الرئيسية > السؤال
السؤال
نفي رؤية الله عز وجل، هل تتفق معي في هذا؟
اللغة الإنجليزية | الأديان والمعتقدات | اللغات | العلوم 19‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة أردني شهم.
الإجابات
1 من 18
جزاء الذين أحسنوا  في الجنة  الحسنى وزيادة ..الزيادة هي النظر لوجه الله الكريم..
19‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة قطرات الجدول (مسلم سوري).
2 من 18
أوافقك الرأي يا أخي الحبيب ، وهذه هي العقيدة الصحيحة التي عليها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم....
وهذه بعض الأدلة على ذلك نقلية وعقلية...
أدلة النافين للرؤية

القسم الثاني : الأدلة النقلية

وأما النقلية : فبعضها من الكتاب ، وبعضها من السنة.

أما من الكتاب فهي كما يلي :

قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير1) ، ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى مدح نفسه فيها بأن الأبصار لا تدركه ، وإدراكها الرؤية ، فتبين منها أن عدم رؤيته بالأبصار صفة ذاتية لازمة له تعالى ، فإنه لو رؤى للزم زوال مدحه وإذا زال انقلب إلى ضده ، وهو الذم تعالى الله عنـه ، ومن ناحية أخرى فإنه إخبار من الله سبحانه بوصف من أوصافه ، وأخبار الله لا تتبدل ، لأنها لو تبدلت كان التبدل تكذيبا لها (ومن أصدق من الله قيلا).

واعترض على هذا الإستدلال من خمسة أوجه

أن الآية نفت الإدراك ولم تنف الرؤية ، وبينهما فرق ، فإن الإدراك هو الإحاطة بالمدرك من جميع جوانبه وهو مستحيل عليه تعالى ، والرؤية لا تستلزمه فهي أعم منه ، ونفي الأخص ليس نفيا للأعم كما أن قوله تعالى : (ولا يحيطون به علماً2ا) لا ينفى مطلق العلم ، فإن للعباد معرفة به تعالى يخشونه بها ويرجونه ، ويطيعونه ويعبدونه ، وإنما هو ناف للإحاطة بكنه ذاته سبحانه ، وهذا أشهر ما عولوا عليه في دفع هذه الحجة ، ولذلك سرعان ما تجدهم يهرعون إليه للتخلص منها
أولها

أن الآية ليس فيها أكثر من نفي كون جميع الأبصار تراه (وهو الذي يُعبر عنه بسلب العموم) وليست نافية أن يكون كل فرد من أفراد جنس الأبصار رائيا له (وهو ما يُعبر عنه بعموم السلب) والكل متفقون على أنه تعالى لا تراه جميع الأبصار وإنما يراه بعضها ، وأقل ما يقال بأن الآية محتملة لهذا المعنى ، والدليل إذا طرقه الإحتمال سقط به الإستدلال ، وقد بالغ بعض غلاتهم المتعصبين فقلب مدلول الآية رأسا على عقب ، زاعما أنها أدل على ثبوت الرؤية منها على نفيها ، بانيا قولـه هذا على أن جملة (لا تدركه الأبصار) نافية غير مقيدة بعموم أو خصوص ، فتحمل على عدم إدراك بعض الأبصار دون جميعها ، وتخصيص البعض بالنفي دال بمفهومه على إثبات المنفي للبعض الآخر
ثانيها

أنهـا وإن عمَّت في الأشخاص فإنها لا تعم في الأزمان ، لأن نفيها مطلق وليس مقيدا بدوام
ثالثها

أن الآية تدل على عدم رؤية الأبصار له ، لكنها لا تدل على عدم رؤية المبصرين إياه ، لجواز أن تكون نافية للرؤية بالجارحة مواجهة وانطباعاً كما هو العادة ، فلا يلزم منه نفي مطلق الرؤية ، وخلاصة ذلك أن ما في الآية من امتداح إنما هو بنفي المبْصَرِية لا بنفي الرؤية3
رابعها

أن عمومها مخصص بأدلة إثبات الرؤية4
خامسها

وهذه الإعتراضات كلها مردودة

فهو مخالف لما دل عليه الإستعمال العربي لكلمة الإدراك ومشتقاتها ، فإنه لا يفهم منه أنه بمعنى الإحاطة ، فأقوال أساطين العربية المهرة وشواهدها الصريحة الثابتة دالة على أن الإدراك ليس بمعنى الإحاطة بل لكل منهما معنى مستقل عن الآخر.

قال ماتن القاموس وشارحه (الدركُ محركة اللحاق) وقد (أدركه) إذا لحقه ، وهو اسم مـن الإدراك ، وفي الصحاح : الإدراك اللحوق ، يقال : مشيت حتى أدركته ، وعشت حتى أدركت زمانه5.

ونص كلام الجوهري في الصحاح "الإدراك اللحوق ، يقال : مشيت حتى أدركته ، وعشت حتى أدركت زمانه ، وأدركته ببصري ، رأيته"6.

وفي اللسان "الدّرك اللحاق - إلى أن قال - وتدارك القوم تلاحقوا ، وفي التنزيل (حتى إذا ادَّاركوا فيها)7.

هذه نصوص أساطين اللغة الذين نقلوها إلينا بأمانة ، وليس فيها ما يدل على تفسير الإدراك بالإحاطة ، ولا يمكن حمل اللحوق أو اللحاق عليها ، لأن قول القائل : لحقت الجدار بيدي لا يدل إلا على مماسته له ، وهو قول فصيح مقبول وضعاً وعرفـاً ، مع تعذر إحاطة اليد بالجدار ، ومثل ذلك قولك ، أنزلت الحبل في البئر حتى لحق الماء ، وأمثلة ذلك لا تُحْصى ، ولم أجد مرجعا لغويا فسَّر الإدراك بالإحاطـة ، وناهيك دليلا على خطأ هذا التفسير عدم تقبل العرف والذوق لقول القائل في الحائط المحيط بالزرع إنه مدرك له ، ومثله قول القائل بأن البيت مدرك لمن كان وما كان داخله ، مع العلم بأنه لا يماري أحد في إحاطته بما اشتمل عليه.

وإذا كان معنى (لا تدركه الأبصار) لا تلحقه فإن مؤداه قطعا أن القوى البصرية لا تصل إليه حتى يكون مرئيا لها ، فإن البصر يطلق على الحاسة كما يطلق علـى آلة الإبصار وهي العين ، وتمثيل صاحب الصحاح بقوله : "عشت حتى أدركت زمانه" شاهد على صحة ما قلته من التباين بين لفظتي الإدراك والإحاطة ، فإنه مما يدركه كل أحد أن قائل ذلك لم يرد أنه عاش حتى أحاط بزمان من أضيف إلى ضميره الزمان من أوله إلى آخره ، إذ لو كان ذلك هو المراد لما جاز لأحد أن يقول في أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أدرك زمانه عليه الصلاة والسلام إلا إذا كان ذلك الصحابي قد أحاط بزمنه صلى الله عليه وسلم منذ الولادة إلى الوفاة.

ومن الشواهد الدالة على خطأ تفسير الإدراك بالإحاطة أنه لا يختلف في صحة قول القائل - فيمن وقع عليه سهم - أدركه السهم ، ولو قال أحد أحاط به السهم لما عد قوله عاقل إلا هذيانا.

وأصرح من هذه النصوص ما تقدم نقله عن شارح القاموس بأنه فسر الرؤية بإدراك المرئي ، وفي اللسان أيضا "والإدراك اللحوق ، يقال مشيت حتى أدركته ، وعشت حتى أدركت زمانه ، وأدركته ببصري رأيته "8.

وتصاريف لفظة الإدراك دالة على هذا ، فقوله تعالى : (حتى إذا اداركوا فيها) لا يقصد به أن كل فريق منهم أحاط بغيره وإنما هو أن كل فريق لحق سابقه.

واستشهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على نفى الرؤية بهذه الآية الكريمة من أوضح الأدلة وأبينها ، وأقوى الشواهد وأقطعها بأن الإدراك إذا أسند إلى الأبصار لا يكون إلا بمعنى الرؤية ، فإنهم رضي الله تعالى عنهم عرب أقحاح طُبِعوا على فصيح الكلام العربي بتربيتهم العربية الأصيلة ، وزادهم القرآن الكريم الذي كان ينزل بين ظهرانيهم علماً بمعانيها ، وخبرة باستعمالها ، فأنَّى لهم أن يجهلوا الفرق بين رؤية البصر وإدراكه لو كان بينهما فرق ؟

ومما روي عنهم في ذلك ما أخرجه الإمام الربيع في مسنده ، والشيخان في صحيحيهما عن مسروق قال : "كنت متكئا عند عائشة فقالت : يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية ، من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، قال : وكنت متكئا فجلست وقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ، ألم يقل الله عز وجل : (ولقد رآه بالأفق المبين) ، (ولقد رآه نزلة أخرى) فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما هو جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض . فقالت : أو لم تسمع أن الله يقول : (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) .. الخ.

وقد أخرج الإمام الربيع رحمه الله عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أنهما استدلا على نفي رؤية الله تعالى بهذه الآية الكريمة9.

وقد حاول الفخر الرازي دفع كون استدلال عائشة رضي الله تعالى عنها بالآية على نفي الرؤية ، شاهدا على أن الإدراك لا يتقيد بالإحاطة حيث قال : "معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة ، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد"10.

وهي محاولة فاشلة مردودة من ثلاثة أوجه

أن العرب الأقحاح - عندما كانوا لا يعتمدون إلا على سليقتهم العربية في نطقهم وفهمهم لمقاصد الكلام - هم أقوى حجة ممن جاء بعدهم من علماء العربية الذين دونوا مفرداتها ، وشرحوا معانيها ، فإن هؤلاء كانوا يستندون إلى أولئك في فهم مقاصدها ، ولم يكن أولئك يرجعون إلى هؤلاء في ذلك
أولها

أن ما نقله أئمة العربية عن العرب من معاني الإدراك متفق كل الاتفاق مع ما ذهبت إليه عائشة رضي الله تعالى عنها في هذا الاستدلال
ثانيها

أن الاستشهاد باستدلالها هذا ليس هو من التقليد في شيء ، وإنما من باب الأخذ بوسائل الفهم للمعاني اللغوية
ثالثها

واعتمد ابن جرير الطبري في التفريق بين الرؤية والإدراك على قوله تعالى : (فلما ترآى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون . قال كلا إن معي ربي سيهدين)11 ، حيث نفى موسى ما توقعوه من إدراك عدوهم مع أن الترائي حصل بين الجانبين ، وتابعه ابن حزم12 ونقل ذلك الحافظ بن حجر عن القرطبي صاحب المفهم ، وتعقبه الحافظ بقوله : "وهو استدلال عجيب لأن متعلق الإدراك في آية الأنعام البصر ، فلما نفي كان ظاهره نفى الرؤية بخلاف الإدراك الذي في قصة موسى ، ولولا وجود الأخبار بثبوت الرؤية ما ساغ العدول عن هذا الظاهر"13.

وأضيف إلى ما قاله الحافظ بأن الإدراك يتفاوت معناه بحسب تفاوت أنواع المدركِات - بالكسر - فإدراك العين رؤيتها للشيء ، وإدراك الأذن سماعها للصوت ، وإدراك اليد مسيسها للجسم ، وإدراك السيف وقعه على المضروب ، وإدراك السهم إصابته للمرمى ، وإدراك الرمح إصابته للمطعون ، وإدراك العدو لعدوه تمكنه منه وقدرته على إنزال السوء به ، فأصحاب موسى عليه السلام ما كانوا يتوقون مجرد رؤية عدوهم لهم ، وإنما كانوا يحذرون من تمكنه منهم .

وكلام ابن حجر يفيد أنه يرى رأينا في تفسير الآية ، غير أنه يستند في معارضته هذا المفهوم بالأخبار المثبتة للرؤية ، وقد علمت أخي القارئ ما في تلك الأخبار المشار إليها من عدم إفادتها ثبوت رؤيته تعالى ، كما سبق بيانه فثبتت والحمد لله قطعية حجتنا .

وإن من أحسن ما قرأته في تفسير هذه الآية الكريمة قول الإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المشهور بالجصاص في كتابه (أحكام القرآن) ونصه : "يقال إن الإدراك أصله اللحوق ، نحو قولك : أدرك زمان المنصور ، وأدرك أبا حنيفة ، وأدرك الطعام أي لحق حال النضج ، وأدرك الزرع والثمرة ، وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال"

"وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إياه ، لأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن قول القائل أدركت ببصري شخصا معناه رأيته ببصري ، ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركا له ، فقوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) معناه لا تراه الأبصار ، وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار ، كقوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم) ، وما تمدَّح الله بنفيه عن نفسه إثبات ضده ذم ونقص ، فغير جائز إثبات نقيضه بحال ، كما لو بطل استحقاق الصفة بـ (لا تأخذه سنة ولا نوم) لم يبطل إلا إلى صفة نقص"

ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) لأن النظر محتمل لمعان منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف ، فلما كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه".

"والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم ، لو صحت ، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ، ولا تعرض فيه الشكوك لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة"14.


أما الإعتراض الأول

فهو مناقض لتمدحه تعالى في الآية بعدم إدراك الأبصار له ، فإنه إن حمل على سلب العمـوم - كما قالوا - لم يبق معنى للإمتداح ، لأن المخلوقات المرئية كلها مشاركة لله تعالى في هذه الصفة ، إذ ما من مخلوق رأته أو تراه جميع الأبصار حتى الشمس - التي هي أكثر انكشافا لمن على ظهر الكوكب الأرضي جميعا ، فإن أصحاب العوالم الأخرى لا يرونها لبعدهم عنها ، كما أننا لا نرى ما هو أكبر وأنور منها من الأجرام النائية السابحة في المجرات السحيقة - فضلا عن البشر وأمثالهم ، فإن أي إنسان منا لا يمكن أن تراه جميع الأبصار المعاصرة له في هذه الأرض نفسها فضلا عمن مات قبله ، أو يأتي بعده ، أو كان في عوالم أخرى من المبصرين ، ومن ناحية أخرى فإن تجويز هذا التأويل في الآية يقتضي جوازه في أمثالها ، نحو (إن الله لا يحب المعتدين)15 ، (إنه لا يحب المسرفين ) 16  ، (والله لا يحب الظالمين)17 ، (إن الله لا يحب كل مختال فخور)18 ، إذ لا فارق بينها فإنها جميعا سيقت مساق المدح له تعالى وهو كاف في إسقاط الإحتمال الذي ذكروه.

وأما جعل الآية دليلا على جواز الرؤية لأنها نافية غير مقيدة بعموم أو خصوص ، فتحمل على عدم إدراك بعض الأبصار دون جميعها بناءً على أن تخصيص البعض بالنفي دال بمفهومه على إثبات المنفي للبعض الآخر ، فهو أضعف من أن يحتاج إلى إضعاف ، لأن كل من صحا عقله من سكرة الهوى ، وسلم ذوقه من فساد الفطرة يدرك بطلانه ، فإن النفي في قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) لم يخص ببعض الأبصار دون بعض ، وإنما يعمها بلفظه الصريح الذي تؤيده القرائن ، وذلك أن التعريف في الأبصار قاض بعمومها ، سواء حملناه على الجنس أو الاستغراق ، فإن حملناه على الاستغراق فهو أظهر من أن يحتاج إلى بيان ، إذ لا معنى للاستغراق إلا شمول أفراد مدلول اللفظ ، وإن حملناه على الجنس فمن حيث أن أي فرد من أفراد جنس ما يوجد مدلول ذلك الجنس ضمنه إثباتا أو نفيا ، ولو كان هذا القول صحيحا لما حكم بالحنث على من يقسم بالله الأيمان المغلظة أنه لم يزر القبور مع أنه يتردد على زيارتها في كل أوقاته ، إذ لا يعقل أن يزور جميع القبور في الأرض ، كما أنه يترتب عليه أن يكون من أقسم بأنه لم يزن بالنساء - وقد زنى بألوف النساء - صادقا في قوله غير حانث في يمينه ، لتعذر أن يزني زان بجميع نساء الأرض ، وكذلك يلزم عدم حنث من حلف بأنه لم يسرق التمر وقد سرق من التمور ما لا يدخل تحت إحصائه ولا إحصاء غيره ، بل يلزم على هذه الدعوى أن يكون قول القائل لم أزر القبور منبِّئا أنه قد زار بعضها وكذا في أمثاله.

فإن قيل لعل تعريف الأبصار عند هذا القائل عهدي ليس للجنس ولا للاستغراق ، فجوابه أن حمله على العهد مناف لما تدل عليه الآية من التمدح الذي يقتضيه سياق ما قبلها وما بعدها ، والعهد لا بد له من معهود ولا معهود ، ولو فرضنا أن ثم معهودا فهل يمكن أن يكون نفي شيء عن معهود قاضيا بإثباته لغيره ؟ وهل هذا إلا من باب الإحتجاج بمفهوم اللقب ، الذي لا يعول عليه في الظنيات فكيف بالقطعيات ؟


وأما الإعتراض الثاني

وهو أن النفي المطلق لا يدل على الدوام - فهو مرفوض لغة وعرفا وشرعا ، فإن كل أحد يدرك أن قول القائل : لا أشرب اللبن دال على نفي الشرب في أي وقت من الأوقات ، ولولا ذلك لما حنث من حلف أنه لا يزني ولا يسرق ولا يشرب الخمر ولا يقتل النفس المحرمة بغير حق ، إذا أتى أي شيء من ذلك في مستقبل الزمان ، بناء على أن النفي المطلق غير شامل للأزمنة.

ومما لا خلاف فيه أن للنهي حكم النفي ولئن ساغ هذا القول لم يبق أمر محجور فيسوغ للناس أن يأكلوا الربا الذي حرمه الله في كتابه ، وأن يقتلوا النفس المحرمة بغير حق ، وأن يرتكبوا كل فساد في الأرض ، ويأتوا كل منهي في الإسلام ، متذرعين إلى ذلك كله بدعوى أن النهى غير شامل لعموم الأزمنة.

وما تقد تقريره من أن هذه الآية - كسائر الآيات التي انتظمت في سلكها ، سيقت مساق مدحه تعالى مبطل لهذه الدعوى ، إذ لو حمل النفي فيها على الدار الدنيا دون الآخرة لجاز مثله في نظائرها نحو قوله تعالى : (لا تأخذه سنة ولا نوم)19 ، وقوله : (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا)20 ، وقوله : (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)21 ، وقوله : (ولا يظلم ربك أحدا) 22 ، ولجاز عليه تعالى في الآخرة ، ما كان ممتعا عليه في الدنيا من السنة والنوم ، والصاحبة والولد ، والكفء والند ، والجور والظلم ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

على أن الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن الدنيا والآخرة لا تأثير لهما في ذات الحق تعالى ، فإنه سبحانه يستحيل عليه مرور الزمان ، كما يستحيل عليه اكتناف المكان ، فهو تعالى خالق الزمان والمكان ، لا تتغير ذاته ، ولا تتبدل صفاته أزلا وأبدا ، وإنما تحول الأحوال بين الدنيا والآخرة لا يتجاوز المخلوقين.

هذا وذكر الإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني رضي الله عنه في معالمه بأن القول بأن الدال على عموم الأفراد في الإطلاق لا يدل على عموم الأزمان هو قول لبعض أئمة الأصول كالآمدي والقرافي ، والأصفهاني ، وهو بمعزل عن التحقيق ، والتحقيق في ذلك ما عليه المحققون منهم كالفخر وابن دقيق العيد ، والسبكي وابنه ، وكثير من المتأخرين ، وهو لازم لمدلول الدال على استغراق الأفراد. 23


وأما الإعتراض الثالث
وهو أن الآية نفت إدراك الأبصار ولم تنف إدراك المبصرين - فيدحضه أن البصر في الأًصل هو الطاقة التي تتوصل بها العين إلى الإبصار ، وإطلاقه على العين تجوُّز ، كإطلاق السمع على الأذن ، فلو فرضنا أن أحدا أبصر برأسه أو بأذنيه أو بمنخريه أو بيديه أو برجليه ، أو بجميع وجهه أو بجميع جسمه لكانت الطاقة البصرية موجودة فيما أبصر به ، وإذا كان المنفي في الآية إدراك البصر فإن كل ذلك داخل في النفي


وأما الإعتراض الرابع

وهو أن الآية مخصصة بغيرها - فهو مردود بأمرين

عدم وجود المخصص ، وهو واضح فيما قررناه من إبطال تعلق معتقدي الرؤية بما يتشبثون به مما ظنوه حجة ودليلا
أحدهما
أن سياق الآيـة مساق المدح له سبحانه بنفي إدراك الأبصار مانع من التخصيص ثانيهما


وأما الإعتراض الخامس

فإن قيل إن انتفاء الرؤية عن الله تعالى لا يعد مدحا له سبحانه لمشاركة غيره له في ذلك ، كالرياح والأرواح والذرة والكهرباء.

فجوابه أن انتفاءها عنه سبحانه لجلاله وكبريائه ، وانتفاءها عن غيره مما لا يرى لإخفائه سبحانه عن الأبصار ، على أنه يترتب على هذا الاعتراض أن يكون قوله تعالى : (لا تأخذه سنة ولا نوم) وقوله : (لم يتخذ صاحبة ولا ولدا) لا يعد مدحا لوجود ما لا ينام ولا ينكح ولا يلد من مخلوقاته ، فالملائكة متصفون بذلك كله ، والشمس والقمر والأرض وسائر الأجرام الفلكية هي أيضا لا تنام .

وقسَّم المحقق الخليلي رضوان الله تعالى عليه الأشياء في هذا على أربعة أقسام فقال 24

ما يَرى - بفتح الياء - ولا يُرى - بضمها - وهو نهاية الشرف وغاية الكمال لاتصافه بالقدرة على رؤية ما سواه وتعاليه عن إدراك غيره إياه ، وليس شيئا كذلك إلا سبحانه وتعالى ، فهو المنفرد بمطلق الكمال والمتوحد بصفة العز والجلال (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)25
أحدهما

قسم يُرى ويَرى - بضم الياء وفتحها - وهو أشرف ما بعده من الأقسام وهو الحيوانات من الملائكة والجنة والناس والطير وسائر الدواب من الأنعام والبهائم والسباع وأكثر الحشرات.
ثانيهما

يُرى ولا يَرى - بضم الياء الأولى وفتح الثانية - كالأجساد الكثيفة من الأرض والجبال ، والمعادن والنبات ، وما يشاركها في ذلك من الجواهر والأعراض.
ثالثهما

لا يُرى ولا يَرى مما يدرك بالحواس كالشم والذوق ، والصوت المدرك بالسمع أو مما لا يدرك بها كالإيمان والكفر ، والعقل والعلم ، والغضب والحلم ، وغيرها من الصفات والأخلاق التي كلف الشرع بها ، وأثاب وعاقب عليها.
رابعهما
19‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم (محمد المتوكل).
3 من 18
هذا وقد أتى كل من ابن تيمية والفخر الرازي بما يأباه العقل الصحيح ويرفضه الذوق السليم في تأويل قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) حيث اتخذا من هذه الآية تكأة لما يدعيانه مما ينافي في مدلولها الصريح ، فقد عداها من حجج المثبتين للرؤية قلبا لمفهومها وعكساً لمدلولها .

أما ابن تيمية فقد قال : "هي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها ، فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح ، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية ، وأما العدم المحض فليس بكمال ، ولا يمدح به ، وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ، ونفى اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة ، ونفى الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلاهيته وقهره ، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه ، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه ، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه ، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته ، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته ، ولهذا لم يمتدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا ، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك وهو المعدوم فيه فلو كان المراد بقوله : (لا تدركه الأبصار) أنه لا يُرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال ، لمشاركة المعدوم له في ذلك ، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تُدركه الأبصار ، والرب جـل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض ، فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به"26.

وهو كلام يُشْدَه منه كل من كان يتمتع بشيء من العقل الذي لم يتكدر بتأثير الهوى ، فإنه ظاهر البطلان ، بيّن التناقض ، وناهيك أنه أثبت في صدره أن الآية ذكرت في سياق التمدح ، ثم أتبع ذلك أن الله لا يمتدح بعدم محض ، وانتهى به التطواف إلى القول بأن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار ، ثم أتى بنتيجة ذلك كله وهي أن الله يُرى ولا يدرك ، وعليه فيلزمه من ذلك أن لا يكون نفي إدراك الأبصار لذاته تعالى مدحا له ، وأن تكون ذات الله العلية ممكنة الإحاطة بها بناءً على ما فسر به الإدراك - لأن العدم الصرف لا يدرك أيضا كما نص عليه بنفسه .

وبالجملة فإن أعجب ما جاء به ابن تيمية في كلامه هذا ، عرضه النصوص القطعية على قاعدة مصطنعة من الخيال والوهم ، ليس لها أسس من العقل ، ولا دعائـم من النقل ، مع أن الواجب علينا - معاشر العباد - أن نثبت لله ما أثبته لنفسه ، وأن ننفي عنه ما نفاه بنفسه ، فإنه سبحانه أعلم بذاته وصفاته ، وليس لنا أن نعترض عليه في نفيه أو إثباته .

وإن من أعجب العجاب أن يشتد إنكار الحنابلة - ومن بينهم ابن تيمية وابن القيم - على المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم فيما هو أولى بالصواب ، وأجدر بالحق ، وأدنى إلى الحقيقية من أسس علم الكلام الجامع بين براهين بالعقل ونصوص النقل ، بينما تجدهم يطلقون لخيالهم العنان في استنتاج أمثال هذه الأوهام ، لا لغرض غير التهرب من قهر النصوص وقبضة البراهين.

ولو سلمنا جدلا لهذا المنطق المتداعي لقلنا إن في نفي الرؤية عن الله سبحانه إثباتا لصفة كمال له عز وجل وهي الكبرياء ، ففي الحديث الصحيح نص صريح بأن كبرياء الله سبحانه مانعة من رؤيته ، وذلك فيما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) فأي إشكال مع هذا في نفي الله سبحانه أن ترى الأبصار ذاته العلية.

ومع التسليم المفترض - وهو غير واقع - بأن بين الرؤية والإدراك فرقا في المعنى ، فإن ابن تيمية ملزم - حسب هذه القاعدة التي اصطنعها من خياله - بأن يكون مثبتا لله تعالى ما نفاه من إدراك الأبصار لذاته .

وإن من أخطر الخطر على الدين أن تعصف أعاصير الهوى بعقول العلماء المتبحرين حتى يتلاعبوا بالنصوص كما شاءوا ، فيجعلوا من النص حجة على خلاف معناه.

وأما الفخر الرازي فقد قال : "لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله : (لا تدركه الأبصار) ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته ، والعلوم ، والقدرة ، والإرادة ، والروائح ، والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله : (لا تدركه الأبصار) يفيد المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء ، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.

وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان ، قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته ، فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية ، وهذا استدلال لطيف من هذه الآية27.

وليس بعد هذا القول الذي قاله الفخر الرازي تعليق لأحد ، إلا السؤال عن عقيدته في وحدانية الله ونفي الولد والشريك عنه ، مادام يجعل من نفي الشيء دليلا على إثباته ، وبموجب هذا القول فإن للنصارى والمشركين أن ينتزعوا من قوله تعالى : (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) 28 ، دليلا قاطعا بأن له سبحانه ولدا وشريكا وأن يضيفوا إلى ذلك إثبات الصاحبة له تعالى ، بل وإثبات كل ما نفاه عنه من السنة والنوم ، والغفلـة واللغوب ، والظلم والجور ، مادام النفي دليلا قاطعا على الإمكان وبالتالي على الإثبات .

وإن تعجب فعجب أن يكون الفخر الذي اتخذ من قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) سُلَّماً إلى القطع بثبوت الرؤية قلباً للحقيقة وعكسا للحجة ، هو الذي يقول في تأصيلاته بأن دلائل الألفاظ على المعاني لا تتجاوز الظن كما هو صريح في قوله : "دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لأنها موقوفة على نقل اللغات ونقل الإعرابات والتصريفات مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحاداً ، ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن ، وأيضا فتلك الدلائل موقوفة على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم النقل ، وعدم الإجمال ، وعدم التخصيص ، وعدم المعارض العقلي ، فإن بتقدير حصوله يجب صرف اللفظ إلى المجاز ، ولا شك أن اعتقاد هذه المقدمات ظن محض ، والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنا"29.

فانظر كيف يجعل الفخر دلالة الألفاظ على المعاني الموضوعة لها ظنية ، مع جعله دلالتها على ضد تلك المعاني قطعية.

والخلاصة من كل ما تقدم أن دلالة الآية الكريمة على انتفاء رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة دلالة قاطعة ، وكل ما تعلق به القائلون بخلاف ذلك لا يتجاوز أن يكون ضبابا من الوهم ، لا يلبث أن يتلاشى بإشراق مس الحقيقة ، ويؤيد نصيتها على ذلك تذييلها بقوله تعالى : (وهو اللطيف الخبير) فإن قوله : (اللطيف) كالتعليل لقوله : (لا تدركه الأبصار) وقوله : (الخبير) كالتعليل لقوله : (وهو يدرك الأبصار) والصفتان المذكورتان من صفات ذاته تعالى لا تتبدلان أزلاً وأبداً ؛ أما الخبير فكونه من صفات الذات ظاهر لأنه كالعليم ، وأما اللطيف فلأنه - كما يقول الإمـام ابن عاشور : "صفة مشبهة تدل على صفة من صفات ذات الله تعالى ، وهي صفة تنزيهه تعالى عن إحاطة العقول بماهيته ، أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته فيكون اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى هو منتهى الصراحة والرشاقة في الكلمة ، لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تقرب معنى وصف ذاته تعالى بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف الناس" 30.
-1

قوله تعالى لموسى عليه السلام : (لن تراني) 31 ، فإنه نفي مطلق غير مقيد بزمان ولا تبديل لكلمات الله ، فلو حصلت الرؤية في أي وقت من أزمان الدنيا أو الآخرة لكان ذلك منافيا لصدق هذا الخبر ، وتتأكد دلالة هذا النص على هذا المعنى باندكاك الجبل الذي علقت الرؤية على استقراره اندكاكاً هائلاً ليكون آيةً بينةً تستأصل أطماع المتطاولين على الله بطلب أو تمني ما يستحيل عليه ويتنافى مع كبريائه ، وقد وضح لكل ذي عينين صبح الحق بعدم استقرار الجبل فلا مطمع في حصولها لأنها إحدى المستحيلات.

وما ألطف وأدق وأروع قول موسى عليه السلام إثر إفاقته مما حصل له من الصعق بعـد هذا الحدث : (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمين) 32 ، فقد بادر عليه السلام أولا إلى تنزيه الله سبحانه إعلانا بحق ربوبيته واعترافاً بالخطأ إعظاماً لحق الله ، وإن كان قلبه عليه السلام بريئاً من قصد ما دل عليه ظاهر قوله بادي الرأي لأنه لم يسأل ما سأل إلا لتبكيت قومه كما تقدم ، ثم أتبع ذلك التوبة النصوح مما وقع فيه تعرضا منه لمغفرته تعالى ، وختم كلامه بأنه عليه السلام أول المؤمنين بأن الله تعالى لا يُرى - وهو الذي أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما - وفي هذا من تقرير عقيدة الحق المنزهة لله عن درك الأبصار ما لا يخفى على ذي بصر ، فإنه عليه السلام ما قصد بقوله : (وأنا أول المؤمنين) إلا الاعتذار والتنصل مما يوحي به ظاهر قوله ، وإن كان الله عز وجل عالما بسريرته ، فإن مثل ذلك مثل الاستغفار باللسان ، والإخبار بالقول عن عقد العزم على عدم العودة إلى المعصية ، مع أن الله عليم بالسرائر لا يخفى عليه شيء مما اشتملت عليه حنايا الضمائر .

و " لن " تفيد تأكيد النفي أو تأييده ، أو هما معاً ، فتحصّل من جميع ذلك أن رؤيته تعالى مستحيلة ، لأن امتناعها لأمر يتعلق بذاته تعالى وهو كونها غير قابلة لأن ترى ، وإلى ذلك الإشارة بالتنزيه الذي صُدر به الاعتذار في قوله موسى عليه السلام ، ولو كان لأحد مطمع في حصول الرؤية لما آيس الله منها عبده موسى الذي اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه. واعترض هذا الاستدلال بأن هذا النفي مقيد بالحياة الدنيوية ، لأن الإنسان فيها مفطور على الفناء ، فلذلك لم يكن أهلا لرؤية الباقي تعالى ، كما اعترض بأن الجواب لم يكن بصيغة تفيد أن الله لا يرى ، لأن الرؤية المنفية في صيغته أسندت إلى موسى عليه السلام فهي لا تفيد عموم النفي بخلاف ما لو كان الجواب لا أُرى.

قال الألوسي : "ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضا ، وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له : (لن تراني) ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب لست بمرئي ، ألا ترى لو قال : أرني أنظر إلى صورتك ومكانك ، لم يحسن في الجواب أن يقال : لن ترى صورتي ولا مكاني ، بل الحسن لست بذي صورة ولا مكان"33.

وعوَّل كثير من مثبتي الرؤية على إنكار تأبيد النفي بلن ، ومما أستقر في ذاكرتي من ذلك ما نقله السيوطي في شرحه لعقود الجمان عند قوله :

ثم للتأكيـد لـن      ونفي ما كان حصوله يظن
قيل وللتأبيد لكن تركـا     وخصه لا ابن خطيب زملكا

عن ابن الخطيب الزملكاني أنه فرق بين (لن) و (لا) النافيتين فقال بانقطاع النفي بأولاهما ودوام النفي بأخراهما أخذاً من أداء الحرفين في النطق لأن (لن) منقطعة في النطق و (لا) ممدودة ومثل لذلك بقوله تعالى في النفي بلن : (لن تراني) وبقوله سبحانه في النفي بلا : (لا تدركه الأبصار) بناءً على تفرقتهم بين الرؤية والإدراك كما تقدم ، وأخذ من ذلك أن نفي الرؤية منقطع لأنه ينتهي بانتهاء الدنيا بخلاف نفي الإدراك ، وأقوى ما عولوا عليه في نفي تأييد النفي بلن قوله تعالى في اليهود : (ولن يتمنوه أبدا) 34 ، مع قوله سبحانه في أهل النار عموما : (ونادوا يا مالك ليقْض علينا ربك) 35

والجواب أن كون هذا النفي مقيداً بالحياة الدنيا دون الآخرة ، دعوى لم يقم عليها دليل ، فإن صفات الله لا تتبدل ، وكبرياءه لا تتحول ، وما سبق من الأدلة على أن رؤيته تعالى منافية لكبريائه كافٍ في دحض هذا الزعم.

وأما دعوى أن صيغة الجواب لا تفيد عموم النفي فهي مردودة بأن الجواب لم يكون إلا مطابقا للسؤال ، ومما تدركه العقول أن نفي حصول الرؤية لموسى عليه السلام قاض بنفي حصولها لغيره ، لأنها لو كانت ممكنة لكان أحق بها لما اختصه الله تعالى به من مزايا وآتاه من مواهب من بينها اصطفاؤه بالرسالة والتكليم ، فهو جواب واضح لا غبار عليه بخلاف لن ترى صورتي أو لن ترى مكاني فـي جواب أرني صورتك أو أرني مكانك ، لما يتضمنه من إثبات الصورة والمكان.

وأما التأبيد فهو يختلف بحسب اختلاف الأحوال وتفاوت مقامات الخطاب ، فبما أن اليهود شغفوا بالحياة الدنيا ، وأخلدوا إليها ، وكانوا مشفقين من الموت لما يعلمون وراءه من العذاب ، فضلا عن حرصهم على ما يقضونه من شهواتهم في هذه الحياة ، كان تأبيد عدم تمنيهم الموت محصورا في الحياة الدنيا ، وبما أن الله سبحانه وتعالى لا تجري على ذاته الأحوال ، ولا يجوز على صفاته التبدل والانتقال كان نفي الرؤية المنافية لكبريائه أزليا أبديا سواء نفي بلن أو بغيرها.

وأما تفرقه ابن الخطيب الزملكاني بين (لن) و (لا) النافيتين فهي لا تتعدى أن تكون تحكيما لذوقه ، واللغات لا تستفاد معانيها من الأذواق وإنما تحكم فيها النقول الثابتة عن ألسنة أصحابها التي هي منابع بيانها ، والشواهد الثابتة من ذلك تدل على خلاف ما قال ، وكفى بما جاء في القرآن الكريم من ترادف (لن) و (لا) على منفي واحد كقوله تعالى : (ولن يتمنوه) 36 ، مع قوله : (ولا يتمنونه) 37 ، وانتفاء إتيان المشركين بمثل سورة من القرآن وخلق آلهتهم للذباب بلن في قوله تعالى : (ولن تفعلوا) 38 ، وقوله : (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا) 39 ، مع أنه معلوم قطعا أن هذا النفي أبدى.
-2

قوله تعالى : (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) 40 ، وقد استدلت به عائشة رضي الله تعالى عنها على امتناع الرؤية كما سبق ، ووجه الاستدلال أن الله عز وجل نفى أن يكون لبشر تكليم من الله إلا بما ذكره من الطرق ، وقد أكد هذا النفي بإدخاله على كان لتأكيد تعذّر وقوع المنفي ، ولا يتقيّد هذا النفي بزمن دون زمن كما سبق بيانه في قوله : (لا تدركه الأبصار) لأن ذلك هو اللائق بجلال الله ولو كانت رؤيته تعالى جائزة لكان تكليمه جائزا بغير هذه الطرق.
-3

ما جاء في آيات الكتاب من الإنكار البالغ والتقريع الشديد للذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين ، مع تحذير المسلمين من أن يقعوا فيما وقعوا فيه ، ومن ذلك قوله تعالى بـ : (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) 41 ، وقوله تعالى : (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) 42 ، ثم أتبع ذلك بيان حالهم عندما يرون الملائكة : (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) 43 ، وسكت عن رؤية الله تعالى لما في سؤالها من التعنت البالغ والكفر العظيم ، وقوله : (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل) 44 ، ووجه الاستدلال بذلك ما في هذا الإنكار من الدلالة الواضحة على أن الذين سألوها تخطوا جميع الحواجز ، واقتحموا كل السدود حتى داسوا حمىً محجوراً وحاولوا أمراً مستحيلاً ، ولذلك عوقت بنو إسرائيل بالصاعقة على هذا السؤال ، مع أنهم لم يعاقبوا بمثلها على جميع ما كانوا يأتونه من الفظائع ، حتى عبادتهم للعجل . فإن قيل إن الإنكار ليس هو على السؤال ذاته وإنما هو على التعنت . فجوابه نعم أنكر عليهم التعنت في كل شيء ، ولكنه جعل سؤال الرؤية أكبر من ذلك كله ، كما في قوله : (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) وكم تطاولت الأمم على أنبيائها متحدية لهم بطلب الآيات - كما هو ثابت بالتواتر - ولم تكن عقوبتهم على هذا الطلب كعقوبة بني إسرائيل على طلبهم الرؤية ، وحسبكم أن موسى سلام الله عليه صعق بمجرد سؤالها ، مع أنه لم يقصد به إلا صرفهم عن الباطل وإقناعهم بالحق ، وما كاد يفيق من صعقته حتى بادر إلى التنزيه والتوبة والاعتذار وإعلان عقيدة التنزيه التي كان منطويا عليها.

وبنو إسرائيل أنفسهم - مع تتابع عنتهم وإصرارهم على الشقاق والتحدي - لم يعاقبوا بمثل هذا العقاب الرهيب إلا على هذا السؤال ..
-4

وأما من السنة فيما يلي

ما رواه الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ، ووجه الاستدلال به صراحته في عدم رؤيتهم لله لحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذلك ، والكبرياء صفة ذاتية لله عز وجل لا يمكن أن يتخلى عنها كما لا يتخلى عن القدرة ، أو العلم ، أو الإرادة ، أو الحياة أو السمع ، أو البصر ، إذ لو تخلى عنها في أي لحظة لكان منقلبا عنها إلى ضدها وهو الصغار المنافي لربوبيته تعالى ، فمن ادَّعى مع هذا النفي رؤيته سبحانه لزمه سلب الكبرياء عن الذات العلية.

وإضافة الرداء إلى الكبرياء في الحديث من باب إضافة المشبه به إلى المشبه ، كذهب الأصيل ولجين الماء في قول الشاعر:

والريح تعبث بالغصون وقد جرى     ذهب الأصيل على لجين الماء

وفيها إشارة إلى تشبيه الكبرياء بالرداء بأسلوب التشبيه البليغ حسبما جاء في الحديث القدسي وهو قوله سبحانه "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" ، وما معناه إلا أنه تعالى مختص بهما كاختصاص أحدنا بردائه وإزاره ، فليس لأحد أن يتطاول فينازعه فيهما ، وقد صرح بذلك آخر الحديث وهو قوله : (فمن نازعني فيهما أدخلته النار ولا أبالي).

فإن قيل ما بالكم حملتم النظر في مقام النفي على الرؤية مع حملكم إياه في مقام الإثبات على الانتظار كما قلتم في آية القيامة وحديث صهيب ؟ . فالجواب أن حمله على الانتظار هناك لأن هذا المعنى هو الذي يتفق مع القرائن العقلية ، ويتساوق مع السياق في الآية والحديث ، ونحن لا نمنع أن يفسر النظر بالرؤية عندما تكون مرادة به ، فإنه من باب اللفظ المشترك الذي يصلح لأكثر من معنى ، وإنما القرائن هي التي تعين المراد ، والمقام هنا يقتضي تفسير النظر بالرؤية ، فإن الحديث يفيد أن الأولياء وصلوا في دار كرامة الله من تكريمه إياهم وتقريبه لهم ، ورفعه لدرجاتهم إلى حيث لم يبق شيء مما ألف من أنواع التكريم إلا وقد نالوه ، ماعدا الرؤية فإنهم لم يمنعوا منها حرمانا ، ولكن لكونها منافية لصفة الكبرياء الخاصة بجلال الله ، وبهذا يمكن الجمع بين نصوص النفي والإثبات ، والوجه هنا بمعنى الذات عند المحققين حتى من مثبتي الرؤية.

وقد أشكل الحديث على معتقدي الرؤية فتكلفوا من أجل الدفاع عن معتقدهم تأويله بما تأباه سلامة الفطرة وينكره الذوق غير المؤف ، كقول الحافظ ابن حجر في توجيه جواب الكرماني عن هذا الإشكال "إن في الكلام حذفا تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء .. فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه"45.

ولعمر الحق إن اتباع مثل هذه التأويلات البعيدة يفضي إلى عدم الإستقرار على معنى نص من النصوص لاحتمال تقدير ما يحور نفيه إلى الإثبات وإثباته إلى النفي.

وقد أجاد السيد العلامة صاحب المنار ، حيث قال بعد أن نقل هذا التأويل : "وفيه من التكلف ما لا ينبغي لحفاظ السنة الاعتداد به ، وهم ينكرون على الجهمية والمعتزلة مثله ، وما هو أمثل منه من تأويلاتهم"46.

وحمل الحافظ الرداء في هذا الحديث على الحجاب المذكور في حديث صهيب المتقدم ، وبعد أخذ ورد قال : "ومقتضى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته للمؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالاً للنعمة ، فإذا زال المانع فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء ، فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم"47.

وقد نقل كلامه هذا صاحب المنار ، ولم يتعقبه بشيء ، مع أنه لا يقل تكلفاً عما قبله ، فإن الحديث لا يفيد أن امتناع الرؤية عن الله لشيء في نفوس عباده كالهيبة التي تخشع لها أبصارهم وتوجل منها قلوبهم ، وإنما يفيد أن امتناعها لأمر خاص بالذات الإلهية ، وهو اتصافه تعالى بالكبرياء وصفات الله تعالى لا تتناقض ، ولا تناقضها أفعاله ، فقول الحافظ : ( فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء ) قول تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، فحاشى لله سبحانه أن يفعل ما لا تقتضيه صفاته الذاتية ، كيف وهي أجل المحامد المقتضية لأعظم المدائح ، وقد مر بكم من القول في حديث صهيب ما يُغني عن إعادته هنا .
-1

ما أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري قال :

قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال :

إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام


يخفض القسط ويرفعه


يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل


حجابه النور - وفي رواية النار


لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
-هـ

ووجه الإستدلال به على امتناع الرؤية ما يقتضيه من تعذر أن ينتهي إليه سبحانه بصر أحد من العباد ، والحديث ما أراد به صلوات الله وسلامه عليه إلا تمثيل تعذر وصول عقول البشر إلى كنه الحقيقة الذاتية المقدسة ، أو امتداد أبصارهم إليها ، فإن الرؤية وسيلة من وسائل الاكتناه عادة ، وقد فات هذا المعنى صاحب المنار - مع غزارة علمه وثاقب فهمه - ففسَّر الحديث تفسيراً ماديا لا يليق بتنزيه الحق تعالى .
19‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم (محمد المتوكل).
4 من 18
وخلاصة قوله : "أنه بما ثبت أخيراً من أن الكهرباء التي رأى البشر كثيراً من عجائبها هي الأصل في تكوين مادة الكون كله وأطوارها ، وهي نور أو مصدر النور ، والحركة التي يحدثها النور أو تحدثه ، وإذا كان الخالق البارئ المنزه عن نقص المخلوقات التي لا يكمل شيء منها إلا به قد حجب عنها بالنور فلك أن تفهم أن الكهرباء وما جعلها الله أصلا له من تكوين العالم المادي هي الحجاب المانع من رؤية الرب تعالى فيه ، وأن انكشاف هذا الحجاب لا يكون إلا في الجنة ، وأن انكشافه هو الذي يوصل أهلها إلى أعلى وأكمل درجات المعرفة به تعالى ، وهي الرؤية بغير كيف ولا إدراك"48

وهذا التفسير وإن قال صاحبه إنه المتفق مع طريقة السلف ودلائل العلم الحديث فإنه مدفوع بأمرين:

أنه يقتضي أن الذات العلية مكتنفة بمخلوقاته تعالى ، فإن الكهرباء من جنس مخلوقاته الخفية وهي موجودة في هذا العالم الأرضي مع أن طائفة من مثبتي الرؤية - ومن بينهم صاحب المنار حسب المعتقد الذي صار إليه يحصرون ذات الحق تعالى في الجهة العلوية ويثبتون ، استقراره على العرش
أولهما

أن كون الكهرباء منشأ للكون ليس حقيقة ثابتة ، وإنما هي نظرية ، والنظريات لا تبنى إلا على التخمين والحدس ، فلا يجوز أن تفسر بها النصوص الثابتة ، وكفى بما في ذلك من خطورة تعريض النصوص للتحول مع تحول هذه النظريات وتناسخها
ثانيهما

والقول الفصل أن الحديث الشريف ما هو إلا كناية عن عدم إمكان وصول المخلوق إلى حقيقة ذات الخالق بحاسة ولا فكر ، وأمثال هذه الكنايات معروفة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل وفي كلام الله تعالى ، ففي الحديث القدسي (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها) فلو تقيدنا بقيود الظواهر وانحبسنا في مضيق الألفاظ من غير أن نسرح أبصارنا وأفكارنا في رحاب المقاصد وأبعاد الغايات ، لزمنا أن نثبت أن الله سبحانه هو نفس سمع العابد المتنفل المحبوب إلى الله ، ونفس بصره ويده ورجله ، وهذا ما تأباه عقيدة كل من يؤمن بالله ، وإذا أدركت ذلك علمت أن النور أو النار في حديث أبي موسى ليسا حسيين ، وإنما هما كناية عما يتجلى للعارفين به تعالى من صفات جلاله وعظمته التي تجعلهم مبهورين بجمال الجلال ، وتجلي الكمال ، وما يعترض السالكين إليه من مخاطر الانحراف والضلال والعياذ بالله ، ولو جاز مثل هذا التفسير الذي انتهجه صاحب المنار لساغ للقائلين بوحدة الوجود أن يفسروا قوله تعالى : (الله نور السماوات والأرض) 49 ، بأن المراد به أن ذاته تعالى هي ما يترآى لنا من أنوار في العالم العلوي أو السفلي كالشمس والقمر وسائر الأجرام الفلكية ، فيجعلوا من الآية سندا لضلالهم وحجة لكفرهم ، تعالى الله عما يقول الأفاكون علوا كبيرا.
-2

ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال عندما سئل عن رؤيته لربه : (نور أنَّى أراه) . ووجه الاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم استبعد فيه حصول الرؤية بقوله : (أنَّى أراه) فإن أنَّى بمعنى كيف ، وهو شاهد على استحالة رؤيته تعالى.
-3

الهوامش والتعليقات
الآية 103 من سورة الأنعام 1
الآية 110 من سورة طه 2
محاسن التأويل ج16 ص2450/2452 ط1، بتلخيص وإيضاح ، وراجع المواقف وشرحه ، وتفاسير الفخر والنسفي والألوسي في تفسير الآية 3
الرازي: مفاتيح الغيب ج13 ص128 ط دار الكتب العلمية بطهران 4

تاج العروس ج7 ص126 ط دار مكتبة الحياة
5

الصحاح ، ج4 ص1582 ط دار العلم للملايين - بيروت
6

لسان العرب ج3 ص1363 ط دار المعارف
7

لسان العرب ج3 ص1364 ط دار المعارف
8

مسند الإمام الربيع ج3 ص226/227 ط مكتبة الإستقامة
9

التفسير الكبير "مفاتيح الغيب" ج13 ص128 ط2
10
الآيتان 61 و 62 من سورة الشعراء 11

الفصل في الملل والأهواء والنحل ج3 ص2 ط مكتبة السلام العالمية
12

فتح الباري ج8 ص607 ، المطبعة السلفية
13
أحكام القرآن ج3 ص4 ط دار الكتاب العربي 14

الآية 190 من سورة البقرة و الآية 87 من سورة المائدة
15

الآية 141 من سورة الأنعام و الأعراف 31 من سورة الأعراف
16

الآيتان 57 و 140 من سورة آل عمران
17

الآية 18 من سورة لقمان
18

الآية 255 من سورة البقرة
19

الآية 3 من سورة الجن
20

الآيات 3-5 من سورة الإخلاص
21

الآية 49 من سورة الكهف
22
معالم الدين ج2 ص38/39 وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان 23
تمهيد قواعد الإيمان ج1 ص183 ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان 24
الآية 11 من سورة الشورى 25

إبن القيم : حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص209/210 ، نقلاً عن ابن تيمية ، وانظر كذلك المنار ج9 ص132 ط4
26

مفاتيح الغيب "التفسير الكبير" ج13 ص125 ط2 دار الكتب العلمية - طهران
27

الآية 111 من سورة الإسراء
28

التفسير الكبير ج1 ص28 ط2 دار الكتب العلمية - طهران ، وقد بيَّن بطلان ما أصَّله الفخر هنا الإمام نور الدين السَّالمي رحمه الله في طلعة الشمس : ج1 ص30 ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان
29
التحرير والتنوير ج7 ص417 ، الدار التونسية للنشر 30

الآية 143 من سورة الأعراف
31
الآية 143 من سورة الأعراف 32

روح المعاني ج9 ص50 ، دار إحياء التراث العربي
33

الآية 95 من سورة البقرة
34

الآية 77 من سورة الزخرف
35
الآية 95 من سورة البقرة 36

الآية 7 من سورة الجمعة
37

الآية 24 من سورة البقرة
38

الآية 73 من سورة الحج
39

الآية 51 من سورة الشورى
40

الآية 153 من سورة النساء
41

الآية 21 من سورة الفرقان
42

الآية 22 من سورة الفرقان
43

الآية 108 من سورة البقرة
44

فتح الباري ج13 ص432 ، المطبعة السلفية
45

المنار ج9 ص139 ، الطبعة الرابعة ، الناشر مكتبة القاهرة
46

فتح الباري ج13 ص433 ، المطبعة السلفية
47

حاشية المنار رقم "1" ج9 ص167/168 ، الطبعة الرابعة ، الناشر مكتبة القاهرة
48

الآية 35 من سورة النور
49

خاتمة
نتيجة البحث حول رؤية الله تعالى

بعد هذا العرض لموضوع رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة ، واستعراض أدلة النافين والمثبتين ، وما يتوجه إليها من اعتراض ، وما يعقبه من جواب ، لا أظنك أيها القارئ الكريم تشك في أن نفاتها لم يأخذوا إلا بالأقوى والأسلم والأحزم ، فإن ذلك واضح بوضوح حججهم ، وسلامة قولهم من التأثر بالذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين ، وناهيك أن ذلك أسعد بمقتضى القاعدة الأصيلة في صفات الله تعالى ، وهي عدم مشابهته لمخلوقاته ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وإن كنت لم تقتنع بما ذكرته ، فلا أقل من تقتنع بأن أصحاب هذا القول متمسكون بأصل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلا وجه لتكفيرهم أو تضليلهم وقطع الحبال الواصلة بينهم وبين الأمة الإسلامية ، وقبل أن أغادر هذا الموضوع أود أن أضع بين يديك أمرين اثنين لعلهما يحظيان بتفكيرك وتأملك :

أنك تجد في كتاب الله ما وعد به المؤمنين في الدار الآخرة من النعيم مذكوراً بأصرح العبارات ، ومكرراً في مواضع شتى لأجل التشويق إليه ، بينما لا تجد للرؤية ذكراً إلا ما يتأوله مثبتوها من لفظ الزيادة وأمثالها ، وهو لم يذكر إلا مجملاً ، فهل ترى من المعقول - أن لو كانت الرؤية ثابتة وهي أجلّ من كلِّ نعيم الجنة - أن يكتفى بمثل هذه الإشارة الطفيفة إليها بينما تذكر المآكل والمشارب ، والمساكن والمناكح ، والحدائق والأنهار ، وسائر المباهج والملذات الفينة بعد الفينة بعبارات واضحة لا تحتمل التأويل ؟
أولهما

ما ذكره الله في كتابه من قصة عبده وخليله إبراهيم عليه السلام ، وهو يقيم الحجة على قومه الذين كانوا يعبدون الأجرام السماوية ، بما ينتزعه من الأدلة على بطلان ألوهيتها من واقع حالها ، إذ كانت تتحول من حال إلى حال تظهر تارة وتختفي أخرى ، ومن المعلوم أنها لم تكن باختفائها تنعدم أصلاً وإنما يواريها الأفق عن الأبصار ، أليس في هذا شاهد بأن من يظهر للأبصار ثم يختفي عنها لا يمكن أن يكون حقيقاً بالربوبية والألوهية لأن الحقيق بهما لا تجري عليه الأحوال ، فلا ينتقل من حال إلى حال ؟ فكيف لنا أن نثبت بعد ذلك لله هذه الصفة التي أنكرها إبراهيم عليه السلام في النيرات المؤلهة محتجاً بها على قومه ، فنزعم أنه ينكشف لأهل الجنة فيرونه ، ثم يحتجب عنهم إلى أن يحين ميقات رؤيته مرة أخرى ؟
ثانيهما

لا أظنك أخي القارئ إذا تأملت هذين الأمرين ، مع ما سبق تحريره في هذا البحث ، تشك في استحالة رؤيته تعالى وسلامة معتقد منكريها ، ولا أريد أن أطيل عليك فوق هذا ، فإن اللبيب يستجلي الحقائق من ومضاتها ( ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها ) ..
19‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم (محمد المتوكل).
5 من 18
أدلة المثبتين للرؤية

القسم الثاني في أدلة وقوع الرؤية

وأما القسم الثاني وهو : أدلة وقوعها في الآخرة ، فهو نقولٌ بعضها من الكتاب وبعضها من السنة ، فمن الكتاب :

قوله تعالى : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)1 ، وهو أقوى ما استندوا إليه في هذا الباب ، واعتُرِضوا بأن النظر أعم من الرؤية ، فإنه يكون بمعنى محاولتها ولو لم تتحقق ، لجواز أن يقول قائل : نظرت إلى كذا فلم أره ، مع عدم جواز أن يقول : رأيته فلم أره ، ففي القاموس ما نصَّه : ( نظره كنصره وسمعه ، وإليه نظرا ومنظراً ونظراناً ومنظرة ، وتَنْظَاراً تأمله بعينه ) وفي شرحه للإمام الزبيدي نقلاً عن البصائر ، والنظر أيضاً تقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته ، وقد يراد به التأمل والفحص ، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص ، ثم قال الشارح : ويقال نظرت إلى كذا إذا مددت طرفك إليه رأيته أو لم تره.2

وقد شاع النظر بمعنى الانتظار ، كقوله تعالى : (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة)3 ، وقوله : (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) وقوله : (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم)4 ، وعليه يتعين حمل النظر في هذه الآية لوجوه :

إبعاد تأويل القرآن عن تعارض بعضه مع بعض ، فإن حمل النظر في الآية على الرؤية يتعارض مع أدلة نفيها القطعية ، وستأتي إن شاء الله .


الانسجام المعهود في آي القرآن وارتباط بعضها مع بعض ، وهو لا يكون إلا بتفسير النظر بالانتظار ، فإن الآيات قسّمت الناس يومئذ إلى طائفتين ، إحداهما وجوهها ناضرة ـ أي مبتهجة مشرقة بما ترجوه من ثواب الله ـ إلى ربها ناظرة أي منتظرة لرحمته ودخول جنته ، والأخرى مباينة لها في أحوالها ، فوجوهها باسرة - أي كالحة مكفهرّة لما تتوقعه من العذاب - تظن أن بفعل بها فاقرة أي تتوقع أن ينزل بها ما يقطع فقار ظهورها ، فَنَضَارَة هذه الوجوه مقَابَل ببسور تلك ، وانتظاره هذه لرحمة الله ودخول جنته مقابَل بتوقع تلك للعذاب ، ولو فسر النظر هنا بالرؤية لتقطع هذا الوصل بين الآيات ، وتفكك رباطها ، وذهب انسجامها ، إذ لا تقابل بين الرؤية وما وصفت به تلك من ظنها أمراً يقطع فقارها ، ومثل هذه النكت البلاغية لا تفوت البلغاء في كلامهم ، منثوره ومنظومه ، فما بالكم بكلام الله تعالى الذي هو أدق في التعبير ، وأبلغ في التصوير ، وأكثر انسجاماً ، وأشد ترابطاً من كل كلام ( وكيف لا وهو كلام الله جل ؟ ) .


أن هذا التأويل هو الذي يتفق مع ما في خاتمة عبس ، وهو قوله سبحانه : (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غـبرة ترهقها قترة)5 ، إذ لا فارق بين ما وصفت به وجوه المؤمنين هنا من الاستبشار ، ووصفت به في آي القيامة من النظر بمعنى الانتظار ، فإن المنتظر للرحمة مستبشر بها والمستبشر منتظر لما استبشر به .


أن تقديم المعمول على عامله يؤذن بقصره عليه ، فتقديم ( إلى ربها ) على ( ناظرة ) يؤذن أنها لا تنظر إلا إليه وهو لا يتفق إلا مع تفسير النظر بالانتظار ، فلو كان المراد به الرؤية لاقتضى أنهم لا يرون شيئاً غيره تعالى مع ما هو معروف عقلاً ونقلاً من رؤية بعضهم لبعض ، ورؤيتهـم لما أعد الله لهم من النعيم .


وأنكر المثبتون تفسير النظر بالانتظار من ثلاثة أوجه:

أن في الانتظار تنغيصاً يتنافى مع إكرام الله لعباده الأوفياء يوم القيامة
أولها

أن انتظار رحمة الله من قبل عباده المؤمنين أمر حاصل في الدنيا ، فكيف يوعدون به في الآخرة
ثانيها

أن تعدية النظر بإلى تمنع من حمله على الانتظار ، خصوصاً إذا أسند إلى الوجوه
ثالثهما

وكل ذلك مردود :

فلأن الآيات تصور لنا الموقف يوم القيامة قبل أن ينتقل الأبرار إلى دار الثواب ، والفجار إلى دار العقاب ، بدليل السياق في الآيات السابقة ، وقوله سبحانه في الأشقياء ( تظن أن يفعل بها فاقرة ) يؤكده فإن ذلك قبل دخول النار قطعاً إذ لا معنى لظنهم ذلك بعد الدخول وقد لقوا ما لقوه وحلت بهم الفاقرة التي كانوا يتوقعونها ، ولا ريب أن الناس في الموقف متباينة أحوالهم ، فالأبرار ناضرة وجوههم بانتظارهم رحمة الله التي وُعِدوها ، والفجار على خلاف ذلك ، ولا يجوز إنكار هذا الموقف الذي يقفه الأبرار والفجار قبل انتقالهم إلى مقر الجزاء الدائم لأنه ثابت بالكتاب والسنة .
أما الأول

فلبعد ما بين الانتظارين ، فشتان بين حال من كان في دار الشهوات والنزغات غير عارف بخاتمته ، ولا متيقن بمصيره ، ومن طوى المراحل وتجاوز العقبات حتى تلقته الملائكة في زمرة السعداء ( ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون)6
وأما الثاني

فلثبوت مجيء النظر بمعنى الانتظار حال تعديته بإلى بالنقول الثابتة والشواهد البينة ولا عبرة بمن أنكر ذلك

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد    وينكر الفم طعم الماء من سقم

فمن النقول المصححة له قول صاحب اللسان : ( ويقول القائل للمؤمَّل يرجوه إنما ننظر إلى الله ثم إليك ، أي إنما أتوقع فضل الله ثم فضلك )7.

ومن شواهده ما رواه الإمام الربيع رحمه الله عن سفيان بن عيينة عن الأعمش عن أبي راشد أن مولاة لعتبة بن عمير قالت : إنما أنظر إلى الله وإليك ، فقال لها : لا تقولي كذلك ، ولكن قولي : إنما أنظر إلى الله ثم إليك .8

وقول جميل بن معمر

وإذا نظرت إليك من ملك     والبحر دونك زدتني نعما

وقول آخر

إني إليك لما وعدت لناظر     نظر الفقير إلى الغني الموسر

وقول غيره

كل الخلائق ينظرون سجاله    نظر الحجيج إلى طلوع هلال

ولا وجه للتفرقة بين كونه مسنداً إلى الوجوه أو إلى غيرها ، فإنه تحكم لا دليل عليه ، على أنه جاء بهذا المعنى مع إسناده إلى الوجوه في كلام العرب ، ومنه قول حسان

وجوه يوم بدرٍ ناظرات     إلى الرحمن يأتي بالفلاح

وقول البُعيث

وجوه بَهَالِيلِ الحجاز على الهوى    إلى مَلِكٍ كهف الخلائق ناظرة

فإن قيل إن الانتظار محله القلوب لا الوجوه ؛ فلذلك تعين حمل النظر في الآية على الرؤية لا على الانتظار ؛ لأن الوجوه محل للأبصار التي هي آلة الرؤية ؟

فجوابه : أن الرؤية أيضاً لا تكون بالوجوه وإنما تكون بالعيون فإسنادها إلى الوجوه غير وارد إذ لم يعهد قول أحد رأيته بوجهي ، ويتعذر جواز ذلك قطعاً على رأي الذي ينكر المجاز مطلقاً أو في القرآن خاصة كما هو شأن كثير من مثبتي الرؤية ، أما نحن فنحمل الوجوه على أصحابها لأن ذلك معهود عند العرب كقولهم : ( قصدت وجهك ) بمعنى قصدتك ، فالانتظار وإن أسند إلى الوجوه لفظاً فهو لأصحابها معنىً ، ولذلك جاز إسناد الظن إليها في قوله : (تظن أن يفعل بها فاقرة)9 ، كما جاز إسناد الخشوع والعمـل والنصب إليها في قوله تعالى : (وجوه يومئذ خاشعة ، عاملة ناصبة)10 ، ويؤكده قوله من بعد : ( تصلى ناراً حامية ، تسقى من عين آنية ، ليس لهم طعام إلا مـن ضريع)11 ، فإن الصلى غير خاص بالوجوه ، والسقي والطعام لأصحاب الوجوه قطعاً ، ومثله إسناد النعمة والسعي والرضى إلى الوجوه في قوله تعالى : (وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية)12
وأما الثالث

وبجانب كل ما ذكرته فإن تفسير النظر في الآية بالانتظار مروي عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، فقد أخرجه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده الصحيح عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من طريق أبي معمر السعدي كما أخرجه أيضاً عم ابن عباس رضي الله عنهما من طريق الضحاك بن قيس ، وطريق سعيد بن جبير ، وعزاه إلى مجاهد ومكحول وإبراهيم والزهري وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب13.

ورواه ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما من الصحابة ، وعكرمة من التابعين ، ورواه عن عكرمة عبد بن حميد كما رواه عن مجاهد وأبي صالح بإسناد صححه الحافظ ابن حجر14.   وأخرجه الإمام ابن جرير عن مجاهد بخمسة أسانيد وفي كلامه إنكار صريح للرؤية ، فقد جاء في رواية منصور عنه أنه قال : لا يراه من خلقه شيء ، وفي أخرى مـن طريقه أيضاً قال : كان الناس يقولون في حديث ( فيرون ربهم ) فقلت لمجاهد : إن أناساً يقولون إنه يُرى ، فقال : يَرى ولا يراه شيء .

وفي تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي - وهو أحد علماء الشيعة الإمامية المعاصرين - ما نصه : وفي العيون في باب ما جاء عن الرضى عليه السلام من أخبار التوحيد بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود قال : قال علي بن موسى الرضى عليه السلام في قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها - قال : أقول ورواه في التوحيد والاحتجاج والمجمع عن علي عليه السلام15.

ومن أقطع الأدلة وأبين الشواهد على مجيء النظر معدَّى بإلى ، وهو ليس بمعنى الرؤية قوله تعالى : (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة)16 ، فإنه لو حمل النظر في الآية على الرؤية لأدى إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يرى هؤلاء يوم القيامة ، وهذا عين المحال ، واعتقاده رأس الضلال ، فإنه كفر بالله تعالى ، ولا وجه لحمل النظر هنا إلا على الرحمة والإحسان ، ومن هنا نتبين أن نظر القوي إلى الضعيف هو عطفه ورحمته ، وأن نظر الضعيف إلى القوي هو انتظار ذلك منه .

هذا وقد اتضح لك مما سبق أن الآية الكريمة تصور لنا حال الناس في الموقف قبل نقل السعداء إلى دار النعيم والأشقياء إلى نار الجحيم ، ولئِن كان النظر فيها بمعنى الرؤية وكان الراؤون له تعالى تنضر وجوههم بهذه الرؤية ، لزم أن تشمل هذه الحالة منافقي هذه الأمة لأنهم يشتركون مع مؤمنيها في الرؤية حسبما يقتضيه حديث أبي سعيد وأبي هريرة عند الشيخـين الذي يستند إليه مثبتو الرؤية كما سيأتي بيانه إن شاء الله .

وقد أشكل على المثبتين للرؤية إسناد النظر في آية القيامة إلى الوجوه ، فترددوا بين القول بأن الرؤية بالبصر أو بالوجوه أو بالجسم كله أو بحاسة سادسة ، وما هذا الاضطراب إلا دليل بيِّن على أنهم غير مستندين إلى أصلٍ فيما قالوه ، ولو أنهم فهموا الآية الكريمة فهماً صحيحاً ، وحملوها على ما يقتضيه السياق واللغة لسلموا من هذا الاضطراب ، وبعدوا عن هذا التيه .

وقد أدرك المحققون المنصفون من معتقدي الرؤية ضعف الاستدلال على ثبوت الرؤية بهذه الحجة فصرحوا بذلك ، فالسيد محمد رشيد رضا يقول في " المنار" : ( وأما رؤية الرب تعالى فربما قيل بادئ الرأي إن آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات كقوله تعالى : (لن تراني)17 ، وقوله تعالى : (لا تدركه الأبصار)18 ، فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) على الإثبات ، فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب ، كقوله : (ما ينظرون إلا صيحة واحدة)19 ، ( هل ينظرون إلا تأويله)20 ، (هل ينظرون أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة)21 ، وثبت أنه استعمل بهذا المعنى متعدياً بإلى ، ولذلك جعل بعضهم وجه الدلالة فيه على المعنى الآخر - وهو توجيه الباصرة إلى ما تراد رؤيته - أنه أسند إلى الوجوه ، وليس فيها ما يصحح إسناد النظر إليها إلا العيون الباصرة ، وهو في الدقة كما ترى)22.

وقد سبق بيان ما أشار إليه أخيراً من استدلال حاملي النظر على الرؤية بإسناده إلى الوجوه والرد عليه .

وقال الإمام المحقق ابن عاشور في تفسير الآية : ( فدلالة الآية على أن المؤمنين يرون بأبصارهم رؤية متعلقة بذات الله على الإجمال دلالة ظنية ، لاحتمالها تأويلات تأولها المعتزلة بأن المقصود رؤية جلاله وبهجة قدسه التي لا تخول رؤيتها لغير أهل السعادة )23.
-1

قوله تعالى : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)24 ، فقد فسروا الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية ، مستدلين بحديث صهيب عند الشيخين مرفوعاً : ( إذا دخل أهل الجنةِ الجنـةَ نادى منادٍ إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه ، قالوا : ألم تبيضْ وجوهنا ، وتنجنا من النار ، وتدخلنا الجنة ، قال : فيكشف الحجاب ، قال : فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ) .

وأنتم ترون أن لفظة الزيادة مبهمة غير دالة على الرؤية وضعاً ولا استعمالاً ؛ من قريب ولا من بعيد ؛ أما الحديث الذي عوَّلوا عليه في تفسيرها فدلالته على ما قالوه ضعيفة جداً
19‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم (محمد المتوكل).
6 من 18
فلأن النظر لا يلزم أن يكون بمعنى الرؤية كما سبق بيانه في آية القيامة ، وكشف الحجاب يجوز أن يكون كناية عن مزيد الإكرام ورفع الدرجات ، وفتح أبواب العطاء غير المحدود ، وهذا الذي يتعين أن يحمل عليه كشف الحجاب والنظر إلى الله في الحديث ؛ لدفع التعارض بين آيات الله وأحاديث رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام .
أما أولاً

فلأن حمل الزيادة على هذا المفهوم يتعارض مع ما استندوا إليه من المفهوم الذي عولوا عليه في تفسير آية القيامة ، التي استندوا إليها في إثبات الرؤية ، فإنه يلزمهم بموجب ذلك المفهوم أن تكون الرؤية حاصلة في الموقف قبل دخول الجنة ، مع أنها حسب تفسيرهم لآية يونس وحديث صهيب لا تكون إلا بعد دخول الجنة .
وأما ثانياً

فلأن ذلك يتعارض مع حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما الذي استندوا إليه في إثبات الرؤية في الموقف .

ولو أن الحديث كان نصاً صريحاً في تفسير النظر بالرؤية لما قامت به حجة لأحاديثه ، ومعارضته لما هو أقوى منه متناً ودلالة من أدلة نفيها ، فكيف وهو يعتريه الاحتمال ، وقد قيل : إن الدليل إذا اعتراه الإحتمال سقط به الإستدلال ، والقضية قضية عقيدة ، فلا يستدل فيها إلا بما كان قطعياً مَتْناً ودلالة .
وأما ثالثاً

فقد روي عن السلف تفسيرهم الزيادة في الآية بغير الرؤية ، فلو كان الحديث نصاً صريحاً صحيحاً على تفسيرها بالرؤية لما كان لهم أن يعدلوا عنه إلى غيره ، ومن أمثلة ذلك ما رواه الإمامان الربيع وابن جرير ( روى ذلك ابن جرير عنه بثلاثة أسانيد ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسَّرها بغرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب ، وروى الإمام الربيع عن ابن عباس مرفوعاً : ( إن أهل الجنة لا يزالون متعجبين مما هم فيه حتى يفتح الله لهم باب المزيد فإذا فتح لهم كان لا يأتيهم منه شيء إلا وهو أفضل مما في جنتهم ) ، وروى ابن جرير عنه وعن علقمة بن قيس أن الزيادة مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها ، وهذا رواه الإمام الربيع عنه وعن الحسن .

وروى الإمام الربيع بإسناده إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه فسر الزيادة بغرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب - كما سبق عن ابن عباس - وروى ابن جرير عن الحسن أنه فسرها بمغفرة من الله ورضوان ، وهو مروي عن مجاهد عند الربيع ، وروى الربيع عـن أبي حازم ، وابن جرير عن ابن زيد أنها عدم محاسبتهم على ما أعطاهم في الدنيا .

وروى الربيع عن الشعبي أن الزيادة دخول الجنة ، وعن محمد بن كعب ما يزيدهم الله من الكرامة والثواب 25.

وهذه الأقوال بعضها متباين وبعضها متداخل أو متقارب ، وأظهرها أن الزيادة هي ما يمد الله به عباده في الجنة من فيوض عطائه الحِسِّيِّ والمعنوي بغير حدود لأنه يدل عليه حديث ابن عباس المرفوع عند الربيع ، ويقتضيه حديث صهيب المرفوع عند الشيخين حسب مفهومه الصحيح .
وأما رابعاً
-2

قوله تعالى : (ولدينا مزيد)26 ، بناء على ما روي عن بعضهم أن المزيد هو رؤية الله تعالى .

وبسقوط احتجاجهم عليها بالزيادة ، يسقط احتجاجهم بالمزيد .
-3

قوله تعالى : (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)27 ، ووجه استدلالهم به أنه كما دل منطوقه على حجب الكفار عن ربهم ، فمفهومه دال على أن المؤمنين يرونه . لأن حجب الكفار عقاب توعدوا به فلا يليق بالمؤمنين إلا خلافه .

وهو استدلال ساقط من عدة أوجه :

أن الحجاب في الآية كناية عن الحرمان من رحمته ، والإبعاد عن دار كرامته ، كما أن التقرب منه سبحانه لا يكون حسياً وإنما يفسر بامتثال ما أمر به من الطاعات ، واجتناب ما نهى عنه من المعاصي ، وكذلك تقرب الله من العبد لا يعني إلا إحاطته برعايته الرحمانية ، وغمره بألطافه الربانية ، وقد وردا معاً في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ( من تقرَّب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، ومن تقرَّب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ) وبهذا المعنى الذي ذكرته فسَّر قتادة وابن أبي مليكة الحجاب في هذه الآية ، رواه عنهما ابن جرير28.
أولهما

أنه استدلال بمفهوم المخالفة ، وهو حجة ظنية اختلف العلماء في الأخذ بها في الأمور العملية الفرعية ، فكيف بالقضايا الإعتقادية الأصلية مع أن الاعتقاد ثمرة القين ، على أن المفهوم هنـا أقرب أن يكون مفهوم لقب ، وهو أضعف المفاهيم بإجماع الأصوليين والفقهاء ، وسائر أصحاب فنـون العلم ، حتى أنهم عدوا من أخذ به من الفقهاء في الفروع شاذاً .
ثانيهما

أنه لو جاز الإستناد إلى هذا المفهوم في إثبات رؤية المؤمنين لله يوم القيامة ، لكان أحرى أن يستند إلى مفهوم يفيده التقيد بـ ( يومئذ ) في إثبات رؤية الكفار له تعالى قبل ذلك اليوم ، فإن الظروف لها حكم الصفات في تقييد النسبة ، ومفهوم الوصف من أقوى المفاهيم كما حرره الأصوليون ، قال الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه في شمس الأصول:

فالوصف والغاية والشرط معا    أقوى مفاهيم وأجلى موقعا

ومن النوادر التي ينبغي أن تُدَّخر لتسلية الثكالى ، ما حكاه ابن القيم في حادي الأرواح عن ابن المبارك أن الضمير في قوله تعالى : (هذا الذي كنتم به تكذبون)29 عائد إلى الرؤية30 ليتسنى حمله على وعيد المنكرين لها ، وقد رقص على أنغام هذه الرواية كثير من الذين يقولون ما لا يعلمون ويجترُّون ( كل ) ما يلقى إليهم ، من بينهم صاحب المحاضرة فيما سمعته من محاضرته المسجلة بصوته في الشريط كما أشرت إليه من قبل ، فقد جاء فيها أن هذا الوعيد واقع بالإباضية الذين أنكروا الرؤية وأنهم المقصودون به ، وليت شعري هل هذا القول ناشئٌ عن هوى أصمَّ صاحبه وأعماه ، أو عن جهله باللغة وأساليب الكلام ، فإن مما يدركه كل من له معرفة بلغات الناس ، أن الإشارة لا تكون إلا إلى مشار إليه سواء كان حاضرا أو في حكم الحاضر لتقـدم ذكره ، والضمير في الآية عائد إلى اسم الإشارة الذي قصد به ما تقدم ذكره من صلى الجحيم ، ونحـو هذا قوله تعالى : ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ، انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب)31 ولو كان الأمر كما ادعوا لكان ذلك قاضيا بأنهـم يرونه سبحانه ، فإنك عندما تقول لأحد تبكيتا وتقريعا : هذا الذي كنت لا تصدق به ، لا يمكن إلا أن تكون مشيرا إلى شيء أوضحته له بعد الخفاء ، فقامت بوضوحه الحجة عليه به ، ولولا تفاهة قولهم هذا الذي حملوا عليه كتاب الله تعالى غير مبالين بتحريف الكلم عـن مواضعه ، لسقت نصوصَ أقوال المفسرين في قوله : ( هـذا الذي كنتم به تكذبون ) لا سيما الذين يعتقدون الرؤية منهم ، ليتضح خطأ هذا التأويل الفاسد ، غير أن فساده أبين من أن يحتاج إلى بيان.

وليس يصح في الأذهان شيء     إذا احتاج النهار إلى دليل
ثالثهما
-4

قوله تعالى : (على الأرائك ينظرون)32 وهو استدلال بما لا دليل فيه ، فإن غاية ما في الآية وصفهم بالنظر من غير ذكر للمنظور إليه ، ومن المعلوم قطعا أنهم يتمتعون بالنظر إلى أصناف النعم ، وأنواع الغرائب التي تبهج نفوسهم ، وتقر عيونهم ، ولم يقل أحد من السلف أن المراد بالنظر في الآية رؤية الله ، بل روى ابن جرير وغيره عن ابن عباس وقتادة وآخرين أنهم ينظرون إلى أعدائهم في النار ساخرين منهم ، وهذا الذي يقتضيه السياق ، وعوَّل عليه المفسرون إلا من شذ منهم.
-5

الآيات المصرحة بلقاء الله ، وذلك أنهم فسروا اللقاء بالرؤية ، وهو خطأ فإن اللقاء أعم منها ، فقد يكون فيما لا يرى ، كما في قوله تعالى : (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه)33 ، ولا يختلف في جواز قول الأعمى : لقيت فلانا ، ومن الكلام المعهود عند العرب أن يقول قائلهم : لقيت من هذا الأمر شدة ، أو فرجا ومخرجا ، أو عُسرا ، أو يسرا ، أو خيرا أو شرا ، وقد جاء في القرآن وعد غير المؤمنين باللقاء ، كقوله تعالى : (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه)34 ، وقوله : (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)35 ، فإن قيل بأن الضمير في الأول عائد إلى النفاق ، وفي الثاني إلى الكدح لا إلى الله ،

قلنا وفي هذا أيضا حجة لنا على أن اللقاء أعم من أن يكون بمعنى الرؤية ، فإن النفاق والكدح لا يريان لأنهما من الأعراض.

وقد فُسِّر لقاء الله بالإنتقال إلى الدار الآخرة ، لما يتحقق به من وعد الله سبحانه ، ويتجلى من أسرار غيبه ، وقد أطلق على الموت مراعاة لهذا المعنى ، ويقال فيمن مات لقي الله ، وفي اللسان نقلا عن ابن الأثير في شرح حديث ( من أحب لقاء الله احب الله لقاءه ) المراد بلقاء الله المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله36 ، ويكون اللقاء وعيدا كما يكون وعدا كما في الآيتين ، وفي حديث ( لقي الله وهو عليه غضبان ).
-6

قوله تعالى : (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا)37 ، استدل به الفخر الرازي في تفسيره لسورة الأنعام ، مدعيا أن إحدى قراءاتها " مَلِكاً " بفتح الميم وكسر اللام ، وقال : أجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى ، وعندي أن التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها38.

وناهيك بقوله بأن التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها برهانا على ضعف الأدلة التي يتمسكون بها ، فإن هذا الاستدلال لا يعدو أن يكون كملاحقة (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا)39 ، فإن القراءة التي ادعاها لم تثبت ، فقد راجعت كتب القراءات ، وكتب التفسير المعنية بنقل القراءات فلم أجد لها ذكرا ، بل لم يذكرها الفخر الرازي نفسه في تفسيره لهذه الآية ، وعندما ذكرها في تفسير سورة الأنعام لم يعزها إلى أحد ، ولو سلمنا أنها قراءة واردة فهي من القراءات الشاذة التي قال جمهرة من المحققين بأنها لا تكون حجة في المسائل الفقهية الفرعية ، فكيف تكون حجة في الاعتقاد ؟
-7

وأما من السنة فقد أكثروا من الأحاديث التي حشروها للاستدلال بها ، وأشهر وأقوى ما اعتمدوا عليه حديث ( سترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر) ، وقد رووه من طريق أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجرير بألفاظ متعددة ، وكثيرا ما يقتصرون في كتب العقيدة على هذا القدر من نصه ، وقبل أي تعقيب على الإستدلال أرى أن أنقل بعض ألفاظه وأسانيده.

روى الشيخان - واللفظ للبخاري - في كتاب التوحيد ، قال حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبن شهاب ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي هريرة أن الناس قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فهل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فإنكم ترونه كذلك ، يجمع الله الناس يوم القيامة ، فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمـس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمـر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغـيت ، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها أو منافقوها - شك إبراهيم - فيأتيهم الله فيقول : أنا ربكم ، فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فيتبعونه ... الخ ، ورواه مسلم في كتاب الإيمان عن زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بالإسناد المذكور ، وفي روايته جزم بقوله : ( فيها منافقوها ) من غير تردد ، وزيادة ( فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم. فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا .. الحديث ).

وجاء بألفاظ مختلفة عند الشيخين وغيرهما ، ومثله في ذلك حديث أبي سعيد عند الشيخين كذلك . وأنت أيها القارئ الكريم تدرك ببصيرتك أن الأخذ بظواهر هذه النصوص يفضي إلى ما يرده العقل ويكذبه البرهان كما هو واضح فيما يلي :

(1) أنه يترتب عليه تغير ذاته تعالى من صورة إلى غيرها ، والتغير سمة من سمات الحدوث فيلزم منه حدوثه تعالى.

(2) كونه سبحانه مرئيا لهذه الأمة مؤمنها ومنافقها في الدنيا رؤية جلية تترك صورته منطبعة في أذهان الرائين ، حتى إذا جاءهم في صورة أخرى أنكروا أن يكون ربهم واستعاذوا بالله منه ، وإلا فبم عرفوا صورته حتى أنكروه عندما جاءهم في غيرها ، وعرفوه إذا انقلب إليها ، مع أن ذلك هو أول موقف من مواقف يوم القيامة.

وقد حَصَلَتْ مناظرات بيني وبين بعض العلماء في ذلك ، ولمَّا ألزمتهم هذه الحجة أجابوا بأن هذه المعرفة بصورته ليست نتيجة رؤية سابقة ، ولكنها بسبب ما عرفوه من وصفه لنفسه في كتابه ووصف النبي صلى الله عليه وسلم له في سنته ، فألزمتهم أن يكون كل من قرأ كتاب الله ودرس سنة رسوله صلى الله عليه وسلم عارفاً بالصورة الحقيقية التي يرى بها ربه سبحانه وتعالى ، حتى إذا رآه في غيرها أنكره ، فهلمَّ إلى وصف هذه الصورة وتحديدها لنا مما عرفتموه من قراءتكم للقرآن ، ومطالعتكم لأحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، فأحجموا ودحضت حجتهم والحمد لله .

وإن مما يبطل تأويلهم الذي لجأوا إليه - فراراً من هذا الإلزام - مخالفته لصريح ما نص عليه حديث أبي سعيد عند الشيخين ، ففي البخاري عنه بلفظ ( فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرَّةٍ ) وأما لفظ مسلم فهو ( حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برٍّ وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها ) واللفظان صريحان في أن معرفتهم بصورته ما كانت إلا عن رؤية سابقة ، ولا محيص - لمن أخذ بهذا الظاهر - عن القول بأنه مرئي في الدنيا - وقد أنكره أكثرهم ، ومن قال به حصر رؤيته في مخصوصين ، ولم يقل بشمولها الأبرار والفجار من هذه الأمة - أو القول برؤيته في البرزخ ، وهو ما لم يقله قائل من قبل ، فضلاً عن وجود مستند له .

وبعد هذا الذي قررته ، رأيت في فتح الباري ما نصه ( وقال غيره - أي غير الخطابي - في قوله : ( في الصورة التي يعرفونها ) يحتمل أن يشير بذلك إلى ما عرفوه حين أخرج ذرية آدم من صلبه ثم أنساهم ذلك في الدنيا ، ثم يذكرهم بها في الآخرة ! ) 40
19‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم (محمد المتوكل).
7 من 18
وهذا القول يحتمل أمرين إما أن يريد به قائله أنهم عندما أخرجوا من صلب آدم رأوا ذات الحق تعالى ، وإما أن يريد أنهم حصلت لهم معرفة ما كانت لهم من بعد ، والأول باطل لأمرين :

أنه لم يقل به قائل ، ولم يشر إليه نصّ .


أنه مخالف لما قالوه من علة عدم رؤية الناس لربهم في الدنيا ، وهي أنهم لم يخرجوا عن طور الفناء ، والفاني لا يقوى على رؤية الباقي ، وهل من المعقول أن يكونوا وهم في صلب آدم كأمثال الذر أقوى على الرؤية وأجدر بها من موسى الكليم بعد اصطفائه بالرسالة والكلام ، وإدنائه في مقام الزلفى .


والثاني غير معقول إذ لا يُتصور أن يكونوا في تلك اللحظة العابرة أعرف بالله منهم بعد نشأتهم في الدنيا ، وما من الله به عليهم من العلم والعقل ، على أن التصريح بأنهم رأوه في حديث أبي سعيد يسقط هذا الاحتمال ، اللهم إلا أن تفسر الرؤية بالعلم ، ويلزم منه أن تكون رؤيته تعالى المقصودة في الحديث هي زيادة المعرفة به .

( 3 ) كون رؤيته تعالى شاملة للبر والفاجر والمؤمن والمنافق ، وهو مخالف لما نص عليه أكثرهم ، من كونها ثواباُ خاصاً بأهل الإيمان .

(4) معارضته لحديث صهيب الذي استدلوا به كذلك على الرؤية - بناء على حملهم النظر فيه عليها - فإنه ناصٌّ على أن حصول ذلك بعد دخول الجنة ، وأنه زيادة على ما حصل لهم من النعيم كما سبق بيانه .

( 5 ) أن غالب معتقدي الرؤية يقولون أنها تحصل بلا كيف ، وتشبيهها برؤية القمر في الحديث في قوله : ( كذلك ترونه ) ينافي هذا القول ، وكذلك ما فيه من ذكر الصورة وإنكارهم لها عندما تتغير عما عهدوها .

ولأجل هذا الإشكال في الحديث ، هام القائلون بثبوت الرؤية في فهمه ، حتى أن ابن بطَّال نقل عن المهلب قوله : ( إن الله يبعث لهم ملكاً ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء ، فإذا قال لهم : أنا ربكم ، ردّوا عليه لما رأوا عليه من صفات المخلوقين بقولهم : فإذا جاء ربنا عرفناه ؛ أي إذا ظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره ، وعظمة لا تشبه شيئاً من مخلوقاته ، فحينئذ يقولون : أنت ربنا )41.

وهذا كلام إن دل على شيء فإنما يدل على الحيرة مع الإصرار على تأييد فكرة معينة ثبتت أو لم تثبت ، ويرده أمران :

أن الكذب بغيض إلى الله قبيح عنده ، فلم يكن الله ليأمر به ، فإن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر ولكنه ينهى عنهما ، وإن أعظم الكذب وأفحشه أن يزعم عبد من عباد الله أنه هو الله ، ولم يكن لأحد من ملائكة الله الذين هم أعرف الخلق بحقه ، وأخوفهم من عقابه ، أن يجترئ على القول بذلك .
أولهما

أن تلك الدار دار جزاء وليست دار ابتلاء في اعتقاد ولا غيره ، وجزاء الناس إنما هو بحسب ما كانوا عليه في الحياة الدنيا من اعتقاد أو عمل ، لا بحسب ما يكون منهم في الدار الآخرة .
ثانيهما

وإذا حُملت الرؤية في الحديث على المعرفة انحلّ الإشكال ، وانجلى اللبس ، وزال التعارض ، اللهم إلا ما يكون من الإشكال في قولهم : ( نعوذ بالله منك ) فإن العياذ من الله لا يتصور أن يكون من مؤمن في أي موقف ، ولذلك كانت هذه الزيادة بحاجة إلى مزيد من التأمل ، ولعله من باب التمثيل لدهشتهم من هول ما يرونه في الموقف العظيم ، كما جاء في حديث التوبة ( اللهـم أنت عبدي وأنا ربك ) ، وتجدد معرفة العبد بربه بما يترآى له من الآيات التي لم يكن على بال منها من قبل أمر لا ينكر ، فغير بعيد أن يكون الحديث تمثيلاً لما يتفاعل في نفوسهم من الخواطر وهم يشاهدون مشاهد لم يألفوها ، وتنجلي لهم حقائق لم يعرفوها ، فلا غرو إذا طرأ عليهم من الاضطراب ما يطير ألبابهم ، حتى تحط على دوخة الحقيقة ، وتقر في قرار اليقين ، وما المشاهد التي يرونها والتجليات التي يعاينوها إلا من قبله سبحانه ، فهو يقلب الأحوال كما يشاء ، وفي كل حال منها تجليات لجلاله ، ومشاهد لكبريائه ، عبر عنها بالصور مضافة إليه سبحانه لأنها منه وإليه .

وقد قارب هذا التفسير جماعة من مثبتي الرؤية ، ومن ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر بقوله : ( واختلف من أثبت الرؤية في معناها ، فقال قوم : يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات ) وهو على وفق قوله في حديث الباب ( كما ترون القمر ) إلا أنه منزه عن الجهة والكيفية ، وذلك أمر زائد على العلم .

وقال بعضهم : إن المراد بالرؤية العلم ، وعبر عنها بعضهم بأنه حصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الأبصار إلى المرئيات . وقال بعضهم : رؤية المؤمن لله نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم ، وهذا أقرب إلى الصواب من الأول .. 42

وقريب من هذا تفسير الإمام الغزالي للرؤية في بعض كتبه : ومجيء الرؤية بمعنى العلم معهود لغة كما سبق نقله عن صاحب القاموس وشارحه ، ومن شواهده قوله تعالى : (ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل)43 ، وقوله :(ألم تر كيف فعل ربك بعاد) 44 ، وقوله : (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) 45 ، وقوله : ( ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض)46 ، وقوله : (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن)47 ، وقول الشاعر بـ (رأيت الله أكبر كل شيء) ، وقول غيره : ( رأيت الله أهلك قوم عاد) .

ودعوى أن الرؤية لا تكون بمعنى العلم إلا إذا تعدت إلى مفعولين ، مردودة بقوله تعالى : (فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)48 ، وقوله : (ألم يرو كم أهلكنا من قبلهم من قرن) .

ولا ريب أن في الجنة من التجليات الربانية لأصحاب السعادة ما يفوق ما يكون في مواقف القيامة ، فلا غرو إذا عبر عنها أصدق الإنس والجن ، وأبلغ العرب والعجم بالرؤية ، أو نحوها من العبارات تقريباً للأفهام ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب باللسان العربي المبين الذي نشأوا عليه ، فعرفوا معانيه ، وأدركوا مراميه ، فلا تعجبوا إذا لم يشكل عليهم هذا الخطاب . وإذا كان العبد إذا أخلص لله تعالى في هذه الدار الدنيا - مع كثافة حجب طبائعها المادية المظلمة - تتراأى له في ذكره ودعائه مشاهد العظمة ، ويتكشف له من آيات الجلال ما يجعله يغيب عن وجوده ، غارقاً في عالم شهوده ، مشغولاً عن نفسه بما يمده به الحق تعالى من ألطاف الإنس ، المتراسلة من حظائر القدس ، خصوصاً في بعض الأحوال كخلوات العبادة ، وفي بعض الأزمان ، كليالي رمضان ، وفي بعض البقاع كالحرمين الشريفين ، فما بالكم بالدار الآخرة التي أعدت للمتقين ، حيث ترقى نفوسهم إلى أوج الكمال الإنساني .

ولا ينكر هذه المشاهد الأُنسية في هذه الدار الدنيا إلا من حُرِم شفافية الروح ، ورقة الشعور والوجدان التي يشعر بها العبد وهو ماثل بين يدي الله تعالى ، داعيا أو ذاكرا ، حتى يكون كأنه من أنسه بربه يرى ذاته تعالى بأم عينيه ، من غير أن يتحول تعالى عن صفته الذاتية ، وهي عدم إدراكه بالأبصار ، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المرتبة بالإحسان ، وذلك في قوله ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فأي عجب إذا حصل للمؤمنين الصادقين في إيمانهم ، المخلصين في عملهم ، ما هو أبلغ في الدار الآخرة من ذلك من التجليات الجلالية لعقولهم وقلوبهم ؟ وأي بدع إن عبر عن ذلك بالرؤية مع ورود مثله في اللسان العربي ؟

وبهذا يتضح المراد بالرؤية في الأحاديث ، وبه يمكن الجمع بينها وبين آيات التنزيه الناصة على منعها ، ومهما يكن فإن هذه الأحاديث آحادية ، والآحادي لا تنهض به حجة في الأمور الإعتقادية لأن الإعتقاد ثمرة اليقين ، واليقين لا يقوم إلا على الأدلة القطعية المتواترة نقلا ، النصية دلالة بحيث لا تحتمل تأويلا آخر ، والحديث الآحادي لا يتجاوز ثبوت متنه الظن ، فلذلك قال المحققون إنه يوجب العمل ولا يفيد العلم ، وإذا كانت هذه درجة الآحادي في الحجية فكيف إذا عُورض بالنصوص القطعية من القرآن ، ولذلك نحكم بسقوط الروايات الصريحة في تشبيه الخالق بالخلق إذا لم تحتمل التأويل ، لاستحالة أن يصدر ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ، وذلك كحديث (إذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه ثم حف الكرسي بمنابر من نور ، فيجئ النبيون حتى يجلسوا عليها .. الخ) فإنه مصادم للعقل والنقل ، بل هو مصادم لما يقوله معتقدوا الرؤية أنفسهم من أنه يرى بدون إحاطة ، فإنه يلزم أن يكون محاطا به قطعا إذا كان النبيون تحف منابرهم بكرسيه الذي يستوي عليه.

وإذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لم يقبل بعضهم ما رواه بعض منهم مما رآه مخالفا لما فهمه من مدلول الكتاب العزيز ، كما كان من عمر في رواية فاطمة بنت قيس ، وما كان من عائشة فيما رواه ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين - مع كونهم في خير القرون وأفضل العصور - فما بالكم بمن بعدهم ، وقد اختلط الحابل بالنابل ، وفشا اللبس ، وكثر التدليس ، وانتشرت البدع ، وتعددت الدسائس ، وتباعدت العصور عن العصر الكريم.

هذا وقد سمعت فيما سمعت من المحاضرة المسجلة في الشريط ، التي أشرت إليها من قبل ، سخرية من المحاضر بالإباضية لعدم اعتمادهم على الأحاديث المروية في الرؤية لآحاديتها ، كأنه لم يقل بعدم الأخذ بالأحاديث الآحادية في الاعتقاد غيرهم ، وما هذه إلا سخرية من نفسه ، فإنه قد أثبت بذلك عدم معرفته بما قاله المحققون من علمائه ، ولا أريد إلا أن أنقل هنا بعض نصوصهم في ذلك ، من غير أن أشرك نصا لأحد من علماء الإباضية:

قال الإمامان ابن السبكي في جمع الجوامع والمحلي في شرحه (خبر الواحد لا يفيد العلم إلا بقرينة) كما في إخبار الرجل بموت ولده المشرف على الموت ، مع قرينة البكاء ، وإحضار الكفن والنعش (و) قال (الأكثر لا) يفيده (مطلقا)49.


   *  

وفي تنقيح ابن الحاجب وشرحه (التوضيح) ما نصه : (والثالث - ويعنى به الخبر الآحادي - يوجب عليه الظن إذا اجتمع الشرائط التي نذكرها إن شاء الله تعالى ، وهي كافية لوجوب العمل لأنه لا يوجب العلم ؛ ولا عمل إلا عن علم - إلى أن قال - والعقل يشهد أنه لا يوجب اليقين)50.


   *  

وفي حاشية السعد التفتازانى عليهما أن هذا هو قول الجمهور51 ثم قال : "بل العقل شاهد بأن خبر الواحد العدل لا يوجب اليقين ، وأن احتمال الكذب قائم وإن كان مرجوحا ، والألزم القطع بالنقيضين عند إخبار العدلين بهما"52.


   *  

وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي "إعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم ، فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر الواحد - إلى أن قال - وإذا عرفت هذا فنقول خبر الواحد لا يفيد العلم ، وهو معلوم بالضرورة فإنا لا نصدق بكل ما نسمع ، ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين ؟ وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يسمى الظن علما ، ولهذا قال بعضهم يورث العلم الظاهر ، والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن"53.


   *  

وفي فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت لابن عبد الشكور ما نصه : "الأكثر من أهل الأصول ومنهم الأئمة الثلاثة على أن خبر الواحد ، إن لم يكن هذا الواحد المخبر معصوما نبيا ، لا يفيد العلم مطلقا ، سواء احتف بالقرائن أو لا - إلى أن قال - لو أفاد خبر الواحد العلم لأدى إلى التناقض إذا أخبر عدلان بمتناقضين - ثم قال - وذلك أي إخبار العدلين بمتناقضين جائز بل واقع ، كما لا يخفى على المستقرئ في الصحاح والسنن والمسانيد)54.


   *  

وقال الإمام محمد عبده في إحدى فتاواه "

ولو أراد مبتدع أن يدعو إلى هذه العقيدة ، فعليه أن يقيم عليها الدليل الموصل إلى اليقين إما بالمقدمات العقلية البرهانية ، أو بالأدلة السمعية المتواترة ، ولا يمكنه أن يتخذ حديثا من حديث الآحاد دليلا على العقيدة ، مهما قوي سنده ، فإن المعروف عند الأئمة قاطبة أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا)55


   *  

وقال العلامة السيد محمد رشيد رضا "إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة عند من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها ، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها ، ولذلك لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يكتبون جميع ما سمعوه من الأحاديث ويدعون إليها ، مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به ، وبالسنة العملية المتبعة المبينة له إلا قليلا من بيان السنة ، كصحيفة عليّ كرم الله وجهه المشتملة على بعض الأحكام كالدية ، وفكاك الأسير ، وتحريم المدينة كمكة ، ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحملا الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ ، وإنما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة"56.


   *  

وإذا كان هذا موقف حجية الآحادي في الأمور الفرعية العملية فكيف بالاعتقاد ، بل كيف تكون حجيته مع معارضته للقطعي المتواتر ، وقد قال هذا الإمام نفسه "وإذا كان من علل الحديث المانعة من وصفه بالصحة مخالفة راويه لغيره من الثقات فمخالفة القطعي من القرآن المتواتر أولى بسلب وصف الصحة عنه"57.

وما قاله هنا هو الذي يقتضيه كلام علماء المصطلح في الاستدلال على وضع الحديث ، بل هو الذي يستفاد من صنيع الصحابة رضوان الله عليهم في قبول الروايات أو رفضها كما تقدم ، ومع مبالغة أهل الحديث في التعويل على أخبار الآحاد في أمور الدين وإنكارهم على من لم يأخذ بها ، نجد البخاري يقيد ذلك بالفروع حيث يقول : "باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام"58.

الهوامش والتعليقات

الآيتان 22 و 23 من سورة القيامة
1

تاج العروس ج3 ص573 ط مكتبة الحياة
2

الآية 210 من سورة البقرة
3

الآية 13 من سورة الحديد
4

الآيات 38 - 41 من سورة عبس
5

الآية 30 من سورة فصلت
6

لسان العرب ج7 ص72 ط بولاق
7

الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب ج3 ص228 ط دار الفتح
8

الآية 25 من سورة القيامة
9

الآيتان 2 و 3 من سورة الغاشية
10

الآيات 4-6 من سورة الغاشية
11

الآيتان 8 و 9 من سورة الغاشية
12

الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب ج 3 ص 226 و 228 طبعة دار الفتح
13

فتح الباري ج13 ص425 المطبعة السلفية
14

الميزان ج2 ص116 ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
15

الآية 77 من سورة آل عمران
16

الآية 143 من سورة الأعراف
17

الآية 103 من سورة الأنعام
18

الآية 49 من سورة يس
19

الآية 53 من سورة الأعراف
20

الآية 210 من سورة البقرة
21

المنار ج9 ص131 الطبعة الرابعة
22

التحرير والتنوير ج29 ص353 ط الدار التونسية للنشر
23

الآية 26 من سورة يونس
24

الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب ج3 ص232 ط مكتبة الإستقامة ، وتفسير ابن جرير ج11 ص75/76 ط دار الباز
25

الآية 35 من سورة ق
26

الآية 15 من سورة المطففين
27

تفسير ابن جرير ج3 ص100 دار الفكر
28

الآية 17 من سورة المطففين
29

حادي الأرواح ص241 ط دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
30

الآيات 29-31 من سورة المرسلات
31

الآيات 23-25 من سورة المطففين
32

الآية 143 من سورة آل عمران
33

الآية 77 من سورة التوبة
34

الآية 6 من سورة الإنشقاق
35

لسان العرب ج20 ص121 ط بولاق
36

الآية 20 من سورة الإنسان
37

التفسير الكبير ج13 ص131 ط2
38

الآية 39 من سورة النور
39

فتح الباري ج13 ص428 المطبعة السلفية
40

فتح الباري ج13 ص 426 المطبعة السلفية
41

فتح الباري ج13 ص 426 المطبعة السلفية
42

الآية 45 من سورة الفرقان
43

الآية 6 من سورة الفجر
44

الآية 1 من سورة الفيل
45

الآية 7 من سورة المجادلة
46

الآية 6 من سورة الأنعام
47

الآية 143 من سورة آل عمران
48

جمع الجوامع لابن السبكي بشرح جلال الدين المحلي مع حاشية ابن قاسم العبادي ج3 ص315
49

التوضيح على التنقيح ص431 و 432 هامش حاشية التلويح للسعد التفتازاني ، مطبعة مكتب صنايع من طرف الشركة الصحافية العثمانية شوال من سنة 1310هـ
50

التلويح للسع التفتازاني ص431
51

المرجع السابق ص433
52

المستصفى من علم الأصول للإمام أبي حامد الغزالي ج1 ص145 ط بولاق
53

فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت المطبوع بذيل المستصفى ج2 ص121
54

من فتوى الإمام محمد عبده نقلها القاسمي في تفسير سورة الأحزاب من تفسيره محاسن التأويل ج13 ص4920 ط عيسى البابي الحلبي وشركاءه
55

المنار ج1 ص138 الطبعة الرابعة
56

المنار ج1 ص 85 و 86 الطبعة الرابعة
57

صحيح البخاري مع فتح الباري ج13 ص231 المطبعة السلفية
58
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا آخر ما تم نقله من كتاب الحق الدامغ لمؤلفه سماحة المفتي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله.
وراجع أنوار العقول ، ومشارق الأنوار لمؤلفهما الشيخ الإمام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي رحمه الله- ففيهما ما يشفي القلوب بإذن الله...
وراجع الطوفان الجارف لمؤلفه إمام السنة والأصول الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي حفظه الله...
وغيرها كثير وهذه فيها كفاية....
19‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة بدون اسم (محمد المتوكل).
8 من 18
فصل الخطاب في رؤية رب الأرباب

رؤية الله قسمها الله ورسوله الي قسمان
1- الرؤية في الدنيا
2- الرؤية في الآخرة
الرؤية في الدنيا لا يمكن لبشر أن يرى ربه في حياته الدنيا والدليل
قوله تعالى
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير )

ولا يفسر القرآن احدا أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو اعلم بمراد الله من باقي البشر والمفسرين

عن مسروق قال كنت متكئا عند عائشة فقالت يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله والله يقول
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير )
( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب )
وكنت متكئا فجلست فقلت يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني أليس يقول الله تعالى
( ولقد رآه نزلة أخرى )
( ولقد رآه بالأفق المبين )
قالت أنا والله أول من سأل عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما ذاك جبريل ما رأيته في الصورة التي خلق فيها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ومن زعم أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد أعظم الفرية على الله يقول الله ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك )
ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم الفرية على الله والله يقول ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله )
رواه مسلم

2- الرؤية في الآخرة وهي من أنعم نعم الله علي عباده بعد دخولهم الجنة وذلك لآن الآخرة دار نعيم والدليل

قوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة )

ولا يفسر القرآن احدا أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو اعلم بمراد الله من باقي البشر والمفسرين

فعن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ " قال : " فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " ثم تلا ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة )
رواه مسلم


وللآمانة
أجابة
محمد (مستخدم جديد) على أخر سؤال لي
في أمان الله ...
سفرا سعيدا .... وعودا حميدا ... ولقاء متجدد بإذن الله مجيدا...
وأرسل لي رسالة
أنا لا أقيم كلام الله تعالى ولا كلام رسوله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام... وإنما أقيم كلامك ومدى قدرتك على الاستدلال بكلامهما....
فافهم ذلك بارك الله فيك ...
وهل يصح في الأذهان شيء
            إذا احتاج النهار إلى دليل؟
فأجبته
إذا نلتقي بأذن الله الأسبوع القادم
فقال
بارك الله فيك...

الاختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية... انتهى كلامه

لذلك إن كنت تريد الأستمرار فأنتظر إن شاء الله تعالي ومن هنا بداية النقاش
http://ejabat.google.com/ejabat/thread?tid=31623c3eaf4ea870&hl=ar&table=%2Fejabat%2Fuser%3Fuserid%3D01931736871804628210%26hl%3Dar‏
20‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة الناصر مصباح (الناصر مصباح).
9 من 18
ممتاز
20‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة kassim1977 (Mohammed fakhry).
10 من 18
أنى لهم هذا

وما قدروا الله حق قدره
لا تدركه الأبصار

فما بالك بالأنظار
20‏/9‏/2010 تم النشر بواسطة اكتشف نفسك (اكتشف نفسك).
11 من 18
استخدام العقل لمناقشه المنقول تؤدي الي خبول ولا نقول الا ما قاله الله والرسول حسبنا الله ونعم الوكيل
3‏/11‏/2010 تم النشر بواسطة موحد امريكي (موحد امريكي).
12 من 18
اعتقد بما قاله الاخ الناصر مصباح و قطرات الجدول
8‏/11‏/2010 تم النشر بواسطة wwwooo.
13 من 18
القائلين بعدم رؤية الله عز وجل يوم القيامة

الإباضية وأشباههم المعتزلة والأشاعرة فلا تناقشوهم فهم أدعى أن يكونوا من هؤلاء

{كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]  وهي من الدلائل على الرؤية والحجب عنه عز وجل

والله أعلم
8‏/11‏/2010 تم النشر بواسطة عبدالله النوبي (muiz SeedAhmed).
14 من 18
من يقول ان الله يرى فهو وهابي
21‏/12‏/2010 تم النشر بواسطة انتضارالامل.
15 من 18
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اخي بالله الكريم

اخي الكريم لا يوجد مخلوق يستطيع رؤية الخالق  وذلك لان عدم رؤية الله سبحانه وتعالى هي من صفات الله الازلية فلا يتحمل رؤية الله تعالى اي من خلقه تعالى علوا كبيرا

هذا اقتباس من بيان صاحب علم الكتاب الامام ناصر محمد اليماني عن سبب عدم رؤيتنا لله جهره من محكم ايات كتاب الله

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)


وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (101) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (102) ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (103) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (104)صدق الله العظيم

فانظروا لتأكيد التعريف لصفات ذاته سُبحانه وقال الله تعالى( ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (103) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (104)صدق الله العظيم

وما بعد االحق إلا الضلال أليس عدم رؤية الله جهرة جاءت ضمن صفات ذاته سُبحانه .. وقال الله تعالى (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (102) ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (103) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (104)صدق الله العظيم

ولكنه سبحانه يكلمكم من وراء الحجاب فتسمعون صوته سبحانه ويكلمكم تكليماً وترون نوره يشرق بشدة من وراء الحجاب بل تشرق أرض المحشر بنور ربها الذي يشرقًُ نوره سبحانه من وراء الحجاب وقال الله تعالى ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ* وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّيْنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ* وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ* وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ* قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ* وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الّجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ* وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ* وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}صدق الله العظيم

وقال الله تعالى {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} صدق الله العظيم

ألا والله اني لم أجد شيئاً في الكتاب هو أكبر من ذات الله سُبحانه المستوي على العرش العظيم المُحيط بالملكوت الكوني شرقاً وغرباً أم تظنوا وجه الله كمثل وجوهكم سُبحانه وقال الله تعالى {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }صدق الله العظيم

وسبقت من الإمام المهدي ناصر محمد اليماني بيانات قد فصلناها تفصيلاً من محكم كتاب الله بعلم وهدى من الكتاب المُنير وأفتينا بعلم عن عدم رؤية الله جهرة سُبحانه فقولوا يا من كُنتم تعتقدون برؤية الله جهرة كمثل قول نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) وقال الله تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) صدق الله العظيم

فهل تعلمون سبب قول نبي الله موسى ((سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) وذلك لأنه قال ( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) أفلا تتفكرون وما بعد الحق إلا الضلال وسلامُ على المُرسلين والحمدُ لله رب العالمين ..

أخوكم الإمام المهدي ناصر محمد اليماني
31‏/8‏/2011 تم النشر بواسطة فيصل الفيصل (Faisal Al Faisal).
16 من 18
اصلا ما تقدر تشوف الله الا في يوم القيامة اذا كنت من اهل الجنة
10‏/3‏/2012 تم النشر بواسطة .kkkkk.
17 من 18
السلام عليكم
الاقرب الى الفطرة هو نفي رؤية الله تعالى و تجسيمه
و القرا ن كلام الله ينفي الرؤية، و الرسول عليه السلام ينفي الرؤية
اخوكم ابو موسى من فرنسا
14‏/3‏/2012 تم النشر بواسطة بدون اسم.
18 من 18
مافي دليل على رؤيه الله في القران اية محكمه نهائيا
قول الله تعالى(وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) هنا في الايه الكريمه ذكر الوجه ولم يذكر البصر
اذا فهذه ايه متشابهه
يجب ان نعلم الأيات المُحكمات والأيات المُتشابهات فالمحكم ضاهره كباطنه ولا يحتاج إلى تأويل
لو كانت الرؤية جائزة وانها اعظم نعيم فلماذا لم يذكرها الله سبحانه وتعالى بالتفصيل كما ذكر الجنة
وهل تدري اخي لماذا لا ينبغي للخلائق رؤية ربهم
لأنه عظيم لا يتحمل رؤية عظمة ذاته إلا شئ مثله في العظمة
قال تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير
لا تقل ان الانسان في الاخره يستطيع ان يرا الله جل جلاله
لان الله لا تضعف عظمته حتى نتمكن من رؤيته وعظمة الله ليست محدوده
مهما تقوا الانسان بل مطلقه
والله اعلم
7‏/9‏/2012 تم النشر بواسطة كايد ميلاد.
قد يهمك أيضًا
هل تتفق معي بأن أكثر من 65% من الأيرانيات حسناوات
هل تتفق معي ؟
هل تتفق معي .........
من أكبر عيوب الرجال أنهم دائما متسرعين .. هل تتفق معي ؟
هـــل تتفـق معي ؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة