الرئيسية > السؤال
السؤال
كيف تطور علم الجغرافية ؟
الجغرافيا 27‏/9‏/2011 تم النشر بواسطة kamal112232 (kamal 112232).
الإجابات
1 من 2
لا نكون مبالغين إذا قلنا: إنه لا يسبق علم الجغرافيا تاريخيا علم من العلوم اللهم إلا علم الفلك، والذي يعد بدوره في نظر الجغرافيين المنصفين فرعا من فروع الجغرافيا، ومع ذلك فإن علم الجغرافيا لم يظهر في القديم كما هو اليوم، وهذا من طبائع كل العلوم، فكل علم لا بد له من إرهاصات، ثم البداية المشوشة التي يتداخل بها هذا الفن مع غيره من العلوم، ثم يأخذ بعد ذلك دوره في التشكل والتكوين، خاصة مع ظهور المتخصصين.
وقد كان من بين الشعوب التي تركت لنا إرثاً متواضعاً في هذا المجال شعوب البحر الأبيض المتوسط، سواء في ذلك المصريين أوالفينيقيين أوالرومان، وقبلهم الإغريق الذين كان لهم الدور الأول في ذلك، وهم شعب التصقت حياته بالبحر وتميز بحب الاستطلاع مما ساعد على نمو تذوق المغامرات البعيدة لديهم.

فقد قام المصريون القدامى في عهد (سينفرو) فرعون مصر برحلات عديدة بغية الاستكشاف، كما أرسلت مصر البعثات لكشف حوض النيل وارتياد الصحراء الشرقية والليبية وشبه جزيرة سيناء، وتيسيرا لنقل التجارة من داخل البلاد إلى البحر الأحمر حفرت قناة سيزوستريس بين النيل وذلك البحر.

أما الكريتيون فهم شعب بحري ضاعت كل معالم تاريخه من الذاكرة، وظهر أن نشاطهم في مضمار الملاحة كان سابقاً للفينيقيين وهم أقدم من ركب عرض البحر، ولم يتبق من التاريخ عنهم سوى تجارتهم الواسعة مع مصر التي عرفوا من خلالها سواحل الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط, كما عرفوا غرباً سواحل صقلية وإيطاليا الجنوبية دون أن يتجشموا مخاطر الابتعاد أكثر من ذلك.

أما الفينيقيون فقد تمت أول حملة اكتشافية على أيديهم، وقد جهزها فرعون مصر (نيخاوس)-الذي حكم في النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد بالسفن والمؤن-واستطاعت هذه الحملة عام 665 ق.م أن تدور حول أفريقيا بعد أن انطلقت من البحر الأحمر وعادت من طريق البحر الأبيض المتوسط, واستغرقت هذه الرحلة مدة عامين، وفي الفترة الواقعة قبل الميلاد بخمسة قرون قام القرطاجيون بإرسال القائد صفون لاكتشاف ساحل أفريقيا الغربية، فانطلق على رأس أسطول من ستين سفينة يركبها ثلاثمائة بحار بالإضافة إلى عدد من المهاجرين, وفي الوقت نفسه كان القائد هيميلكون يكشف سواحل أوروبا الغربية ويتوغل في بحر الشمال.

أما اليونانيون الذين كانوا يقطنون ضفاف بحر غنيّ بالملاجئ الطبيعية فقد نشطوا من خلال تجارتهم وقربهم من البحر، وكان منهم المؤرخ (هيرودوت) الذي قام برحلات كبيرة في برقة ومصر وفينيقية وبلاد بابل، كما زار المستعمرات الإغريقية في ساحل آسيا الصغرى الشمالي، وجزر بحر إيجة وصقلية وجنوب إيطاليا، ويعتبر كتاب "التاريخ" الذي ألفه وجيزا للمعارف الجغرافية لدى الإغريق في أواسط القرن الخامس ق . م .

وقد اتسعت معارف الرومان الجغرافية، إذ أنهم توغلوا في الحبشة بعد دخولهم مصر، ووصلوا إلى مناطق المستنقعات الفسيحة في بحر الغزال، وقاموا ببعض الاستكشافات الجغرافية هناك، كما اكتشفوا جبل كينيا وجبل كليمنجارو أعلى قمم أفريقيا.

واستناداً إلى جغرافية بطليموس فقد كان العالم المعروف لدى الأقدمين يمتد من جزر الخالدات غرباً إلى الصين شرقا، أما حدوده الشمالية فكانت الجزر الواقعة شمالي بريطانيا، في حين لا تتعدى حدوده الجنوبية منطقة السودان والبحيرات الكبرى، وكان كتاب بطليموس مزودا بـ 27 خارطة، كانت إحداها تمد البحر المتوسط بحوالي 20 درجة شرقا؛ مما أدى بالتالي إلى استطالة الأراضي بشكل مفرط باتجاه الشرق.

وجاء حينٌ من الدهر أخذت فيها روح البحث العلمي في هذا المجال في الخمول حينما بدأ رجال الكنيسة من أمثال القديس (أمبرواز 330 - 397م) يجهرون بأن دراسة الكون ووضع الأرض لن يفيد الإنسانية في تحقيق أملها في الحياة الآخرة، وأدى ذلك إلى أن بدأ الكثيرون يعزفون عن الرغبة في المعرفة ويعتبر هذه الأمور ضرباً من السحر، واستمر الحال هكذا حتى القرن الخامس عشر، فقد عانى كل من كوبرنيك ( 1473ـ 1543) وجاليليو (1564ـ 1642م) الكثير من المضايقات من رجال الكنيسة. (انظر: عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافيين العرب، ص21 - 33 بتصرف).

 
الجغرافيا في الإسلام
أ) عوامل ظهور الجغرافيا عند المسلمين:

لم يكن ظهور علم الجغرافيا لدى المسلمين وليد صدفة، وإنما كان هناك عوامل وأسباب عدة أسهمت في ظهوره ونمائه، نذكر منها ما يلي:

1- انتشار الإسلام: فقد اقترن الفكر الجغرافي لدى المسلمين بانتشار الإسلام في أنحاء شتى من العالم القديم في قاراته الثلاث، وترتب على ذلك اختلاف خصائص البيئات التي سادها الدين الإسلامي؛ مما أوجد حاجة ماسة لمعرفة وجمع معلومات متخصصة عن تلك البيئات.

2- التدبر في خلق الله: حيث جاء القرآن الكريم ببيان كثير من الظواهر التي أودعها الله في الأرض، قال تعالى: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون}، وقوله تعالى: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج}، وقوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا}، وقوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان}، وهذه صورة إعجازية لظاهرة مهمة في الجغرافيا الطبيعية، حيث يلتقي الماء العذب والماء المالح فلا يختلطان ويمتزجان، وهذه الظاهرة الجغرافية تتحقق عند التقاء الماء العذب بالمالح في جميع المسطحات المائية مثل ما هو في الركن الشمالي الغربي من الخليج العربي قرب جزر البحرين.

ولقد تدبر رواد الجغرافيا عند المسلمين هذه النصوص المتخصصة؛ مما أسهم في تأصيل الاتجاه العلمي الجغرافي لديهم، والآيات الكونية ما هي إلا وسائل أوجدها الله سبحانه وتعالى لمعرفة الحسابات الزمنية, قال تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا}.

والقرآن الكريم فيه بيان لعدد من الظواهر الكونية والجوية والأرضية التي استرعت تفكير نخبة من العلماء، وبهذا تحدد ميدان الجغرافية لديهم بما يتفق مع ما هو معروف اليوم بالأغلفة الجوية والصخرية والمائية.

3- المتطلبات الشرعية: قام الإسلام على أصول من الكتاب والسنة في تعاليمه التعبدية، فتعتمد أركانه في أدائها على مواقيت زمنية ومكانية؛ فالصلاة تقام في أوقات زمنية محددة ويستقبل فيها جهة محددة، وبما أن بقاع الأرض تختلف في مواقيتها الزمنية والمكانية فقد كان هناك ضرورة لأن يهتم علماء كل ولاية إسلامية بتوضيح هذه الأمور لعامة الناس, وتتلخص المتطلبات الشرعية في أمور عدة منها:

أ- فروض العبادات: وضع علماء المسلمين في كل قطر إسلامي حدودًا زمنية لإقامة الصلاة، وما تزال الأدوات التي تقاس بها مواعيد الصلاة موجودة في بعض المساجد القديمة، وتسمى بالساعات الشمسية، وكان الاعتناء بذلك ناتجا عن أن دخول الوقت شرط لإقامة الصلاة قال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} أي مفروضًا في الأوقات، وكذلك جاء في الحديث الشريف أن جبريل عليه السلام علَّم النبي صلى الله عليه وسلم وقت كل صلاة.

ولقد حُدد الصيام بحدود شهرية وحدود يومية لقول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا"، وجاء التحديد اليومي بنص القرآن الكريم بقوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل}.

ولأهمية أمر العبادة فيما يخص تحديدها المكاني والزماني اتخذت بعض الاتجاهات العلمية في كتابة بعض المصنفات التي تفي بأمرها؛ فمثلا كان من أهداف الكتابات الجغرافية والفلكية تحقيق الفائدة وتبصير الأمة للأوقات، ومن ذلك ما أورده البيروني حول أسباب تأليف كتاب (الآثار الباقية عن القرون الخالية) بقوله: "فقد سألني أحد الأدباء عن التواريخ التي تستعملها الأمم, والاختلاف الواقع في الأصول التي هي في مبادئها, والفروع التي هي شهورها وسنوها، والأسباب الداعية لأهلها إلى ذلك, وعن الأعياد المشهورة والأيام المذكورة للأوقات والأعمال وغيرها مما يعمل عليه بعض الأمم دون بعض, واقترح علي الإبانة عن ذلك بأوضح ما يمكن السبيل إليه حتى تقترب من فهم الناظر فيها".

وارتبط الحج بمواقيت مكانية للإحرام وهي مختلفة في أبعادها من مكة حسب الجهات التي يأتي منها المسلمون لأداء الفريضة، وكان ضروريًا معرفة تلك المواضع التي يتم إحرام الحجاج والمعتمرين منها حتى لا يترتب عند تجاوزها مخالفة شرعية في تمام العبادة، ويتحدد الحج بميقات زمني متمثلا بدخول شهر ذي الحجة؛ لأن الحج مرتبط بالوقوف بعرفة وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، فمن فاته الوقوف بعرفة - كما هو معلوم - فقد فاته الحج.

ب- تفسير ما ورد من نصوص شرعية: أسهمت بعض النصوص الشرعية التي وردت في السنة في تنشيط المعرفة الجغرافية في محاولة لتفسير تلك النصوص, من ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا"، وقول الرسول: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"، وقوله: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، تلك النصوص وما شابهها أظهرت حاجة ملحة في بيان المقصود من ذلك؛ لتحقيق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم.

كما أوجدت وجهات نظر جغرافية في التحديد، فالنصوص السابقة مثلا جعلت من تحديد جزيرة العرب محل اختلاف بين العلماء الجغرافيين، حتى إنه ورد فيه أربعة آراء، منها ما هو متسع كتحديد ابن حوقل والإصطخري، ومنها ما هو ضيق كتحديد المقدسي والجيهاني، وأسهمت تلك النصوص وما شاكلها في ترسيخ مبادئ الاتجاه الإقليمي المتخصص كما هو في مصنفي (صفة جزيرة العرب) للهمداني، و(بلاد العرب) للحسن بن عبدالله الأصفهاني.

ج- الدعوة إلى الله وتعلم أمور الدين: بعد فتح البلاد الإسلامية أصبحت هناك حاجة ملحة لتعلم شرائع الدين، حيث قام عدد من التابعين بالسفر إلى البلاد المفتوحة لتعليم أبنائها أمور الدين والدعوة إليه، وفي الوقت نفسه قام أفراد من سكان تلك البلاد بطلب العلم من المنابع التي ظهر فيها الإسلام سواءً في مكة أو المدينة؛ لما تتمتع به المدينتان من وجود كبار الصحابة والتابعين، وكانت هذه الرحلات في سبيل الدعوة إلى الله أو طلب العلم تستلزم المعرفة بالمسالك المؤدية للمناطق المقصودة، كما أن أساليب الدعوة في بيئة ما لا يمكن أن تصلح في كل بيئة، ومما أسهم في تيسر الاتصال المرتبط بالدعوة إلى الله الموقع الجغرافي لموطن الرسالة، فقد أثبتت الدراسات الجغرافية الحضارية لمنطقة الشرق العربي أن موقعها الجغرافي كان وما يزال متوسطًا في العلاقات الإقليمية والعالمية، ولذا أسهم بدور الوساطة التجارية من جانب وبدور الدعوة والبلاغ من جانب آخر.

4- المتطلبات الإدارية والعسكرية: نمت الدولة الإسلامية وبلغت حدودها من الصين شرقًا حتى الأندلس (أسبانيا) غربًًا في غضون سبعين سنة تقريبًا، وكان هذا النمو حصيلة فتوحات في ثلاث خلافات إسلامية (الخلافة الراشدة، والخلافة الأموية، والخلافة العباسية). ويتطلب التوسع في الدولة مراعاة أمور ترتبط بهذا التوسع، منها:

أ- إدارة المناطق: عندما أصبح الأمر في معظم أصقاع العالم القديم تحت إمرة الخلافة الإسلامية كان من الأولويات التي اهتُمَّ بها الكيفية التي تتم بها إدارة المناطق بما يتفق مع الإمكانات البيئية والخصائص الاجتماعية لكل قطر، وكان الأمر يتم بدراسة التقارير الوصفية (الجغرافية) الأولية من قبل الفاتحين لتحديد الطريقة المثلى لإدارة تلك الأقطار، وتعد تلك التقارير بمثابة النواة الأولى لتطور اتجاهات الدراسات الإقليمية.

ب- الالتزامات المالية: نظم الدين الإسلامي جباية المال عبر أبواب متعددة، فجباية الزكاة تتعين على الموسرين من المسلمين، ويقدر الخراج حسب مقدار غلة الأرض، وهو ما يختلف باختلاف البيئات التي بسط الإسلام تعاليمه السمحة عليها، بينما تؤخذ الجزية على الذميين الداخلين في حمى الولاية الإسلامية، ومثال ذلك ما قام به المقدسي من تحديد للأقليات غير المسلمة في إطار الممالك الإسلامية.

ج- تلبية احتياجات المناطق من المتطلبات المهمة: تقترن عمليات توفير الاحتياجات للمناطق بالمعرفة الجغرافية التي تحدد الأولوية في تقديم المتطلبات لسكان الولايات الإسلامية؛ فمثلا بناء الطرق وتسهيلها من المتطلبات العامة التي تكفلت بها الخلافة، ومما روي من الاهتمام بذلك ما أناط عمر بن الخطاب به نفسه بقوله: "لو أن بغلة عثرت في أرض العراق لكنت مسؤولا عنها لِمَ لَمْ أسوِّ لها الطريق؟"، كما رغب معظم الخلفاء في معرفة الممالك التي أصبحت تحت إدارتهم من ذلك ما قام به الخليفة عمر بن عبدالعزيز من الكتابة إلى واليه في الأندلس يطلب منه فيها موافاته بصفة الأندلس وأنهارها، وفي هذا بيان لأهمية الاتجاه الإقليمي للجغرافية في إدارة شؤون الدولة, والتعرف على أحوالها والتخطيط لمستقبلها.

د- تحديد المناطق المثلى لإنشاء خطوط الدفاع عن الدولة الإسلامية: تميزت دولة الإسلام إبان نشأتها بالقوة والمنعة إلا أن ذلك لم يمنع من التفكير في الذود عن الأمة الإسلامية - التي يتربص بها أعداؤها حالة ضعفها, أو انشغال المسلمين عن الجهاد في سبيل الله - بإيجاد بعض النقاط التي تكون مراكز للدفاع عن الأراضي الإسلامية، وقد تم اختيار بعض المعابر الأرضية (الثغور) بين ممالك الإسلام والممالك غير المسلمة نصرانية كانت أم لا دينية؛ لتكون مصدات لهجوم الأعداء، وإن اختيار هذه المعابر يأتي عبر معرفة جغرافية دقيقة بطبوغرافية المكان.

كما أن القادة قد ابتكروا نقط إمداد عسكرية شبه ثابتة - في حالة الحاجة إلى استنفار أكبر عدد ممكن من المسلمين للجهاد أو صد هجوم المعتدين- ببناء المدن الحربية في مواضع مختلفة فما البصرة والكوفة والقيروان إلا نماذج للمدن الحربية؛ فمدينة القيروان على سبيل المثال اختيرت بعناية من قبل القائد عقبة بن نافع في الجزء الهامشي من المنطقة الرطبة وعلى مقربة من المنطقة الجافة وعند ملتقى طرق تتجه في جميع الاتجاهات مع اهتمام بوجود ينابيع مائية تكفل نمو المدينة، وفي هذا بيان لأهمية الموقع الجغرافي في الاتجاه العلمي للمتطلبات التي تحتاجها الدولة الإسلامية.

5- الدوافع الاقتصادية: حقق النشاط التجاري تنشيطًا للمعرفة الجغرافية عند المسلمين قدر ما حققه انتشار الإسلام في أرجاء واسعة من العالم؛ فالتجارة هي الحرفة الرئيسة للمجتمعات العربية حيث ارتبطت مدن الصحراء بالمناطق الزراعية، وكوَّن تجار المسلمين بعد انتشار الإسلام خلفية واسعة عن البلاد المحيطة بهم عبر علاقات تجارية، وجعلت التجارة المعطيات الجغرافية أعظم بكثير مما كانت لدى أسلافهم من الأمم الأخرى، ووضعتها تحت تصرفهم فوسعت أفق الجغرافيِّ؛ مما جعله يكتب عن مناطق لم يرها بل سمع عنها من التجار، ولقد تعددت العلاقات التجارية ولعل أبرزها تلك العلاقات مع الهند وجنوب شرق آسيا والصين وأفريقيا وأوربا، ولهذا العامل تأثير في بناء أساسيات الجغرافية التجارية لدى العلماء المختصين.

6) تشجيع العلماء: أسهم تشجيع العلماء في إبراز الاتجاه العلمي في الكتابات الجغرافية، وظهرت ثمرات هذا التشجيع في المصنفات التي خلفها علماء المسلمين، ويتلخص التشجيع في صور من أبرزها: إنشاء بيت الحكمة، وتنشيط حركة الترجمة

7) الرحلات: فقد أدَّت الرحلات بجميع أغراضها إلى تفوق الجغرافيا الوصفية، كما أسهمت في تطور الجغرافية البلدانية (الإقليمية)، حيث كانت الرحلة هي المصدر العلمي لهذا النوع من الكتابات الجغرافية، وتمثل الرحلة الوجه المشرق للجغرافية الإسلامية، ففي بطونها معين لا ينضب من المعلومات التاريخية والاقتصادية والأنثروبولوجية لمعظم مناطق العالم الإسلامي، وقد اعتمد كبار الجغرافيين المسلمين على الرحلة في جمع معلوماتهم، أو التأكد مما سمعوه أو نقلوه، فزاروا معظم البلدان التي كتبوا عنها، وألفوا كتبًا تحدثوا فيها عن رحلاتهم؛ فعرَّفت الناس بأجزاء كثيرة من العالم كانت مجهولة قبلهم.
5‏/10‏/2011 تم النشر بواسطة wadahujayli (wadah ujayli).
2 من 2
ولقد عنون بعض الجغرافيين كتبهم بأسماء تدل على المنهج الذي طرق في هذا الكتب، فمثلا ابن بطوطة عنون لكتابه بـ"تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وأصبحت الرحلات في مصنفات الكتب الإسلامية مصدرًا من مصادر المعرفة الجغرافية، فالمسعودي مثلا بدأ رحلاته المبكرة التي زار فيها اليمن وحضرموت وعمان وبحر الزنج والهند والسند عام 303هـ، ثم أتبعها برحلة طويلة بين عامي 304 و 332هـ- امتدت إلى ما يقرب من 28سنة - إلى الممالك المحيطة ببحر الخزر وبعض الأقاليم الواقعة شرق دجلة. وأخيرًا برحلة إلى مصر وسورية استمرت أربع سنوات, وقد جمع في هذه الرحلات معلومات ميدانية متنوعة كانت مصدرًا لبعض ما أورده في كتابيه (مروج الذهب ومعادن الجواهر)، وكذا (التنبيه والإشراف). (مساعد بن عبدالرحمن الجخيدب، موقع "الدارة" بتصرف).

ب) دور السابقين على المسلمين:

وفي معرض تناول إنطلاق النهضة الجغرافية لدى العرب والمسلمين يجدر بنا ذكر التأثير العلمي للهنود واليونان في هذا المضمار، فقد استعان المسلمون بمجهوداتهم البحثية التي كانت شرارة لانطلاق ثورتهم الجغرافية المبدعة.

فمؤلفات بطليموس ومارينوس وبعض الرحالة الهنود قدمت البدايات للعرب، حيث كانت مؤلفات وصفية اهتم فيها بطليموس بحساب درجات الطول والعرض ودشن لاستخدام الجغرافية الرياضية في رسم الخرائط، وكذلك كتب سترابون الذي عاش في أيام يوليوس قيصر، عن الصينيين وكان له السبق في ذلك.

فقد اعتمد العرب المسلمون في القرن التاسع الميلادي، الثالث الهجري في إرساء قواعد علمهم الجغرافي على كتاب "الجغرفيا" لبطليموس، وهو يكاد يكون الكتاب الوحيد الذي تناولوه في هذا الموضوع من الدنيا القديمة، مع كتاب مارينوس الصوري الأقل أهمية. (انظر: عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافيين العرب).

رابعا: تطور علم الجغرافيا في الإسلام:

لم يقف المسلمون في تناولهم لعلم الجغرافيا موقف المطلع والمشاهد فقط لمؤلفات بطليموس ومارينوس الصوري، بل تعاملوا مع الأمر بخطوات إيجابية، شأن الجغرافيا لديهم شأن باقي العلوم التي اطلعوا على إسهامات السابقين فيها، ومن ثم قدموا ما عندهم من إبداعات واختراعات، وقد مرت الجغرافيا لدى المسلمين بالمراحل التالية:

1) ظهور الجغرافيا الأدبية:

فإذا كانت المحاولات الأولى في الجغرافيا قد ظهرت بشكل متواضع جدا في مطلع القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، فبعدها بنصف قرن تكوّن ما يعرف بالجغرافيا الأدبية، وقبل القرن التاسع الميلادي لم تكن هناك مصنفات جغرافية قائمة بكل معنى الكلمة، إنما كان هناك بين حين وآخر معلومات جغرافية متفرقة ضمن كتب الأدب.

فحين نشطت الترجمة واطلع المسلمون على أفكار بطليموس ومارينوس الصوري بدأت سلسلة الجغرافيا العلمية التي سرعان ما تبعتها أنماط متعددة للجغرافيا الوصفية، وفي أواخر هذا القرن (التاسع الميلادي) أخذت تظهر الوجيزات الجغرافية لفائدة كتّاب الدواوين، وكان من أهم ما يمثل ذلك الكتاب الذي تصدى لدراسة مشهد الأرض الطبيعي بشكل خاص ويحمل عنوان: "كتاب المسالك والممالك" لابن خرداذبة (ت272هـ/ 885م)،

وتلى ذلك وجيزات جغرافية أخرى حتى أصبحت في متناول رجال الأدب ومن ثم عامة الناس، وكان منها: "كتاب البلدان" للجاحظ.

2) ازدهار المؤلفات من النوع المبسط:

وكان التطور التالي في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي، حيث بلغ الأدب الجغرافي ذروته وذلك على أثر ظهور مؤلفات من نوع (المسالك والممالك)، أي بظهور المدرسة التقليدية للجغرافيين العرب التي كانت على صلة وثيقة "بأطلس الإسلام" الذي يمثل قمة علم المصورات عند العرب، أو علم الخُرُط.

كما حظى التبسيط الجغرافي بمجال رحب لدى الجمهور الذي أقبل عليه بشغف، وتعددت مناهج وصف الرحلات، وإجمالاً يمكن القول بأن القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي كان عصر تكامل الأنماط في المصنفات الجغرافية، حيث تعددت الأسفار الاستكشافية مما زاد من اتساع أفق الجغرافيين الوصفيين، وزادت مع ذلك معلوماتهم دقة ووضوحا.

ففي عام (309هـ/921م) أرسل خليفة بغداد (المقتدر) بعثة إلى بلغار الفولغان وعهد إلى ابن فضلان بكتابة تقرير عن أخلاق شعوب هذه المنطقة، وظل هذا الكتيب حتى القرن الثاني عشر الميلادي أفضل مصدر وثائقي يملكه العرب عن الروس وعن سكان بحر الخزر.

3) التطور الختامي للأنماط الجغرافية:

وكان ذلك في نهاية القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي والقرون التالية، ففي هذه الفترة ظهرت المعاجم الجغرافية، والمؤلفات الكوزموغرافية، والجغرافية العالمية، واحتلت الموسوعات التاريخية والجغرافية مكانة مهمة أيام المماليك في مصر، وأخيراً كثرت أقاصيص الرحالة الجغرافيين، وبعد هذه المرحلة بدأ عصر من الجمود في الإنجازات الإسلامية الجغرافية، فلم ينتج المسلمون أي صور جغرافية جديدة، بل اكتفوا بمحاكاة الأنماط السابقة عدا بعض التعديلات الطفيفة في المضمون انسجاما مع متطلبات العصر الذي كتبت فيه، واستمر الحال على المنوال نفسه حتى في أيام العثمانيين.

4) الحقبة العثمانية:

وفيها بدأ الاحتكاك بالجغرافيا الأوروبية الحديثة, والاكتشافات الجغرافية الكبرى.

5) النهضة الجغرافية الحديثة:

وقد ابتدأت في مصر التي استفاقت من سياستها على مدافع نابليون وظهور أسرة محمد علي، وظهرت عدة مؤلفات في الجغرافيا الرياضية والرحلات، ولاسيما في الشطر الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين.

اتجاهات الدراسات الجغرافية عند المسلمين الأوائل:
فقد أخذت دراسات جغرافية المدن في المصنفات الإسلامية اتجاهين علميين: أحدهما وصفي والآخر تعليلي، ويمكن تتبع هذه الاتجاهات لمعرفة الإضافات العلمية التي أضافتها إلى هذا التخصص:

1) الدراسات الوصفية: كان من أهم أهداف الجغرافيين الإقليميين والرحالة وصف المدن بدقة، مركزين بذلك على تاريخها وأجوائها وسكانها وأهم منتجاتها وتعاملاتها التجارية مع الآخرين، وتتمثل الدراسات الإقليمية بالكتب البلدانية، وبكتب المسالك والممالك ومما جاء في ذلك:

1 - أورد (ابن حوقل) في كتابه "صورة الأرض" وصفًا للمدن التي استعرضها في دراسته للأقاليم؛ فقد وصف عددا من المدن نأخذ أمثلة منها: وصف ابن حوقل الفسطاط بقوله: "الفسطاط مدينة كبيرة نحو ثلث بغداد، ومقدارها نحو فرسخ على نهاية العمارة والخصب والطيبة واللذة، ذات رحاب في محالها, وأسواق عِظَام, ومتاجر فخام، وممالك جسام إلى ظاهر أنيق وهواء رقيق وبساتين نضرة ومنتزهات على مر الأيام خضرة … وفيها خمسة مساجد وحمامان وغير فرن لخبز عجين أهلها، ومعظم بنيانهم بالطوب وأكثر سفل دورهم غير مسكون, وبها مسجدان لصلاة الجمعة".

ويتضح من الوصف التركيز على عدد سكان المدينة، وتقدير مساحتها مع إيرادٍ لخصائص أسواقها وإبراز لبعض المرافق والخدمات، ومن الأمثلة المختصرة في وصف المدن ما ذكره في وصف مدينة الطائف بقوله: "والطائف مدينة صغيرة … كثيرة الشجر والثمر، وأكثر ثمارها الزيت وهي طيبة الهواء، وفواكه مكة وبقولها منها وهي على ظهر جبل غزوان، وبغزوان ديار بني سعد وسائر قبائل هذيل، وليس بالحجاز فيما علمته مكان أبرد من رأس هذا الجبل؛ ولذلك اعتدل هواء الطائف".

وهو بهذا الوصف يؤكد أثر الموضع الجغرافي على مناخ المدينة، كما أنه أعطى بيانًا لتوزيع القبائل وارتباط استقرارها بالمدن.

2 - امتازت الكتب البلدانية المتخصصة بدقة الوصف مع إقران الوصف بالصورة، ومن ذلك مـا سطره (ابن المجاوز) في كتابه صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز بوصفه لمدينة جدة بقوله: "هي مدينة صغيرة على ساحل البحر وهي فرضة مكة، وليس يمكن بها السكون (السكنى) لازدحام الخلق بها في أيام الموسم الحاج؛ لأنه يلتام إليها من جميع أطراف بلاد العالم … وإذا قل الماء على أهلها نقلوه من القرين ما بين مكة وجدة".

3 - أبدع (الإدريسي) في وصف المدن في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، فهو يولي اهتمامًا كبيرًا لدراسة المدن، ومما ذكره في ذلك وصفه الدقيق لمدينة (قرطبة) بقوله: ومدينة قرطبة قاعدة بلاد الأندلس وأم مدنها… وهي في ذاتها مدن خمسة يتلو بعضها بعضًا بين المدينة والمدينة سور حاجز, وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق… ولا بلد أكبر اسمًا منها في بلاد الأندلس.

أما مصنفات الرحَّالة فقد اعتنت بوصف المدن، ويمكن أخذ مثال على وصف إحدى مدن الشام (حماة) في مصنف (ابن بطوطة) المسمى ب(رحلة ابن بطوطة) أو (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) بقوله عنها: "إحدى أمهات الشام الرفيعة، ومدائنها البديعة، ذات الحسن الرائق، والجمال الفائق، تحف بها البساتين والجنات، عليها النواعير كالأفلاك الدائرات، يشقها النهر العظيم المسمى بالعاصي. ولها ربض سمي بالمنصورة … فيها الأسواق الحافلة, والحمامات الحسان".

2) دراسات اقترنت بالتعليل:

اتصفت دراسة ابن خلدون بهذا النمط، على الرغم من وجود أعلام جغرافية أخرى سبقت ابن خلدون في هذا المضمار، ولكن ليس بالشمول والتطبيق أنفسهما؛ فالمقدمة لا تولي وصف المدن القدر الذي تحاول فيه تحديد العوامل المقترنة بظروف مواقعها ونموها وأحجامها، مع تحديد لتعريف المدينة:

1 - ظروف الموقع: بلغ عدد المدن التي أنشأها المسلمون خارج الجزيرة العربية ما يزيد على مئتي مدينة خلال حكم الخلفاء الراشدين وفي عهد الأمويين والعباسيين، ويعطي هذا الرقم مع ما ذكر حول تحديد المناطق المثلى لإنشاء خطوط الدفاع عن الدولة الإسلامية - كأحد العوامل المرتبطة بالمتطلبات الإدارية والعسكرية - أهمية دراسة المواقع بشكل دقيق لتحديد المزايا التي يتمتع بها والعيوب التي ترتبط به.

2 - نمو المدن: يخضع نمو المدن إلى مقومات تدفع به، أو إلى معوقات تحد منه، ولقد أورد ابن خلدون في الفصل الرابع من الكتاب الأول أن المدن عند نشأتها يمكن أن تنمو بتوجيه من الدولة رغبة منها في اجتماع الأيدي، وهو بهذا يقول: "فلابد من تمصير الأمصار واختطاط المدن من الدولة والملك ثم إذا بنيت المدينة وكمل تشييدها بحسب نظر من شيدها وبما اقتضته الأحوال السماوية والأرضية فيها فعمر الدولة حينئذ عمر لها، فإن كان عمر الدولة قصيرًا وقف الحال بها عند انتهاء الدولة، وتراجع عمرانها، وخربت، وإن كان أمد الدولة طويلا ومدتها منفسحة، فلا تزال المصانع فيها تُشاد، والمنازل الرحيبة تكثر وتتعدد، ونطاق الأسواق يتباعد وينفسح إلى أن تتسع الخطة وتبعد المسافة، وينفسح ذراع المساحة كما هو واقع ببغداد وأمثالها".

3 - تصنيف المدن وتدرجها: أخذ المسلمون بمسألة اختلاف المدن في أحجامها، وهذا أوجد مصطلحات تختص بهذا الاختلاف فهناك البليدة والبلدة والبلد، وتم ربط أحجام المدن بالأسواق، فمثلا أوضح ابن خلدون أن متى ما كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل، وأن المصر الكثير العمران يختص بالغلاء في حاجاته وأسعار حاجته.

وقد بيَّن الجغرافيون المسلمون تدرج المدن استنادًا إلى معايير مختلفة، ومن ذلك ما عبر به المقدسي بقوله: "اعلم أنا جعلنا الأمصار كالملوك، والقصبات كالحجاب، والمدن كالجند، والقرى كالرجالة"، والسمات الواجب توافرها لتعريف المدينة تركز على: 1 - أن يكون بلدًا جامعًا مع وجود سلطة قائمة عليه 2 - أن تقام فيه الحدود 3 - أن يقوم بنفقته وبجمع رستاقه.
5‏/10‏/2011 تم النشر بواسطة wadahujayli (wadah ujayli).
قد يهمك أيضًا
ماهي نظم المعلومات الجغرافية GIS ؟
اين تقع جبال طويق؟
هل هناك احد هنا يعرف نظم المعلومات الجغرافية اختصاراً GIS ؟؟
من اين اتت افكار الغرب عن الصناعات وما يشهدونه اليوم من تطور في جميع المجالات العلمية والصناعية ....؟
ماهو مقياس الرسم في رسم الخريطة الجغرافية ؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة