة الإنسانية

   ماهو الإنسان وكيف خُلق؟

   الإنسان عقلٌ وهوى

   مصدر الفضائل والرذائل

   الدنيا والآخرة

   التقوى

   المتقون

ثانياً: الصفة التنظيمية

   أولاً: كيف ينشأ النظام؟

   ثانياً: كيف يقوى النظام؟

   ثالثاً: كيف ينهار النظام؟

ثالثاً: الصفة الجماعية

   أولاً: ضرورة وجود المجتمع

   ثانياً: الحث على الارتباط بالمجتمع

   ثالثاً: كيفية تكون الجماعة

   رابعاً: تصنيف المجتمعات

   خامساً: كيفية الانتماء إلى المجتمع الصالح

رابعاً: الصفة الهدفية

   أولاً: هل خلق الله هذا الكون عبثاً؟

   ثانياً: هل خلق الله البشر عبثاً؟

   ثالثاً: ما هو الهدف من خلق الإنسان؟

   رابعاً: الدنيا وسيلة وليست هدفاً

   خامساً: لمن الجنة؟

   سادساً: مَن هو المؤمن؟

خلاصة البحث:

المصادر:


خصائص الإدارة عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
يمتاز الفكر الإداري عند الإمام علي(عليه السلام) بمتانته وتماسكه واستناده إلى قواعد منطقية رصينة، فجاء هذا الفكر متميزاً بخصائص قد لا يظفر بها أيُّ مفكر إداري غربي. فهو فكرٌ إنساني لأنه ينظر إلى الادارة بنظرة إنسانية، فالذي يتحرّك في أُفق الادارة هو الإنسان وليس الآلة، كما وأنّ نظرة الإمام إلى المؤسسة الإدارية؛ إنّها مجتمع مصغّر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية، كما وأن نظرته إلى الادارة؛ أنها جهاز منظم وليس خليطاً مِن الفوضى، وأنّ لهذا الجهاز هدفاً سامياً فالتنظيم لم يوجد عبثاً، بل مِن أجل تحقيق أهداف كبيرة في الحياة.

إستناداً إلى هذه الرؤية الشمولية عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) فانّ الادارة هي كيانٌ حيّ ينبض بالحياة فهي متصفة بالصفة الانسانية والصفة التنظيمية والصفة الجماعية والصفة الهدفية.

فهي إذن كيانٌ إجتماعي حي يعيش في وسط المجتمع يسعى مِن أجل أهداف كبيرة في الحياة. وسنأتي على توضيح أهم تلك الصفات فيما يأتي:

أولاً: الصفة الإنسانية
يمتاز فكر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) بالتناسق والتعاضد لأنّ رؤيته للحياة رؤية شاملة لكل أبعادها وأركانها وأجزائها.

فالاقتصاد متداخل مع السياسة وهما يعتمدان على الإدارة، فإذا ما تتبعنا حلقات فكر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) لوجدنا أنها تستمد مِن رؤيته الثابتة عن الإنسان، طبيعته، وأساليب رقيه، مشاكله وكيفية مواجهته لها، فكان لابُدَّ مِن عرض رؤية الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن الإنسان قبل أن نستعرض نظريته في الإدارة. ذلك لأنّ الإدارة في المنظور الإسلامي ليست أدوات صماء، بل هي تقوم على أكتاف البشر، والبشر فيهم عوامل قوة وعوامل ضعف. وبقدر تفعيل عوامل الخير وتحريك الطاقات الكامنة في البشر تتقدم المؤسسات والمشاريع وهي بأجمعها رهن الإدارة الجيدة.

فالمدير الجيد هو الذي يعرف طبيعة الناس الذين يتعامل معهم، ويعلم ما الذي يُحركهم؟ وماذا يثبّط عزائمهم؟ يعرف متى يتقدمون ومتى يتأخرون؟ وما مِن نظرية إدارية إلاّ وهي قائمة عَلى رؤية أصحاب هذه النظرية إلى الإنسان، فالرأسمالية الاحتكارية التي تنظر إلى الانسان ككتلة مِن اللحم الصماء تتعامل معه بطريقة خاصة تقوم على هذه الرؤية، فهي لا تُعير أهمية للمحفزات المعنوية التي تدفع بالإنسان إلى الأمام عشرة أضعاف المحفزات المادية.

إذن النظرية الإدارية المتكاملة هي التي تبدأ أولاً بالإنسان.. ماهيته، وممّ يتكون، وكيف يتعامل مع الحياة؟ وماهي مشاكله وكيف يتقدم؟ وماهو السبيل إلى توجيهه الوجهة الصحيحة؟.

ماهو الإنسان وكيف خُلق؟
يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) في وصفه لخلق الإنسان: ثم جَمَعَ سُبحانه مِنْ حَزْنِ الأرْضِ وسَهْلِها، وعَذْبِهَا وسَبَخ`ها تُربةً سنّهَا بالمَاء حتى خَلَصَتْ، ولا طهَا بالبَلَّةِ حتى لَزَبَتْ، فجَبلَ مِنْها صُورةً ذاتَ أحْنَاء ووصُولٍ، وأعضاءٍ وفُصُولٍ: أجْمَدَهَا حتى استَمْسَكَتْ، وأصْلَدَها حتى صَلْصَلتْ لِوقتٍ معدودٍ، وأمدٍ مَعْلُوم،ثُمَّ نَفَخَ فيها مِنْ روحِهِ فمَثُلَتْ إنساناً ذا أَذهَانٍ يُجيلُهَا، وَفِكَرٍ يتصَرَّفُ بِها، وجَوارِحَ يخْتَدِمُها، وأدوات يُقلِّبُها، ومَعْرفةٍ يَفْرُقُ بها بَين الحقِّ والباطِلِ، والأذواقِ والمشَامِّ والألوان والأجنَاس، معجوناً بِطينةِ الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة، والأضدادِ المتعادية، والأخْلاطِ المتباينة، مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، والبَلَّةِ والجُمُود[1]ِ.

فالإنسان هو قبضة مِن طين الأرض مِن السهل والسبخ، ونفخةٌ مِن روح الله، وهذه النفخة هي التي جعلت منه إنساناً، هي التي منحته القدرة على التفكير والقدرة على الحركة والقدرة على التمييز، فأخذ يُفكر لحياته وحياة أبنائه، وأخذ يتحرك مِن وحي تلك الفكرة التي توصل إليها، وأخذ يُميّز الحق عن الباطل.

ولولا تلك النفخة العِلويّة لظلت أطرافه بلا حركة، ولظلّ لسانه بلا إحساس للأذواق، ولظل أنفه غير قادر على تحسس الروائح، ولظلت عينهُ غير قادرة على تمييز الألوان.

إذن الإنسان هو روحٌ وجسد، فالروح هي مِن آثار تلك النفخة العلوية والجسد مِن الطين الذي صُنع منه كل البشر، وإلى هذا المعنى يُشير أميرالمؤمنين(عليه السلام) في قوله عَن أولياء الله: وصَحبُوا الدُّنيا بأبْدانٍ أرْواحَها مُعلَّقة بالمحلِّ الأعلى [2].

فهي معلقة بالمحل الأعلى لأنها في الأصل مستمدة مِن تلك النفخة العلوية أمّا الأبدان فهي ليست إلاّ أوعية للأرواح.

الإنسان عقلٌ وهوى
وينشأ عن هذه النفخة نورٌ يهتدي به الإنسان طريقه في الحياة وهذا النور هو العقل.

يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الإنسان بعقله [3]. ويقول: العقل فضيلة الإنسان[4].

ومنتهى كمال الإنسان عندما يكتمل عنده العقل، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): كمال الإنسان العقل[5] ويقول أيضا: إن أغنى الغنى العقل[6] ويقول أيضاً: لاغنى كالعقل[7].

وكان مِن مسؤولية الإنسان أن يُنشط عقله، ففي وصفه(عليه السلام) للسالك إلى الله؛ قد أحيا عقله، وأمات نفسه[8].

وعندما يزول العقل يتحوّل الإنسان إلى جسدٍ ميت: أيها القوم الشاهدة أبدانهم الغائبة عنهم عقولهم [9].

ويضرب الإمام لنا مثلاً مُجسداً عن أهمية العقل في توجيه الإنسان، يقول الإمام لمعاوية بن أبي سفيان؛ يا معاوية لئن نظرت بعقلك.. لتجدني أبرأ الناس...[10].

وإذا غاب العقل إستولى مكانه الهوى، يقول الإمام: آفة العقل الهوى[11]. ولا عقل مع الهوى[12].

ويقول عن معاوية: قد دعاه الهوى فأجابه[13]. وهذا هو الشقي؛ الشقي في الدنيا، وهو شقيٌّ لنفسه ولغيره أيضاً: والشقي من انخدع لهواه وغروره[14]. وأكثر فتن التاريخ مصدرها إتباع الحكام لأهوائهم. يقول الامام أميرالمؤمنين: إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تُبتدع[15].

ويُفسِّر الإمام الانحراف التاريخي الذي أدى إلى إنحراف الناس: هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يُعمل فيه بالهوى[16].

فأين كانت العقول يوم حكمت الأهواء البلاد؟.. إنها كانت أسيرة مثلما كان الدينُ أسيراً.

وكم مِن عقل أسيرٍ تحت هوى أمير[17].

وما هو الحل؟؟ الحل أن يتمرّد العقل على الاغلال وأن يقف بقوة بوجه الهوى مقاتلاً صُلباً.. يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): إذا وقع الأمر بفصلِ القضاءِ (وخسر هُنالك المبطلون) شَهِد على ذلك العقل إذا خرج مِن أسرِ الهوى، وسلم مِن علائق الدُّنيا[18].

وهنا العقل سيشهر سيف الوعي ضد ظلام الهوى، ويدخل معه في حرب لا هوادة فيها. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) العقلُ حُسامٌ قاطِع، فاستر خلَلَ خُلُقك بحِلمكَ، وقاتِلْ هواك بعقلك[19].

فالعقل سيفٌ.. وهو سيفٌ بتّار يقطع كل إنحرافٍ إذا مااستطاع الإنسان حملهُ وشهره.

ولابُدَّ مِن مقاتلة الهوى لأنه العدو الأول الذي يمنع الإنسان عن التقدم، ويدفع به إلى الوراء، ويتركه في الظلام الدامس يلقي مصيرهُ المؤلم. وقد مثّل أميرالمؤمنين(عليه السلام) صراع العقل والهوى بمعركة وقعت بين جيشين فيقول: الهوى قائد جيش الشيطان[20].

فامتلاك العقل ينتج عن مخالفة الهوى. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): مخالفة الهوى شفاءُ العقل[21]. ويقول أيضا: ثمرة العقل مقت الدنيا وقمعُ الهوى[22]. فهناك علاقة متينة بين الهوى وحب الدنيا. ومنشأ هذه العلاقة: مَن أطاعَ هواه باع آخرته بدُنياه[23]. إذن العقل والهوى في حالة معاكسة دائماً.

طاعة الهوى تُفسد العقل[24].

الهوى عدو العقل[25].

الهوى ضد العقل[26].

فهما لا يجتمعان في إنسان أبداً، بل هما في صراع دائم حتى يتغلب أحدهما على الآخر. لذا خاطب أميرالمؤمنين(عليه السلام) أصحابه قائلاً لهم:

إياكم وتمكن الهوى منكم[27].

ويقول أيضاً: إسترشد العقل وخالف الهوى تنج[28].

وتترى التعليمات والوصايا..

إملك عليك هواك[29].

إنك إن أطعت هواك أصمّك وأعماك[30].

قاتل هواك بعقلك تملك رُشدك[31].

ثم يقول: قاتل هواك بعلمك[32] لأنّ العلم هو ثمرة العقل، فالإمام يضع الإنسان أمام أقسى عدو لايمكن السكوت حياله.

هواك أعدى عليك من كل عدو فاغلبهُ وإلاّ أهلكك[33]. وأمام دغدغات الهوى التي تسابقه إلى عمل المنكرات، عليه أنْ يسوِّف الهوى، ولا يتعجل في تنفيذ رغباته لأنّ فيه الهلاك، يقول الإمام: كن لعقلك مُسعِفاً ولهواك مسوّفاً[34].

مصدر الفضائل والرذائل
يعتبر الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) العقل مصدر كل الفضائل:

العقل فضيلة الإنسان[35].

العقل ينبوع الخير[36].

العلم مصباح العقل وينبوع الفضل[37].

ولما كان العقل هو أصل العلم كما ورد في كلام الإمام [38].فهو ينبوع الفضل أيضاً.

والأدب أحد الفضائل المهمة في الإنسان وأساسه العقل.

الأدب في الإنسان كشجرة أصلها العقل[39].

والتواضع أحد الفضائل وهو رأس العقل كما ورد في الغرر[40].

والسخاء وهو أحد الفضائل أيضاً ثمرة العقل كما في الغرر[41].

والحلم أحد الفضائل وهو الآخر ناتج عن وفور العقل: بوفور العقل يتوفر الحلم[42].

والعلاقة بين العدل والعقل علاقة وطيدة تُبينها هذه العبارة الرائعة: من علامات العقل العمل بسنة العدل[43].

والحكمة هي عصارة الفضائل منبعها العقل يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): بالعقل يُستخرج غور الحكمة[44].

والإعتبار بالأحداث وهو أحد الفضائل أساسه أيضاً العقل: من قوى عقله أكثر الاعتبار[45].

والمروءة هي إحدى الفضائل التي يتبارى على التمسك بها الرجال وهي تستند أيضاً إلى العقل: مروءة الرجل على قدر عقله[46].

والفكر هو الآخر مِن مكتسبات العقل يقول الامام: الفكر جلاء العقول[47].

فالفكر، الأدب، العلم، التواضع، الحلم، السخاء، العدل، الحكمة، الاعتبار، والمروءة كلها فضائل تجدها عند العاقل.

أما الجاهل الذي يتبع هواه فماذا تجد عنده؟

سبب كل المحن؛ الهوى أُسُّ المحن[48].

عامل كل فتنة؛ الهوى مطية الفتنة[49].

سبب الارتباك في الحياة؛ لاتتبع الهوى؛ فمن تبع هواه إرتبك[50].

سبب الهلاك؛ مَن أطاع هواه هلك[51].

سبب الزلل؛ مَن ركب هواه زلّ[52].

سبب لفساد النفس؛ فساد النفس الهوى[53].

سبب عدم الاخلاص؛ كيف يستطيع الاخلاص مَن يغلبه الهوى[54].

سبب الضلال؛  مَن ملكه هواه ضل[55].

سبب العمى والصمم والذُّل؛ مَن اتبع هواه أعماه وأصمه وأذله وأضله[56].

سبب الظُلم؛ مَن نظَر بعين هواه إفتتن وجارَ[57].

الدنيا والآخرة
الدنيا هي ميدان الانسان فهو يستطيع أن يحوّلها إلى منبع للخير، أو مصدر للشرِّ، فعن الذين حولوها إلى ميدان للخير يقول الامام: إن للدُنيا رجالاً لديهم كنوزٌ مذخورةٌ مذمومةٌ عندكُمْ مَدْحُورةٌ، يكشف بِهم الدّين كََشْفِ أحَدِكُمْ رأسَ قِدْرِهِ ويَلُوذونَ كالجرادِ فيُهلِكُون جبابرة البلاد[58].

فهؤلاء الرجال إستفادوا مِن الدنيا وصمموا على الجهاد لاقامة حكم المستضعفين في الأرض. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام):

إن الدنيا دارُ صِدقٍ لمن صَدَّقَها، ودارُ عافيةٍ لمَن فَهِمَ عنْها، ودارُ غنى لِمنْ تَزَوَّدَ فِيها، ودارُ موعظةٍ لِمن اتَّعظَ بها[59].

فخيرها متعلق بالموقف منها؛ فهي تكون طوع إرادة من حوّلها إلى الخير، فمن فهمها يعيش فيها بعافية، ومَن تزودَ منها أغنته لأنها تكدّس نِعماً كثيرة يمكن الاستفادة منها. وهي في الوقت ذاته مدرسةٌ لمن أراد الموعظة والعبرة من حوادثها. أما من أرادها للشر فهي طوع يمينه أيضاً.

يقول الامام: إنَّ الدُّنيا يُونِقُ منظَرها ويُوبقُ مخبرها، قد تزينت بالغرور وغرَّتْ بزينتها، دارٌ هانت على ربِّها، فخُلِط حلالُها بحرامِها وخيرُها بشرِّها وحُلْوُها بمُرِّها[60].

أما مظهرها فهي حلوةٌ نضرة حُفّتْ بالشهوات، وهي كالحية ليِّنٌ مَسُّها قاتِلٌ سمُّها.

فهي إذن ميدان للاختيار ودارٌ يمتحن فيها الإنسان فإن وقفَ منها موقف الخير فاز بها، وإذا وقف منها موقف الشر خسرها وخسر كل شيء: الدُّنيا دارُ مِحن، ودارٌ بالبلاء معروفة[61].

فعلى الانسان أن لايرغب فيها رغبة والهٍ، وأن لايجعلها كل همه وأن لايصبو إليها كهدفٍ في حياته، لأنها سريعة التحوُّل، كثيرة التنقُّل، شديدة الغَدْر، دائمة المكر.

لذا جاءت وصية أميرالمؤمنين(عليه السلام): خذ من قليل الدُّنيا مايكفيك[62].

لأنهُ مخلوقٌ لشيءٍ آخر، ولأنها مخلوقةٌ لأمر آخر أيضاً.

يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أما بعد فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد جعل الدُّنيا لما بعدها وابتلى فيها أهلها، ليعلم ايهم أحسن عملاً، ولسنا للدُّنيا خُلقنا[63].

ففي هذا النص يُبين لنا أميرالمؤمنين(عليه السلام) الهدف من خلق الدُّنيا والهدف مِن خلق الانسان، فالدُّنيا مخلوقة للآخرة، والانسان مخلوقٌ ليمتحنه الله ليعلم حسن عمله عن سيئهِ.

ويوضّح الإمام ذلك بصورة اكثر في هذا النص: إنَّ الدُّنيا لم تُخلق لكم دارَ مُقامٍ وَلا مَحَلّ قرارٍ وإنَّما جُعلت لكُمْ مجازاً لتزوّدُوا منها الأعمال الصالحة لدار القرار، فكونوا فيها على أوْفازٍ ولا تخْدعنكُم منها العاجلةُ، ولا تغُرَّنَّكُم فيها الفتنة[64].

وبعد أن حدّد الله سبحانه وتعالى الهدف من خلق الحياة والانسان ظهر أمامنا موقفان: إنَّ أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدُّنيا إذا نَظَرَ الناسُ إلى ظاهِرِها، واشتغلوا بأجلها إذا اشتغلَ الناس بعاجلها[65].

فهناك دائماً نمطان مِن البشر؛ نمط يجعل الدُّنيا هدفاً له، فينغمس فيها حتى يغرق، ونمط يجعل الدنيا وسيلة للآخرة.

فماذا عن الآخرة التي خُلقنا مِن أجلها: إنكم إنما خلقتم للآخرة لا للدُنيا وللبقاء لا للفناء[66].

مرارةُ الدُنيا حلاوةُ الآخرة[67].

غايةُ الآخرة البقاء[68].

والآخرة فوزُ السعداء[69].

الدنيا تضرُّ والآخرة تسرُّ[70].

الدنيا أمد الآخرة أبد[71].

فإذا كانت الآخرة حلوة وهي باقية، وتسرُّ، وفيها ينال الانسان سعادته، إذا كانت هكذا؟ فلماذا لايعمل الانسان مِن أجلها؟ فهو عُرضة دائماً لجذب الدُنيا التي تحاول أن تشغلهُ عن الآخرة، فالانسان بين الدنيا والآخرة بين جذبٍ وتنافُر، وقد مَثَّل الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) حيرةُ الإنسان بين الدُنيا والآخرة كحيرة المتزوج بزوجتين، يقول في ذلك: إن مثل الدُّنيا والآخرة كرجُلٍ له امرأتان إذا أرضى إحداهما أسخط الأُخرى[72].

فكيف السبيل إلى غلبة الآخرة على الدُّنيا؟

التقوى
التقوى في تعريفات الشرع: «حِفظُ النفس عما يُؤثِم، وذلك بترك المحظور ويتم ذلك بترك بعض المُباحات»[73].

ولن تتحقق التقوى إلا بخطة تدريجية،

الخطوة الأولى: يُقلل من يُريد التقوى إهتمامهُ بالدُنيا يقول الامام: خُذ من قليل الدُنيا مايكفيك[74].

الخطوة الثانية: الإكثار من العمل الصالح؛ والعمل الصالح حرثُ الآخرة[75].

ويقول أيضاً: ثقِّلوا موازينكم بالعمل الصالح[76].

الخطوة الثالثة: عقد صفقة تجارية بين الدُّنيا والآخرة، يقول اميرالمؤمنين(عليه السلام): الأعمال في الدُّنيا تجارة الآخرة[77]. أرْبَح الناس من إشترى بالدُنيا الآخرة[78].

وهو يستخدم ماحصل عليه في الدُنيا لشراء الآخرة، ومنه المال، يقول الإمام (عليه السلام): أزكى المال مااشترى به الآخرة[79].وستكون تجارته رابحة لأنه سيربح الدُُّنيا والآخرة معاً.

مَن ابتاع آخرته بدنياه ربحهما[80]

ويقول أيضاً: الرابح من باع الدُنيا بالآخرة[81]. فهو لن يخسر شيئاً عندما يضع هدفه الأول ـ الآخرة ـ يقول في ذلك: مَن أصلح أمرَ آخرته أصلح الله له أمر دُنياه[82]. فالمطلوبُ منه هو التقوى لأنه لم يُخلق عبثاً، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أيها الناس إتقوا الله فما خلق امرؤٌ عبثاً فيلهو ولا يُترك سُدىً فيلغُو[83].

فهذا النص يلخص لنا العلاقة بين التقوى وبين الدُنيا والآخرة، وبينهما وبين الهدف مِن الخلقة.

وهذه النُقلة من حُبّ الدُنيا إلى حُبّ الآخرة هي التقوى: فملاك التقى رفض الدُنيا[84].

فماذا تعني التقوى عند أميرالمؤمنين(عليه السلام)؟

يقول الامام: التقوى اجتناب[85].

وماذا يحصل لو أخذ المؤمن بالتقوى؟

يعدّد الامام نتائج التقوى.

التقوى أزكى زراعة[86].

التقوى رأس الحسنات[87].

التقوى رئيس الأخلاق[88].

التقوى مفتاح الصلاح[89].

التقوى ظاهره شرف الدنيا [هذا في الدُنيا أما في الآخرة] وباطنه شرف الآخرة[90].

المتقون
وصل بنا مسار البحث حول رؤية الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن الانسان إلى المتقين، فمن هم المتقون؟

يتصف المتقون بهذه الصفات:

الورع؛ الورع شعار الأتقياء[91].

القناعة؛ القناعة علامة الأتقياء[92].

السخاء؛ إن الأتقياء كل سخيّ متعفف محسن[93].

لاطريق للحسد؛ ليس الحسد من خُلق الأتقياء[94].

التزكية؛ المتقون أعمالهم زاكية[95].

ذرف الدموع خشية؛ وأعينهم باكية[96].

الخوف من الله؛ وقلوبهم وجلة[97].

الزهد؛ الزهد شيمة المتقين[98].

سَهرُ الليل؛ سَهَرُ الليل شعار المتقين[99].

ذكر الله؛ ذكر الله شيمةُ المتقين[100].

علامات المتقين
للمتقي ثلاث علامات: إخلاصُ العمل، وقصرُ الأمل، واغتنام المَهَلِ[101].

فأولاً: إخلاصُ العمل.. ومعناه الصدق أثناء العمل.

ثانياً:قصرُ الأمَل، ومعناه ترجمة عملِه إلى واقع وإلى برنامج زمني مرحلي.

ثالثاً إغتنام المَهَلِ: « والمَهَل هو التؤدة والسُّكُون»[102]. وهي حالة في منتهى الفضيلة لا يبلغها إلاّ مَن ربى نفسه تربية قاسية بحيث لا ينفعل حين وقوع المشكلة ولا يضطرب ولا يقلق عند وقوع حدث ما يستدعي منه التفكير والحل.

وهنانلتقي بموضوع هذه الدراسة، هنا يُصافح مبحث الانسان مبحث الادارة، فالانسان الذي يترقبه أميرالمؤمنين(عليه السلام) وتترقبه الرسالة الاسلامية هو مَن يخلص العمل، ويقصر الأمل ويغتنم المَهَل، وهو الانسان الذي يصلح للعمل الاداري سواء كان مُديراً أو عاملاً.

وهذا الإنسان لم يأت مِن فراغ، فلو تتبعنا عملية بنائه لوجدنا أنه في بداية أمره كان عقلاً وهوىً، فقاتل عقلُه هواه فانتصر عليه عندما عَرف أنَّ الله لم يخلقه للدُّنيا بل خلقهُ للآخرة، وأنه تحت الرقابة الدائمة، لأنه في حالة إمتحانٍ متواصل، إمتحان الوعي والارادة.

فهل استخدم وعيهُ بصورة سليمة؟

هل أنه عرف الغاية من خلقه والغاية مِن خلق الدنيا؟

وهل إنه استخدم إرادته في مكانها؟ هل استخدمه في هدف دنيوي أم أُخروي؟

وعندما تغلَّب عقله على هواه وانتصرت الآخرة على الدنيا (كهدف مطلق) فاضت الفضائل مِن جوانبه وإنحسرت الرذائل التي هي نبع الهوى.. ماذا كانت نهاية هذا الانسان؟

كانت نهايتهُ كبدايته، عندما خلقهُ الله وفطرهُ على حُبِّ الخير.

أصبح لدينا الآن إنسانٌ يُغلب العقل على الهوى، ويُقدّم الآخرة على الدنيا فتظهر عليه الفضائل ولا تُشاهد على سلوكه الرذائل،.. وهذا هو المتقي الذي يعدّه الاسلام مِن خلال منهاجه التربوي القيم الذي ساهم في إعداده القرآن الكريم من ناحية والسُنّة النبوية وكلمات الأئمة المعصومين مِن ناحية أخرى.

هذا هو الانسان الذي يجب أن يعرفه مَن يُريد قيادته وتوجيهه، وهذا هو الانسان الذي تقوم الادارة على أكتافه، فإذا حدث تقدمٌ فمنشأه هو الانسان نفسه، وإذا حدث تراجع فسببه هو أيضاً. فالادارة التي يؤسسها أميرالمؤمنين (عليه السلام) هي التي تقوم على سُلّم عبقرية هذا الانسان الصاعد نحو سلم الحياة بإمكاناته وكفاءاته.

ثانياً: الصفة التنظيمية
يبتدأ الفكر الإداري في الإسلام بالتركيز على النظم والنظام، فأكبر مصداقٍ للنظم هو تنظيم شؤون الدولة وأُمور المجتمع، وقد جاء الاسلام بهذه الفكرة يوم كانت الفوضى هي الحالة السائدة في البلاد العربية، وتقدّم المسلمون لأنهم كانوا أكثر تنظيماً من غيرهم، إنتصروا في الحرب لأنهم أوجدوا نظاماً للقتال.. وانهالت عليهم الثروات لأنهم وضعوا نظاماً للاقتصاد يقوم على تحريك الموارد المجمدة التي كانت بيد الأغنياء واستطاعوا أن يوجدوا دولتهم لأنهم أقاموها على أساس مِن التنظيم ونشروا العلم لأنهم وضعوا نظاماً للتعليم.. وهكذا سادت الادارة المنضبطة سائر أرجاء البلاد الاسلامية بفضل الحث المتواصل على التنظيم والنظام. ويمكننا القول بكل ثقة: بفضل التنظيم إستطاع المسلمون أن يكتسحوا العالم ويوصلوا الاسلام إلى آخر بقعةٍ مِن بقاع الأرض.

وعلى هذا النسق أعار أميرالمؤمنين(عليه السلام) إهتماماً كبيراً لنظم الأُمور وتنظيم الشؤون حتى أنه لم ينس أن يوصي أولاده وأصحابه وجميع المسلمين في آخر كلمة له قبل أن يرحل إلى الرفيق الأعلى بنظم أمرهم.

فقد جاءت وصيته في النظم بعد وصيته بالتقوى لتأخذ مكان الصدارة في هذه الوثيقة الهامة: أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَن بلغْهُ كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم[103].

وفكرة النظم لم تكُ وليدة الساعة أو الحاجة فقد امتزجت هذه الفكرة بكلمات أميرالمؤمنين(عليه السلام) وبعقله قبل أن تأتيه الخلافة، فهذا عمر بن الخطاب يستشيره في الشخوص لقتال الفُرس، فيوصيه بأن يلتزم النظام في عمله، فيقول له: ومكان القيِّم بالأمرِ مكانُ النظامِ مِن الخَرَزِ ـ يجمعُهُ ويضمُهُ فإن انقطعَ النِّظام وتفرَّقَ الخَرَزُ وذَهَبَ، ثم لم يجتمِعْ بحذافيرهِ أبداً[104].

فالمدير هو كالفص الكبير في المسبحة التي تجمع بقية الفصوص، فإذا انفصل عن المسبحة إنفطرت جميع الفُصوص. فبدون النظام لايمكن أن تقوم لأحد قائمة، بل ستكون النتيجة الانفراط والتمزق وكيف لا يكون ذلك وقد اتّحد المسلمون لأنه أنزل الله إليهم ما يُنظّم شؤونهم وهو القرآن الكريم.

لنستمع إلى أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو يُشير إلى ذلك في خُطبةٍ يُبين فيها فضل القرآن الكريم: ذلك القرآنُ فاستنطقوهُ، ولن ينطِق، ولكِنْ أُخبرُكُمْ عنْهُ، ألا إنَّ فيه عِلْمَ ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواءَ دائكُمْ ونَظْمِ مابَيْنكُمْ[105].

يُشير أميرالمؤمنين(عليه السلام) في هذا النص إلى عظمة القرآن الكريم، وإنها تتجلى في هذا الأمر بالذات في نظم أمر الناس وإدارة شؤونهم الحياتية ـ فالنظـم هو أحـد أربعـة أُمور أوجدها القرآن الكريم في الاُمة الاسلامية: 1ـ الحديث عن المستقبل 2- الحديث عن الماضي 3ـ معالجة المشكلات والمعوقات 4ـ تنظيم شؤون الناس.

هذا هو التنظيم، وهذا مقدار أهميته عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) وهو بهذه النصوص يضع أمامنا نطفة الجنين الذي يُراد له أن يُولد مِن خلال هذه الدراسة حول النظرية الادارية للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وعندما نفتح ملف النظم في فكر الامام سنجد أنفسنا أمام حشد كبير من روائع الكلمات وهي تتناول هذه القيمة الأساسية في الادارة في شعبٍ مختلفة.

ويمكننا تصنيف المجالات التي ورد فيها لفظ النظم إلى الأُمور التالية:

كيف ينشأ النظام؟

كيف يقوى النظام؟

كيف ينهار النظام؟
6‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة حسين علي.
9 من 14
أولاً: كيف ينشأ النظام؟
أولاً وقبل كل شيء كان مِن المفترض أن نتعرف على النبع الذي ينطلق منه النظام، في هذا المضمار يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): عقل المرء نظامه[106].

فالعقل هو الرحم الذي يستقبل نطفة النظم فتلتصق بجداره، وهناك تأخذ بالنمو لتتحوّل إلى جنين... ومِن ثم يخرج الجنين مِن الرحم إلى الوجود على شكل خُطة ونظام.

فالعقل هو المصدر الأول للنظام، وبدونه لايمكن لأمة أن تكون منظمة في حياتها.

فالعقل هو مصدر الفكر.

والعقل هو مركز التخطيط.

والعقل هو نبع البرامج.

والفكرة والخطة والبرمجة هي ألف باء النظام.

فالعقل يضع بين أيدي البشر النظام قبل التطبيق، يبقى المسؤول عن تطبيقه هو العلائق الحسنة التي تنمو في المجتمع، والتي تقوم على اساس مِن الحقوق المتبادلة. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): من تلك الحقوق حقُّ الوالي على الرعية، وحقُّ الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله ـ سبحانه ـ لِكُلٍّ على كُلٍّ، فجعلها نظاماً لأُلفتهم[107].

وعلى مبدأ الحقوق يقوم النظام، ويتحوّل إلى منهج في الحياة بعد أن كان مجرد فكرة في العقل، أي انه يدخُل حيّز التطبيق.

وهنا نقف عند مبدأ مهم يضعه أميرالمؤمنين(عليه السلام) بين أيدي الأجيال، وهو أنَّ الحقوق المتبادلة بين الرئيس والمرؤوس هي الأساس في تكوين النظام الاداري. فمثلما للرئيس حقٌّ عليه واجبٌ أيضاً إزاء المرؤوسين، وكما أنّ للمرؤوسين واجباً، لهم حقوقٌ على الرئيس، وعلى أساس هذه الحقوق المتبادلة تنشأ العلاقات الاجتماعية في المجتمع وينشأ مِن شبكة هذه العلاقات ما نطلق عليه (النظام الإداري). ويجدر بنا أن نذكر هنا أنّ النظام الاداري الذي لايقوم على المصالح الفردية الآنية، ولا يقوم على الرابطة العرقية أو القومية، بل يقوم على مبدأ الحقوق والواجبات لهو النظام الثابت والقوي الذي لايمكن أن تزحزحهُ أية قوة جبارة.

من هنا؛ فقد أرسى أميرالمؤمنين(عليه السلام) أقوى نظام إداري تمكن أن يسيطر على شؤون البلاد الاسلامية التي كانت مترامية الأطراف وكانت تموجُ بالاضطرابات والقلاقل، فعلى رغم هذه الظروف إستطاع النظام الاداري ان يفرض الأمن والنظام في طول البلاد وعرضها.

ثانياً: كيف يقوى النظام؟
النُظم الادارية التي يوجدها الاسلام تنظيمات قوية منيعة تقوم على روح الجماعة، وعلى الاستعداد الجمعي للتعاون والتآزر.

ولا ننس دور الأخلاق والفضيلة في إنشاء التنظيمات وتقويتها، لانّ التنظيم عملٌ جماعي، ولما كان الهدف من الخلق الحميد هو الحد مِن طغيان الفردية فإنه السبيل الأقوى دائماً لتأسيس التنظيمات الاجتماعية.

فالمجتمع الذي تنمو فيه الأخلاق هو الأقدر على تنظيم نفسه وتشكيل أعضائه ولاننس هنا أيضاً دور القانون في إرساء النُظم الادارية وترسيخها حيث أنّ القانون يحافظ على العلاقات التي تجمع أفراد التنظيم ويحافظ على ديمومتها وتقويتها. والمجتمعات التي يسود فيها القانون يسودها الضبط الاجتماعي أيضاً.

أما كيف يرى أميرالمؤمنين(عليه السلام) سبُل تقوية النظام بصورة عامة والنظام الاداري بصورة خاصة؟

الجواب: عبر هذه الوسائل:

أولاً: العدل؛ العدل بمثابة العصا الّتي يمسك بها مَن يُريد موازنة جسمه فوق حبلٍ رفيع في ألعاب السيرك. فلولا هذه العصا لا يستطيع رجل السيرك موازنة نفسه فهو عُرضة للسقوط في أية لحظة إذا ماغامر بنفسه ووقف فوق حبل السيرك.

يلعب العدل دور العصا في تنظيم المجتمع فوق حبل الحياة القاسية، فهو السبيل إلى الموازنة، فكلما مال الجسم إلى جهة أسعفه العدل في الجهة المقابلة، وهكذا حتى يستقيم المجتمع.

يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العدل نظام الإمرة[108].ثم يقول: حسن العدل نظام البرية[109].

وهذه قاعدة عامة لا تختص بالنظام الاداري وحسب بل تشمل كل نظام حتى لو أُقيم على مبدءٍ آخر غير الاسلام.

ثانياً: الحلم؛ هدوء الأعصاب عند الإنفعال، وعدم الانفعال عند الاثارات وهو من قواعد الادارة، بل هو من قواعد التنظيم بصورة عامة ذلك لأن التنظيم يقوم على الأفراد، وكان لابدَّ مِن وجود علاقات طيبة بين هؤلاء الأفراد، ومِن أهم أُسس هذه العلاقة، سيادة الحكمة في العلاقات وعدم حدوث ردود فعل إنفعالية أثناء العمل والتي تعود إليها أهم عوامل المشاكل في التنظيمات الادارية.

ثالثاً: روح التعاون بين الأفراد" كالإحسان إلى الآخرين، ومواساة الاخوان والكرم وهي صفات تنمُّ عن روح جماعية، وعن ضمور للروح الفردية التي تهدد التنظيمات الادارية.

لنتأمل هذه النصوص التي تحمل هذا المفهوم.

نظام المروءة حسن الأُخوة[110].

نظام الدين خصلتان إنصافك مِن نفسك ومواساة إخوانك[111].

نظام الكرم مولاة الاحسان ومواساة الاخوان[112].

نظام الفتوة إحتمال عثرات الاخوان وحُسن تعهّد الجيران[113].

رابعاً: الدعوة إلى الطاعة؛ لابُدّ مِن وجود محور تجتمع عليه التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية، وهذا المحور هو طاعة الله سبحانه وتعالى فكلما زادت الطاعة إزداد التنظيم قوة وترابطاً، لأنّ الطاعة ستركز الالتزام القانوني في التنظيم أو المؤسسة.

خامِساً: التواضع؛ التواضع قيمة إجتماعية بدونها لاتقوم للمجتمع أية قائمة، وإذا أردنا أن نتعرف على أثر هذه القيمة الأخلاقية لنتصور المجتمع وقد حفّت به جماعة مِن المتكبرين، كيف سيكون حاله.

إن التكبر هو عامل تشتت وتمزّق في المجتمع، والمجتمعات التي تنمو فيها مظاهر التكبر عُرضة للانهيار أكثر مِن المجتمعات الأُخرى.

إذن التواضع هو السبيل لايقاف حالات التداعي والانهيار في المجتمعات البشرية، وقد جاء حث الاسلام على التواضع لصيانة المجتمع مِن الانهيار والحفاظ عليه مِن السقوط السريع.

من هنا أقرّ أميرالمؤمنين(عليه السلام) قاعدة حيوية للحفاظ على حيوية المجتمع هي: بخفض الجناح تنتظم الأُمور[114].

وخفض الجناح هو كناية عن التواضع، وهو كناية عن تواضع الكبار من ذوي المسؤوليات لأن التعبير هو خفض الجناح لمن يمتلك القدرة على الطيران، فهؤلاء تقع عليهم مسؤولية التواضع، وهذا هو السبيل الأوفق لتقوية التنظيم والحيلولة دون انهياره وسقوطه.

سادساً: الأمانة؛ عندما يشعر كل فرد في التنظيم الاداري أو أيّ تنظيم إجتماعي بأنه أمين على مصالح الجماعة فإنّ إلتزامه نحو الجماعة ومصالحها سيكون متيناً للغاية وخلافاً للتنظيمات التي تقوم على التنافس المحموم والذي مِن شأنه أن يُفجّر التنظيمات من داخلها في كل لحظة، خلافاً لها أقام الاسلام نظامه الاداري على مبدأ الأمانة، فقد خاطب الله سبحانه وتعالى أفراد المجتمع الذين يتحملون مسؤولية إجتماعية قائلاً لهم: ﴿إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾[115].

فالنظام الاداري الذي يطمح إليه الاسلام هو النظام القائم على الأمانة، الذي يجعل مِن كُل فردٍ أميناً على مصالح الأُمة أميناً على ممتلكاتها، أميناً على قيمها ومثلها، أميناً على أسرارها وأفكارها.

وعلى النسق القرآني استعار أميرالمؤمنين(عليه السلام) فكرة الآية الكريمة حول الأمانة فذكر في إحدى كلماته:

*فرض الله... الأمانة نِظاماً للأُمة[116].

والسؤال: كيف تصبح الأمانة نظاماً للأُمة؟

الجواب: عندما يتحسس المسؤول الكبير سواء كان حاكماً أو والياً أو مُديراً أو رئيساً بانه أمين على مصالح الأُمة، وعلى كل فرد منها، وإنه سيُسأل يوم القيامة عن هذه الأمانة.

وعندما يشعر كُلَّ فرد من ابناء الأُمة بأنه أمين أيضاً على مصالح الأُمة فعليه أن يصونها ويذود عن حياضها ويحميها حق حمايتها. وأي ضعف عن أداء هذه المسؤولية سيحاسب عليه وسيواجه بأشدِّ العقوبات.
6‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة حسين علي.
10 من 14
ثالثاً: كيف ينهار النظام؟
الأنظمة عُرضة للانهيار، كما ينهار البناء عندما يتسلل إليه الماء والرطوبة، فالأنظمة تتسوس كما يتسوس الكرسي الموضوع في زاوية مِن البيت ولا يحصل على الرعاية المطلوبة، وأكبر معول يهدم نُظم الجماعة هو الخلاف، وقد قال تعالى في كتابه الكريم ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾[117].

وقال أميرالمؤمنين(عليه السلام): الأُمور المنتظمة يفسدها الخلاف[118].

والخلاف هو جرثومة تبدأ صغيرة ثم تكبر فتنتشر فتهدد كيان المجتمع بأسره، والخلاف يبدأ صغيراً في نفس الانسان ثم ينمو كبيراً في كيان المجتمع.

وأول عملية هدم تتم بمعول الخلاف هو هدم الآراء، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الخلاف يهدم الآراء[119].

فيظهر الخلاف وينتشر إلى كافة الرعية: آفة الرعية مخالفة الطاعة[120].

ثم يسري إلى قمة المؤسسات الاجتماعية فيصل حتى إلى المقاتلين: آفة الجند مخالفة القادة[121].

عندها سينهار المجتمع ويتمزق شرّ ممزق، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن نتائج الاختلاف: سبب الفرقة الاختلاف[122].

وعندما تبلغ الجرثومة إلى هذا المستوى مِن التأثير يجب الاسراع في العلاج، وتقع على حكماء المجتمع وعقلائه مسؤولية وضع حدٍ لهذا الانهيار بإيقاف حالة التداعي في المجتمع، وذلك بالعمل وفق هذه الخطوات:

أولاً: الرفق بالآخرين، وهو يضع حداً للمخالفات، يقول الامام(عليه السلام): الرفق يغلُّ حدّ المخالفة[123].

ثانياً: الانصاف، وهو نوع من العدل، يظهر فيه تساوي الانسان بين نفسه والآخرين، يقول الامام(عليه السلام): الانصاف يرفع الخلاف ويوجد الائتلاف[124].

هذا ما يمكن القيام به عند وقوع الاختلاف في المجتمع وما يتحمله المسؤول أو المدير مِن أعباء للحفاظ على النظم الاجتماعيه. وهذه هي إحدى الخواص التي تمتاز بها النظم الادارية عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) فهي إدارة منتظمة متسقة الأجزاء لا مجال فيها للفُرقة والاختلاف.

ثالثاً: الصفة الجماعية
لا تنشأ الإدارة إلاّ بين جمع مِن الناس، ولابُدّ لهذا الجمع مِن روابط تربطهم، وكلما قوي هذا الرابط قويت الجماعة وأصبحت الادارة متيسرة على المدير. فالجماعة هي البيئة التي تنشأ فيها الإدارة، وبدون مراعاة هذا الجانب تصبح الادارة أشبه ماتكون بمعادلة حسابية، وقد وُجّهت إنتقادات إلى المفكر الألماني (ماكس فيبر) عندما لم يهتم بالبيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها الإدارة فجاء نموذجه في ـ البيروقراطيةـ تُنقصه الروابط الانسانية. كذلك يؤخذ على (تيلر) إتجاهه إلى مكننة الانسان في المعمل.

وقد زخرَ فكر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) بنصوص كثيرة في مجال المجتمع والجماعة، وهي بحدّ ذاتها تكوّن لدينا دراسة متكاملة عن المجتمع ودور الفرد في الجماعة، لكن سنقتصر على النصوص التي نحتاجها في تأكيد الصفة الاجتماعية في الادارة.

فالادارة التي نستقي أبعادها من كلام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هي التي تنشأ في رحم المجتمع والجماعة. وقد أشرنا سلفاً أن المفردة الاجتماعية تحتل مساحة كبيرة مِن فكر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) فكان علينا أن نقتطف ما ينفع دراستنا وهو الاشارة إلى ضرورة وجود المجتمع للحياة، وعوامل تكوين الجماعة، وتصنيف المجتمع وما إلى ذلك من الموضوعات التي سنأتي على ذكرها.

أولاً: ضرورة وجود المجتمع
حاجة الفرد إلى الجماعة كحاجته إلى الهواء فهو لا يستطيع الاستمرار في الحياة بدون الجماعة، لأنّ تعقيدات الحياة تحتّمُ عليه أن يُعاشر الأفراد ويرتبط بهم برباط الأخوة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن ذلك: عاشر أهل الفضل تسعد وتنبل[125]. فلا سعادة للانسان إلاّ عندما يكون في دائرة المجتمع، لذا أمر الاسلام أبناءه بحُسن العشرة.

وفائدة العشرة الحسنة هي: بحسن العشرة تدوم المودة[126]. وبحسن العشرة تأنس الرفاق[127]. وبحسن العشرة تدوم الصلة[128].

ويقول في حثه على كسب الصداقات: مَن لا أخاً له لا خير فيه[129].

وهو لا يقصد الأخ الحقيقي للانسان لأنه: رُبَّ أخٍ لم تلدهُ أُمك[130].

ومن محمل النصوص المتقدمة، ونصوص أُخرى لا مجال لذكرها ندرك ما يوليه الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) مِن أهمية لوجود الكيان الاجتماعي الذي تقوم العلاقات بين أفراده على أساس الأُخوة الصادقة.

فالأخوان زينة في الرخاء وعدّة في البلاء[131].

ثانياً:الحث على الارتباط بالمجتمع
إذا كان للمجتمع تلك الأهمية حيث لا تستقيم حياة الانسان ولا الإنسان تصلح أخلاقه إلاّ من خلاله ,فقد وردت النصوص الكثيرة وهي تحثُّ على الالتزام بالجماعة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام):

الزموا الجماعة واجتنبوا الفُرقة[132].

الزموا السواد الأعظم فإنّ يد الله مع الجماعة[133].

والزموا ماعقد عليه حبل الجماعة[134]

وعليكم بهذا السواد الأعظم[135].

هنا نجد أنفسنا أمام نصوص تدعو إلى الارتباط بالجماعة حفظاً على وحدتها وكيانها السياسي حتى لا يتسرب إليها الفُرقة والاختلاف.

فالحفاظ على وحدة المجتمع مسؤولية شرعية، وهو أمانة في عنق كل مُسلم؛ اما الخروج على هذه الوحدة وشق عصا المسلمين فهو الخيانة لأنه تحوّل إلى معول لهدم مرتكز مهم مِن مرتكزات التقدم لدى المسلمين وهو وحدة المجتمع الاسلامي.

لذا يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): أعظم الخيانة خيانة الأمة[136].

وخيانة الأُمة هي الخروج على وحدتها القائمة على أساس مِن الحق وليس على الباطل، لأنّ الأمانة التي فُرضت على المسلم هي: التعاون على إقامة الحق أمانة وديانة[137]. فالخروج على هذا المبدأ هو الخيانة، بل هو أعظم خيانة، لأنه خيانة لكل أبناء الأُمة الاسلامية.

ثالثاً: كيفية تكون الجماعة
هذه الجماعة التي دُعينا إلى الارتباط بها لابُدّ وأن تقوم على أُسس متينة، وهي:

الوفاء: الوفاء قوام الأمامة وزين الأُخوة[138]. لأنه يبطن صدق العلاقة، وإخلاص الترابط.

التناصح: لاخير في قومٍ ليسوا بناصحين ولا يحبون النصح[139].

ويقول في هذا المضمار: خير الاخوان أنصحهم وشرهم أغشهم[140].

فالعلاقة القائمة في هذا المجتمع هي علاقة فاعلة تتحرك باتجاه الايجابية، فإذا ظهر الخطأ مِن أحد الأفراد يُسرع الآخرون إلى تغييره.

التعاون على إقامة الحق: التعاون على إقامة الحق أمانة وديانة[141]. فوجود الفرد في المجتمع يحمّله مسؤولية تحتم عليه العمل مِن أجل إرساء صرح الحق من أية زاوية كانت. يقول الامام: الزم أهل الحق وأعمل عملهم[142].

إقامة العدل: العدل قوام البرية[143]. فالمجتمع الذي يقوم على العدل هو المجتمع المسلم المعافى مِن كل مرضٍ، لأنّ العدل هو الذي يحافظ على توازن أطراف المجتمع. ويحافظ عليه من حالة الافراط والتفريط. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العدل قوام الرعية[144].

الشريعة: وهو العنصر الأهم في بناء المجتمع يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الشريعة صلاح البرية[145] فالشريعة هي التي تحدد الاطار القانوني للجماعة، وبدون القانون لا يستطيع المجتمع مِن الحياة ولا النمو.

فالمجتمعات تتكون من عنصرٍ إنساني تنتج عنه العلاقات الاجتماعية، ومِن عنصر قانوني تفرزه الشرائع والأعراف والعلاقات، ولا يبلغ المجتمع حالة السمو إلاّ عندما تحكمه الشريعة، لأنها قانون صادر عن الله سبحانه وتعالى.

المسؤولية: وجود الفرد في المجتمع يفرض عليه المسؤولية لأنّ العلاقة الاجتماعية هي مسؤولية بحدِ ذاتها، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): قوام الدنيا بأربع عالم يعملُ بعلمه وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم وغني يجود بماله على الفقراء، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا لم يعمل العالم بعلمه إستنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخلَ الغني بماله باع الفقير آخرته بدنياه[146].

فالمجتمع التي يرسمه الامام من خلال هذا النص هو مجتمع التكافل والمسؤولية، يحمل كل فرد فيه مسؤولية إعتبارية، فإذا ما قام كل فرد بأداء مسؤوليته فإنّ هذا المجتمع سيتقدم أشواطاً إلى الأمام، أما إذا لم يؤد ما عليه مِن مسؤولية فإنه سينتكس ويتراجع.

رابعاً: تصنيف المجتمعات
يصنف الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) المجتمعات البشرية إلى قسمين: مجتمع الأخيار ومجتمع الأشرار.

مجتمع الأخيار:

من صفات هذا المجتمع ـ كما يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) ـ الاحسان غريزة الأخيار والإساءة غريزة الأشرار[147] فهذا المجتمع قائم على صفات ذاتية أصلية. يتصف افراده بهذه الصفات:

حسن الطاعة: بحسن الطاعة يُعرف الأخيار[148].

لين الكلام وإفشاء السلام: سنة الأخيار لين الكلام وإفشاء السلام[149].

الصدق والأمانة: الزم الصدق والأمانة فإنهما سجية الأبرار (الأخيار)[150].

الايثار، وهي علاقة مجسدة للروح الجماعية: الايثار سجية الأبرار وشيمة الأخيار[151].

فهؤلاء الاخيار الذين يبنون مجتمعاً مثالياً، وهو يستقبل أعضاءً جُدداً، يقول أميرالمؤمنين في حثه للناس على الالتحاق بركب الأخيار: خير الإختيار موادة الأخيار[152]. ويقول أيضاً: ثمرة العقل صحبة الأخيار[153]. ويقول أيضاً: صحبة الأخيار تكسب الخير[154]. ويقول: ليس لشيء أدعى لخيرٍ وأنجى من شرٍ من صحبة الأخيار[155]. ويقول: مِن أحسن الاختيار صحبة الأخيار[156].

مجتمع الأشرار:

صفات هذا المجمع كما ورد في كلمات امير المؤمنين(عليه السلام): الاحتكار شيمة الفجار (شيم الأشرار)[157].

من صفاتهم: الحقد من طبائع الأشرار[158].

ومن عادتهم: عادة الأشرار أذية الرفاق[159].

والأشرار لا يخافون مِن أحد حتى مِن الله سبحانه وتعالى: شرّ الأشرار مَن لا يستحي من الناس ولا يخاف الله سبحانه[160].

والاساءة هي رذيلة ذاتية متأصلة فيهم: والاساءة غريزة الأشرار[161].

فهؤلاء الأشرار يجب أن يفرَّ الناس منهم ولا يدنون منهم لأنّ مصادقتهم تجلب السقوط والهلاك: مصاحبة الأشرار توجب التلف[162].

وهم كالنار يحترق مَن يقترب إليها، يقول الامام: إياكَ ومعاشرة الأشرار فانهم كالنار مباشرتها تحرق[163].‏0

وعلى العكس؛ على الانسان أن يختار دائماً مجتمع الأخيار وينفر مِن الأشرار، يقول الامام: جانبوا الأشرار وجالسوا الأخيار[164].

فكان لابُدّ أولاً أن يميز بين الاشرار والأخيار: الاختبار معيار يُفرق بين الأخيار والأشرار[165]. لأنّ هناك مَن يحاول أن يزكي الاشرار ويظهرهم بمظهر الأخيار، ويقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أكبر الأوزار تزكية الأشرار[166]. فبعد الاختبار يختار المسلم المجتمع الطيب ويفضله على مجتمع الأشرار، يقول الامام: من حُسن الاختيار مقارنة الاخيار ومفارقة الاشرار[167]. أما الأشرار فلابُدّ مِن إعتزالهم والابتعاد عنهم: ينبغي لمن عرف الأشرار أن يعتزلهم[168]، ذلك لأنّ: مصاحبة الأشرار كراكب البحر، إن سَلِمَ مِنَ الغرق لم يسلم مِنَ الفَرَق[169]. فهو بين كماشتين، كماشة السقوط وكماشة الحزن
6‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة حسين علي.
11 من 14
خامساً: كيفية الانتماء إلى المجتمع الصالح
خَطى المُسلم خطوات وطيدة لللحاق بركب الصالحين فقد اختبر مجتمعه فعرفه بالاختبار العملي ثم إختاره على المجتمع الضال، والآن كيف السبيل إلى اللحاق به.

الاقتداء بالمجتمع الصالح، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الزم أهل الحق واعمل عملهم[170].وتكرار عملهم ليس تقليداً أعمى، بل هو الانسجام التام مع أهل الحق يجعلهم يسلكون طريقهم في الحياة، لأنه الطريق الصائب.

مشاركة المجتمع الصالح: يقول الامام: شاركوا أهل الدنيا في دنياهم[171] وهي مشاركة الانسان العامل الذي يضع رأسماله إلى جانب رأسمال الآخرين ليسارعوا إلى العمل بجد وهمة، والمشاركة في الدنيا تعبير عن المشاركة في الأُمور الاقتصادية والعمرانية.

الضديّة مع الشر: يقول الامام: ضادوا الشر بالخير[172]. فقتل الشر في النفس يمكّنها مِن الاقتراب إلى دائرة الخير.

الأخذ بالصدق والامانة: لأنهما جواز سفر إلى المجتمع الطيب، يقول الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): إلزم الصدق والأمانة فإنهما سجية الأخيار[173].

الصبر وتحمّل الصعاب: يقول الامام اميرالمؤمنين(عليه السلام): إن صبرت أدركت بصبرك منازل الأبرار[174] لأن الانتماء إلى المجتمع الصالح بحاجة إلى ضريبة، على الانسان أن يدفعها، عليه أن يصبر على ضغط سلطان الشهوة، وعلى ضغط سلطان الزمان، وإذا أردنا أن نلخص الفكرة الاجتماعية نستطيع القول إنًَّ المجتمع الذي يطمح إليه الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هو:

المجتمع المتزن، الذي يقوم على دعامة العدل.

المجتمع النشط الذي يعمل بدوافع المسؤولية.

المجتمع المفتوح الذي يستقبل في كل يوم جمعاً جديداً من المؤمنين.

المجتمع المقنن، الذي يستند إلى قانون الشريعة الاسلامية.

المجتمع الذي يحتضن أفراده ويمنحهم الفرص والأدوار.

المجتمع المتطور الذي لا يعرف التوقف في حياته.

وهذه هي الخصال الضرورية للتنظيم، فأيّ تنظيم إداري ينشأ في وسط هذا المجتمع سينمو سريعاً، ويترسخ بقوة لانه سيُقام على أعمدة إجتماعية متينة.

رابعاً: الصفة الهدفية
الحياة لم تُخلق عبثاً، فهي لم تخلق بالصدفة ـ كما يذهب البعض ـ ولا خلقتها الطبيعة العمياء ـ كما يقول آخرون ـ ولم تخلق الدنيا نفسها ـ كما هو رأي البعض ـ بل خلقها خالق قدير متعال، عالم قادر رازق حكيم عادل، فمن الخطأ أن يعتقد المرء بأنّ لهذا الوجود خالق ثم يقول باللاهدفية، فأينما رميت ببصرك فثمة دليل قاطع على هدفية الكون والحياة، هذا ما يؤكده لنا القرآن الكريم والسُّنة النبوية وما أشار إليه أميرالمؤمنين(عليه السلام) في كلماته الرائعة، فتسلسل الفكرة يفرض علينا هذه الخطوات، وأن نسأل هذه الأسئلة.

أولاً: هل خلق الله هذا الكون عبثاً؟
أم إنّ هناك هدفاً واضحاً من خلق الكون والسماوات والأرضين، فما هو جواب أميرالمؤمنين(عليه السلام) يقول الامام: ما خلق السموات والأرض ومابينهما باطلاً[175]. والعبث (اللاهدفية) هو صنف مِن أصناف الباطل لأنه إذا قلنا بالعبثية لواجهنا هذا السؤال، ما الفائدة إذن مِن الخلق هل ليلهو الخالق بخلقه؟!يضع الامام الجواب البيّن على هذا السؤال وغيره مِن التساؤلات: ما خلق الله سبحانه أمراً عبثاً فيلهو[176].

والبشر هو مِن هذا (الأمر) الذي لم يخلقه الله عبثاً. وهنا نصل إلى المحطة الثانية.

ثانياً: هل خلق الله البشر عبثاً؟
يُجيب اميرالمؤمنين(عليه السلام): لم يخلقكم الله سبحانه عبثاً ولم يترككم سُدىً[177].

وعندما يشاهد أمامه أُناساً يلهون في هذه الدنيا فيخاطبهم خطاباً صارماً: اهجر اللهو فإنك لم تُخلق عبثاً فتلهو، ولم تُترك سُدىً فتلغو[178].

فعندما يصنع الصانع آلة يُريد لآلته أن تعمل وفق الهدف المرسوم لها، لا أن تُرمى بعيداً بدون أن يستفاد منها. فالله الذي خلق الانسان أراد له أن يعمل وفق الهدف الذي وضعه له. وأن يكون في دائرة المسؤولية التي ألقاه فيها. فإذا وجده يلهو بغير الهدف المرسوم له، يغضب عليه لأنه عاكسه في اصل الخلقة وهو الهدف مِن خلقه. وهنا نصل إلى المحطة الثالثة وهي الهدف من خلق الانسان.

ثالثاً: ما هو الهدف من خلق الإنسان؟
يُجيب اميرالمؤمنين(عليه السلام): رضا الله سبحانه أقرب غاية تُدرك[179].إذن رضا الله سبحانه هو الهدف الكبير، والسؤال: كيف يتحقق رضا الله سبحانه وتعالى؟

لقد بعث الله الأنبياء والرُسل وأرسل الكُتب وبيَّن فيها ما يُريد وما لا يُريد، فالعمل بهذه الكُتب، وبما يقوله الانبياء هو تحقيق لمرضاة الله سبحانه وتعالى، يقول الامام في ذلك: إنَّ للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته وأخرجوا إلى الله مما إفترض عليكم مِن حقوقه[180].فالعمل بالاسلام هو ما يريده الله تبارك وتعالى، وغاية الاسلام هي إخراج الحقوق المفروضة على المسلم حقّ نفسه عليه، وحقّ الآخرين عليه، وحق الله عليه، وبذلك تتحقق الغاية الكبرى والهدف الأسمى مِن الخليقة.

إذن رضا الله هو الاطار العام للهدف الذي مِن أجله خلق الله الانسان، أما تفاصيل هذا الاطار فهو العمل بالاسلام بكل جزئياته وتفاصيله، فهو الطريق المعبّد إلى رضا الله وبالتالي هو الهدف مِن خلق الانسان في هذه الحياة.

وتبقى هناك قضية تمسُ حياة الانسان في كل صغيرة وكبيرة وهي: خَلَق الله الانسان وخَلَقَ معه الدنيا، فكم أخذ مِن الدنيا وكم يعطيها، وهل الدنيا لذاتها هدف للانسان أم إنها وسيلة لهدف آخر؟ الجواب على ذلك هو الخطوة الرابعة مِن بحثنا.

رابعاً: الدنيا وسيلة وليست هدفاً
هناك خط رفيع يفصل بين عمل الدنيا الذي فيه رضا الله، وعمل الدنيا الذي ليس فيه رضا الله، والانسان الذي لا يستطيع أن يميز هذا الخط سينغمر في الدنيا وقد يغرق في مياهها، فكيف نستطيع ان نُميّز هذا الخط؟

هذا هو السؤال الشائك الذي قامت على جوابه المذاهب والفلسفات والأفكار والنظريات من قديم الزمان وحتى يومنا هذا.

فما هو جواب اميرالمؤمنين(عليه السلام) يقول الامام مخاطباً الانسان: إنك لم تُخلق للدنيا فازهد فيها وأعرض عنها[181].

وهذا لا يعني أن يترك الانسان الدنيا وشأنها بل معنى ذلك أنّ الدنيا ليست هدفاً فلابد أن يزهد فيها الانسان فلا يتعلق بها تعلق الحبيب بمحبوبه، بل يأخذ منها ما يكفيه، والذي يكفيه هو إشباع حاجاته الضرورية وهي ثلاثة:

أولاً: الحاجات الضرورية لبقائه في الحياة وهي الحاجة إلى الطعام والشراب والسكن.

ثانياً: الحاجات الضرورية لبقاء النوع، وهي الحاجة إلى الزواج وما يتعلق بها.

ثالثاً: الحاجات الاجتماعية كالحاجة إلى الاحترام والتقدير، فمن حق الانسان ان يأخذ مِن الدنيا ما يشبع هذه الحاجات، لكن ان لا يزيد عن ذلك، يقول الامام: إنَّ الدنيا دار منها لها الفناء، ولأهلها منها الجلاء، وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب والتبست بقلب الناظر، فارتحلوا عنها بأحسن ما يحضُرُكُمْ مِنَ الزّادِ ولا تسألوا فيها إلاّ الكَفافَ ولا تطْلبُوا مِنها أكثرَ مِنَ البَلاغِ[182].

فإذا لم نُخلق للدنيا فلأي شيء خُلقنا يا ترى؟

يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إنكم إنما خُلقتم للآخرة لا للدنيا، وللبقاء لا للفناء[183]. فإذا كان الأمر كذلك إذن: وما يصنع بالدنيا مَن خُلق للآخرة[184]. عليه أن يغتنم من الدنيا لآخرته: الأعمال في الدنيا تجارة الاخرة[185].

وهي تجارة رابحة، لأنها متاجرة بين شيء زائل وشيء باقٍ يقول الامام: الرابح مَن باع الدنيا بالآخرة[186].

فالدنيا ليست إلاّ ساحة سباق يتسابق فيها الناس إلى غاية اسمى يقول الامام: المؤمن الدنيا مضماره، والعمل همته والموت تحفته والجنة سبقته[187]. نص رائع يشتمل على قمم البلاغة.. إذن الدنيا ساحة سباق والهداية يأخذها عند الممات، أما الجائزة التي يسعى مِن أجلها فهي (الجنة).

هذا هو حال المؤمن أما حال الكافر: الكافر الدنيا جُنتُه، والعاجلة همته والموت شقاوته، والنار غايته[188].

صورتان متعاكستان؛ متسابقان أحدهما إتخذ الدنيا ساحة سباق أما الآخر فاتخذها هدفاً له، فإلى أين إنتهى المتسابقان أحدهما إلى الجنة، والآخر إلى النار. فالغاية إذن هي الجنة يقول اميرالمؤمنين(عليه السلام): غاية المؤمن الجنة[189].

خامساً: لمن الجنة؟
وصلنا إلى ان الهدف الذي خلق الله الانسان له هو الجنة، والجنة ليست المكان وحسب، بل هي متضمنة شروط الوصول إلى هذا المكان. وعندما يقول الامام اميرالمؤمنين(عليه السلام): غاية المؤمن الجنة يختصر كل شيء في هذا النص القصير، فالغاية هنا نقطة النهاية اي المكان الذي سينتهي إليه المؤمن، والغاية هنا أيضاً تحقيق الشروط التي توصل الانسان إلى تلك النقطة النهائية وشروط الوصول هو الايمان المتحقق في المؤمن.

فنحن إذن أمام نصٍّ يجمع بين البداية والنهاية، الايمان البداية والجنة هي النهاية، الايمان شرط للوصول، والجنة مكان وتمكين، فمن حصل على تلك الشروط فهو واصل إلى الجنة لا محالة. ويكرر الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) هذه الحقيقة قائلاً: الجنة جزاء كل مؤمن محسن[190].

إذن الايمان هو الطريق إلى الجنة، وأول خطوة في طريق الايمان هو الجهاد مع النفس، لأنه مَن لا يفرّغ قلبه من الشر لا يستطيع أن يملأه بالايمان، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): لا يجوز الجنة إلاّ من جاهد نفسه[191].

سادساً: مَن هو المؤمن؟
6‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة حسين علي.
12 من 14
سادساً: مَن هو المؤمن؟
في هذه المحطة نصل إلى المؤمن، أو بعبارة أُخرى مَن ترجم الايمان في حياته يقول الامام: ثلاث مَن كنّ فيه كمل إيمانه: العقل والحلم والعلم[192]. فالمؤمن على درجات، لانّ العقل والحلم والعلم على درجات أيضاً، فإذا كملت هذه العناصر الثلاثة كَمُلَ إيمانه ايضاً، وعلى اساس هذه الدرجات تكون درجته في الجنة، فكلما إرتفعت درجة إيمانه إرتقى درجة في الجنة أيضاً.

إذن هدف الانسان في الحياة هو كسب الأُمور الثلاثة المذكورة: العقل والحلم والعلم، فكان لابُدَّ من التوقف عند كل واحدة منها.

1. العقل
للعقل مكانة مرموقة في فكر الامام علي(عليه السلام)، فهو جزء فاعل ومتفاعل في حياة الانسان، فالعقل عند الامام(عليه السلام) ليس ـ كما هو عند أصحاب النظريات الفلسفية المعقدة ـ فهو يُعرف مِن خلال آثاره وعبر نتائجه.

إذن ماهو العقل، وماهي فوائده، وماهو دوره في حياة الانسان، وكيف يمكن صيانته؟

سنلمُّ بهذه الاستفهامات الخمسة مِن خلال النصوص الواردة عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)

 أ.ما هو العقل:
العقل عند أميرالمؤمنين(عليه السلام): هو السلطة التي تقود الانسان إلى الخير والسعادة. يقول الامام في ذلك: العقل إنك تقتصد فلا تسرف وتعِد فلا تُخلف وإذا غضبت حَلُمت[193] ويقول: إنما العقل التجنب مِن الاثم والنظر في العواقب والأخذ بالحزم[194] وهو أداة السلطة التي يستخدمها الانسان في مواجهة حالات الضعف والسقوط التي قد تعتريه، يقول الامام: العقل سلاح كل أمر[195].

وإذا ما دققنا في النصوص الأُخرى التي تحكي عن ماهية العقل نجد أنها تتفق على أنَّ العقل قوة وسلطة تساعد الانسان على نقله مِن دائرة الشر إلى دائرة الخير.

ب. فوائد العقل:
عندما يستخدم الانسان سُلطة العقل في توجيه حياته فإنه سيكسب كل خير، وسيتجنب كل شر، سيكسب الحياة وما فيها مِن خيرات وسيكسب التعالي في بناء شخصيته وما تتحلى به مِن فضائل.

من هنا: فإن ثمرة العقل: الاستقامة[196].لزوم العقل[197] العمل للنجاة[198] مداراة الناس[199]، الصدق[200] قمع الهوى[201].

يقول الامام: مَن عقل... فَهِمَ[202]، عفّ[203]،إستقال[204]، سمح[205]، قنع[206]، صمت[207]، كثر إعتباره[208]،.. اعتبر بأمسه وإستظهر لنفسه[209]، يتعظ من غفلته[210].

ج. مَن هو العاقل:
عرفنا العقل وفائدته وقد آن الأوان لنعرف مَن هو العاقِل، يستخدم الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام) عبارة العاقل للدلالة على مَن استخدم عقله، وكأنَّ هذا العقل قد تسرب إلى أنحاء بدنه كما أن الدم ينتشر ويتسرب فيمنح الحياة لأعضاء بدن الانسان.

فالعقل هو الحاكم على أعضاء بدنه، بل كل خلية في كيانه تديره سلطة العقل، فهي خاضعة له خضوع طاعة واعية، مُنصاعة إليه لأنه سلطة تقوده إلى الخير والسعادة، لذا: يستدل على عقل الرجل بالتحلّي بالعفة والقناعة[211]... بما يجري على لسانه[212]... بكثرة وقاره[213].

فكل جوارحه وجوانحه وأعضائه منساقة منضبطة لسلطة العقل: فالعاقل لا ينخدع[214]... يضع نفسه[215]... من وعظته التجارب[216]... مَن أمات شهوته[217]... من صدق أقواله افعاله[218]... مَن وقف حيث عُرف[219]... مَن تورّع عن الذنوب [220]... إذا سكت فكّر وإذا نطق ذكر وإذا نظر إعتبر[221]... مَن وضع الأشياء مواضعها[222]...يجتهد في عمله[223]... لا يفرط به عنف[224]... مَن يملك نفسه إذا غضب وإذا رغب وإذا رهب[225]... مَن قمع هواه بعقله[226]. الفكرة التي تطرحها هذه النصوص هي: أنّ العقل قوة تعمل على تنظيم أجزاء الانسان بما تفرض مِن قواعد وضوابط، ومن ثمَّ هو المسؤول عن تفعيل هذه الأجزاء بطريقة متسقة، وينتج عن ذلك إنساناً متزناً منضبطاً تتحرك أجزاؤه وفق معايير وقواعد، وتكون الحركة بطبيعة الحال باتجاه أهداف خيرة.

د ـ صيانة العقل:
فإذا كان للعقل هذه الأهمية، فكيف يمكن صيانته والحفاظ عليه؟ يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): شرُّ آفات العقل الكبر[227] فالتكبر يعزل الناس عن المتكبر حتى لو كان عالماً عاقلاً، مِن هنا كان: جهاد النفس بالعلم عنوان العقل[228].ويقول الامام علي(عليه السلام) عن معاول العقل: سبب فساد العقل الهوى[229] وأيضاً: سبب فساد العقل حبّ الدنيا[230].

ويقول أيضاً: ذهاب العقل بين الهوى والشهوة[231].

فمنطقة الخطر التي تهدد العقل حدودها الهوى، فكلّما اتسعت هذه الدائرة إشتدّ خطرها، لذا كان لابُدّ مِن التحفّز الدائم لصيانة العقل مِن هذه المخاطر.

يقول الامام: ردع النفس عن زخارف الدنيا ثمرة العقل[232].

ويقول أيضاً: كسب العقل الاعتبار والاستظهار[233].

ويقول أيضاً: لا تصحبنّ من لا عقل له[234].

وأفضل وسيلة لصيانة العقل هو مجالسة الحكماء، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): مجالسة الحكماء حياة العقول وشفاء النفوس[235].

2. الحلم:
هدف آخر يسعى مِن أجله الانسان ليصبح متمكناً من نفسه من شهواته وغضبه، والحلم هو سلطة لأرغام النفس على إتخاذ حالة الاعتدال، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إنما الحلمُ كظم الغيظ وملك النفس [236]. اما فائدته فتنعكس على سلوك الانسان فيضعه في مكانة مرموقة داخل المجتمع، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): الحلم عشيرة[237] ومن ثمار الحلم الرفق ـ كما يقول الامام(عليه السلام) ـ وهذه الخصال ذات أثر واقعي على حياة البشر لأنها تفتح الطريق أمام التوسع في العلاقات الأخوية الصادقة. أضف إلى ذلك فإن الحلم يستر معايب الفرد إذا كانت فيه معايب، فسطوع هذه الفضيلة سيُغطي على العيوب، لذا كان الحلم غطاءٌ ساتر[238] يستر على جوانب ضعفه الذاتية التي لا دخل له فيها كالبُكم والصم. وحتى لو كانت فيه رذيلة فإن الحلم يستر عليها، ويخفف مِن آثارها.

أما كيف تصبح حليماً؟
يضع الامام اميرالمؤمنين أمامنا عدة طرق لكسب هذه الفضيلة، من هذه الطرق مجالسة الحلماء: جالس الحلماء تزد حلماً[239]. ويقول ايضاً: صاحب الحكماء وجالس الحلماء[240].

كما لابُدَّ مِن مكافحة الآفات التي تقف حجر عثرة أمام الحلم منها المذلة: آفة الحلم الذلّ[241]، لأن الذليل يفقد موازين القيم.

3. العلم:
هدف ثالث من أهداف الانسان في الحياة. فهو يتعلم مِن أجل أن يحيا حياةً أفضل، فبالعلم يستطيع الانسان أن يقود مسيرة حياته وأن يُحسن معيشته يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): إكتسبوا العلم يكسبكم الحياة[242]. والعلم عندما يقترن به العمل يتحوّل إلى حركة صحيحة في الحياة، يقول أميرالمؤمنين: العلم أصل كل خير[243]. ويقول أيضاً: العلم حياةٌ وشفاء[244]، العلم خيرُ دليل[245] فالعلم هو الوسيلة التي تنقل الانسان مِن الطريق المظلم إلى الطريق الواضح، وتمنحه القدرة على إدارة نفسه وتخليصها مِن الهفوات والنواقص، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): العلم يُنجِي مِن الارتباك في الحيرة[246] لأنه يضيء الطريق أمام البشر ويجعلهم متبصرين بأحكام الله وقادرين على تفهم الظروف المحيطة بهم، وما الذي يجب فعله، يقول اميرالمؤمنين: العلم يرشدك إلى ما أمرك الله به[247].

ولو تعمقنا في النصوص الواردة عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) لاستنتجنا ما يلي:

العلم لا يكون نافعاً إلاّ إذا اقترن بالعمل: علم بلا عمل كشجر بلا ثمر[248].

لا فائدة مِن العبادة بدون العلم: المتعبّد بغير علم كحمار الطاحونة[249].

تجارب الإنسان في الحياة، وهو نوع من العلوم: التجارب علم مستفاد[250].

وهناك علوم متنوعة، يجب تعلم الأفضل: خذوا من العلم أحسنه[251].

وهناك علوم تؤدي بمن تعلمها إلى الضلال يجب إجتنابها: رب علم أدى إلى مضلتك[252].

بالعلم يسعد الفقير والغني: العلم زين الأغنياء وغنى الفقراء[253].

وبالعلم يمتلك الانسان المقومات الاجتماعية: تعلموا العلم تُعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله[254].

من مظاهر العلم الخشية: أعظم الناس علماً أشدهم خوفاً لله سبحانه[255].

لابُدّ مِن أن يُعلِّم العالم الجاهل: المال تُنقصهُ النفقة والعلم يزكوا على الانفاق[256]. ويقول أيضاً: زكاة العلم نشره[257].

إذا اقترنت الزعامة بالعلم فستكون زعامة متميزة: سياسة النفس أفضل سياسة ورياسة العلم أشرف رياسة[258].

لابُدّّ من التعب والنصب مِن أجل تحصيل العلم: لا يُدرك العلم براحة الجسم[259]. هذا هو العنصر الثالث عنصر العلم الذي يجب على الانسان أن يسعى للحصول عليه.

وحدة الهدف بين العقل والحلم والعلم

مِن الشروح السابقة للعقل والحلم والعلم تبين لنا وجود نسق مشترك بين هذه الأركان الثلاثة، فالعقل كما يقول الامام؛ مركب العلم، والعلم ـ كما يقول ـ مركب الحلم، وفي نص آخر: العقل أصل العلم وداعية الفهم[260].

ولا خير في عقل لا يُقارنه حلم[261].

والحلم هو تمام العقل[262].

ومع العقل يتوفر الحلم[263].

والعلم مصباح العقل[264].

والعلم قائد الحلم[265].

فالعقل يؤدي إلى العلم وهما معاً يؤديان إلى الحلم. وهذه هي الصفات الأساسية للشخصية المتكاملة التي يسعى من أجلها كل إنسان. وهي بالتالي صفات يجب توفرها في المدير المناسب القادر على إدارة دفة الأُمور.

فالعقل والحلم والعلم هي شروط يجب توفرها في المدير الجيد القادر على الادارة فسلطة العقل تمتد في آثارها منعكسة على الادارة، يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): أول شيء يدل على غزارة العقل حسن التدبير[266]. لأنّ بالعقل يتمكن الانسان العاقل أن يُدير الناس أفضل إدارة. يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): عنوان العقل مداراة الناس[267]. ومداراة الناس هي إحدى أركان الادارة الجيدة، وهي معرفة ما يرضيهم وما يزيدهم من فاعليتهم في الحياة.

أما شرط الحلم في المدير، فنذكر هنا ما ورد في عهد أميرالمؤمنين إلى مالك الأشتر وهو يذكره بشروط تنصيب القادة العسكرييين فيقول له: فولِّ مِن جنودك.. وأفضلهم حلماً[268]. أما العلم فهو أحد أركان الادارة والقيادة عند الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام): رياسة العلم أشرف رياسة[269].

فالادارة ليست فناً وحسب، بل هي علم أيضاً.

من هنا كان الهدف تنمية قدرات الانسان ليستطيع من تحمُّل المسؤولية وإدارة دفة الأُمور.

خلاصة البحث:
6‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة حسين علي.
13 من 14
خلاصة البحث:
مما سبق تبين لنا أن الادارة عند أميرالمؤمنين(عليه السلام) ليست فعلاً ميكانيكياً بل هي مجموعة صفات وخصال تمتزج فيما بينها للحصول على المدير الجيد والإدارة الجيدة، وهذه الصفات هي التنظيم، فلا إدارة بدون تنظيم ونظام، فإذا حلَّ نقص التنظيم حلّت محله الفوضى.

والصفة الثانية: الانسانية بمعنى ان الذي يتحرك ويفعّل الادارة هو الانسان وليس الآلة، فكان لابُد من معرفة الانسان والتعريف على نقاط قوته ونقاط ضعفه، فالادارة الجيدة هي التي تحاول أن تستثمر نقاط القوة في أعضائها وتعالج نقاط الضعف فيهم.

أما الصفة الثالثة: فهي الحالة الاجتماعية، أي أن الادارة تشكل بمجموعها مجتمعاً منظماً تنشأ فيه العلاقات الانسانية وتنمو فيه الروح الجماعية. وعندما تتحرك هذه الادارة كأنما المجتمع بأسره قد تحرك وهذه النظرة تخالف أولئك الذين ينظرون إلى الادارة وكأنها متكونة مِن أجزاء بشرية متناثرة لا يربطها رابط سوى القوانين الصارمة، كما هي البير وقراطية والتِلرية العلمية.

أما الصفة الرابعة: فهي الهدفية، فلابد أن يكون للإدارة هدفاً وأن يكون هذا الهدف منسجماً مع أهداف الانسان في الحياة، وبالتالي يجب أن تكون هذه الأهداف منصبة في بناء الإدارة القوية، وهنا نجد أنفسنا أمام دائرة متكاملة شاملة وهي المعبرة عن الفضائل الانسانية والساعية أيضاً إلى تحقيقها في الحياة.

المصادر:
القرآن الكريم.

نهج البلاغة.

غرر الحكم ودرر الكلم/ الآمدي.

المفردات/ الراغب.
6‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة حسين علي.
14 من 14
النظام كان رفع رايه الاسلام وشهاده ان لا اله الا الله محمدا رسول الله
8‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة shosho.
قد يهمك أيضًا
من هو ابو المساكين ؟
من حكم أمير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب عليه السلام
ما هي مظاهر الفساد ـ ما يسمى الاداري ـ في بلدك انت متأكد منه، وما هو الحل؟
من اقول حكيم الفقهاء سيدي علي بن ابي طالب كرم الله وجهة الشريف؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة