الرئيسية > السؤال
السؤال
ماذا تعرف عن الفلسفة الوجودية ؟
الفلسفة 16‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة هانى سويلم.
الإجابات
1 من 2
عبد الرحمن بدوي .. فيلسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام








تأليف: د. سعيد اللاوندي


الناشر: مركز الحضارة العربية ـ القاهرة 2001


الصفحات: 174صفحة من القطع المتوسط.





عبدالرحمن بدوي في سطور





ولد عبد الرحمن بدوي فى 4 فبراير 1917 لأسرة ارستقراطية في قرية شرباص بمحافظة دمياط في أقصى شمال دلتا مصر. كان ترتيبه الخامس عشر من بين 21 طفلا لوالده الذي تزوج زوجتين كانت أمه الثانية.


التحق بمدرسة سيد أفندي في قريته لمدة عامين قبل أن ينتظم في مدرسة فارسكور الابتدائية عام 1924.


في عام 1932 بدأت علاقته بالأدب الألماني في أعقاب حضوره لاحتفال بالذكرى المئوية الأولى للشاعر الألماني غوته فبدأ رحلة قراءة عن الأدب الألماني.


حصل على ليسانس الفلسفة عام 1938 وكان الأول على القسم وتم تعيينه معيدا ليبدأ رحلة الصعود الأكاديمي.


عين مستشارا ثقافيا لمصر بسويسرا عام 1956 ـ 1958 ثم استاذا بالسربون عام 1967 ثم بليبيا من 1967 ـ 1973 ثم بطهران من 1973 حتى 1974 ثم اعير الى الكويت لأكثر من 20 عاما غادرها الى باريس لتجاوزه سن التقاعد وظل قاطنا في فندق لوتيسيا بالحي السابع.


أصدر حوالي 200 كتاب كما يقول محمود أمين العالم ومن كتبه: نيتشه 1939، التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية عام 1940، اشبنجلر 1941، شوبنهور 1942، افلاطون 1942، خريف الفكر اليوناني 1943، الزمان الوجودي 1945، من تاريخ الالحاد في الاسلام 1945 ارسطو عند العرب 1947، الإنسانية والوجودية في الفكر العربي 1947، شخصيات قلقة في الاسلام 1947 رابعة العدوية 1948، شطحات صوفية 1949، منطق ارسطو 1949، روح الحضارة العربية 1949، الاشارات الالهية 1950، الحكمة الخالدة 1952، فن الشعر لارسطو 1953، البرهان لابن سينا 1954، عيون الحكمة لابن سينا 1954، الاصول اليونانية للنظريات السياسية في الاسلام 1955، أفلاطون عندالعرب 1955، مختار الحكم ومحاسن الكلم 1958.. ومن كتبه ايضا: الوجود والعدم 1965، المثالية الالمانية 1965 فن الشعر لابن سينا 1965، ابن عربي 1967، مذاهب الاسلاميين 1971 تاريخ التصوف الاسلامي 1975، الاخلاق عند كانط 1977 وغيرها.


هذا الكتاب يصيبك بنفور شديد وسريع من الدكتور عبد الرحمن بدوي الفيلسوف العربي الوحيد في القرن العشرين، وهو ليس رحلة في فكر الرجل بقدر ما هو رحلة معه، قام المؤلف بإعداد مادتها خلال عمله مراسلا في باريس لصحيفة «الأهرام» المصرية. ومن خلال صفحات الكتاب سوف تكتشف جوانب قد تكون مجهولة للكثيرين عن الطبائع الشخصية للفيلسوف الذي أفنى عمره كله في البحث الفلسفي وتأليف الكتب حتى تجاوزت مؤلفاته نحو مئة وعشرين كتابا يمكن أن تستوعب عناوينها المساحة المخصصة لهذا الموضوع، لعل أبرز هذه الطبائع هي الحدة الشديدة التي تسم أو كانت تسم شخصية الدكتور بدوي وهى حدة تفسر لنا ما أورده في كتابه الأخير عن سيرة حياته والذي نال من الجدال والهجوم ما لم ينله كتاب آخر بسبب اتساع نطاق من تعرضوا لهجوم قاس من بدوي على صفحات الكتاب، وهو أمر يكشف لنا من ناحية أخرى أن من تسرعوا في الهجوم على بدوي لم يفهموا طابعه وتصوروا ما كتبه آنذاك باعتباره هجوما على الثقافة المصرية. ومن المفارقات التي قد تبدو عجيبة هنا ما يشير اليه الكتاب من أن د. بدوي عرض نشر هذه المذكرات من خلال مؤسسة «الأهرام» فكان الرد بالرفض باعتبار ان دراسة الجدوى أشارت الى أن النشر لن يكون اقتصاديا وقد أثر ذلك في بدوي كثيرا وأعلن حسرته من أن بيروت ليست كحالها الذي كانت عليه وإلا لنشرها من خلالها وهو ما كان بالفعل، ويشير الى جوانب من الإحباط التى كان يعيشها بدوي بسبب عدم تقديره التقدير الكافي.


بداية يشير المؤلف الدكتور سعيد اللاوندي إلى ما قد يبدو مفارقة على مستواه الشخصي قد تكون مقبولة أو مبررة وقد تكون غير ذلك، المهم أنها تتمثل في أنه وهو الطالب في السوربون تعرف على فكر بدوي من خلال الدراسة متصورا أنه متوف رغم أن بدوي يعيش في باريس التي يدرس بها مؤلفنا! المهم أنه يتيه حبا وهياما به وبفكره وتسوقه الظروف الى معرفة أن الفيلسوف الكبير سوف يلقي محاضرة تنظمها اليونسكو فيسعد أيما سعادة بأن ذلك الفيلسوف الذي اعتبره في عداد الأموات حي يرزق ويمكن أن يلقاه. هنا نصادف مفارقة أخرى ولكن في شخصية الدكتور بدوي فحينما تقدم له مؤلفنا يعرفه بنفسه لم يجد بدوي سوى النظر له نظرة عدوانية ثم الإشاحة عنه بوجهه وإزاحته من طريقه ولكمه بيده! وحينما يتمكن اللاوندي من الوصول اليه بعد المحاضرة وتعريفه بنفسه لا يجد بدوي سوى القول له: أغرب عن وجهي لا تضيع وقتي. رغم ما يشير اليه ذلك إلا أنه قد لا يكون يلقي الكثير من الضوء على شخصية الدكتور بدوي غير أن ما يشير اليه المؤلف في بقية الكتاب يكشف عن الكثير مما قد يكون منفرا.


في أحد لقاءات المؤلف معه بأحد مقاهي باريس يتطرق الحديث الى أعمال الدكتور بدوي وهما كتاباه بالفرنسية : دفاع عن القرآن ضد منتقديه والثاني دفاع عن حياة محمد ضد الطاعنين فيها.. وعندما يبدي اللاوندي عدم معرفته بهما يصحبه الدكتور بدوي في عصبية متجها به الى إحدى المكتبات القريبة ويسحب أحد الكتابين طالبا منه شراءه!


وقد خاض الدكتور بدوي على ما يشير اللاوندي في الكتاب معارك عديدة يذكر بعضها وتكتشف من خلالها حدة طباع الدكتور بدوي فكل الناس عنده متهمون حتى ولو ثبت العكس.. فلدى سماعه ذكر المفكر الجزائري محمد أركون امتقع وجهه وأخذ يكيل له انتقادات لاذعة، فأركون ليس له من مهمة ـ من وجهة نظر بدوي ـ سوى تشويه التراث الإسلامي ثم يعدد الاتهامات التي تنال من أركون ومستواه الفكري ونزاهته العلمية، فهو ليس أكثر من تلميذ في مدرسة الاستشراق الاستعمارية الكبرى التي تضع نصب عينيها كهدف ثابت تشويه الإسلام والإساءة الى نبيه والطعن في قرآنه المجيد ثم هو يحيط نفسه بمزاعم معرفية لا أساس لها ولذلك يجهل الكثيرون الدراسات التي يتخصص فيها.


كما خاض بدوي معركة مع السوربون حيث راح يقلل من شأنها معتبرا أن الطلبة العرب الذين يفدون للدراسة بها إنما يضيعون وقتهم باعتبار أن السوربون بعد المستشرق ماسينون قد انحدر مستواها بشكل كبير. أما الدكتور فؤاد زكريا فقد كان له معركة بدأها بدوي بإشارته الى أن الغرب لا يريد أن يفهم من الإسلام إلا ما يفهمه هو وأنه لذلك لا يفسح المجال سوى لمؤلفات الكتاب العلمانيين دون غيرها ومن بينهم بالطبع دكتور زكريا. ورغم أن هذا الأمر يعد في دائرة الرأي والتي لا يمكن لوم الدكتور بدوي بشأنها إلا أن الدكتور زكريا اعتبرها مساسا به وراح يرد على ما اعتبره انتقادا له. ما يهمنا في هذا الرد هو ما يتعلق بالدكتور بدوي وهو رد عنيف من المستغرب أن يصدر عن الدكتور زكريا بكل ما هو معروف عنه من تغليب الحكمة. لقد تضمن الرد بعض جوانب شخصية الدكتور بدوي وهي جوانب سلبية خلص منها الى أن التوصيف الذي يمكن اطلاقه على بدوي هو أنه «كاره الناس» فبدوي.. حصان بري لم ينجح أحد في استئناسه! معتبرا أن هناك مشكلة في حياة هذا الرجل ـ يقصد بدوي ـ وهو يشير في هذا الصدد الى عدم زواجه باعتبار ذلك إما يشير الى مشكلة نفسية أو مشكلة عضوية! ويشير الى أن سبب خلافه مع بدوي يتمثل في ان الأول حاول أن يجعله يسير على نهجه ولكنه رفض، فضلا عن ذلك فقد كان بدوي يفترض الطاعة المطلقة من الناس أجمعين. ويذكر موقفاً له مع بدوي يعرب فيه عن دهشته ـ ولك أن تعرب أنت أيضا عن دهشتك ـ فذات مرة تصادف مغادرة الدكتور زكريا الجامعة فطلب منه الدكتور بدوي أن يستقل معه السيارة في طريقه.


وهنا أخذ زكريا يلومه على تقرير ضده مضيفا ويبدو أن لا مبالاته دعتني أن احتد معه في المناقشة وكنت أخبط بيدي غيظا على عجلة القيادة فخشي د. بدوي أن اصطدم في شيء في الطريق وانا على هذا الحال من الغضب فكان يرجوني أن أهدأ ولم يعتذر عما فعل كما لم يطلب أن أتركه في الطريق وهو ما يكشف بجلاء ـ حسب زكريا ـ عن حدود أنانية بدوي البشعة فهو قد فعل ما فعل وليس لي ـ زكريا ـ سوى الرضوخ ثم هو يريد أن يصل الى المكان الذي يريده مهما كان الثمن غير آبه بغضبي أو ثورتي!


وقد ترك هذا الموقف والخلاف بينهما آثاره على تقييمه للدكتور بدوي، فهذا الأخير بالنسبة لزكريا ليس فيلسوفا وإنما هو مجرد محقق ومترجم وهو يفتقر الى القدرة الابتكارية ففي أي مجلس خاص وبعيدا عن المراجع كان يقدم أراء سخيفة وتافهة ـ هكذا يقول زكريا ـ تتسم بالجهل وضحالة التفكير!! ويصل التشكيك الى مداه من قبل زكريا فيشير الى أنه حتى بالنسبة لكتابات بدوي الاسلامية والتي يدافع فيها عن الإسلام فهي ليست سوى وسيلة منه لنيل جائزة الملك فيصل التي كان يضع عينه عليها - والكلام مازال لزكريا - ولايتطلب الأمر أن نشير هنا الى أن هذه الانتقادات التي تصل الى حد تسفيه جهود الكبار من العلماء والفلاسفة ليست جديدة على فكرنا العربي فقد سبق واتهم الكثيرون الغزالي مثلا بأنه الممثل الرسمي لبداية الإنحطاط في الفكر العربي الاسلامي كما اتهم أخرون من بينهم عابد الجابري الفيلسوف الرئيس ابن سينا بأنه المعبر عن المرحلة الظلامية في هذا الفكر، لكن المشكلة هذه المرة تأتي من أن إنتقاد الدكتور زكريا إنما يأتي على خلفية خلافات شخصية وهو ما يقلل من القيمة العلمية لهذه الشهادة ويدخلها في دائرة شخصنة الخلاف الفكري. . ونفس الأمر يظهر في الكتاب وهو ما يشير الى أن نفس الموقف الذي اتخذه بدوي تجاه أخرين أرتد عليه، فقد راح الفيلسوف الكبير في حوار مع المؤلف الدكتور سعيد اللاوندي يوجه اتهامات متعددة وشكوك لأدب وفكر عباس العقاد مؤكدا أن العقاد لم يقدم شيئاً للفكر العربي مستندا الى رأي لصادق الرافعي ليؤكد به على سطحية العقاد وضحالة ثقافته. صحيح أنه لا يجب أن يكون لنا مقدسات فكرية نرى أنها ينبغي ألا تمس إلا أن أسلوب التحقير والحط من شأن مفكرينا يجب ألا يكون أيضا منهجا.


وعلى حد ما يذكر شقيق الفيلسوف فإن خوف بدوي من الناس وانعدام ثقته فيهم دفعه الى حالة من البخل الأليم في الأموال والمشاعر ومن هنا فهو ـ د. ثروت ـ لم ير أخاه بدوي استقبل ضيفا واحدا في شقته بشارع همدان في الجيزة خلال فترة إقامتهم معه، وهو يحاول أن يبرر هذا البخل بحرص بدوي على عدم إضاعة وقته! فبدوي الفيلسوف ـ على حد ما يذكر شقيقه ـ لم يكن يضيع وقتا في غير القراءة حتى في إجازات الأعياد عندما كان يذهب الى شرباص كان يحمل كتبه معه ويظل يقرأ ليلا ونهارا. ويحاول د. ثروت أن يبرر موقف أخيه من ثورة يوليو فيشير الى أنه ليس بسبب أن الثورة صادرت أرض أسرته وإنما بسبب الوشايات التي جاءت من الحاقدين عليه بعد التقديم الشهير الذي اطلقه عليه الدكتور طه حسين والذي قال فيه عقب حصول الدكتور عبدالرحمن على درجة الدكتوراه حيث قال: للمرة الأولى نشاهد فيلسوفا مصريا. وهنا يذكر د. ثروت أن الوشاية لدى الوزير كمال الدين حسين كانت سببا في غضبه على الثورة ورجالها ونهاية لعمله مستشارا في سويسرا.


الوحيد الذي نال استحسان بدوي هو توفيق الحكيم والذي كان نصيبه توصيف بدوي له بأنه كان من أخلص اصدقائه مع الإشارة الى ذكرياتهما.


ويبدو التحول في فكر الرجل بشكل ذي دلالة مما يشير اليه المؤلف من أسى فيلسوفنا الكبير بقوله له لدى اشارته الى ألاف الكتب المرصوصة فوق الرفوف أنه بين هذه الكتب توجد العشرات التي تقطر سما على الاسلام والمسلمين فأين نحن منها ؟ ولأنه يدرك الواقع يجيب على نفسه بالعامية اللبنانية قائلا: لاهون ولاهون! وهو يضيف في هذا الشأن عبارة ذات دلالة تعبر عن فكر رجل مهموم بالفكر: إن أحدا لا يهتم بالاسلام، إنهم ينفقون الأموال يمينا ويسارا ويتركون الميدان الاسلامي في البحث والفكر لكل من هب ودب، لا يريدون الاعتراف بخطي الاسلامي لأني اختلف عنهم في تحليلي ومذهبي وعقلانيتي والمؤسف أن الكتابة في الإسلام أصبحت حكرا على ذوي الخط الأعوج!


وبغض النظر عن كل ما سبق من طباع وجوانب شخصية فإن ما سيبقى من بدوي هو ما تركه لنا من أعمال تعد مرجعا أساسيا لكل من يريد أن يدرس الفلسفة سواء الغربية أم الاسلامية.. فالرجل على حد ما يقدم نفسه كان يناضل على جبهتين جبهة الفلسفة العامة بما فيها الفلسفة الوجودية وجبهة الفكر الاسلامي.. وقد أدركه القدر قبل أن يتم مشروع طموح خاصاً لاعداد دراسة نقدية لكل الترجمات الفرنسية التي صدرت للقرآن الكريم في السنوات العشر الأخيرة، ولعله يوجد من يتقدم للقيام بهذه المهمة.

أبو يحى غير متصل قديم 06-03-2005 , 03:22 PM   الرد مع إقتباس
أبو يحى
عرض الملف الشخصي العام
إرسال رسالة خاصة إلى أبو يحى
قم بزيارة الصفحة الشخصية لـ أبو يحى !
إيجاد جميع المشاركات لـ أبو يحى
إضافة أبو يحى إلى قائمة الأصدقاء لديك
أبو يحى أبو يحى غير متصل    
عضو نشيط جداً  
المشاركات: 361
#5  

بدوي المغترب .. أهم عقل فلسفي انتجه الفكر العربي المعاصر











اذا كان كاتبنا الكبير يحيى حقي ضاق من أشهر أعماله قنديل أم هاشم حيث أن اسمه لا يكاد يذكر إلا ويذكر معه هذا العمل، فإنه من المؤكد أن شيئا من هذا القبيل أو هذا الإحساس كان ينتاب فيلسوفنا الكبير ايضا الراحل الدكتور عبد الرحمن بدوي فاسم الفيلسوف الكبير لا يكاد يذكر إلا ويتم الإشارة إلى عمله الأخير سيرة حياتي الذي صدر منذ نحو عامين في جزئين وكأنه لم يكتب غيره رغم أنه عالج قضايا متنوعة تندرج تحت عنوان شامل هو الفلسفة الانسانية. لا نبالغ اذا قلنا ان عبد الرحمن بدوي نفسه لم يفرض نفسه على الساحة العامة وأن تأثيره والتفاعل معه فكريا أو فلسفيا كان قاصرا على القريبين منه حتى أن من كان يقرأ عنه أو له كان يتصور أنه متوفى وأبلغ دليل على ما نقول ما يشير اليه الدكتور سعيد اللاوندي الذي نعرض لكتابه عن عبدالرحمن بدوي في الصفحة المقابلة.





عبد الرحمن بدوي ككل سواء في شقه الفلسفي أو الانساني يعد من أكثر الشخصيات التي عرفناها اثارة للجدل حول طبيعتها بما يدرجه كظاهرة استثنائية ـ دون أن يحمل هذا التوصيف معنى إيجابيا أو سلبيا ـ في تاريخنا الفكري المعاصر. وان كنا نتحفظ هنا مشيرين إلى أن هذا الجدل مرتبط بالسنوات الأخيرة فقط من عمر الفيلسوف الراحل. ويؤدي بنا هذا إلى تقديم تفسير لمذكرات بدوي قد يراه البعض غريبا إلا أنه يعبر في رأينا عن جوهر مشكلة الرجل ألا وهو أن الكتاب أو السيرة الذاتية التي قدمها إنما تعد في جانب منها بمثابة حجر أو أحجار أراد أن يلقيها في وجوهنا بعد أن فاض به الكيل لأننا لم نقدره التقدير الكافي إزاء ما يرى أنه قدمه للفكر الإنساني بشكل عام والعربي بشكل خاص على مدى سنوات عمره.


إن أول ما يلفت النظر في شخصية بدوي هو إدمانه للقراءة والتحصيل والإبداع العلمي وهو إدمان قل أن تجد مثيله، فالرجل منذ الصغر حدد لنفسه هدفا ثابتا لم ينجح أحد في أن يجعله يحيد عنه ألا وهو قراءة كل ما تقع عليه عيناه في مجال حدده هو بنفسه وقد أفني عمره بأكمله مخلصا لهدفه، ولم تفلح جهود الأسرة في إثنائه عن ذلك وإقناعه بالزواج حيث كان يرى أن الزواج وتكوين أسرة بمثابة معوق له عن أداء رسالته وهو ما يضعف مما ذهب اليه الدكتور فؤاد زكريا من أن عدم زواجه إنما يعود إلى مشكلة عضوية أو نفسية فقد أشار الدكتور بدوي نفسه في سيرة حياته إلى علاقات له تقوض من هذا الطرح وهو ما لا نرى ضرورة للدخول في تفاصيله. ويعزز هذا ما طرحه البعض من أنه ضحى بأولوياته الإنسانية من زواج وأبوة من أجل رسالته العلمية، وهذا نموذج انساني نادر ينم عن جوع وعطش لا يرتوي إلى العلم والثقافة.


ويبدو هنا أنه كان متأثرا بالفيلسوف الألماني كانت. وكما يبدو من سيرة حياة بدوي فإنه لم يعرف عنه أي نشاط خارج نطاق عمله في التأليف والتدريس وقد أثمر كل هذا انتاجا فلسفيا تعجز أن تقدمه مؤسسات علمية ومراكز أبحاث متخصصة. وتفسر هذه المسيرة الحياتية لبدوي جانبا كبيرا من صفاته الشخصية فهو ممن تنطبق عليهم بحق وليس مجرد مجازا مقولة أنه كان يعيش في برج عاجي فأدت حياته بين الكتب إلى احساسه بامكانية الاستغناء عن الناس، فضلا عن قدر غير قليل من النرجسية جعلته في نظر نفسه، على حد ما يذكر الدكتور حسن حنفي، الفيلسوف الأوحد والمفكر الأوحد والمحقق الاوحد، سواه ليس ثم من أحد، وسوى عمله ليس ثم من عمل. وهو تحليل يتسم بالدقة لشخصية بدوي والتي يمكن أن تتلمسها من قراءة سيرة حياته. ومن الأمور الملفتة للنظر وذات الدلالة في هذا الخصوص ما يذكره حنفي من أنه في موسوعة الدكتور بدوي للفلسفة تشغل مادة بدوي التي كتبها عن نفسه 52 صفحة بينما تشغل مادة سقراط صفحتين فقط وبرجسون صفحتين وديكارت 11 صفحة ولا يفوقه إلا ارسطو 53 صفحة وأفلاطون 73 صفحة! ومما يذكره أنيس منصور في هذا الشأن أن أحد الطلبة راح يسأل الدكتور بدوي عن علي عبدالواحد وافي وكانوا يعتبرونه أستاذ الأساتذة فكان رده أنه ولا حاجة . ثم سأله طالب أخر عن لطفي السيد فكان رده مماثلا، وهنا يقول أنيس إن ما عرفناه بعد ذلك أن احدا ولا حاجة عند عبد الرحمن بدوي!!


ورغم صعوبة الفصل بين العام والخاص في حياة بدوي، إلا أن هذا هو المطلوب، فما سيبقى من بدوي للأجيال المقبلة، وللإنسانية بشكل عام هو فكره وليس حياته الشخصية، واذا كان ذلك لا يعني عدم وجوب الخوض في سيرته فإن ذلك إنما يتطلب التركيز على تقييم ما قدمه من فكر وانتاج فلسفي في نحو أكثر من 120 كتابا. وهنا فإنه من الغريب أن ينزلق البعض إلى أحاديث تتناول جوانب تعد تشهيرا بالرجل ونخص بالذكر الدكتور فؤاد زكريا والذي يجعلنا لا نتردد لحظة في التأكيد على أن رؤيته للدكتور بدوي إنما تنطلق في جانب كبير منها انطلاقا من خلافه الشخصي معه، وهذه من كوارث الحقل الثقافي العربي. ونذكر هنا واقعة مضادة لما ذكره الدكتور فؤاد زكريا بشأن أنانية بدوي وإصراره على أن يقوم زكريا بتوصيله مهما كان الثمن فنشير الى أن الطيب صالح يذكر أنه تصادف أن وجد بدوي ينتظر تاكسي في باريس وكان هو في سيارته فاتجه نحوه وتوقف ودعاه ليركب معه فرفض بدوي ذلك وقال: لا أركب مع واحد شيوعي! كما يبدو غريبا ايضا استطرادا لمقولة حب بدوي للمال ـ وهي مقولة لا تخلو من صحة ـ أن يختزل البعض كتاباته الإسلامية الأخيرة المتمثلة في كتابيه الدفاع عن القرآن والنبي «صلى الله عليه وسلم» في رغبته الحصول على المال وهي التهمة التي وجهها الدكتور حسن حنفي لبدوي مشيرا الى أن تأليف الكتابين جاء استجابة لعرض من دار نشر فرنسية بدعم مالي من ليبيا أو كما ذهب الدكتور فؤاد زكريا من أنه كان يضع عينه على القيمة المادية لجائزة الملك فيصل، ويبدو لنا هذا التوجه في تفسير فكر بدوي مخلا وغير منصف ومجاف للحقيقة . قد يكون مما أدى الى هذا الطرح قبول بدوي للقيمة المادية لجائزة مبارك مع رفضه في الوقت ذاته السفر الى مصر لتسلمها، وهو ما يعني أن كل ما يهمه إنما هو المال!


يبقى أننا قد نختلف على تقييم اسهامات بدوي غير أنه من الظلم أن ننكر له هذه الاسهامات ونهبط الى مستوى اللاشيء وهو أمر ذهب اليه البعض وهو ما قد يفسر، في رأينا، في كونه رد فعل من المثقفين المصريين حيال عنجهية بدوي والتي تعبر عنها رؤاه التي قدمها في سيرة حياته، حتى أن البعض راح يصفه بأنه رجل شتام في حين أبدى آخرون استغرابهم من كيف اختزن بدوي أحقاده كل هذه السنوات ليبثها مرة واحدة في سيرة حياته حيث أنه لدى روايته لأحداث مضى عليها عقود تبدو لك طازجة وكأنها وقعت بالأمس.


وفي المحصلة العامة لنتاجه الفكري والفلسفي نرى أن بدوي قدم الكثير بما يجعله، على حد وصف السيد ولد أباه، أهم عقل انتجته الفلسفة العربية في العصر الحاضر. لقد قدم بدوي اسهامات متنوعة في الفلسفة، فقدم لنا الفلسفة الإسلامية بكافة تنويعاتها وكذلك الفلسفة الغربية منذ فجرها الإغريقي حتى عصرها الحديث. ورغم أن البعض يحاول التقليل من قيمة ما قدمه باعتبار أن أغلبه إنما يتركز على الترجمة، فإنه فضلا عما في ذلك من مغالطة، فإنه إنما يعبر عن رؤية خاطئة، فالحضارة الإسلامية إنما قامت في أحد أعمدتها على الترجمة من الفكر اليوناني كما أن النهضة الأوروبية الحديثة إنما قامت في أهم جوانبها على الترجمة عن الفكر العربي الاسلامي ممثلا في ابن رشد وغيره. ولعله ما يكفي بدوي أنه قدم لنا تاريخ كل الفلسفات وقد اصبحت كتاباته في هذا الصدد مرجعا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه لأي دارس للفلسفة، هذا فضلا عن غوصه في بحار الاستشراق وتقديمه قراءة نقدية لدراساتهم الإسلامية تكشف زيف الكثير مما ذهبوا اليه، فاستطاع بدوي، كما يقول الدكتور أنور عبد الملك، بإنتاجه ذاك أن يرتفع بلواء الفكر الفلسفي في عصرنا الى مستوى ما كان عليه في عصر ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن خلدون.


لا يعني ذلك أنه لا توجد مثالب بشأن انتاج الدكتور بدوي، فكما ترد عليه الكثير من الانتقادات بشأن طبائعه الشخصية، فإن هناك الكثير من الانتقادات التي يمكن أن ترد على فكره بما يحد من الهالة الضخمة التي تحيط بما قدمه. فمع تقدير غزارة الانتاج، إلا أن ذلك لا يعني الجودة وإن كان لا يعني في الوقت ذاته انعدام القيمة. ما نود التأكيد عليه هو ضرورة وضع فكر بدوي في اطاره الموضوعي. ورغم كل ما سبق الإشارة اليه بشأن رهبانيته العلمية إلا أن بدوي لم يكمل مشروعه الفلسفي فهو من ناحية لم يستطع، على حد ما تذهب اليه بعض الأراء، أن يبلور فلسفة تنسب اليه كعربي. ورغم أنه هو الذي قدم الوجودية لعالمنا العربي بما جعلها رافدا في تكوين غالبية المثقفين العرب من خلال اطروحتى الماجستير «مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية» والدكتوراه عن «الزمان الوجودي» إلا انه هو نفسه يشير الى أنه لم يستكمل مشروعه الفلسفي وهو ما يفرض التساؤل حول السبب في ذلك، وما الذي يمكن أن يشغل فيلسوفاً عن مشروعه الفلسفي خاصة اذا كان من نوعية بدوي لم يكن هناك ما يشغله في حياته سوى العلم. ولماذا تضاءلت تأثيرات المذهب الوجودي في فكره وكتاباته فيما بعد عقدي الأربعينات والخسمينات؟ وبماذا يمكن تفسير ذلك التحول في فكر الرجل نحو الدفاع عن الإسلام وهو أمر يشكل استمرارية مع جيل الرواد في النصف الأول من القرن العشرين أمثال محمد حسين هيكل وطه حسين وغيرهما ؟ وهل يمكن أن تمثل مقولته بأنه يناضل على جبهتين هما جبهة الفلسفة العامة وجبهة الفكر الاسلامي إجابة لمثل هذا السؤال؟


إن بدوي بحق كان شخصية مثيرة للجدل والجانب الشخصي فيه كان اكثر إثارة من فكره وتطرح حياته بما قدمه من انتاج وبما اتسم به من طبائع غريبة الكثير من التساؤلات حول طبيعته وتكوينه، فالرجل الذي استوعب جميع التيارات الفكرية والفلسفية لم يستطع أن يستوعب مواقف آخرين رأى أنها تمس به، وأستاذ الأجيال الذي راح ينشر علمه على الجميع من خلال كتبه لم يستطع أن يستفيد من علمه في تهذيب طبائعه تجاه الآخرين، والفيلسوف الذي بدأ اتجاها فلسفيا مرميا بالإلحاد عززه هو نفسه بالكتابة عن تاريخ الإلحاد في الإسلام أنهى حياته بتقديم كتابات تدافع عن الإسلام، إنه أستاذ الجمع بين المتناقضات ولعله من هنا يأتي الجدل المثار حوله.


وفي النهاية تبقى كلمة.. إن ما قدمه بدوي من إنتاج إنما يغفر له كل الإساءات وهو الأساس الذي ينبغي أن يكون معيار حكمنا عليه، وألا نكون نمارس نفس الخطيئة التي نلومه على أخفاقه في تجنبها.. خطيئة الإساءة للآخرين.
16‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة MR.SpiDer.
2 من 2
كل حدث يجب ان يكون له محدث وكل سبب يجب ان يكون له مسبب ولا لامكن وجود عله دون معلول وهذا محال     الحدث هو المخلوقات والكون المحدث هو الله
16‏/10‏/2009 تم النشر بواسطة philosopher.
قد يهمك أيضًا
ما معنى الوجودية الكونية
ماهو علم الفلسفة؟
مامعنى الفلسفة؟
هل تتعارض الفلسفة مع الإسلام أم لا ..؟
تسجيل الدخول
عرض إجابات Google في:: Mobile | كلاسيكي
©2014 Google - سياسة الخصوصية - مساعدة