الرئيسية > السؤال
السؤال
من هم السريان عبر التاريخ؟
التاريخ 16‏/9‏/2009 تم النشر بواسطة saad59.
الإجابات
1 من 4
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الحمد لله على نعمة الإسلام
اللهم ثبتنا على الدين


يمكنك الاطلاع على هذا الرابط
http://www.suryoyehnan.com/
ففيه كل ما يخصهم
ينحدر السريان من الآراميين الذين كانوا يشكلون في القرون الأولى قبل وبعد الميلاد الغالبية العظمى من سكان منطقة بلاد الشام. ولما ظهرت تسمية سريان على الآراميين عمت هذه التسمية الجديدة سائر المنطقة الآرامية تدريجياً. وهذا ما تؤكده الترجمة اليونانية السبعينية للعهد القديم التي أنجزت في القرن الثالث قبل الميلاد، إذ أن الاسم السرياني أصبح بديلاً ومرادفاً للاسم الآرامي، فالمترجمون قاموا بترجمة تسمية “آرامي” من النص العبري للعهد القديم إلى لفظة “سرياني” في النص اليوناني. استعمل الكتّاب السريان كلتا التسميتين:

السريانية والآرامية بشكل متلاحم ومترادف في مختلف العصور (الدكتور أسعد صوما أسعد). وقد قدم السريان عبر التاريخ إسهامات عظيمة في العلوم العالمية والثقافة الإنسانية، حيث عرّفوا الشرق على الفلسفة اليونانية. ويعتبر القرن الثالث عشر حقبة ذهبية للسريان وخاصة في بلاد ما بين النهرين. وتذكر الكاتبة نينا بيغوليفسكايا في كتابها “ثقافة السريان في القرون الوسطى”، لقد ترجمت إلى السريانية في القرنين الثاني والثالث للميلاد كمية كبيرة من الآثار والمؤلفات اليونانية، الليتورجيات، وكتب الأدعية والمواعظ ناهيك عن العهد الجديد. وبدءاً من ظهور المسيحية أصبح الازدهار صفة ملازمة للسريانية قرناً إثر قرن، وقد سيطر الأدب السرياني، ليس في المؤلفات الكنسية العقائدية وحسب، وإنما في المجالات العلمية، وفي مختلف نواحي المعرفة وانتشرت السريانية في منطقتي الشرق الأدنى والأوسط. إضافة إلى أهميتها العلمية والدعوية اشتهرت بأنها تمثل قيم العهد الجديد وقوانينه من جهة، والآراء الفلسفية لأرسطو والأفلاطونيين الجدد.. الخ.

وفي مجال الطب مثلاً وخاصة في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي برع الأطباء السريان وأقام جبرائيل بخنيشوع أول مستشفى في الشرق الأوسط بقرب مدرسة جنديسابور.

السـريان والمسيحـية

كانت مدينة أنطاكية أثناء حكم الإمبراطورية الرومانية عاصمة سوريا وإحدى عواصم الإمبراطورية الثلاث إضافة إلى روما والإسكندرية، أعطتها هذه المكانة الأفضلية لتكون عاصمة المسيحية في سوريا والشرق وآسيا. ودخلت المسيحية إلى مدينة أنطاكية عاصمة سوريا الإدارية في ذلك الحين على يد التلاميذ وأتباع المسيح الذين وصلوا إليها بعد أن تشتتوا في كل مكان بسبب الاضطهاد الذي أثاره عليهم اليهود حوالي سنة 34 م.

وزار أنطاكية لاحقا الرسول بولس قادماً من دمشق حيث مكث فيها سنة كاملة يعظ ويبشر بالمسيح. ثم جاء إليها بطرس الرسول حيث يرجح أنه أسس كرسيه الرسولي فيها سنة 37 م. وتعتبر أنطاكية ثاني كرسي بطريركي بعد أورشليم، حيث أطلق فيها ولأول مرة لقب “مسيحيين” على أتباع السيد المسيح (أعمال الرسل 26:11 ).

وتعد هذه الكنيسة بمثابة الكنيسة الأم لجميع الكنائس في العالم وفي مقدمتها الكنيسة السريانية التي هي من أقدم وأعرق الكنائس. (ويكيبيديا، وفي عرضي السريع هذا سوف ألخص بعض هذه المظالم والمحن التي واجهها السريان عبر التاريخ).

معاناة السريان وتضحياتهم

لقد مرت على التاريخ شعوب وحضارات وأمم أكثر من أن تحصى، اندثر منها الكثير لعوامل مختلفة مباشرة أو غير مباشرة، ولكن الشعب السرياني الذي تكلم لغة السيد المسيح أبى أن يندثر واستمر في البقاء والعطاء، فعندما قال يسوع للقدّيس بطرس: “أنت سمعان بن يونّا، وسأدعوك “كيفا” - أي الصخرة - وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (يوحنا 1/42. (وكلمة “كيفا” هي طبعاً آرامية - سريانية، وكانت كنيستنا السريانية الأنطاكية هي الأخرى كالبناء الشامخ المبني على الصخرة والتي ربت أجيال وأجيال على الإيمان القويم.

والسريان: شعب مؤمن ومسالم، محب للمعرفة ومخلص لمجتمعه وبالرغم من هذه الخصال الحميدة فقد مرت الكنيسة السريانية منذ نشأتها ولا تزال بظروف حرجة وصعبة تلاحقها المضايقات والمظالم، فهي كما تحدث عنها البطريرك إغناطيوس يعقوب الثالث في إحدى مؤلفاته حيث اعتبر أن وجودها واستمرارها هو نوع من المعجزة.

طبعاًلم ينجو مقر الكرسي السرياني الأنطاكي للكنيسة السريانية الأرثوذوكسية من هذه العواصف. فقد كانت أنطاكية مقره لغاية سنة 518 م، ولكن بسبب الاضطهادات التي عانتها الكنيسة نقل مقره واستقر في دير الزعفران في القرن الثالث عشر وبقي هناك حتى عام 1933 م حيث انتقل إلى مدينة حمص السورية في عهد البطريرك مار افرام برصوم الأول وأخيراً انتهى به المطاف في دمشق العاصمة السورية عام 1959 م.

1 - عانى المسيحيون الأوائل من الاضطهاد والقتل على أيدي الرومان الوثنيين والعبرانيين في بداية ظهورها، وذاقت الرها والأقاليم المحيطة بها أقسى العذاب من أباطرتها. وفي القرن الخامس وبسبب الاختلافات اللاهوتية وكغطاء لفرض سيطرة المحتل البيزنطي الذي أذاق أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية صنوف التعذيب الذي طال حتى كبار رجال الدين عندهم فقتل البعض ونفي البعض الآخر وتشرد الكثيرين منهم في كل مكان ولم يبق لتلك الكنيسة عام 544 م سوى ثلاثة مطارنة ( أساقفة ) فقط .وفي هذه الفترة العصيبة من تاريخ الكنيسة، ظهر مار يعقوب البرادعي في ساحة نضالها من أجل البقاء، حيث توجه البرادعي إلى القسطنطينية للقاء الملكة ثيودورة التي كانت تتعاطف مع اللاخلقيدونين في ظروفهم القاسية التي كانوا يعيشونها، والملكة السورية ثيودوره ذات أصول سريانية من مدينة منبج الحالية في سوريا، وبرعاية الملكة ثيودورة ودعمها رسم يعقوب البرادعي مطرانا عاما للسريان على يد ثيودوسيوس بطريرك الإسكندرية الذي كان منفيا في القسطنطينية ، وابتدأ البرادعي بعد نيله لصفة شرعية بإحياء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وأقام لها من جديد عشرات المطارنة ومئات الكهنة والشمامسة، وتوفي عام 578 م، وتمكنت كنيسة السريان في تلك الفترة من الصمود أمام عواصف الاضطهاد والتنكيل بفضله.(ويكيبيديا).

2- وصلت الكنيسة السريانية إلى كيريلا في الهند، بفضل توما الرسول في القرن الأول وتعتبر ليتورجية كيريلا إحدى أقدم الليتورجيات في العالم. وقد استمر ازدهار الكنيسة السريانية الهندية في مالابار إلى أن أتى البرتغاليون إلى الهند عام 1498م حيث تعرض السريان إلى الكثير من الضغوطات والتنكيل والانقسام وحرق المخطوطات والوثائق التراثية التي احتوت أخباراً قيمة تختص بالكنيسة الهندية السريانية لما قبل عام 1599م.

3 - وفي إيران فقد انتشرت المسيحية في عصر الاخمينيين (226 م) وكان للدين المسيحي اتباع منذ القرن الاول الميلادي فيما بين النهرين وغرب ايران، وزاد عدد المسيحيين في ايران في العصر الساساني ( 652 م ).

واجه السريان كغيرهم أوضاعا مأساوية من القرن الرابع وحتى القرن السابع على يد الإمبراطورية الفارسية ونتيجة الحروب التي دارت بين الفرس والرومان. (تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية _ الجزء الثاني _ اغناطيوس يعقوب الثالث). وحديثاً هبطت أعداد المسيحيين في البلاد تدريجياً.

مع بداية الثورة الاسلامية خاف الكثيرون ودفع البعض ثمن علاقاتهم بالشاه، لكن الآن الوضع مستتب. وحوالي مئة وخمسين ألف مسيحي يعيشون في ايران أغلبهم من الأرمن والآشوريون، ليس هناك من اضطهاد ولا الغاء. للمسيحيين كنائس ومؤسسات وأندية ومدارس وجرائد ومجلات وجمعيات خيرية، يعلمون لغاتهم، لهم احترامهم مكرسة في الدستور لهم، 3 نواب 2 أرمن وواحد آشوري، المسيحيون يدخلون إلى الجيش، لهم قانون أحوال خاص بهم، زواج، طلاق وإرث”. -الخوري اسكندر الهاشم UCIP LIBAN وسركيس ابو زيد.

4 - وفي الجزيرة العربية ازدهرت المسيحية بعد وصولها هناك عن طريق التبشير. ويقول المؤلف حسين العودات: انتشرت النصرانية في نجران وفي صنعاء وفي مأرب وظفار وكانت الأديرة تمتد على طول الطريق من مكة مروراً بدمشق والعراق وظفار. وكان الدير في ذلك الوقت مكان استراحة على طريق التجارة ومركز دعوة دينية وثقافية، أي أنه كان مدرسة متعددة المهمات. ويقول البلاذري عن هذه الأديرة: “كان أهل ثلاث بيوت يتبارون فيها أهل المنذر في الحيرة، وغسان في الشام، وبنو الحارث بن كعب في نجران، وبنوا ديارتهم (أديرتهم) في المواضع النزهة وكثيرة الشجر والرياض والغدران، وجعلوا في حيطانها الفسافس وفي سقوفها الذهب والصور” معجم البلدان ج2) - حوار العرب - العدد 7 - يونيو (حزيران) 2005).

لكن تدريجياً تراجع الوجود المسيحي بشكل كبير هناك. وتعلق الكاتبة سلوى بالحاج صالح – العايب المؤرخة وأستاذة التاريخ الوسيط بالجامعة التونسية في كتابها المسيحية العربية وتطوراتها، دار الطليعة - بيروت 1997. عن سبب زوال المسحية العربية في الجزيرة العربية وما حولها بحلول القرن العاشر الميلادي وتقول:

قد حصل تراجعاً تدريجياً في الحضور المسيحي في نجران والحيرة وغيرها بسبب هجرة بعض القبائل مثل قبيلة بني تغلب أو اعتناقم الإسلام وكان يوحنا هو آخر أسقف لنجران عام 934. ويعلق المطران مارون اللحام أسقف تونس على هذا الكتاب ويقول: إن المسيحي الذي يقرأ هذا الكتاب يشعر بأنه يسير في طريق آلام طويلة عاشها أجداده…الخ.

5 - حروب الفرنجة: أما في بلاد الشرق فقد استمرت معانات الشعب السرياني حيث تعرض لهجمات شرسة أثناء حروب الفرنجة  -الحملات الصليبية - أبيد خلالها عشرات الآلاف من السريان وتم تدمير الكثير من القرى. ولم يقف المواطنون من كل الأطياف، والشرائح، والأديان، والانتماءات، والمذاهب، مكتوفي الأيدي تجاه غزوات الفرنجة الذين جاؤوا من أوروبا محتلين، ودخلوا هذه البلاد غزاة، ودمروا أولاً أهم المعالم المسيحية بدءاً من القسطنطينية، ومروراً بالرها، ثم مرعش، وأنطاكية، وحلب، ووصولاً إلى بيت المقدس، وكان على المسيحيين أن يدافعوا مع المسلمين عن كرامتهم ويحموا مدينتهم من الخراب، وهكذا الأمر في عهد الأيوبيين (المطران يوحنا ابراهيم - رئيس طائفة السريان الأرثوذكس بحلب).

6 مذابح السريان والأرمن: وتعتبر فترة الاحتلال العثماني منذ عام 1515م مرحلة تميزت بالاضطرابات والمضايقات الدينية العنيفة ونشر الفتن القلاقل فيما بينها بتشجيع من الاستعمار الأوروبي منذ بداية ارسالياته التبشيرية وبدأت تزيد المضايقة على السريان فحدثت إنقسامات وأسلم قسم كبير منهم وبالأخص في طور عبدين. لكن من أقسى الكوارث التي عاشها السريان والتي مازالت جروحها غضة وذكراها حياً في الذاكرة كانت المذابح الكبرى في بداية الحكم العثماني وحتى بداية الحرب العالمية الأولى وكان أعنفها وأقساها مذابح 1914 ـ 1919 حيث ذهب خلالها أكثر من 300.000 قتيل والعالم يتفرج.

وقد نجا من المذابح من فر إلى الدول المجاورة. وحتى بعد هذه المذابح - السيفو- استمر التهجير القسري والمزمن للسريان من طورعبدين- تركيا. حيث اتجه قسم كبير منهم وبأعداد كبيرة هذه المرة إلى أوروبا لغاية بداية السبعينيات لدرجة أفرغت طورعبدين تقريباً وقراهم ما تزال شاهداً.

7 عنصرية الاحتلال الأسرائيلي. وأما المسيحية في فلسطين ومن ضمنها السريان فقد تعرضت أيضا إلى ضغوطات كبيرة ومجحفة خلال العصور. وآخرها من قبل الاحتلال الإسرائيلي العنصري وهذا ما أدى إلى تقلص خطير في عددها من نسبة مهمة من الشريحة الوطنية إلى أن وصلت لنحو حوالي 1% من عدد الشعب الفلسطيني فعلى سبيل المثال، تناقصت نسبة السكان المسيحيين في القدس من حوالي 50% عام 1922 إلى أقل من 10% في بداية السبعينات (BBC) وأما في بيت لحم حيث كان للسريان حضوراً كبيراً قبل الاحتلال فوصل اليوم إلى حوالي 1000 نسمة.

8 - ظاهرة الهجرة والتنقل: حاضراً وفي الجزيرة السورية فقد بدأت منذ الستينيات موجة هجرة واسعة كانت أولها إلى لبنان لسب اقتصادي وثم إلى بلاد الاغتراب واستمرت لفترة طويلة وخاصة إلى السويد وألمانيا مما أثر على التوازن الديموغرافي في هذه المنطقة وخفف من وتيرة التطور.

وكذلك في محافظة حمص وفي بعض القرى مثل زيدل حيث بدأت الهجرات في منتصف القرن الماضي حيث تركزت في بادئ الأمر إلى أمريكا الجنوبية وخصوصاً البرازيل والأرجنتين وفيما بعد إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعيش عدد كبير منهم.

9 - الحرب الأهلية اللبنانية: وفي لبنان الذي تألق فيه السريان لزمن طويل وقع بعدها في مأزق ومعاناة محيرة بسبب الحرب الأهلية اللبنانية المزمنة التي انطلقت شرارتها في نيسان 1975 حيث عمت كامل الأراضي اللبنانية لتوقع نارها بأكثر من 150 ألف قتيل خلال خمسة عشر عاماً، إضافة إلى تشريد ونزوح مئات الآلاف من اللبنانيين ومن ضمنهم السريان. فقد كان عدد السريان والآشوريين عام 1975 نحو 100 ألف من أصل لكنهم اليوم أصبحوا حوالي 70 ألفا هاجر معظمهم إلى كندا وأمريكا وأستراليا والسويد.

10 - حرب العراق: وفي العراق بشكل عام ومحافظة دهوك بشكل خاص تعرضت القرى السريانية المسيحية عبر القرون إلى الضغوطات والتهجير لإخلائها من سكانها المسيحيين وتغيير جغرافيتها. وآخر هذه المآسي المزمنة للعراق كانت ومازالت الغزو الأجنبي الذي زعزع توازنه الاجتماعي والإثني ودفعت بسببه الكنيسة العراقية كلها ثمناً باهظاً من الشهداء ونزوح واسع من المسيحيين سيغير وزن المسيحيين في الشرق بشكل مقلق. وبسبب الاضطهاد الواسع فقد خرج على الأقل 600 ألف مسيحي من العراق بعد الاحتلال إلى دول الجوار والهجرة إلى بقاع الأرض هرباً فتشتت العائلات. والأمل طبعاً ضعيف جداً في عودتهم إلى الديار مستقبلاً. وكالعادة فالمسيحيين هم ذو مناصب جيدة في المجتمع العراقي وهذا خسارة للجميع.

وأود أن أنوه هنا بأنه في الكثير من الشواهد التاريخية لا يمكن فصل معانات وتهجير وقتل شعب السريان في بلاد ما بين النهرين عن تلك التي عاشها جميع المسيحيين وأن سردها جميعاً يحتاج حتماً إلى موسوعة ضخمة.

الكنيسـة اليـوم

لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد السريان في العالم إنما يقدرها البعض بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة، تقطن الأغلبية الساحقة منهم في الهند، والباقي ينتشرون في سورية، ولبنان، والعراق، والأردن، وفلسطين ودول الخليج وتركيا، ومصر، وأوروبا والأمريكيتين، واستراليا و نيوزيلاندا وكندا وغيرها. إنها حقاً مؤسسة كبيرة ومنتشرة تحتاج إدارتها إلى كادر كبير وعمل دؤوب، فهي تتألف من ثمانية وعشرين أبرشية، ما عدا أبرشيات الهند. وهناك حاجة ماسة لزيادة عدد الكهنة والأبرشيات وخاصة في بلاد الاغتراب نتيجة الهجرة المستمرة من الشرق.

تتحمل الكنيسة السريانية اليوم - برئاسة قداسة سيدنا البطريرك المعظم مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى، ومع رجال الإكليروس- الكثير من الأعباء الكبيرة بسبب التبدلات المعاصرة والمستمرة التي تواجهها. وإذا نظرنا عن كثب إلى التغيرات الديموغرافية التي حدثت وتحدث للسريان بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يمكن أن نلاحظ أنها سببت لهم بعض الإحباط وخلقت جواً بعدم الاستقرار، ولكن من المؤكد أنها لم تكسر إرادتهم في الاستمرار في البقاء. ففي الجزيرة السورية وحلب استقر السريان بعد هروبهم من القتل في تركيا واحتضنتهم سوريا فلمعوا مرة أخرى وقاموا ببناء الكنائس وبتأسيس المدارس والاندية الثقافية والرياضية والاجتماعية ونشطوا علمياً واهتموا بالبيئة والتشجير والزراعة وشهدت المنطقة نهضة حضارية استمرت الى الستينيات ثم فترت لتعاود نشاطتها الملحوظة اليوم في مختلف الأصعدة والميادين.

وقد نشطت الكنيسة خلال الـ30 سنة الأخيرة ببناء الكنائس والأديرة وإنعاش التراث الكنسي عملياً وإعلامياً.
وفي وقتنا الحالي أبدت الحكومة السورية اهتماها بالسريان وبرعاية الرئيس السوري بشار الاسد تم إنشاء معهد تعليم اللغة الآرامية في بلدة معلولا حيث حددت محافظة ريف دمشق مقراً لمركز تعليم اللغة الآرامية لغة السيد المسيح حيث سيتم تجهيزه بشكل لائق ليستقبل كافة الطلاب ليكون على المستوى العالمي انطلاقاً من أهمية هذه اللغة عالمياً.

واليوم يقدم عدد كبير من المغتربين إلى الجزيرة في فصل الصيف ويساهموا في تنشيط المنطقة سياحياً.
وفي قرية زيدل الجميلة كما في غيرها ساهم المغتربين السريان الغيورين بإعادة تأهيل القرية عمرنيا بشكل مميز وهم يزوروها بالمئات سنويا.

ويبدو أن ظهور النفط في الخليج جلب معه العمالة السريانية من الشرق والهند وصار لنا هناك جالية نشيطة خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث زارها قداسة البطريرك زكا الأول عيواص في عام 2009 وقام خلالها بتقديس كنيسة جديدة لرعيتنا السريانية الأرثوذكسية هناك والتقى بأبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية من الجاليتين العربية والهندية.

ونقلاً عن صحيفة القبس الكويتية – تموز 2009: نظراً لتوفر الحريات الدينية في منطقة الخليج فقد ساهم في زيادة أعداد المسيحيين في دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء السعودية. وانتشرت أماكن العبادة والكنائس بشكل غير مسبوق في دول الخليج، وأخذ المسيحيون من كل الطوائف يتجمعون في تلك الأماكن ويقيمون صلواتهم بحرية وبشكل علني من دون أي قيود. ويعيش في دول الخليج ملايين الأجانب والعرب تضم جاليات مسيحية كبيرة ومعظمهم من آسيا، وخصوصا الهند والفلبين، فضلاً عن دول عربية يصل تعدادها إلى مئات الآلاف وربما أكثر من المليون، ومن أبرزها الآسيوية، ثم الأوروبية، تليها الأميركية ثم المسيحيون العرب.

ويبلغ عدد المسيحيين في دولة الإمارات العربية المتحدة قرابة 500 ألف من مجمل عدد السكان، وهم يتمتعون بالحرية الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية في الكنائس التي بنيت على أراض منحت لهم هبة من شيوخ وأمراء المنطقة على غرار الكنائس التي يجري بناؤها في قطر. ويعيش في البحرين حوالي 70 ألف مسيحي، يمثلون ما نسبته 5% من تعداد السكان، وتمثلهم طوائف الأقباط الأرثوذكس، السريان الأرثوذكس وأرثوذكس مالانكارا السريان. ويصل عدد المسيحيين في سلطنة عمان إلى نحو 65 ألفاً يمثلون ما نسبته 2.5% من عدد السكان، وأغلبيتهم ينتمون للكنيسة الأرثوذكسية، فضلاً عن وجود أعداد أخرى من الطوائف البروتستانتية الإنكليكانية الذين يتمركزون في مسقط. وفي الكويت، يبلغ عدد المسيحيين قرابة 400 ألف، غالبيتهم كاثوليك رسوليون وأقباط، وتضم الطائفة الأولى 100 ألف مسيحي، فيما يصل تعداد الثانية إلى 90 ألفاً، ويتوزع الباقون على الأرثوذكس السريان ومالانكارا.

وفي السعودية، يمثل عدد المسيحيين فيها 4% من عدد السكان، أي قرابة 1.5 مليون مسيحي، والأغلبية من هؤلاء جاؤوا للمملكة من أجل العمل واستقروا فيها.

وفي طورعبدين هناك بعض المحاولات الغيورة الفردية والجماعية من أجل إعادة بناء القرى وترميم الكنائس والأديرة لاحظتها من خلال زيارتي إلى طورعبدين في عام 2008.

السريان والاغتراب

وكمعظم الكنائس في العالم تمر الكنيسة السريانية أيضا اليوم في مرحلة اختبار صعبة علينا أن نتفاعل معها بعقلانية وتروي. وربما أكبر تحدي يواجه الكنيسة السريانية اليوم هو عامل الهجرة والاغتراب وهذا ما يقلق بعض أحبار الكنيسة. فهل يا ترى ستستمر السريانية وتنمو في الاغتراب كما استمرت في الهند؟ لكن يبدو أن هناك بعض القلق حول نمو عدد السريان في بلاد الاغتراب حيث أن حجم العائلة بدأ ينكمش وصاروا أشبه بالأوروبيين. ومن أجل المقارنة فمن المفيد أن نذكر ما حدث ويحدث للمهاجرين الهنود والباكستان المقيمين في بريطانيا على سبيل المثال. فقد استفاد المهاجرين من قانون الخدمات الاجتماعية وحافظوا على لغتهم وعاداتهم وأنجبوا الأولاد بكثرة. وتحتل العائلة الباكستانية اليوم في بريطانية الصدارة في الإنجاب والتكاثر وهناك مدن شبه كاملة من الباكستانيين. ووصل أجيال المهاجرين إلى مناصب عالية لدرجة أن حوالي ربع أطباء بريطانيا اليوم هم من أصول باكستانية أو هندية. وهناك وضع مشابه لهذا للجالية التركية في ألمانيا، حيث وصل تعدادها هناك إلى أربعة ملايين وانتشروا في مناصب مهمة. إذا يمكن القول: بأنه يمكن للمغترب أن يحافظ على هويته وعدم الانصهار الكامل في بلاد الاغتراب وكذلك الوصول مراكز مرموق.

وما يشجع المراقب هنا هو أن الكثير من الجاليات السريانية الفتية في الاغتراب هي نشيطة وأنشأت العديد من المؤسسات والمنظمات الاجتماعية والثقافية والتاريخية والتعليمية والخيرية والرياضة والفنية والموسيقية والتراثية وغيرها. بعض هذه المنظمات تقوم بعمل يستحق الإعجاب وتعمل بالتزام كامل للمهمة التي وضعتها أمامها.

كما أن الجاليات السريانية نشطت أيضا في المجال الإعلامي فظهرت محطات إذاعية وقنوات تلفزيونية وجهود للبدء في العمل السينمائي. كما أن هناك اتساع في ظهور مواقع الانترنت والمجلات والنشرات الدورية بأهداف متشابهة ومشتركة لرفع مستوى الوعي التاريخي والثقافي واللغوي والتراثي والفني والاقتصادي للسريان في العالم. وبالرغم من حداثتها فإن بعض هذه المؤسسات والجمعيات نجحت في إجراء اتصالات دولية واسعة لشرح ودعم القضايا السريانية الملحة ومنها على سبيل المثال؛ موضوع سَيفو والهجرة الجماعية الأخيرة للسريان من العراق ودعم الوضع الحساس لدير مار غبريال في طورعبدين وغيرها.

نظرة أمل إلى المستقبل

إنني متفائل بأن الكنيسة التي أنجبت قديسين وكهنة عظام مثل مار أفرام السرياني ومار يعقوب البرادعي وغيرهم كثيرين، ستثبت وتستمر في البقاء لا محالة. وكما قال يسوع “فهكذا كل شجرة جيدة تضع ثماراً جيدة” و “لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع ثماراً رديئة”.

أن تداعيات الهجرة الواسعة والتي ما زالت مستمرة من الشرق الأوسط وخاصة العراق إلى بلاد الاغتراب أثرت كثيراً على هيكل الكنيسة الأم وتوسعت بشكل سريع مسؤوليات كنيسة الاغتراب. لكن هل أبرشياتنا في المغترب قادرة على تحديد هذه التحديات ورسم الخطوط العريضة لمعالجتها؟

فما هو المطلوب اليوم من الأبرشيات السريانية في المهجر؟

إنني أرى أننا دوماً بحاجة إلى أفكار جديدة وعصرية من أجل مستقبل أفضل لهذه الأبرشيات وهذا بعض ما لدي:

1-              واجب العمل والتنسيق المشترك بين الأبرشيات السريانية في المهجر. كَعقد مؤتمر سنوي للأساقفة في بلاد الاغتراب لرسم استراتيجية مشتركة وموحدة على المدى الطويل؛ (توحيد دستور الكنيسة في أوروبا) على سبيل المثال تشكيل “اتحاد الكنائس السريانية في المهجر“ تحت إشراف وبركة قداسة سيدنا البطريرك. الهدف منه: التخطيط والعمل المشترك لرفع راية الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، حيث تجتمع قيادات هذه الكنائس كل سنتين على الأقل لمناقشة الأمور الكنسية المشتركة ووضع “موضوع الأسرة“ في قلب مناقشاتها. لأنه لا مستقبل للكنيسة من دون أسرة مسيحية ولا مستقبل للأسرة من دون الكنيسة.

2-              بناء جسور وقنوات اتصال متينة ومستمرة بين الأبرشيات السريانية في المهجر والأبرشيات السريانية في الشرق الأوسط. فقوة الكنيسة في المغترب، ضرورية جداً لاستمرارية السريان في الشرق ويتوجب عليها مسؤوليات جسام يجب تحملها.

3-              أتمنى رؤية تقارباً عملياً وتفاعلاً ملموساً بين الكنائس السريانية وشقيقاتها من الكنائس ذات التراث السرياني.

4-              الاستفادة من نجاحات الكنائس الشقيقة في المغترب في المجال الروحي والاجتماعي. حيث نرى الكثير من أبناء كنيستنا يلتزمون معهم أكثر من التزامهم بكنيستهم الأم.

5-              الاهتمام في الحوار المسيحي- الإسلامي. كفتح قنوات أخوية بين مؤسسات الكنيسة السريانية ومؤسسات الجالية الإسلامية في الاغتراب. الشئ الذي يفعله الكثير من قادة الكنيسة في سوريا. خاصة قداسة سيدنا البطريرك الذي يسعى دائماً لفتح حوارٍ بناء مع مختلف الكنائس والديانات للتقارب وفهم الآخر وقبوله. كما لا ننسى جهود نيافة المطران مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم متروبوليت حلب في هذا المجال.

ففي الوقت الذي يمر به الشرق الأوسط من تغيرات ومخاوف، يجدر بجميع القيادات الدينية في الوطن والاغتراب أن يضعوا يدهم بيد للقيام بدور رياديّ في التقارب فيما بينهم، لأن العلاقة الإيجابية بين الأديان في عالمنا اليوم قد تتأثر إلى حد كبير بالعلاقة بين هذه الأديان في الشرق والغرب وهذا ما يدعو كنيستنا الاغترابية إلى القيام بهذا الدور الحضاري.

ختاماً أقول: إن التعاون العملي والانفتاح بين الأبرشيات السريانية في المهجر سيغني عنها الكثير من المتاعب، ويَحِدُّ من العزلة والتقوقع والانغلاق الذي نعيش فيه.

وما هو المطلوب اليوم من الجاليات السريانية الاغترابية؟

أقترح إجراء تقييم شامل لأنشطتها الاجتماعية والثقافية والتاريخية والتعليمية والخيرية والرياضة والفنية والموسيقية والتراثية والإعلامية وغيرها في محاولات لرصد الجهود وتفادي الازدواجية وإضاعة الوقت.

كما أدعو إلى إنشاء موقع إلكتروني بعنوان: المركز السرياني العالمي للمعلومات: International Syriac Resource Centre – ISRC ويكون بمثابة مرجع مركزي أو موسوعة تحتضن معلومات موجزة عن هذه الفعاليات ووصلات – لينك - لمختلف المواقع التي لها علاقة بالسريانية في العالم. إنه لمشروع رائد يستحق الدراسة من قبل الجهات المختصة.

وفي ختام بحثي المتواضع هذا آمل أن أكون قد وفقت في هذا من وضع ابتسامة على وجوه بعض القلقين على مستقبل السريان وذلك بإظهار أن الشعب السرياني باقي وسيبقى حياً رغم كل العواصف نظراً لإيمانه الأرثوذكسي وتمسكه بكنيسته العريقة. وأود أن أختم هذا المقال مقتبساً مما قالته الباحثة الأوروبيةChristine Chaillot  كريستين شاييو التي أبدت إعجابها باستمرارية الكنيسة السريانية  الأرثوذكسية في كتابها بعنوان: السريان ماضياً وحاضراً (2004). “وما بقاء الطائفة السريانية الأرثوذوكسية حية إلا من خلال إيمان شعبها وشهاداتهم الحقيقية عبر التاريخ من أجل المسيح”.

وتذكر المؤلفة نقلاً عن قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص الكلي الطوبى قوله لها: “إن الروح القدس هو معلمنا وسوف يرشدنا ويرشد خلفائنا إلى الحقيقة لذا فأنا لا أشعر أنني بمفردي وأنا أرعى كنيستنا السريانية”.
16‏/9‏/2009 تم النشر بواسطة حفصة موسى.
2 من 4
تابع الرابط لكثرة الشرح
16‏/9‏/2009 تم النشر بواسطة عبد المغني الإدريسي (عبد المغني الإدريسي).
3 من 4
اخوتنا في الكنيسة
23‏/9‏/2009 تم النشر بواسطة dear.
4 من 4
شعب قديم 2000ق؟م
3‏/11‏/2009 تم النشر بواسطة السراني.
قد يهمك أيضًا
من هم الامازيغ و هل هم عرب
الأمازيغ هم عرب مستعربة لماذا البعض منهم ينفون ذلك ؟
من هم (التركمان)
لماذا اغلب الاردنييين اصحاب البشرة القراء هم من سكان الريف؟؟
عبر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة