الرئيسية > السؤال
السؤال
هل مفهوم الجريمة في القانون هو نفسه في الإسلام
الإسلام 30‏/4‏/2011 تم النشر بواسطة اضسثسس (حسن الصبار).
الإجابات
1 من 3
لا

المقدمة

(١) تمثل الأخلاق أساس كل بنيان اجتماعي بدونها ينتفي كيانه وينصهر، فلا يمكن بحال من الأحوال الحصول على مجتمع سليم إلا متى كانت أخلاقه سوية وفي الواقع لا يعدو المجتمع إلا أن يكون مجموعة من الناس خاضعين لقوى ونظم عامة(٢) فمن المحال وجود مجتمع سوى مركب من أفراد غير سويين لذا فان أخلاق المجتمع من أخلاق إفراده الذين تغرس فيهم الفضيلة فيشبون عليها ومن الفلاسفة من قال إن مأساة الإنسان أنه كان في الأصل طفلا .
فعلا، إن مأساة الإنسان أنه يبدأ حياته طفلا لا يملك حماية نفسه بنفسه ولكنه يملك أن يكون أساسا لكل المجتمعات. فكل إنسان تتأثر طباعه ونفسيه وانتماءاته وفق أخلاقه والتزاماته بنشأته في طفولته، فإن شبّ سويّا شاب على الطريق المستقيم والسليم وإن شبّ بنفسية مريضة سيفسح المجال لإنسان مريض يقوّض أساس البنيان الاجتماعي. إذن فإنه من البديهي القول أن أساس كل إنسان طفل وحتى نضمن سلامة هذا الإنسان من الناحية النفسية وانخراطه السويّ في المنظومة الاجتماعية، علينا أن نضمن نشأة سوية للطفل وأن نوفر له الحماية التي يحتاج إليها في فترة الطفولة وعند بلوغه سنّ الرشد. ثم إن هذه الحماية لها وجوه عديدة تتحد كلها في الأساس الذي تبنى عليه وهو أساس قانوني تشريعي.
وهكذا تصبح مسؤولية حماية الطفل في كل مجتمع مسؤولية تشريعية وقانونية، فمتى وجدت منظومة قانونية هائلة وكافية لحماية الطفل إلاّ وفسح المجال لبقية المستويات للتدخل لتضع هذه القوانين موضع التطبيق وتنزل بها إلى الواقع لتحقق حماية الطفل من الخطر الذي يهدده. وهذه الحماية تتطلب جملة من الضمانات القانونية والمؤسسات الكفيلة بدعم الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية لنشأة الطفل ورعايته وهي المحيط الطبيعي الذي يجب أن يوفر له أسباب النموّ المتوازن(٣)، وبالتالي خلق حصانة ذاتية الطفل.
غير أن دور الأسرة وحده لا يكفي للقيام بهذه المهمة، فمن الضروري توفير ضمانات قانونية ردعية لحماية الأطفال من الخطر. وعلى هذا الأساس يتوجب علينا تحديد مصطلح الخطر الذي يتهدد الطفل فعن أي خطر نتحدث ؟
في ظل التغييرات السريعة التي تعيشها مجتمعاتنا اليوم سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية أو التكنولوجية في العالم حدثت تطورات موازية للخطر الإجرامي الذي يتربص بالطفل، وأي خطر أكثر من تهديد الطفل في سلامته الجسدية والأخلاقية. ولعل ما يلفت الانتباه في هذا المجال هو الجرائم الجنسية التي ما فتئت ترتكب ضدّ الأطفال في العالم حتى كادوا ينقسمون بين ضحية لهذه الجرائم ومهدد بها.
وهذا الخطر الذي يتربص بهذه الكائنات الصغيرة يستفز فينا غريزة الدفاع عن وجود أطفالنا ووجوب العناية بهم وإعدادهم أفضل إعداد تحسبا للمستقبل وضمانا للتركيبة الاجتماعية.
وانطلاقا من أهمية الطفل كعنصر أساسي في مجتمعنا، ارتأينا التطرق إلى دراسة الجرائم الجنسية التي ترتكب ضده. ودراسة هذا الجانب، تطرح إشكالات مختلفة يضيق بها المجال وحتى نتبين معالم هذا البحث وجب علينا تحديد الإطار الذي سنتناول فيه هذا الموضوع لنمر بعد ذلك إلى المكانة إلي يحضى بها الطفل في القانون التونسي.
إن مسألة الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال ترتكز على محورين: الأطفال من جهة والجرائم الجنسية من جهة أخرى وهذان المجالان يحتاجان إلى توضيح كُنهيهما لذلك وجب الوقوف عدد هذين المفهومين.
1. تعريف الطفل
إن إعطاء تعريف للطفل يعد أمر أساسي لبداية البحث ولكن هذا التعريف ليس له وجه واحد بل عدة وجوه فعلى أي مستوى سنعرف الطفل ؟
هل سنعرفه من منطلق علم النفس أي دراسة شخصية هذا الطفل ومدى قابليها لتسلسل الأحداث أم من منطلق بيولوجي أي سنركز على جسم الطفل وبُنيته؟ أم من خلال النظرة الفلسفية والمعتمدة على مدى عمق الوعي لدى الطفل وقدرته على تحمل المسؤولية ؟
أمام تذبذب هذه المقاييس كان من الضروري إيجاد مقاييس موّحدة لوضع تعريف للطفل وبعد عدة دراسات لم يجد الباحثون أفضل من مقياس السن لتحديد مفهوم الطفل ولقد تبنت القوانين الوضعية هذا المقياس لوضع سن يبدأ معها الحديث عن الحرية الجنسية من حيث حرية الاختيار والتعبير الإرادة ولئن اتفقت جلّ الدول على هذه المقاييس فإنها اختلفت من حيث تحديد السن المضبوطة حيث تختلف هذه السن من بلد إلى آخر خاصة في بلدان الاتحاد الأوروبي إذ يعتبر طفل كل شخص لم يتجاوز سن 18 سنة في فرنسا مثلا ويتراوح هذا السن بين 14 و16 في بقية بلدان الاتحاد باستثناء اسبانيا التي حددت هذه السن بـ 12 سنة.
وهذا التذبذب في تحديد السن لا يخدم الهدف الذي نرمي إليه وهو حماية الطفل من الجرائم الجنسية المرتكبة ضده الأمر الذي يصعب الوصول إليه دون تقديم تعريف للطفل.
بالنسبة للقانون التونسي فقد التزم المشرع بالسّن التي حددتها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل فعرف الطفل بالفصل الثالث من مجلة حماية الطفل بكونه "كل إنسان عمره اقل من ثمانية عشر عاما ما لم يبلغ إلى الرشد بمقتضى أحكام خاصة".
ولكن هذا التعريف رغم وضوحه أثار جدلا وتساؤلات كثيرة فمن الفقهاء من تساءل عن الغاية من تحديد سنّ الثامنة عشر تحديدا إذ وجدوها سنا مبالغا فيها ومغالاة في الحماية. ففي سن الثامنة عشر، وحتى قبل أن يكون الشخص مدركا لأفعاله، من المفروض أن يتحمل مسؤولياته كاملة وليس في حاجة لمن يحميه حتى من إرادته لكن يمكن القول أن الإشكال الحقيقي الذي يطرحه تعريف القانون التونسي للطفل هو الفرق الذي أحدثه بين سن الرشد الجزائي وسن الرشد المدني.
فلئن كان الشخص يعتبر راشدا جزائيا عند بلوغه سن الثامنة عشر فإنه يبقى قاصرا مدنيا وبالتالي يصبح من الضروري توحيد السن القانونية للرشد في القانون التونسي من خلال تحديد سنّ واحدة تقوم عليها المسؤولية سواء المدنية أو الجزائية. وبذلك يكون مفهوم الطفولة واضحا.
وفي كل الأحوال اهتم المشرع التونسي بحماية الطفل في المجلة الجزائية فحدد له مقاييس أربعة للحماية من الجرائم الجنسية وهي سن الثالثة عشر، الخامسة عشر، الثامنة عشر وحتى العشرين.
فما المقصود بالجرائم الجنسية ؟
2. مفهوم الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال

بالرجوع إلى مختلف النصوص القانونية المنظمة للجرائم الجنسية أو الأخلاقية عامة، لا نجد تعريفا واضحا بل إن المشرع اكتفي بتحديد الجرائم التي تدخل في إطارها. وغموض المشرع التونسي في هذا. فسح المجال إلى تدخل الفقهاء الذين قدموا تعاريف متعددة لهذه المصطلحات.
فحين نتحدث عن الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال تتداخل في أذهاننا الأمور نجد أنفسنا نتحدث عن ألجرائم ألأخلاقية بصفة عامة مما حدا بنا إلى ضرورة التمييز بين هذين المصطلحين: الجرائم الجنسية والجرائم الأخلاقية.
فمصطلح الجرائم الأخلاقية أوسع نطاقا من مصطلح الجرائم الجنسية بل إنه يشملها بذات الوقت فإذا ما تحدثنا عن الجرائم الأخلاقية فإنها حتما ستشمل كافة الجرائم الجنسية بما في ذلك الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال. على الرغم من صعوبة الجمع بين المصطلحين، نجد أن مكوّنات هذا التعريف تبقى واحدة في مختلف التعريفات والجرائم الأخلاقية هي "التي يكون موضوع الاعتداء فيها الأخلاق السائدة في المجتمع. ورأى المشرع زجرها سواء تمّ ارتكابها ضد الأشخاص أو الهيئة الاجتماعية ككل فهي نوع من الخروج عن قواعد السلوك التي يصنعها المجتمع لإفراده وهي المحدد للسلوك الإجرامي والمنحرف وفقا لقيمه ومعاييره وسعيا لحماية الأخلاق"(٤).
وهذه المكونات المتمثلة في الانتهاك المسلط على الأخلاق السائدة في المجتمع هي التي تعود في كل تعريف وأغلب الفقهاء ممن كتبوا في موضوع الجرائم الأخلاقية توخوا اتجاه المشرع، إذ قدموا تعريفا خاصا لكل جريمة من الجرائم الأخلاقية على حدا دون أن يتفقوا في وضع تعريف موحد للجرائم الأخلاقية بل هناك من قسمها إلى أنواع. من ذلك أن الأستاذ عبد العزيز سعد(٥) قسم هذه الجرائم إلى خمسة أنواع وهي على التوالي :
جرائم انتهاك الآداب العامة؛
جرائم الاعتداء على العرض؛
جرائم التحريض على الفسق والدعارة؛
جرائم استغلال الدعارة ؛
جرائم مكافحة الدعارة.
وأما الأستاذ الأحمدي فقد قسمها إلى جزأين :
الجرائم الجنسية المسلطة مباشرة على الذات؛
الجرائم الأخلاقية غير المباشرة.
وإذا كانت الجرائم الأخلاقية تحوي في داخلها الجرائم الجنسية فما هو تعريف الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال ؟
إن الجرائم الجنسية المرتكبة ضدّ الأطفال تختلف في الأركان المكوّنة لها عن الجرائم الجنسية الأخرى ولكن الفرق الأساسي الوحيد بينهما هو الضحية. فالضحية في الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال يجب أن يكون طفلا أي شخصا سنه دون الثامنة كثرة وبذلك يكون العنصر المميّز لهذه الجريمة هو بالأساس سنّ الضحية بقطع النظر عن المعطيات الأخرى كجنسها مثلا.
وأمّا المعطى الثاني في تعريفها فهو الفعل المادي ذلك أنه لتوفر الجريمة يجب أن يُسلط الجاني فعلا ماديّا على الطفل. ولكن هذا الفعل المادّي لا يشترط فيه أن يكون غير مشروع فقد يكون الفعل في حد ذاته فعلا مشروعا ولكن تسليطه على الطفل هو الذي يخلق عدم مشروعيته ويعاقب عليه.
والمقصود هنا بالفعل المادي هو كل فعل مادي ذو بعد جنسي مرتكب ضد شخص لا يتجاوز سنه الثامنة عشرة(٦) وبذلك تكون الجريمة الجنسية المرتكبة ضدّ الطفل هي كل فعل مادي ذو طبيعة جنسية يسلط عليه ويمس من جسده أو أخلاقه أو كليهما.
قد يبدو هذا التعريف شاملا لكنه في الواقع لا يشمل إلا نوعا واحدا من الجرائم الجنسية وهي الجرائم المباشرة ولا يشمل جرائم أخرى مثل جرائم الاستغلال .
وقد تجدر الإشارة في هذا المستوى إلى أن الغاية من ارتكاب الجريمة الجنسية لا يعد عنصرا جوهريا في تعريف هذا النوع من الجرائم حيث أن الجاني يهدف إلى إشباع غرائزه الجنسية عند ارتكابه للجريمة أو قد تكون غايته القيام بفعل انتقامي غير أن هذه الغاية لن تُأثر على تكييف الجريمة إذا ما توفر الركن الماّدي المكوّن لها فيكفي أن يكون هذا الفعل خارق للقانون حتى يتوفر في شأنه الركن المعنويّ للجريمة وحتى نتمكن من تقديم مفهوم شامل وواضح لهذا النوع من الجرائم يجب الرجوع إلى الفصول القانونية المنظمة للجرائم الجنسية في القانون التونسي.
نظّم المشرع هذه الجرائم في المجلة الجزائية في القسم الثالث من الباب المخصص للاعتداء على الأشخاص وعنوانه "في الاعتداء على الفواحش" وفيه نظم المشرع جرائم المواقعة بتنويعها بالرضا وبدون رضا (الفصلين 227 و227 مكرر) والاعتداء بالفواحش (228 و228 مكرر) واللواط والمساحقة (230) والتحريض على الخنا (من الفصل 231 إلى الفصل 235) والزنا (236) والتجاهر بما ينفي الأخلاق (226).
إضافة إلى النصوص الواردة المجلة الجزائية نجد أمر 25 أفريل 1940 المتعلق بزجر إسقاط الجنين والاعتداء على الأخلاق الحميدة(٧) وبالإطلاع على هذه الجرائم عن كثب نجد أنها تنقسم إلى قسمين الجرائم الجنسية المباشرة وجرائم الاستغلال .
وانطلاقا من هذا الأساس يمكن القول بأنّه يعد مرتكبا لجريمة جنسية على طفل كل من يجبر طفلا على القيام بأفعال ذات بعد جنسي أو يرتكب فعلا ماديا ذو طبيعة جنسية مسلطا على جسد الطفل أو من يشجع على القيام بمثل هذه الأفعال أو بالتوسط فيها أو يستفيد منها أو يستغلها عن طريق النشر والتوزيع أو بأي شكل من الأشكال بغاية الحصول على منافع مادية.
والجدير بالذكر أن الحماية الجزائية للطفل تُجاه الجرائم الجنسية المسلطة عليه سواء كانت مباشرة أو جرائم استغلال ليست إلاّ وجها من أوجه حماية الطفل والاهتمام به في القانون التونسي.
فالطفل في القانون التونسي يحضى بمكانة خاصة لأن المشرع اهتم به ويسعى إلى حمايته سواء كان جانحا أو مهددا. فشدد العقاب عندما يكون الضحية طفلا ووضع "ترسانة" كاملة من القواعد المنظمة لوضعيته.
وفي الواقع برز الاهتمام بالطفل في شكل واضح منذ صدور قانون المرافعات الجنائية في 30/12/1921 حيث أوكل للنيابة العمومية التدخل في حق الطفل والدفاع عنه وكانت المجلة الجنائية قد خوّلت من جهتها تنظيم ما يتعلق بالطفل فقررت أن لا مسؤولية جنائية عليه ما لم يُتّم السابعة من عمره، ثم قرّرت بأمر 22/06/1950 رفع هذه السن إلى الثالثة عشر(٨).
فصار الطفل الذي يتراوح عمره بين الثالثة عشر والثامنة عشر يحضى بحماية خاصة سواء كان جانحا أو مهددا .
وفي 30 جوان 1955 أُفرد الطفل الجانح بمحكمة خاصة وخُصصت له مؤسسات لإصلاحه واستمرت المجهودات مبذولة لرعاية كل ما يخص الطفل واستمر تطورها إلى ما قبل سنة 1995 حيث خُص الطفل بمجلة خاصة به بالإضافة إلى نصوص أخرى متفرقة حتى أن القانون الخاص بالأحداث جاء واردا ضمن مجلة الإجراءات الجزائية لا في مجلة خاصة.
ويبدو أن إصدار مجلة حقوق الطفل وليد إرادة المشرع تجاه الطفل الجانح وترمي أساسا إلى الإصلاح والحماية لا الانتقام والزجر مما يفسر إبعاد القانون من المجلة الجزائية التي تعني كما هو معلوم بالجرائم والعقوبات(٩).
وفي 10ديسمبر1991 خطت تونس خطوة هامة في مجال الاهتمام بالطفل حيث صادقت على اتفاقية حقوق الطفل(١٠). التي أبرزت نيّة المشرع التونسي في مزيد بذل العناية بالطفولة زاد في تأكيده سيادة رئيس الجمهورية في خطاب منهجي ألقاه يوم 13 نوفمبر 1993 أوصى فيه بإعداد مشروع مجلة حقوق الطفل (١١).
وعملا بهذه التوصية انطلقت الأعمال لإعداد مشروع مجلة خاصة بالطفل دامت من ماي 1993 إلى جوان 1994 وجاء هذا المشروع الأول تأييدا لما اقتضاه المشرع التونسي في جوهره واقتباسا من أحداث ما جاء بالقانون المقارن أو بالأحرى استحداثا لما ينبغي أن يكون عليه الوضع بالنسبة للمستقبل وكان الرائد الأساسي في ذلك مصلحة الطفل الفضلى وهو مفهوم جديد وقع اعتماده في وضع الأحكام وترتبت عليه آثار(١٢).
وبعد جهد أثمر هذا المشروع أوّل مجلة خاصة بالطفل في القانون التونسي جاء بها القانون عدد 92 المؤرخ في 9 نوفمبر 1995. فمع كل القوانين والإجراءات التي تم سنها ووضعها في وتونس تبقى مجلة حقوق الطفل بلا ريب أعظم أنجاز تجلى من خلالها العناية الفائقة بالطفولة(١٣).
فقد أعلنت هذه المجلة في فصلها الأوّل عن أهدافها وتواصل التأكيد على المبادئ العامة التي ارتكزت عليها حتى الفصل19. وبالاطلاع على هذه الفصول نرى وأن المشرّع قد أولى فيها عناية فائقة بكل من الطفل الجانح من جهة والطفل المهدد من جهة أخرى، فخلق للأول إجراءات تكفل له الحماية والإصلاح بينما كرس للثاني جملة من الاحتياطات والمؤسسات الحامية له من الخطر الذي يلحقه مستقبلا.
ولعلّه من الواجب الإشارة إلى أن هذا الاهتمام بالطفولة في تونس ليس منفصلا عن الاهتمام به في العالم. ذلك أن مسألة الاعتناء بحقوق الطفل ظهرت في العالم منذ القرن 19 مع ظهور فكرة حماية الأطفال من استغلالهم في الأعمال التي لا تتناسب معهم. وفي القرن 20 وتحديدا في 1921 أسّس البريطاني Ajlentine JEEP صندوق إنقاذ الطفولة وكتب مسوّدة أول وثيقة في العالم تأسس عليها بيان جنيف الذي صادقت عليه عُصبة الأمم في 1924 وقد جاء في تلك الوثيقة المجردة سنة 1923 أنه :"إذا شئنا الاستمرار بالعمل من أجل الأطفال فإن الطريقة الوحيدة هي على ما يبدو الحثّ على الجهد وتعاون الأمم لحماية أطفالها بموجب أساليب مبتكرة وبنّاءة بدلا من إتباع أساليب الأعمال الخيرية واعتقد أننا يجب أن نطالب بحقوق محددة للأطفال وان نعمل من اجل الاعتراف بها عالميا لكي يكون كل فرد في موقع يتمكن فيه من تطوير الحركة"(١٤).
وبتاريخ 20 نوفمبر1959 صدر الإعلان العالمي لحقوق الطفل وتواصلت المجهودات إلى أن توّجت في 20/11/1989 باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل والتي كانت السبب الرئيسي في وضع مجلة حماية الطفل في تونس والتي تعبر الخامسة من نوعها في العالم بعد المجلات التي صدرت في كندا وبلجيكا والنرويج والسويد(١٥).
وقد جاءت كل من الاتفاقية والمجلة التونسية ناصين على حماية الطفل من الجرائم الجنسية المرتكبة ضده.
ولقد تعرضت الاتفاقية لهذا النوع من الاعتداءات على الأطفال وكرّس الفصلين 19 و 34 منها للتصدي لها مؤكدة على الدول وجوب اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية الأطفال من الاعتداءات والاستغلال ذو البعد الجنسي سواء كانت من خلال حمل الطفل على تعاطي نشاط جنسي غير مشروع أو الاستخدام الاستغلالي للأطفال في الدعارة والى غير ذلك من الجرائم.
وقد كانت تونس من بين البلدان التي التزمت بالتوصيات الصادرة عن الأمم المتحدة فجاءت مجلة حقوق الطفل معلنة عن حمايته من الجرائم الجنسية المرتكبة ضده منذ فصلها الثاني الذي جاء فيه "تضمن هذه المجلة حق الطفل في التمتع بمختلف تدابير الوقاية ذات الصبغة الاجتماعية والتعليمية والصحية والتي تعتبر من الأحكام والإجراءات الرامية إلى حماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو المعنوية أو الجنسية أو التقصيرات التي تؤول إلى الإساءة في المعاملة أو الاستغلال".
وقد قدمت المجلة مفهومها للاستغلال الجنسي في فصلها 25 الذي جاء فيه : " يُعد من قبيل الاستغلال الجنسي للطفل ذكرا كان أو أنثى تعريضه لأعمال الدعارة سواء بمقابل أو بدونه أو بطريقة مباشرة أو غير مباشرة".
وتبعا لذلك وضعت المجلة برنامجا كاملا للتصدي لمثل هذه الجرائم ووضعت مؤسسات خاصة لحماية الأطفال من أهمها مندوب حماية الطفولة. وبذلك كانت مجلة حماية الطفولة قد كرست حماية خاصة للأطفال من هذه الجرائم وفق لتوصيات اتفاقية الأمم المتحدة وهنا يجب ملاحظة أن فكرة حماية الأطفال من الجرائم الجنسية المرتكبة ضدّهم فكرة حديثة ذلك أنه ولئن كانت فكرة حماية الأخلاق عامة قديمة قدم الدهر ظهرت منذ العصور القديمة ونجدها في القانون الوضعي مثل القانون الروماني أو الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والإسلام.(١٦)
ولقد عاقب الإسلام العلاقات الجنسية الخارجة عن النطاق الشرعي وشدّد العقوبة في حال حصول هذه العلاقة مع محرم. وقد أوصى النبي بقتل من وقع على ذات محرم.
إلاّ أن هذه الاهتمام كان اهتماما بالأخلاق عامة ولم يكن مسلطا على الطفل بشكل خاص ولم يصبح الطفل متمتعا بحماية خاصة في الجرائم الجنسية إلا في العصر الحديث وتحديدا إثر التنصيص الصريح على هذه الحماية جاء في اتفاقية الأمم المتحدة.
وبالنظر إلى حداثة المفهوم مقارنة بخطورة الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال تبرز أهمية تناول هذه المدرسة بالدرس وجدوى طرح الموضوع (الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال) خصوصا إذا ما نظرنا بشكل موازي إلى تكاثر هذه الاعتداءات في العصر الحديث وبالاطلاع على بعض الإحصائيات التي أجريت في بعض بلدان العالم نلاحظ تفاقما لهذا النوع من الجرائم يدفعنا إلى التساؤل عن هذه الأسباب فهل أن هذه الجرائم لم تكن موجودة أخلاقيا وخلقت نتيجة التطورات الاجتماعية للعالم المعاصر أم أنها كانت دائما موجودة ولكنها من الجرائم المحظور الحديث عنها؟
إن المتأمل في هذا يلاحظ أن هذه الجرائم كانت موجودة منذ القديم وظاهرة الجواري والغلمان لدليل على ذلك ودليل على وجودها لكن إذا ما نظرنا إلى الموروث الثقافي القديم نلاحظ أنه قد جعل الخوض في هذه الجرائم الجنسية أمر محرم تقريبا خاصة وان المجتمعات القديمة وإلى وقت قريب كانت تنظر إلى المتضرر من الاعتداءات الجنسية على أنه هو المجرم ويقع نبذه وهذا يدفع بالكثير من المتضررين إلى محاولة تفادي ما يصطلح بتسميته "فضيحة وعار" وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقييم متواجد أكثر في مجتمعاتنا العربية. لكن بالرجوع إلى بعض الإحصائيات نجد أن الأمر قد تغير نسبيا، ففي المحاكم الجزائية الفرنسية مثلا نجد قضية على اثنان تهم الاغتصاب وفي كلتا الحالتين من ثلاثة يكون المتضرر طفلا.
وحسب وزارة الداخلية الفرنسية نجد أن عدد جرائم الاغتصاب المعلن عنها لدى مصالح الشرطة سنة 1998 هي 7828 وهو عدد أكبر بخمس مرات من العدد المسجل قبل عشرين عاما.
وقد تدلنا هذه الإحصائيات على تفاقم الجرائم الجنسية ضد الأطفال مع مرور السنين وهذا التفاقم يدل على ارتفاع نسبة الأطفال الذين يعانون من هذه الاعتداءات إلاّ أنّ هذه النسب قد لا تنطبق على جميع بلدان العالم ولكن الأمثلة فقط كافية لحثنا على محاولة التصدي لهذه الظاهرة الأمر الذي لا يمكن البداية فيه دون الإلمام بجوانب موضوع الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال لذا يتحتم علينا تحديد المنهج الذي سيتم اعتماده في هذا البحث.
للجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال وجوه مختلفة للدرس ولكن الإطار الذي سيتم درس الموضوع من خلاله هو الإطار القانوني الجزائي ذلك أنه قد يتعذر التطرق إلى مشكل كالذي تطرحه الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال دون الاطلاع على موقف المشرع التونسي منه وكيف هُيئت النصوص التشريعية لمواجهة هذه الظاهرة .
لقد اهتم المشرّع في بلادنا على غرار غيره من أغلب بلدان العالم بمسألة الاعتداءات الجنسية عامة والاعتداءات الجنسية الموجهة ضد الأطفال خاصة فكرس ترسانة كاملة من النصوص القانونية المجرمة لهذا النوع من الجرائم وخصص لها مكانة هامة في المجلة الجزائية(١٧) وفي نصوص أخرى متفرقة ولكن التساؤل الذي يطرح في هذا المستوى هو : كيف صنف المشرع التونسي الجرائم الجنسية المرتكبة ضد الأطفال ؟
إنه وبالاطلاع على القوانين المجرمة الإعتداءات الجنسية ضد الأطفال تمكن من الوقوف عند صنفين رئيسيين من هذه الجرائم،
الصنف الأول هو الجرائم التي تسلط مباشرة على جسم الطفل والتي يصطلح على تسميها بجرائم الاعتداء الجنسي (فصل أوّل)
و الصنف الثاني هي الجرائم التي تهدف إلى تحقيق كسب مادي من خلال استغلال الأطفال جنسيا وهي جرائم الاستغلال (فصل ثاني).
الفصل الأول : جرائم الاعتداء الجنسي :

تمثل الجرائم الاعتداء الجنسي المرتكبة ضد الأطفال في الجرائم المسلطة على جسد الطفل مباشرة فتمس من حرمته وسلامته الجسدية. وبالنظر إلى القانون التونسي نجد أنه يدخل في إطار الجرائم الجنسية المباشرة جرائم المواقعة بنوعيها (مبحث أوّل) والمحاولة في جرائم المواقعة ( مبحث ثاني) .
المبحث الأول : جرائم المواقعة :

يميز المشرع التونسي في المجلة الجنائية بين جريمتين في جرائم المواقعة وهما أولا جريمة المواقعة بدون رضا أو ما يُصطلح بتسميته جريمة الاغتصاب وثاني جريمة المواقعة بالرضا.
وقد خصص المشرع ولكل جريمة من جرائم المواقعة فصلا خاصا بها فجرّم الاغتصاب بالفصل 227 م ج وجرّم المواقعة بالرضا بالفصل 227 مكرر من نفس المجلة لكن المتأمل يلاحظ أن المشرع التونسي لم يقدم تعريفا لكلا الجريمتين فعرفهما الفقه بأنهما "مواقعة الرجل لإمرأة بدون رضاها مع العلم بذلك"(١٨).
وبالرجوع إلى التعريفات المقدمة للجريمتين وبالإطلاع على الأركان المكوّنة لكل منها نلاحظ وجود عناصر مشتركة في مكوناتها (فقرة أولى) غير أن وجود أركان موّحدة بين جريمة المواقعة بالرضا وجريمة المواقعة بدون رضا (الاغتصاب) لا يمنع وجود عوامل مؤثرة في هذه الجرائم (فقرة ثانية) تكسب كل واحدة منها خصوصياتها المميزة لها عن الأخرى.

الفقرة الأولى : العوامل المؤثرة في جرائم المواقعة :

تشترك جريمتي الاغتصاب والمواقعة بالرضا في ركنين هامين وهما ركن المواقعة (أ) وهو الركن الأساسي الذي تقوم بموجبه كل من الجريمتين والركن المعنوي وهو القصد الإجرامي للجاني (ب).
أ- المواقعة :

تمثل المواقعة الركن المادي في جريمتي الاغتصاب والمواقعة بالرضا. وقد قدمت محكمة التعقيب التونسية تعريفا للمواقعة في القرار التعقيبي عدد 6417 الصادر بتاريخ 16 جوان 1969 (١٩)، والذي بالرغم من كونه قدم تعريف للمواقعة بالرضا للاتحاد الجريمتين في هذا الركن وقد جاء في هذا القرار "أن معنى لفظة المواقعة لا تنصرف بمجرد الفعل الفاحش ولا تقوم إلا إذا كان هناك وطئ بالمكان الطبيعي للأنثى وبطريق الإيلاج".
وينجر عن هذا التعريف بروز اتجاهين لمفهوم المواقعة وهما المفهوم الضيّق والمفهوم الموّسع.
يتمثل المفهوم الأول في أنه لا يمكن الحديث عن مواقعة حسب فقه القضاء التونسي إلاّ متى وجد وطئ بالمكان الطبيعي من الأنثى وعن طريق الإيلاج.
إن هذا التعريف للمواقعة مع حصر الإيلاج في إدخال عضو الذكر من الرجل في فرج المرأة يعطي مفهوما ضيقا للمواقعة ويؤدي إلى نتائج تضييقية على مستوى الحماية خصوصا في جريمة الاغتصاب التي يتم فيها فعل الوقاع دون إرادة المجني عليها.
30‏/4‏/2011 تم النشر بواسطة حسن اجضاهيم2.
2 من 3
اعتقد انهو متقارب جدآ
30‏/4‏/2011 تم النشر بواسطة وضاح اليمن 99.
3 من 3
لا
فى الأسلام لابد من وجود ضرر أو مخالفة شرعية لتكون جريمة
فالقاعدة (لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال ) تمنع العقاب خاصة البدنى على من لم يمثل فعلة ضرر كجريمة الشروع و التخطيط و كذالك قاعدة (الأمور بمقاصدها)تمنع عقاب المخطىء وان تثبت الحق فى التعويض لمن أضير من هذا الخطأ ولا يحبس المدين المعسر فى الشريعة بل يسد دينة الى حين ميسرتة من بيت المال بينما يحبس فى أغلب القوانين رغم حسن نيتة وعدم مسئوليتة
وكذالك الجهل بالقانون لا ينفى العقاب بينما تمنع الشريعة معاقبة الجاهل و المستكرة أن اثبت جهلة او أكراهة
ومقاصد القانون قد تختلف عن مقاصد الشريعة فكلاهما أساسة مصلحة الناس جميعاً ولكن أحياناً يكون القانون لمصالح فئوية وحتى وقت قريب كان القضاء والقانون بأوربا منقسم لقضاء خاص للأشراف واخر لرجال الدين وثالث للعامة لكل منهم قانونة الخاص
الجميع متساوون امام الشريعة ولكن القوانين تعطى حصانة لبعض الأفراد كاعضاء البرلمان والممثلين الدبلوماسيين
9‏/5‏/2011 تم النشر بواسطة widow maker.
قد يهمك أيضًا
الجريمة التي يعاقب عليها القانون الفرنسى من 6 الى 3 سنوات
لغز ما هي الجريمة التي أن ارتكب نصفها يعاقب عليها القانون وان ارتكبت كلها فلا عقاب عليها؟
لماذا يتناقض القضاء المصرى مع نفسه ويبطل نفسه ؟
متى يصبح القانون نفسه خطيئة؟ويصبح الحكم جريمة؟
هل المصري الجديد صحيح ؟؟؟؟ ( قانون الإغتصاب )
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة